الرابعة : أشار الزركشي ( ت : 794 هـ ) أنه قد كثر في القرآن الكريم ختم كلمة المقطع من الفاصلة بحروف المد واللين وإلحاق النون ، وحكمته وجود التمكن من التطريب (1) .
وحكى سيبويه ( ت : 180 هـ ) عن العرب أنهم إذا ما ترنموا فإنهم يلحقون الألف والواو والياء ، ما ينون ، وما لا ينون ، لأنهم أرادوا مدّ الصوت (2) . وورود النون بعد حروف المدّ متواكبة في القرآن حتى عاد ذلك سراً صوتياً متجلياً في جزء كبير من فواصل آيات سوره ، ونشير على سبيل النموذج الصوتي لكل حرف من حروف المدّ تليه النون بمثال واحد .
1 ـ وردت الألف مقترنة بالنون في منحنى كبير من فواصل سورة الرحمان على نحوين :
الأول : وردهما متقاطرين ، وهما ـ أي الألف والنون ـ من أصل الكلمات كما في قوله تعالى :
( الرحمان * علم القرءان * خلق الانسان * علّمه البيان * الشمس والقمر بحسبان ) (3) .
الثاني : وردهما متقاطرين ، وهما ـ أي الألف والنون ـ ملحقان بالكلمة علامة للرفع ودلالة على التثنية كما في قوله تعالى : ( مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان * فبأي ءالاء ربكما تكذبان ) (4) .
ويتحقق في النحوين مدّ الصوت تحقيقاً للترنم .
2 ـ وردت الياء مقترنة بالنون في أبعاد كثيرة من فواصل الآيات القرآنية ، ففيما اقتص الله من خبر نوح عليه السلام قال تعالى : ( فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد الله الذي نجانا من القوم الظالمين * وقل رب أنزلني منزلا
____________
(1) ظ : الزركشي ، البرهان : 1|68 .
(2) سيبويه ، الكتاب : 2|298 .
(3) الرحمن : 1 ـ 5 .
(4) الرحمن : 19 ـ 21 .

( 156 )

مباركاً وأنت خير المنزلين * إن في ذلك لأيات وإن كنا لمبتلين * ثم أنشأنا من بعدهم قرنًا ءاخرين ) (1) .
والطريف ان سورة المؤمنين تتعاقب وواصلها الياء والنون أو الواو والنون ، شأنها في ذلك شأن جملة من سور القرآن ، فكأنها جميعا تعنى بهذا الملحظ الدقيق .
3 ـ وردت الواو مقترنة بالنون في أجزاء عديدة ومتنوعة من فواصل طائفة كبيرة من السور، فسورة الشعراء فيها تعاقب كبير على الياء والنون مضافاً إليه التعاقب على الواو والنون موضع الشاهد كما في قوله تعالى :
( إن هؤلآء لشرذمة قليلون * وإنهم لنا لغائظون * وإنا لجميع حاذرون* فأخرجناهم من جنات وعيون ) (2) .
إن ما أبداه الزركشي من ختم كلمة مقطع الفواصل بحروف المد واللين وإلحاق النون ، ليس بالضرورة للتمكن من التطريب ، ولكنه يشكل ظاهرة بارزة في صيغ تعامل القرآن الكريم مع هذه الحروف مقترنة بالنون ، وقد يخفى علينا السبب ، ويغيب عنا جوهر المراد ، ومع ذلك فهو ملحظ متحقق الورود .

الإيقاع الصوتي في موسيقى الفواصل :
هناك سمات إيقاعية في سياق فواصل الآيات ، ومن خلال عبارات الجمل والفقرات التي ارتبطت بنسق جمهرة من آيات القرآن المجيد ، نجم عنهما كثير من الاشكال في التفسير لوجودها مجارية لزنة جملة من بحور الشعر ، وبدأ محرّرو علوم القرآن ، يتصدرون للدفاع عن ذلك حيناً ، ولتفسيره كلامياً واحتجاجياً بلغة الجدل حيناً آخر ، ولو أنهم عمدوا إلى ربط مثل هذه الظواهر بالإيقاع الصوتي لكان ذلك رداً مفحماً ، ولو فسروها صوتياً لارتفع الإشكال وتلاشى .
القرآن كلام الله فحسب ، ليس من جنس النثر في صنوفه وإن اشتمل
____________
(1) المؤمنون : 28 ـ 31 .
(2) الشعراء : 54 ـ 57 .

( 157 )

على ذروة مميزاته العليا ، ولم يكن ضرباً من الشعر وإن ضم بين دفتيه أوزان الشعر جميعاً ( وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون * تنزيل من رب العالمين ) (1) .
فهو ليس من سنخ ما يتقولون ، ولا بنسيج ما يتعارفون ، ارتفع بلفظه ومعناه ، وطبيعته الفنية الفريدة ، عن مستوى الفن القولي عند العرب ، فالمقولة بأنه شعر باطلة من عدّة وجوه :
الأول : التـأكيد في القرآن نفسه بنفي صفة الشعر عنه ، والتوجيه بأنه ذكر و قرآن مبين بقوله تعالى :
( وما علّمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرءان منين ) (2) .
الثاني : الردّ في القرآن على دعوى القول بأن النبي شاعر ، وأن القرآن منه في ثلاثة مواطن :
1ـ الملحظ الافترائي الموجه إليه ، والمعبر عن حيرة المشركين :
( بل قالوا اضغاث احلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بأية كما أرسل الأولون ) (3) .
2 ـ التعصب الأعمى للآلهة المزعومة دون وعي ، وبكل إصرار بافتعال الادعاء الكاذب :
( ويقولون أئنا لتاركوا ءالهتنا لشاعر مجنون ) (4) .
3 ـ التربص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتوقع الموت له ، بزعمهم أن سيموت شعره المفترض معه !!
( أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ) (5) .
الثالث : إن العرب لو اعتقدوا أن القرآن شعر لأسرعوا إلى معارضته من قبل شعرائهم ، فالشعر ديوان العرب ، وقصائدهم معلقة بالكعبة تعبيراً عن اعتدادهم بالشعر ، واعتزازهم بالشعراء ، وهم أئمة البيان ورجال
____________
(1) الحاقة : 41 ـ 43 .
(2) ياسين : 69 .
(3) الأنبياء : 5 .
(4) الصافات : 36 .
(5) الطور : 30 .

( 158 )

الفصاحة ، ولكنها مغالطة واضحة « ولو كان ذلك لكانت النفوس تتشوق إلى معارضته ، لأن طريق الشعر غير مستصعب على أهل الزمان الواحد ، وأهله يتقاربون فيه ، أو يضربون فيه بسهم »(1).
الرابع : إن الشعر إنما يقصد إليه بذاته فينظم مع إرادة ذلك ، ولا يتفق اتفاقاً أن يقول أحدهم كلاماً فيأتي موزوناً ، فالشعر « إنما ينطلق متى قصد إليه على الطريق التي تعمد وتسلك ، ولا يصح أن يتفق مثله إلا من الشعراء دون ما يستوي فيه العامي والجاهل والعالم بالشعر واللسان وتصرفه ، وما يتفق من كل واحد ، فليس بشعر فلا يسمى صاحبه شاعراً ، وإلا لكان الناس كلهم شعراء ، لأن كل متكلم لا ينفك أن يعرض في جملة كلامه ما يتزن بوزن الشعر وينتظم بانتظامه » (2) .
سقنا هذا في حيثية تنزيه القرآن عن سمة الشعر وصفته ، لأنه قد وجد فيه ما وافق شعراً موزوناً ، وما يدريك فلعل القرآن يريد أن يقول للعرب : إن هذا الشعر الذي تتفاخرون به ، نحن نحيطكم علماً بأوزانه على سبيل الأمثلة لتعتبروا بسوقها سياق القرآن في صدقه وأمانته ، ولا غرابة أن يكون القرآن يريد أن ينحو الشاعر بشعره منحى الحق والصرامة والفضيلة والصدق ، ومع هذا وذاك فما ورد من الموزون فيه جار على سنن العرب في كلامها ، إذ قد يتفق الموزون ضمن المنثور ، بلا إرادة للموزون ، ولا تغيير للمنظوم . فقد حكى الزركشي ( ت : 794 هـ ) أن إعرابياً سمع قارئاً يقرأ : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) (3) .
فقال كسرت ، إنما قال :
يـا أيـها النـاس اتـقوا ربـكم * زلـزلـة الـسـاعة شـيء عـظـيم
فقيل له : هذا القرآن ، وليس الشعر (4) .
فاعتقده لأول مرة شعراً فحذف « أن » ليستقيم الوزن فيما عنده . ولو قلنا بالإيقاع الصوتي ، وفسرنا الورود البياني لهذا المظهر الموزون بمجانسة
____________
(1) الباقلاني ، إعجاز القرآن : 82 .
(2) المصدر نفسه : 83 .
(3) الحج : 1 .
(4) الزركشي ، البرهان : 2|116 .

( 159 )

الأصوات ، وقارنّا عن كثب بمناسبة الصوت للصوت ، وملاءمة النطق بالحروف ، ومتابعة الأذن للموسيقى ، والسمع للنبر والتنغيم ، زيادة على ما تقدم لكنا قد أحسنّا التعليل فيما يبدو، أو توصلنا في الأقل إلى بعض الوجوه المحتملة ، أو الفوائد الصوتية المترتبة على هذا المعلم الواضح ، والله أعلم .
وقد يقال بأن هذا المعلم إنما ينطبق على أجزاء من الآيات لا الفاصلة وحدها ، فيقال حينئذ بأن وجود الفاصلة في هذه الأجزاء من الآيات هو الذي جعل جملة هذا الكلام موزوناً ، فبدونها ينفرط نظام هذا السلك ، وينحل عقد هذا الابرام لهذا نسبنا أن يكون الحديث عن هذا الملحظ ضمن هذا البحث .
ومهما يكن من أمر ، فإن ورود ما ورد من هذا القبيل في القرآن ينظر فيه إلى غرضه الفني مضافاً إلى الغرض التشريعي ، وهما به متعانقان .
إننا بين يدي مخزون ثر في هذا الرصد ، ننظره وكأننا نلمسه ، ونتحسسه وكأننا نحيا به ، فحينما نستمع خاشعين إلى صيغة موزونة منتظمة بقوله تعالى : ( إنّا اعطيناك الكوثر ) (1) . فإننا نتعامل مع وقع خاص بذكرنا بالعطاء غير المحدود للنبي الكريم ، وحينما نستمع ـ موزوناً ـ إلى قوله تعالى : ( هيهات هيهات لما توعدون ) (2) . تصك أسماعنا بلغة الوعيد ، فنخشع القلوب ، وتتحسس الأفئدة .
وحينما نستمع ـ موزوناً ـ إلى قوله تعالى : ( وذلّلت قطوفها تذليلاً ) (3) . نستبشر من الأعماق بهذا المناخ الهادي ، ونستشعر هذا النعيم السرمدي بإيقاع يأخذ بمجامع القلوب ، ويشد إليه المشاعر .
وحينما نستمع ـ موزوناً ـ إلى قوله تعالى : ( تبت يدآ أبي لهب ) (4) . يقرع أسماعنا هذا المصير الشديد العاتي ، فيستظهره السامع دون جهد ، ويجري مجرى الأمثال في إفادة عبرتها وحجتها . وحينما نستمع حالمين
____________
(1) الكوثر : 1 .
(2) المؤمنون : 36 .
(3) الدهر ( الإنسان ) : 14 .
(4) المسد : 1 .

( 160 )

إلى قوله تعالى : ( ومن الليل فسبحه وأدبار السّجود ) (1) . فإننا نستشعر هذا الأمر بقلوبنا قبل الأسماع ، هادئاً ناعماً متناسقاً ، وهو يدعو إلى تسبيح الله وتقديسه آناء الليل وأطرف النهار .
وحينما نستمع إلى قوله تعالى : ( نصر من الله وفتح قريب ) (2) . فإن العزائم تهب على هذا الصوت المدوي ، بإعلان النصر لنبيه ، والفتح أمام زحفه ، فتعم البشائر ، وتتعالى البهجة .
وحينما نستمع إلى قوله تعالى : ( لن تنالوا البّر حتا تنفقوا ممّا تحبّون ) (3) . فالصوت الرفيق هذا يمس الاسماع مساً رفيقاً حيناً ، ويوقظ الضمائر من غفلتها حيناً آخر ، وهو يستدر كرم المخائل ، ويوجه مسيرة التعاطف ، ويسدد مراصد الانفاق ، والمسلم الحقيقي يسعى إلى البر الواقعي فأين مواطنه ؟ إنه الانفاق مما يحب ، والعطاء مما يحدب عليه ، والفضل بأعز الأشياء لديه ، وبذلك ينال البر الذي ما فوقه بر.
وحينما نستمع إلى قوله تعالى : ( أرءيت الذي يكذب بالدين * فذلك الذي يدع اليتيم ) (4) . وتمد الفتحة لتكون ألف إطلاق ، وتصبح في غير القرآن ( اليتيما ) فإنك تقف عند بحر الخفيف من الشعر ، وهو من الأوزان الراقصة ، تقف عند صرخة مدوّية ، وجلجلة متأججة تقارن بين التكذيب بيوم القيامة ، وبين دع اليتيم في معاملته بخشونة وصده بجفاف وغلظة .
هذه النماذج الخيرة التي تبركنا بإيرادها ، والتي تنبه من الغفوة والغفلة ، وتدفع إلى الاعتبار والعظة ، وتزيد من البصيرة والتدبر ، قد أضفى عليها الملحظ الصوتي موسيقاه الخاصة ، فعاد القول بصوتيتها من جملة أسرارها الجمالية ، والتأكيد على تناغمها الإيقاعي من أبرز ملامحها الفنية .

هذه ميزة ناصعة من مزايا فواصل الآيات باعتبار العبارات .
____________
(1) ق : 40 .
(2) الصف : 13 .
(3) آل عمران : 92 .
(4) الماعون : 1 ـ 2 .

( 161 )

الفصل السادس
الدلالة الصوتية في القرآن


1 ـ مظاهر الدلالة الصوتية
2 ـ دلالة الفزع الهائل
3 ـ الإغراق في مدّ الصوت واستطالته
4 ـ الصيغة الصوتية الواحدة
5 ـ دلالة الصدى الحالم
6 ـ دلالة النغم الصارم
7 ـ الصوت بين الشدة واللين
8 ـ الألفاظ دالة على الأصوات
9 ـ اللفظ المناسب للصوت المناسب


( 162 )


( 163 )

مظاهرالدلالة الصوتية :
انصبت عناية القرآن العظيم بالاهتمام في إذكاء حرارة الكلمة عند العرب ، وتوهج العبارة في منظار حياتهم ، وحدب البيان القرآني على تحقيق موسيقى اللفظ في جمله ، وتناغم الحروف في تركيبه ، وتعادل الوحدات الصوتية في مقاطعه ، فكانت مخارج الكلمات متوازنة النبرات ، وتراكيب البيان متلائمة الأصوات ، فاختار لكل حالة مرادة ألفاظها الخاصة التي لا يمكن أن تستبدل بغيرها ، فجاء كل لفظ متناسباً مع صورته الذهنية من وجه ، ومع دلالته السمعية من وجه آخر ، فالذي يستلذه السمع ، وتسيغه النفس ، وتقبل عليه العاطفة هو المتحقّق في العذوبة والرقة ، والذي يشرأب له العنق ، وتتوجس منه النفس هو المتحقق في الزجر والشدة ، وهنا ينبه القرآن المشاعر الداخلية عند الإنسان في إثارة الانفعال المترتب على مناخ الألفاظ المختارة في مواقعها فيما تشيعه من تأثير نفسي معين سلباً وأيجاباً .
وبيان القرآن المجيد تلمح فيه الفروق بين مجموعة هذه الأصوات في إيقاعها ، والتي كونت كلمة معين في النص ، وبين تلك الأصوات التي كونت كلمة أخرى ؛ وتتعرف فيه على ما يوحيه كل لفظ من صورة سمعية صارخة تختلف عن سواها قوة أو ضعفاً ، رقةً أو خشونة ، حتى تدرك بين هذا وذاك المعنى المحدد المراد به إثارة الفطرة ، أو إذكاء الحفيظة ، أو مواكبة الطبيعة بدقة متناهية ، ويستعان على هذا الفهم لا بموسيقى اللفظ منفرداً ، أو بتناغم الكلمة وحدها ، بل بدلالة الجملة أو العبارة منضمّة إليه .
إن إيقاع اللفظ المفرد ، وتناغم الكلمة الواحدة ، عبارة عن جرس


( 164 )

موسيقى للصوت فيما يجلبه من وقع في الأذن ، أو أثر عند المتلقي ، يساعد على تنبيه الأحاسيس في النفس الإنسانية ، لهذا كان ما أورد القرآن الكريم في هذا السياق متجاوباً مع معطيات الدلالة الصوتية : « التي تستمد من طبيعة الأصوات نغمتها وجرسها » (1) . فتوحي بأثر موسيقي خاص ، يستنبط من ضم الحروف بعضها لبعض ، ويستقرأ من خلال تشابك النص الأدبي في عبارته ، فيعطي مدلولاً متميزاً في مجالات عدة : الألم ، البهجة ، اليأس ، الرجاء ، الرغبة ، الرهبة ، الوعد ، الوعيد ، الانذار ، التوقع ، الترصد ، التلبث . . . إلخ .
ولا شك أن استقلالية أية كلمة بحروف معينة ، يكسبها صوتياً ذائقة سمعية منفردة ، تختلف ـ دون شك ـ عما سواها من الكلمات التي تؤدي المعنى نفسه ، مما يجعل كلمة ما دون كلمة ـ وإن اتحدا بالمعنى ، لها استقلاليتها الصوتية ، إما في الصدى المؤثر ، وإما في البعد الصوتي الخاص ، وإما بتكثيف المعنى بزيادة المبنى ، وإما بإقبال العاطفة ، وإما بريادة التوقع ، فهي حيناً تصك السمع ، وحيناً تهيء النفس ، وحيناً تضفي صيغة التأثر : فزعاً من شيء ، أو توجهاً لشيء ، أو طمعاً في شيء ؛ وهكذا .
هذا المناخ الحافل تضفيه الدلالة الصوتية للألفاظ ، وهي تشكل في القرآن الوقع الخاص المتجلي بكلمات مختارة ، تكونت من حروف مختارة ، فشكلت أصواتاً مختارة ، هذه السمات في القرآن بارزة الصيغ في مئات التراكيب الصوتية في مظاهر شتى ، ومجالات عديدة ، تستوعبها جمهرة هائلة من ألفاظه في ظلال مكثفة في الجرس والنغم والصدى والإيقاع .
قال الخطابي ( ت : 383 ـ 388 هـ ) إن الكلام إنما يقوم بأشياء ثلاثة : « لفظ حاصل ، ومعنى به قائم ، ورباط لهما ناظم ، وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة ، حتى لا ترى شيئاً من الألفاظ أفصح ، ولا أجزل ، ولا أعذب من ألفاظه » (2) .
____________
(1) إبراهيم أنيس ، دلالة الألفاظ : 46 .
(2) الخطابي ، بيان إعجاز القرآن : 27 .

( 165 )

وهذا مما ينطبق على استيحاء الدلالة الصوتية في القرآن بجميع الأبعاد ، يضاف إليه الوقع السمعي للفظ ، والتأثير النفسي للكلمة ، والمدلول الأنفعالي بالحدث ، وتلك مظاهر متأنقة قد يتعذر حصرها ، وقد يطول الوقوف عند استقصائها .
وكان من فضيلة القرآن الصوتية أن استوعب جميع مظاهر الدلالة في مجالاتها الواسعة ، وتمرس في استيفاء وجوه التعبير عنها بمختلف الصور الناطقة ، وقد يكون من غير الممكن استحضار جميع الصيغ في استعمالات منها ، أو ما يبدو أنه مهم في الأقل ، وذلك باستطراد بعض النماذج النابضة فيما أخال وأزعم ، وقد يعبر كل نموذج منها عن مظهر فني ، ليقاس مثله عليه ، وشبيهه به ، وبذلك يتأتى للباحث والمتلقي إلقاء الضوء الكاشف على أبعاد دلالة القرآن الصوتية ، في تشعب جوانبها ، وعظمة انطلاقها ، مما يكوّن معجماً لغوياً خاصاً بمفرداتها ، وقاموساُ صوتياً حافلاً بإمكاناتها .
سيقتصر حديثنا عن مظاهر الدلالة في مجالات قد تكون متقابلة ، أو متناظرة ، أو متضادة ، أو متوافقة ، وهي بمجموعها تكون أبعاد الدلالة الصوتية في القرآن ، وهذا ما تتكفّل بإيضاحه المباحث الآتية .

دلالة الفزع الهائل :
استعمل القرآن طائفة من الألفاظ ، ثم اختيار أصواتها بما يتناسب مع أصدائها ، واستوحى دلالتها من جنس صياغتها ، فكانت دالة على ذاتها بذاتها ، فالفزع مثلاً ، والشدة ، والهدة ، والاشتباك ، والخصام ، والعنف ، دلائل هادرة بالفزع الهائل والمناخ القاتل .
1ـ قف عند مادة صرخ في القرآن ، وصرخة الصّيحة الشديدة عند الفزع ، والصراخ الصوت الشديد (1) . لتلمس عن كثب ، وبعفوية بالغة : الاستغاثة بلا مغيث ، في قوله تعالى : ( وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحاً ) (2) . مما يوحي بأن الصراخ قد بلغ ذروته ، والاضطراب قد تجاوز
____________
(1) ظ : ابن منظور ، لسان العرب : 4|2 .
(2) فاطر : 37 .

( 166 )

مداه ، والصوت العالي الفظيع يصطدم بعضه ببعض ، فلا أذن صاغية ، ولا نجدة متوقعة ، فقد وصل اليأس أقصاه ، والقنوط منتهاه ، فالصراخ في شدة إطباقه ، وتراصف إيقاعه ، من توالى الصاد والطاء ، وتقاطر الراء والخاء ، والترنم بالواو والنون يمثل لك رنة هذا الاصطراخ المدوي « والاصطراخ الصياح والنداء والاستغاثة : افتعال من الصراخ قلبت التاء طاء لأجل الصاد الساكنة قبلها ، وإنما نفعل ذلك لتعديل الحروف بحرف وسط بين حرفين يوافق الصاد في الاستعلاء والإطباق ، ويوافق التاء في المخرج » (1) .
والإصراخ هو الإغاثة ، وتبلية الصارخ ، وقوله تعالى:( ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي ) (2) .تعني البراءة المتناهية ، والإحباط التام ، والصوت المجلجل في الدفع ، فلا يغني بعضهم عن بعض شيئاً ، ولا ينجي أحدهما الآخر من عذاب الله ، ولا يغيثه مما نزل به ، فلا إنقاذ ولا خلاص ولا صريخ من هذه الهوة ، وتلك النازلة ، فلا الشيطان بمغيثهم ، ولا هم بمغيثيه .
والصريخ في اللغة يعني المغيث والمستغث ، فهو من الأضداد ، وفي المثل : عبد صريخه أمة ، أي ناصره أذل منه (3) . وقد قال تعالى : ( فلا صريخ لهم ولا هم ينفذون ) (4) . فيا له من موقف خاسر ، وجهد بائر ، فلا سماع حتى لصوت الاستغاثة ، ولا إجارة مما وقعوا فيه .
والاستصراخ الإغاثة ، واستصرخ الإنسان إذا أتاه الصارخ ، وهو الصوت يعلمه بأمر حادث ليستعين به (5) .
قال تعالى : ( فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه ) (6) . طلب للنجدة في فزع ، ومحاولة للإنقاذ في رهب ، والاستعانة على العدو بما يردعه عن
____________
(1) الطبرسي ، مجمع البيان : 4|410.
(2) إبراهيم : 22 .
(3) ابن منظور، لسان العرب : 4|3 .
(4) ياسين : 43 .
(5) ابن منظور ، لسان العرب : 4|3 .
(6) القصص :18 .

( 167 )

الإيقاع به ، وما ذلك إلا نتيجة خوف نازل ، وفزع متواصل ، وتشبث بالخلاص.
2ـ وما يستوحى من شدة اللفظ في مادة «صرخ » يستوحى بإيقاع مقارب من قوله تعالى : ( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ) (1) . لتبرز « متشاكسون » وهي تعبر لغة عن المخاصمة والعناد والجدل في أخذ ورد لا يستقران ، وقد تعطي معناها الكلمة : متخاصمون ، ولكن المثل القرآني لم يستعملها حفاظاً على الدلالة الصوتية التي أعطت معنى النزاع المستمر ، والجدل القائم ، وقد جمعت في هذه الكلمة حروف التفشي والصفير في الشين والسين تعاقباً ، تتخللهما الكاف من وسط الحلق ، والواو والنون للمد والترنم ، والتأثر بالحالة ، فأعطت هذه الحروف مجتمعة نغماً موسيقياً خاصاً حمّلها أكثر من معنى الخصومة والجدل والنقاش بما أكسبها أزيزاً في الأذن ، يبلغ به السامع أن الخصام ذو خصوصية بلغت درجة الفورة ، والعنف والفزع من جهة ، كما أحيط السمع بجرس مهموس معين ذي نبرات تؤثر في الحس والوجدان من جهة أخرى .
3ـ وتأمل مادة «كبّ» في القرآن ، وهي تعني إسقاط الشيء على وجهه كما في قوله تعالى : ( فكبت وجوههم في النار ) (2) . فلا إنقاذ ولا خلاص ولا إخراج ، والوجه أشرف مواضع الجسد ، وهو يهوي بشدة فكيف بباقي البدن .
والأكباب جعل وجهه مكبوباً على العمل ، قال تعالى : ( أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدا ) (3) .
والكبكبة تدهور الشيء في هوة (4) . قال تعالى : ( فكبكبوا فيها هم والغاون ) (5) .
____________
(1) الزمر : 29.
(2) النمل : 90 .
(3) الملك : 22 .
(4) الراغب ، المفردات : 420 .
(5) الشعراء : 94 .

( 168 )

وهذه الصيغة قد حملت اللفظ في تكرار صوتها ، زيادة معنى التدهور لما أفاده الزمخشري ( ت : 538 هـ ) بقوله : « إن الزيادة في البناء لزيادة المعنى » (1) .
وقال العلامة الطيبي ( ت: 743 هـ ) :
« كرر الكب دلالة على الشدة » (2) .
ومن هنا نفيد أن دلالة الفزع فيما تقدم من ألفاظ أريدت بحد ذاتها لتهويل الأمر ، وتفخيم الدلالة ، وهذا أمر مطرد في القرآن ، وقد يمثله قوله تعالى : ( فغشيهم من اليم ماغشيهم )(3) .
والمادة نفسها قد توحي بشدة الإتيان والتوقع عند النوائب .

الإغراق في مدّ الصوت واستطالته :
هنالك مقاطع صوتية مغرقة في الطول والمد والتشديد وبالرغم من ندرة صيغة هذه المركبات الصوتية في اللغة العربية حتى أنها لتعدّ بالأصابع ، فإننا نجد القرآن الكريم يستعل أفخمها لفظاً ، وأعظمها وقعاً ؛ فتستوحي من دلالتها الصوتية مدى شدّتها ، لتستنتج من ذلك أهميتها وأحقيتها بالتلبث والرصد والتفكير .
من تلك الألفاظ : الحاقّة ، الطّامة ؛ الصّاخة . وقد تأتي مجّردة عن التعريف فتهتدي إلى عموميتها ، مثل : دابّة . كافة .
هذه الصيغة صوتياً تمتاز بتوجه الفكر نحوها في تساؤل ، واصطكاك السمع بصداها المدوي ، وأخيراً بتفاعل الوجدان معها مترقباً : الأحداث ، المفاجئات ، النتائج المجهولة .
الحاقة الطامة والصاخة : كلمات تستدعي نسبة عالية من الضغط الصوتي ، والأداء الجهوري لسماع رنتها ، مما يتوافق نسبياً مع إرادتها في
____________
(1) الزمخشري ، الكشاف : 1|41 .
(2) الطيبي ، التبيان في علم المعاني والبديع والبيان : 474 .
(3) طه : 78 .

( 169 )

جلجلة الصوت ، وشدة الإيقاع ، كل ذلك مما يوضع مجموعة العلاقات القائمة بين اللفظ ودلالته في مثل هذه العائلة الصوتية الواحدة ، فإذا أضفنا إلى ذلك معناها المحدد في كتاب الله تعالى ، وهو يوم القيامة ، خرجنا بحصيلة علمية تنتهي بمصاقبة الشدة الصوتية للشدة الدلالية بين الصوت والمعنى الحقيقي ، فقوله تعالى: ( الحاقة * ما الحاقة * ومآ أدراك ما الحاقة ) (1) . إشارة إلى يوم القيامة ، وعلم عليها فيما أفاد العلماء ، قال الفرّاء ( ت : 207 هـ ) : « الحاقة : القيامة ، سميت بذلك لأن فيها الثواب والجزاء » (2) .
وقال الطبرسي ( ت : 548 هـ ) « الحاقة اسم من أسماء القيامة في قول جميع المفسرين ، وسميت بذلك ، لأنها ذات الحواق من الأمور ، وهي الصادقة الواجبة الصدق ، لأن جميع أحكام القيامة واجبة الوقوع ، صادقة الوجود . وقيل سميت القيامة الحاقة لأنها تحق الكفار من قولهم : حاققته فحققته ، مثل : خاصمته فخصمته » (3) .
وقيل : لأنها تحق كل إنسان بعمله . ويقال : حقّت القيامة : أحاطت بالخلائق فهي حاقة (4) . فإذا رصدت الصاخة ، رأيتها القيامة أيضاً ، وبه فسّر أبو عبيدة ( ت : 210 هـ ) قوله تعالى : ( فإذا جآءت الصآخة ) (5) . فأما أن تكون الصاخة اسم فاعل من صخ يصخ ، وإما أن تكون مصدراً وقال أبو اسحق الزجاج : الصاخة هي الصيحة تكون فيها القيامة تصخ الأسماع، أى : تصمها فلا تسمع .
وقال ابن سيده : الصاخة : صيحة تصخ الأذن أي تطعنها فتصمها لشدتها ، ومنه سميت القيامة .
ويقال : كأن في أذنه صاخة ، أي طعنة (6) .
____________
(1) الحاقة : 1 ـ 3 .
(2) الفراء ، معاني القرآن : 3|179 .
(3) الطبرسي ، مجمع البيان : 5|342 ـ 343 .
(4) ظ : الطريحي ، مجمع البحرين : 5|147 .
(5) عبس : 33.
(6) ابن منظور، لسان العرب : 4|2 .

( 170 )

وقال الطريحي ( ت:1085 هـ ) الصاخة بتشديد الخاء يعني القيامة ، فإنها تصخ الأسماع ، أي تقرعها وتصمها ، يقال : رجل أصخ ، إذا كان لا يسمع (1) . والمعاني كلها متقاربة في الدلالة ، إلا أن الرغب ( ت : 502 هـ ) يعطي الصاخة دلالة أعمق في الإرادة الصوتية المنفردة فيقول : الصاخة شدة صوت ذي المنطق (2) .
فيكون استعمالها حينئذ في القيامة على سبيل المجاز . فإذا وقفنا عند الطامة ، فهي القيامة تطم على كل شيء (3) . وإليه ذهب الزجاج : الطامة هي الصيحة التي تطم على كل شيء(4) . وتسمى الداهية التي لا يستطاع دفعها : طامة (5) . قال تعالى : ( فإذا جآءت الطامة الكبرا ) (6) .قال الطبرسي ( ت: 548 هـ ) « وهي القيامة لأنها تطم كل داهية هائلة ، أي تعلو وتغلب ، ومن ذلك قيل : ما من طامة إلا وفوقها طامة ، والقيامة فوق كل طامة ، فهي الداهية العظمى » (7) .
ولعل اختيار الطبرسي للداهية في تفسير الطامة باعتبارها داهية لا يستطاع دفعها ، ولأن القيامة تطم كل داهية هائلة ، لا يخلو من وجه عربي أصيل ، فالعرب استعملت الطامة في الداهية العظيمة تغلب ما سواها ، وأية داهية أعظم من القيامة لا سيما وهي توصف هنا بالكبرا .
إن موافقة أصوات الحاقة والصاخة والطامة لمعانيها في الدلالة على يوم القيامة ، من أعظم الدلالات الصوتية في الشدة والوقع والتلاؤم البنيوي والمعنوي لمثل هذه الصيغة الحافلة .
ودلالة هذه الصيغة في : دابة ، وكافة ، على الشمول والكلية المطلقة يوحي بالمضمون نفسه في الإيقاع الصوتي ، قال تعالى : ( وما من دآبة في
____________
(1) الطريحي ، مجمع البحرين : 2|437 .
(2) الراغب ، المفردات : 275 .
(3) الفراء ، معاني القرآن : 3|234 .
(4) ابن منظور ، لسان العرب : 15|263 .
(5) الطبرسي ، مجمع البيان : 5|433 .
(6) النازعات : 34 .
(7) الطبرسي ، مجمع البيان : 5|434 .