والقول أنها من المتشابهات التي استأثر الله تعالى بعلمها ، ولا يعلم تأويلها إلا هو ، هو المروي عن أئمة أهل البيت عليهم السلام في رواية أهل السنة (1) .
وقد أنكر المتكلمون هذا القول ، وردوا هذا الزعم ، فقالوا : لا يجوز أن يرد في كتاب الله ما لا يفهمه الخلق لأن الله أمر بتدبره ، والاستنباط منه ، وذلك لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه (2) .
بينما أيدّه من المتأخرين كل من مالك بن نبي فقال :
« ولسنا نعتقد بإمكان تأويلها إلا إذا ذهبنا إلى أنها مجرد إشارات متفق عليها ، أو رموز سريّة لموضوع محدد تام التحديد ، أدركته سراً ذات واعية . . . (3) .
والسيد عبد الأعلى الموسوي السبزواري فقال :
« والحق أنها بحسب المعنى من المتشابهات التي استأثر الله تعالى العلم بها لنفسه ، فلا يلزم الصاد الفحص عن حقيقتها ، وبذل الجهد في إدراكها وفهمها بل لا بد من إيكال الأمر إليه تعالى » (4) .
الثاني :
أن المراد منها معلوم ، ولكنهم اختلفوا فيه بعدة آراء تتفاوت قيمة ودلالة وموضوعية ، وقد تداعت كلمات الأعلام في هذه الآراء حتى نقل الخلف عن السلف ، واستند اللاحق إلى السابق بنسبة إليه وبدون نسبة .
ونحاول فيما يلي أن نعطي كشفاً منظّماً بأبرز هذه الآراء ، ونعقبها بما نأنس به ، ونطمئن إلى مؤاده باعتباره جزءاً من كليّ فرائدها ، دون القطع بأنه مراد الله منها ، أو القول به (5) .
1 ـ اختار ابن عباس : أن كل حرف منها مأخوذ من أسماء الله تعالى ، ويقاربه ما روى عن السّدي والشعبي أنها : اسم الله الأعظم (1) .
ولا تعليق لنا على هذا الزعم من ناحيتين :
الأولى :
أن أسماء الله تتداخل بضمنها جميع الحروف في المعجم العربي وقد تستقطبها ، فلا ميزة ـ والحالة هذه ـ لحرف على حرف .
الثانية :
أننا نجهل اسم الله الأعظم لاختلاف الآثار والمرويات فيه ، إن صحّ صدور تلك الآثار والمرويات .
2 ـ إن الله تعالى أقسم بهذه الحروف على وجهين :
وجه اختاره ابن عباس وعكرمة : إن هذا القسم بأسمائه لأنها أسماؤه .
ووجه : أن هذا الكتاب الذي يقرؤه محمد صلى الله عليه وآله وسلم : هو الكتاب المنزل لا شك فيه ، وذلك يدل على جلالة قدر هذه الحروف ، إذا كانت مادة البيان . وقد أقسم الله : بـ ( الفجر) و ( الطور ) وغيرهما ، فكذلك شأن هذه الحروف في القسم بها (2) .
وهما احتمالان جائزان يشكل علينا الخوض فيهما .
3 ـ إن هذه الحروف أسماء لسور القرآن الكريم ؛ وروي ذلك عن زيد بن أسلم والحسن البصري (3) .
وذلك أن الأسماء وضعت للتمييز فـ ( ألم ) اسم هذه السورة ، و ( حم ) اسم لتلك ، و ( كهيعص ) اسم لغيرهما وهكذا . وقد وضعت هذه الحروف أسماء لتلك السور لتمييزها عن سواها .
وقد نص على ذلك سيبويه ( ت : 180هـ ) (4) .
ونقله الزمخشري ( ت : 538 هـ ) عن الأكثرين (1) وقال فخر الدين الرازي ( ت : 606 هـ ) بأنه قول أكثر المتكلمين (2) .
وهذا الوجه يؤيده مدرك السيرة الاستقرائية ، ففي متعارف أقوال الناس تسمية هذه السور بهذه الأسماء بحدود معينة ، وإذا أطلقت دلت على مسمياتها إجمالاً .
وقد اختار ذلك الشيخ الطوسي ( ت : 460هـ ) فقال : « وأحسن الوجوه التي قيلت قول من قال أنها أسماء للسور » (3) .
وأيدّه بهذا الاتجاه أبو على الطبرسي ( ت : 548هـ ) (4) . وإذا كانت هذه الحروف أسماء لسورها ، فلا كبير أمر من بحث وجوه تسميتها ، فهي قضايا توقيفية ، ان صح الفرض ، ثم الا تلتبس هذه السور في مسمساتها بعضها ببعض لا سيما في المكرر منها ، كما هي الحال في : (حم ) و (آلر) و (ألم ) وهكذا ، والله العالم .
4 ـ إنها فواتح يفتتح بها القرآن ، وقد روي ذلك عن مجاهد بن جبر المكي ، ومقاتل بن سليمان البلخي (5) .
وفائدة هذا الاستفتاح على وجهين :
الأول :
أن يعلم ابتداء السورة وانقضاء ما قبلها .
الثاني :
أنها تنبيهات ، كما هي الحال في أدوات التنبيه والنداء .
وقد اختار الوجه الثاني شمس الدين الخوبي ( ت : 638 هـ ) فرأى بأن القول بانها تنبيهات جيد ، لأن القرآن كلام عزيز ، وفوائده عزيزة ، فينبغي أن يرد على سمع متنبه . . . وإنما لم تستعمل الكلمات المشهورة في التنبيه كألا وأما لأنها من الألفاظ التي يتعارفها الناس في كلامهم ، والقرآن
والتنبيه إنما يكون بأصوات تقبل عليها الناس ، ويصغي لما بعدها السامعون ، إذا المراد صوتية التنبيه ليس غير .
ويميل إلى هذا الرأي كثير من المعاصرين ، ويقطع بعضهم بأن المراد من هذه الحروف ـ دون شك ـ هو الافتتاح بها ، كما استفتحت العرب بألا الاستفتاحية وأضرابها (2) .
ويجب الالتفات إلا أن ابن عطية قد عدّ القول بأنها تنبيهات مغايراً للقول بأنها فواتح ، والظاهر عند السيوطي أنه بمعناه . (3) .
ويعضد القول بأنها فواتح روايتان أوردهما السيد هاشم البحراني في تفسير ، أسند أحدهما الى الإمام علي عليه السلام ، والأخرى الى الإمام جعفر الصادق عليه السلام (4) .
وأذا ثبتت هاتان الروايتان فالأخذ بمضمونهما هو أولى الوجوه في استكناه الفوائد المترتبة عليها ، أو المعاني المترددة فيها .
5 ـ إن العرب كانوا إذا سمعوا القرآن لغوا فيه ، فأنزل الله هذا النظم البديع ليعجبوا منه ، ويكون تعجبهم سبباً لاستماعهم ، واستماعهم سبباً لاستماع ما بعده ، فترق القلوب وتلين الأفئدة (5) .
وهذا القول كان مظنّة لإقبال المستمعين على القرآن كما تدل على ذلك وقائع الأحداث عند تلاوة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم لهذه الفواتح على قريش ، وقد ضعّفه ابن كثير القرشي ( ت : 774 هـ ) (6) .
وقد انتصر له من المحدثين الأستاذ محمد جمال الهاشمي وترجمه بمنظور عصري ، وأضاف إليه البعد الرمزي فقال :
« إن القرآن في أسلوبه البياني الفذ أراد أن يجذب الأنظار والأفكار ، فافتتح بعض سوره المباركة بهذه الحروف المقطعة فهي أشبه ما تكون بإشارات المحطات العالمية في الراديو حيث تتخذ كل دولة رمزاً خاصاً لها يدل على محطة إذاعتها ، ويميز بينها وبين غيرها من المحطات ، وهكذا القرآن كان يتخذ من هذه الحروف رمزاً مخصوصاً لوحيه يستلفت به الأذهان لتستمع إلى آياته المنزلة بوعي وانتباه ، ولا زالت هذه الهزّة الوجدانية تعتري النابهين من المؤمنين كلما طرقت أسماعهم هذه الحروف الساحرة في تقاطيعها المطربة ، وإنما كان يستعمل هذه الإشارة الحروفية في الحالات الخاصة التي تستدعي الاهتمام ، كما أنه ربما يباري الإنسانية بموضوعه من دون تقدمة وتمهيد حتى بما التزم به من الاستهلال كجملة : بسم الله الرحمن الرحيم ، لأن الموضوع نفسه يستدعي المبادأة والمفاجأة كسورة ( براءة ) ، فالقرآن إنما يجري في مفاتيح سوره مع الظروف المحيطة بتلك السور المباركة ، وإن للحروف المقطعة من التأثير ما لا يخفى على السامع والواعي » (1) .
6 ـ إن هذه الحروف تدعو العرب وتناديهم إشارة إلى إعجاز القرآن ، فهذا القرآن الذي يتلوه عليكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن جنس كلامكم وسنخ حروفكم ، ومما يتكون منه معجمكم . . . ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهدآءكم من دون الله إن كنتم صادقين ) (2) قال أبو مسلم ، محمد بن بحر ( ت : 370هـ ) :
إن المراد بذلك بأن هذا القرآن الذي عجزتم عن معارضته ، ولم تقدروا على الإتيان بمثله ، هو من جنس هذه الحروف التي تتحاورون بها في كلامكم وخطابكم ، فحيث لم تقدروا عليه ، فاعلموا أنه من فضل الله » (3) .
ومما يؤيده ما حكي عن الأخفش ( ت : 215 هـ ) :
« إن الحروف مباني كتب الله المنزلة بالألسنة المختلفة ، وأصول كلام الأمم » (1) .
فهي أصل الكلام العربي في هذا الكتاب العربي المبين الذي أعجز الأولين والآخرين من العرب وغير العرب ، على أنه مركب من جنس حروف العرب ، وهذا أدلّ على الإعجاز باعتباره مشاكلاً لكلامهم ، وعلى سنن تراكيبهم ، فعلم بالضرورة أنه كلام الله تعالى ، ولا يعني الاعتداد بهذا الملحظ من القول في جملة الفوائد المترتبة عليه ، أن ندع مضامين الأقوال السابقة ، وقيمتها الفنية ، فهي جزء لا يتجزأ من غرر الإفادات القيمة في الموضوع ، على أن القول بالمتشابه هو اسلم الوجوه فيما يخيل إليّ ، ولكن هذا لا يعني عدم الكشف عن الأسرار الهامشية ، والنكت الجانبية التي لا تتعلق بالمتشابه من القول ، بل ترجع إليه بالعائدية ، فيبقى المتشابه متشابها ، والمحكم من القرآن محكما ، ولا يمنع هذا وذاك من بيان حكم المتشابه ، وفضل مزاياه ، فيبدو في ظلاله ألق نستنير به ، أو شعاع نهتدي بأضوائه ، فنلمس البعد الصوتي متوافراً في هذه الحروف ، والرصد الإعجازي قائماُ في هيكلها العام وإن بقي السر ماثلاً ، والمعنى الحقيقي محجبوباً ، والمراد منها في علم الغيب ، ولكن الحكمة قد تلتمس ، والثمرة قد تقتطف ، وقد أورد ابن كثير ( ت : 774 هـ ) حاكياً : « إنما ذكرت هذه الحروف في أوئل السور التي ذكرت فيها بياناً لإعجازالقرآن ، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله ، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها ، وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين ، وحكى القرطبي عن الفرّاء وقطرب نحو هذا ، وقرّره الزمخشري في كشافه ونصره أتم نصر ، وإليه ذهب ابن تيمية وأبو العجاج المزي » (2) .
والذي يظهر مما تقدم أن القول بأن هذه الحروف ـ في بعض حكمها ـ إشارات إعجازية ليس من ابتكارنا ، ولا هو أمر نحن ابتدعناه ، وإنما سبق
ويعضد هذا الرأي أمران :
الأول :
أن هذه الحروف الهجائية في فواتح السور القرآنية طالما ورد بعدها ذكر القرآن أو الكتاب معظماً مفخماً ، يتلوه الدليل على إعجازه ، والحديث عن الانتصار له ، والإشارة إلى تحديه العالم والأمم والشعوب والقبائل ، مما يؤيد حكمة هذه الأصوات لبيان إعجازه وكماله ، وحسن نظمه وتأليفه ، وسر بقائه وخلوده ، كونه نازلاً من الله ، مستقراً في هذا المصحف الشريف ، دون تصحيف أو تحريف ، أو زيادة أو نقصان ، ريادة في دوامه ، وتعهداً بحفظه وسلامته ، بما أكده الله تعالى : ( إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (2) .
الثاني :
أن المتتبع لأسباب النزول ، والأحداث التي رافقت قرع الأسماع بهذه الأصوات ، يجد الإيذان بها قد تقاطر سيله بأشد الظروف قسوة على الرسالة الإسلامية ، فكان التحدي قائماً على أشدّه بمثل هذه الأصوات المدوّية في الآفاق .
فما كان منها في السور المكية ، وهي الحقبة التي واجهت بها الرسالة عنفاً وغطرسة وتكذيباً ، فقد جاءت فيه هذه الحروف رداً مفحماً في التحدي الصارخ ، والدليل الناصع على صدق المعجزة .
وما كان منها في السور المدينة ، فقد جاء تحدياً لأهل الكتاب فيما نصبوه من عداء للدين الجديد ، وإنذاراً للمنافقين فيما كادوا به محمداً والذين معه.
إلا أن الملحظ الصوتي الذي نقف عنده للدلالة على التنبيه على صوتية هذه الحروف ، مع كونها إشارات إعجازية في بعض حكمها ، الملحظ هذا : أنها تنطق كنطق كنطقك الأصوات ، ولا تلفظ كلفظك الحروف ، فتقول في قوله تعالى : ( ص ) « صاد » صوتاً نطقياً ، لا حرفاً مرسوماً « ص »
وقد علل الزركشي ( ت : 794 هـ ) المؤشر الأخير بالوقوف عند خط المصحف بأشياء خارجة عن القياسات التي يبنى عليها علم الخط والهجاء « ثم ما عاد ذلك بنكير ولا نقصان لا ستقامة اللفظ ، وبقاء الحفظ » (1) .
وأشار الشيخ الطوسي ( ت : 460 هـ ) إلى جزء من صوتية هذه الحروف بملحظ الوقف عندها فقال : « وأجمع النحويون على أن هذه الحروف مبنية على الوقف لا تعرب ، كما بني العدد على الوقف ، ولأجل ذلك جاز أن يجمع بين ساكنين ، كما جاز ذلك في العدد » (2) .
هذه لمحات صوتية في خضم دلالات الحروف المقطعة في فواتح السور القرآنية ، وقفنا عند الصوت اللغوي فيها ، وأشرنا إلى البعد الإعجازي من خلالها ، وليس ذلك كل شيء في أبعادها ، فقد تبقى من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله ، وخير الناس من قال فيها بكل تواضع : الله أعلم ، كما قال ذلك مالك بن بني في حديثه عنها .
« لقد حاول معظم المفسرين أن يصلوا إلى موضوع الآيات المغلقة إلى تفاسير مختلفة مبهمة ، أقل أو أكثر استلهاماً للقيمة السحرية التي تخص بها الشعوب البدائية : الكواكب ، والأرقام والحروف ، ولكن أكثر المفسرين تعقلاً واعتدالاً ، هم أولئك الذين يقولون في حال كهذه بكل تواضع : الله أعلم » (3) .
وفوق هذا وذاك قول أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام فيما ينسب إليه :
« إن لكل كتاب صفوة ، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي » (1) وتبقى التأويلات سابحة في تيارات هذه الحروف المتلاطمة ، والتفسير الحق لها عند الله تعالى ، ولا يمنع ذلك من كشف سيل الحكم والإشارات والتوجيهات ، والملامح اللغوية بعامة ، أو الصوتية المتخصصة ، أو الإعجازية بخاصة في هذه الحروف ، فهو ليس تفسيراً لها بملحظ أن التفسير هو الكشف عن مراد الله تعالى من قرآنه المجيد ، بقدر ما هو إشعاع من لمحاتها ، وقبس من أضوائها ، يسري على هداه السالكون .
صدق الله العظيم
____________|
الفصل الرابع 1ـ أصول الأداء القرآني 2 ـ مهمة الوقف في الأداء القرآني 3 ـ نصاعة الصوت في الأداء القرآني 4 ـ الصوت الأقوى في الأداء القرآني 5 ـ توظيف الأداء القرآني في الأحكام |
لعل أقدم إشارة تدعو إلى التأمل في أصول الأداء القرآني ، ما روي عن الإمام علي عليه السلام في قوله تعالى : ( ورتّل القرآن ترتيلا ) (1) .
انه قال : « الترتيل تجويد الحروف ، ومعرفة الوقوف » (2) .
وفي رواية ابن الجزري أنه قال : « الترتيل معرفة الوقوف ، وتجويد الحروف » (3) ونقف عند هاتين الظاهرتين : معرفة الوقوف ، وتجويد الحروف .
الأول :
الوقف ، قال عبدالله بن محمد النكزاوي ( ت : 683 هـ ) : « باب الوقف عظيم القدر جليل الخطر ، لأنه لا يتأتى لأحد معرفة معاني القرآن ، ولا استنباط الأدلة الشرعية منه إلا بمعرفة الفواصل » (4) وهو بيان موضع الوقف عند الاستراحة لغرض الفصل ، إذ لا يجوز الفصل بين كلمتين حالة الوصل ، فتقف عند اللفظ الذي لا يتعلق ما بعده به ، ويحدث غالباً عند آخر حرف من الفاصلة ، كما يحدث في سواه . وقد عرفه السيوطي ( ت : 911 هـ ) تعريفاً صوتياً فقال : « الوقف : عبارة عن قطع الصوت عن الكلمة زمناً يتنفس فيه عادة بنية استئناف القراءة لا بنية
وهذا التوقف عن الوقف قد لا يراد ببعضه التحريم الشرعي ، وإنما المراد هو عدم الجواز في الأداء القرآني ، مما تكون به التلاوة قائمة على أوصولها ، والملحظ الصوتي متكاملاً في التأدية التامة لأصوات الحروف .
والمقياس الفني لذلك : أن الكلام إذا كان متعلقاً بما بعده فلا يوقف عليه ، وإن لم يكن كذلك فالمختار الوقوف عليه .
ولنأخذ كلمة « نعم » في موضعين من القرآن في حالتي الوقوف وعدمه :
أ ـ قال تعالى : ( ونادى اصحاب الجنة اصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين ) (3) .
فالاختيار الفني الوقوف الطبيعي عند نعم ، لأن ما بعدها غير متعلق بها ، إذ ليس « فأذن مؤذن » في الآية من قول أهل النار .
ب ـ وقال تعالى : ( أو ءاباؤنا الأولون * قل نعم وأنتم داخرون ) (4) .
فالاختيار الأدائي عدم الوقف عند « نعم » بل وصلها بما بعدها ، لتعلقه بما قبلها ، وذلك لأنه من تمام القول وغير منفصل عنه .
لذلك فقد عبر الزركشي عن الوقف بأنه « فن جليل ، وبه يعرف كيف آداء القرآن ، وبه تتبين معاني الآيات ، ويؤمن الاحتراز عن الوقوع في المشكلات » (1) .
وقد نقل السيوطي : أن للوقف في كلام العرب أوجهاً متعددة ، والمستعمل منها عند أئمة القراء تسعة : السكون ، والروم ، والأشمام ، والإبدال ، والنقل ، والأدغام ، والحذف ، والإثبات ، والإلحاق (2) .
وهذه المفردات كلها مصطلحات فنية تتعلق بالصوت ، وتنظر إلى التحكم فيه ، أو تعتمد على إظهار الصوت بقدر معين .
فالسكون : عبارة عن ترك الحركة على الكلم المحركة وصلاً .
والروم : النطق ببعض الحركة أو تضعيف الصوت بالحركة حتى يذهب أكثرها .
والإشمام : عبارة عن الإشارة إلى الحركة من غير تصويت .
والإبدال : فيما آخره همزة متطرفة بعد حركة أو ألف ، فإنه يوقف بإبدالها حرف مد من جنس ما قبلها .
والنقل : فيما آخره همزة بعد ساكن ، فتنقل حركتها إليه ، فتتحرك بهاء ثم تحذف الهمزة .
والإدغام : فيما آخره همزة بعد ياء أو واو زائدين ، فإنه يوقف عليه بالإدغام بعد إبدال الهمز من جنس ما قبله .
والحذف : إنما يكون في الياءات الزوائد عند من يثبتها وصلاً .
والإثبات : في الياءات المحذوفات وصلاً عند من يثبتها وقفاً .
والإلحاق : ما يلحق آخر الكلم من هاءات السكت عند من يلحقها .
في : عم ، وفيم ، وبم ، ومم . والنون المشددة مع جمع الإناث ،
وستجد في غضون البحث نماذج قرآنية كافية لهذه المؤشرات الصوتية تطبيقياً ، وذلك في مواضعها من البحث ، وكل بحيث يراد .
ولما كان الوقف هو الأصل في هذا المبحث ، فإن موارده في الأداء القرآني متسعة الأطراف ، ومتعددة الجوانب ، ولما كانت الفاصلة القرآنية تشكل مظهر الوقف العام والمنتشر في القرآن ، فقد سلطنا الضوء الكاشف على جزئياتها في أصول الأداء القرآني بمختلف صورها ، واعتبرنا ذلك المورد الأساس للآداء بالنسبة للفاصلة فحسب ، على أننا قد خصصنا الفواصل بفصل منفرد بالنسبة للصوت اللغوي ، ولمّا كان مبنى الفواصل على الوقف ، وتلك ظاهرة صوتية في الآداء ، فإننا قد أضفنا أليها ظاهرة أخرى في رد الأصوات إلى مخارجها ، وتنظيم النطق بحسبها في إحداث الأصوات ، وهي ظاهرة ترتيب التلاوة صوتياً ، وبذلك اجتمع موردان هما الأصل في علم الآداء القرآني الوقف والتجويد منفرين بالمبحثين الآتيين :
يأتي الوقف دون الوصل في وسط الآية ، وضمن فقراتها ، وعند فواصلها ، ولما كان مبنى الفواصل القرآنية على الوقف في مختلف صورها مرفوعة ومجرورة ومنصوبة اسماً كانت أم فعلاً ، مفرداً أم مثنى أم جمعاً ، مذكراً ومؤنثاً ، فإن الوقف في مجالها متميز الأبعاد ، ومتوافر العطاء ، فقد عرضنا إليه في هذا الحقل للدلالة عليه فيما سواه مضافا الى ما تقدم في المبحث السابق ، ففيه الغنية إلى موارده .
شاع في فواصل الآيات القرآنية مقابلة المرفوع بالمجرور وبالعكس ، وكذا المفتوح والمنصوب غير المنون ، وقارن فيما يأتي : من الآيات ، وهي تقف عند السكون صوتاً في غير الدرج ، ةإن كانت فواصلها متعاقبة على
اولاً :
مقابلة المجرور والمرفوع طرداً وانعكاساً والمجرور بالمفتوح :
أ ـ قال تعالى : ( لا يَسَّمَّعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب * دحورا ولهم عذاب واصب * إلا من خطف الخطفة فاتبعه شهاب ثاقب * فاستفتهم اهم اشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب ) (1) .
فالكلمة «جانب » وهي مجرورة في الفاصلة الأولى تتبعها « واصب » في الفاصلة الثانية ، وهي مرفوعة . والكلمة « ثاقب » مرفوعها تتبعها في الفاصلة التي تليها « لازب » وهي مجرورة ، وقد جاءت الفواصل جميعها على نبرة صوتية واحد نتيجة الوقف عندها .
ب ـ قال تعالى : ( ففتحنا أبواب السّماء بماء مّنهمر * وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر * وحملناه على ذات ألواح ودسر * تجرى بأعيننا جزاء لمن كان كفر ) (2) .
فالكلمة « منهمر » وهي مجرورة تبعتها في الفاصلة التي تليها « قدر » وهي مفتوحة . والكلمة « دسر » وهي مجرورة تبعتها في الفاصلة التي تليها « كفر » وهي مفتوحة ، وقد تمت تسويتها الصوتية على وتيرة نغمية واحدة ضمن نظام الوقف في الفواصل فنطقت ساكنة .
ج ـ وفي سورة الرعد ، ورد اقتران المنون المجرور بالمنصوب ، يليه المجرورغير المنون ، في قوله تعالى :
( وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مردّ له وما لهم من دونه من وال هو الذّى يريكم البرق خوفا وطمعا وينشىء السّحاب الثّقال * ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصّواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال ) (3) .
فالكلمة « وال » منونة وهي مجرورة تبعتها في الفاصلة التي تليها « الثقال » وهي مفتوحة منصوبة ، تليها « المحال » وهي مجرورة غير منونة .
وبدت الآيات في تراصفها الصوتي مختتمة باللام الساكنة ، دون تنوين أو فتح أو كسر بفصيلة الوقف .
ثانياً :
ولا تتحكم هذه القاعدة في الفواصل التي تلتزم حرفاً واحداً في أواخرها ، كما في الأمثلة السابقة بل تتعداها إلى أجزاء أخرى من الفواصل ، المختلفة الخواتيم ، وقارن بين الآيات التالية الذكر :
أ ـ ورد اقتران المجرور بالمرفوع المنوّن ، واقتران المرفوع المنون بالمنصوب في قوله تعالى :
( وجعلوا لله أندادا لّيضلّوا عن سبيله قل تمتّعوا فإنّ مصيركم إلى النّار * قل لّعبادى الّذين ءامنوا يقيموا الصلاة وينفقوا ممّا رزقناهم سرّا وعلانية مّن قبل أن يأتي يوم لاّ بيع فيه ولا خلال * الله الذى خلق السّماوات والأرض وأنزل من السّماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقا لّكم وسخّر لكم الفلك لتجرى في البحر بأمره وسخّر لكم الأنهار ) (1) .
فالألفاظ : « النار » وهي مجرورة دون تنوين ، و « خلال » وهي مرفوعة منونة ، و « الأنهار » وهي منصوبة مفتوحة ، وقد تلاقت الكسرة والضمة والفتحة في سياق قرآني واحد ، دون تقاطع النبر الصوتي ، أو اختلاف النظام الترتيلي .
ب ـ وقد جاء التنوين في حالة الجر إلى جنب الرفع غير المنون في فاصلتي قوله تعالى :
( إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير * يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد ) (2) . فالكلمتان « خبير » وهي مجرورة منونة مختتمة بالراء ، اتبعتها في الفاصلة التي تليها « الحميد » وهي مرفوعة دون
ثالثاً :
ولا يقف فضل الوقف على ما تقدم بل يظهر بمظهر جديد آخر في تقاطر العبارات وتناسقها ، وهي مختلفة في المواقع الإعرابية ، وكأنها في حالة إعرابية واحدة وإن لم تكن كذلك ، نتيجة للصوت الواحد في الوقوف على السكون في آخر الفاصلة .
أ ـ في سورة المدثر ، يقترن المرفوع المنون ، بالمجرور المنون ، يليه المنصوب المنون ، ولا تحس لذلك فرقاً في سياق واحد في قوله تعالى :
( كأنهم حمر مستنفرة * فرّت من قسورة * بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشّرة ) (1) . فالكلمات : « مستنفرة » مرفوعة منونة ، تلتها « قسورة » مجرورة منونة ، تلتها « منشرة » منصوبة منونة ، ولم تنطق صوتياً عند الوقف بكل هذه التفصيلات ، بل وقفنا على الهاء .
ب ـ وفي سورة القيامة يقترن الاسم المنصوب في الفاصلة بالظرف مع الاسم المجرور بسياق واحد متناسق يكاد لا يختلف في نبر ، ولا يختلط في تنغيم ، قال تعالى : ( بلا قادرين علا أن نسوي بنانه * بل يريد الإنسان ليفجر أمامه * يسئل أيان يوم القيامة ) (2) .
فالألفاظ : «بنانه » مفعول به منصوب مضاف إلى الهاء ، و « أمامه » ظرف مضاف إلى الضمير ، و « القيامة » مجرورة مضاف إليه . وجاءت الأصوات متقاطرة بالهاء عند الوقف .
أما الوقف في وسط الآية ، وفي نهاية الجملة ، وعند بعض الفقرات من الآيات ، فإنه يخضع لقواعد إعرابية حيناً ، وتركيبة حيناً آخر ، وقد أشرنا إليها فيما سبق ، ولا يترتب عليها كبير أمر في الأصوات ، لهذا كانت الإشارة مغنية ، وكان التفصيل في الوقف عند الفواصل لارتباطه بالصوت اللغوي .