أما التلاؤم الصوتي عند الرماني فهو نقيض التنافر ، والتلاؤم تعديل الحروف في التأليف ، لأن تأليف الكلام على ثلاثة أوجه : متنافر ، ومتلائم في الطبقة الوسطى ، ومتلائم في الطبقة العليا (1) .
ويعود الرماني بالتلاؤم إلى تجانس الأصوات ، ولما كانت أصوات القرآن متجانسة تماماً ، فإن القرآن كله متلائم في الطبقة العليا ، وذلك بيّن لمن تأمله ، والفرق بين القرآن و بين غيره من الكلام في تلاؤم الحروف على نحو الفرق بين المتنافر والمتلائم في الطبقة الوسطى ، وبعض الناس أشد إحساساً بذلك وفطنة له من بعض (2) .
ويبحث الرماني التلاؤم في أصوات القرآن من وجوه :
1 ـ السبب في التلاؤم ويعود به إلى تعديل الحروف في التأليف ، فكلما كان أعدل كان أشد تلاؤماً .
2 ـ والفائدة في التلاؤم ، يعود بها إلى حسن الكلام في السمع ، وسهولته في اللفظ ، وتقبل المعنى له في النفس لما يرد عليها من حسن الصورة وطريق الدلالة .
3 ـ وظاهرة التلاؤم ، ويعود بها إلى مخارج الحروف في اختلافها ،
« والتلاؤم في التعديل من غير بعد شديد أو قرب شديد . وذلك يظهر بسهولته على اللسان ، وحسنه في الأسماع ، وتقبله في الطباع ، فإذا انضاف إلى ذلك حسن البيان في صحة البرهان في أعلى الطبقات ؛ ظهر الإعجاز للجيد الطباع البصير بجواهر الكلام » (1) .
و أما كتب القراءات ، فقد انتهى كثير منها بإعطاء مصطلحات صوتية اقترنت بالنحو تارة وباللغة تارة أخرى ، وتمحضت للصوت القرآني بينهما ، وكان ذلك في بحوث متميزة برز منها : الإدغام ، الإبدال ، الإعلال ، الإخفاء ، الإظهار ، الإشمام ، الإمالة ، الإشباع ، المدّ ، التفخيم ، الترقيق مما اصطنعه علماء الآداء الصوتي للقرآن كما سيأتي بحثه في حينه .
الحق أن الصوت اللغوي في القرآن قد بحث متناثراً هنا وهناك في مفردات حية ، تتابع عليها جملة من الأعلام المبرزين الذين اتسمت جهودهم بالموضوعية والتجرد وبيان الحقيقة ، كان منهم : علي بن عيسى الرماني ( ت : 386 هـ ) وأبو بكر الباملاني ( ت : 403 هـ ) وأبو عمر الداني ( ت : 444 هـ ) ومحمد بن الحسن الطوسي ( ت : 460 هـ ) وجار الله الزمخشري ( ت : 538هـ ) وأبو علي الطبرسي ( ت : 548 هـ ) وعبدالله بن محمد النكزاوي ( ت : 683هـ ) وإبراهيم بن عمر الجعبري ( ت : 732 هـ ) وبدر الدين الزركشي ( ت : 794هـ ) وجلال الدين السيوطي ( ت : 911هـ ) .
وأما الدراسات البلاغية التي اشتملت على خصائص الأصوات فقد بحثت على أيدي علماء متمرسين كالشريف الرضي ( ت : 406 هـ ) وعبد القاهر الجرجاني ( ت : 471 هـ ) وابن سنان الخفاجي ( ت : 466 هـ ) و أبي يعقوب السكاكي ( ت : 626 هـ ) وأضرابهم :
وكانت مباحثهم طبقاً لتوجه علم المعاني ، وتزاحم الأصوات في قبول ذائقتها النطقية أو السّمعية ورفضها ، من خلال : تنافر الحروف ، تلاؤم الأصوات ، التعقيد اللفظي ، التعقيد المعنوي ، فصاحة اللفظ المفرد ؛ مما
أما ما يتعلق بالأصوات من مخارجها في موضوع التنافر فلهم بذلك رأيان :
الأول : أن التنافر يحصل بين البعد الشديد أو القرب الشديد وقد نسب الرماني هذا الرأي إلى الخليل « وذلك أنه إذا بَعٌد الشديد كان بمنزلة الطفر ، وإذا قرب القرب الشديد كان بمنزلة مشي المقيد ، لأنه بمنزلة رفع اللسان ورده إلى مكانه ، وكلاهما صعب على اللسان ، والسهولة من ذلك في الاعتدال ، ولذلك وقع في الكلام الإدغام والإبدال » (1) .
الثاني : أن التنافر يحصل في قرب المخارج فقط وهو ما يذهب إليه ابن سنان الخفاجي ( ت : 466 هـ ) بقوله : « ولا أرى التنافر في بعد ما بين مخارج الحروف وإنما هو في القرب . ويدل على صحة ذلك الاعتبار ، فإن هذه الكلمة « ألم » غير متنافرة ، وهي مع ذلك مبنية من حروف متباعدة المخارج ـ لأن الهمزة من أقصى الحلق ، والميم من الشفتين ، واللام متوسطة بينهما . فأما الإدغام والإبدال فشاهدان على أن التنافر في قرب الحروف دون بعدها ، لأنهما لا يكادان يردان في الكلام إلا فراراً من تقارب الحروف ، وهذا الذي يجب عندي اعتماده لأن التتبع والتأمل قاضيان بصحته » (2) .
وقد يتبعه بالرد على هذا الرأي ابن الأثير ( ت : 637 هـ ) فقال : « أما تباعد المخارج فإن معظم اللغة العربية دائر عليه . . . ولهذا أسقط الواضع حروفاً كثيرة في تأليف بعضها مع بعض استثقالاً واستكراهاً ، فلم يؤلف بين حروف الحلق كالحاء والخاء والعين ، وكذلك لم يؤلف بين الجيم والقاف ، ولا بين اللام والراء ، ولا بين الزاي والسين ، وكل هذا دليل على عنايته
وبعيداً عن هذا وذاك ، فان الطبيعة التركيبة في اللغة العربية قد تمرست في تعادل الأصوات وتوازنها ، مما جعل لغة القرآن في الذروة من طلاوة الكلمة ، والرقة في تجانس الأصوات ، لذلك فقد استبعد العرب جملة من الألفاظ لا تنسجم صوتياً في تداخل حروفها ، وتنافر مخارجها ، سواء أكانت قريبة أم بعيدة « فإن الجيم لا تقارن الفاء ولا القاف ولا الطاء ولا الغين بتقديم ولا بتأخير .
والزاي لا تقارن الظاء ولا السين ولا الضاد ولا الذال بتقديم ولا تأخير » (2) .
وفي هذا دلالة على « أمتياز اللغة العربية في مجموع أصوات حروفها بسعة مدرجها الصوتي سعة تقابل أصوات الطبيعة في تنوعها وسعتها ، وتمتاز من جهة أخرى بتوزعها في هذا المدرج توزعاً عادلاً يؤدي إلى التوازن والانسجام بين الأصوات » (3) .
وكان التنافر في أصوات الكلمة موضع عناية عند السكاكي ( ت : 626 هـ ) ومن بعده القزويني ( ت : 739 هـ ) عند مباحث فصاحة المفرد ، وهي خلوصه من تنافر الحروف والغرابة ، ومخالفة القياس اللغوي ، وعند فصاحة الكلام ، وهي خلوصه من ضعف التأليف ، وتنافر الكلمات ، والتعقيد بشقيه اللفظي والمعنوي ، وهي موضوعات جرى على إدراجها في الموضوع علماء المعاني والبيان بعد السكاكي والقزويني إدراجاً تقليدياً للقول بسلامة القرآن من التنافر (4) .
ولا حاجة بنا إلى تأكيد هذا القول فهو أمر مفروغ عنه في القرآن ، وبقيت مفردات الصوت اللغوي فيه موضوع عناية البحث .
الفصل الثالث
1 ـ القرآن يوجه اهتمام العرب للصوت اللغوي
2ـ أصناف الأصوات اللغوية في فواتح السور عند الباقلاني .
3ـ جدولة الصوت اللغوي في فواتح السور عند الزمخشري .
4 ـ الصدى الصوتي للحروف المقطعة عند الزركشي
5 ـ القرآن في تركيبه الصوتي من جنس هذه الأصوات
|
يبدو أن القرآن الكريم قد وجه اهتمام العرب ـ منذ عهد مبكرـ ولفت نظرهم إلى ضرورة الإفادة من الزخم الصوتي في اللغة العربية وهو يستهل بعض السور القرآنية بجملة محددة من الحروف الهجائية التي تنطق بأصواتها أسماء ، لا بأدواتها حروفاً ، للإفادة من صوتيتها لدى الاستعمال دون حرفيتها .
وكان القرآن العظيم قد افتتح عامة سوره بعشرة أنواع بيانية من فن القول شملت طائفة متميزة من معاني النحو وأساليب البلاغة حتى حصر أرباب علوم القرآن بذلك دون تزيّد عليها أو نقصان منها ، فلا يخرج شيء من فواتح السور عنها ، وقد يتداخل بعضها ببعض تارة (1) .
ولعل من المفيد حقاً الإشارة على سبيل النموذج بأصل قرآني واحد لكل نوع تمهيداً بين يدي النوع المراد بحثه صوتياً ، وسنكتفي بإيراد هذا النموذج الواحد للدلالة عليه في النماذج الثرة المتوافر وجودها في أضراب أخرى لكل أصل .
1 ـ الاستفتاح بالثناء على الله تعالى ، كما في أول الفاتحة ، وذلك قوله تعالى : ( الحمد لله رب العالمين ) ،
2 ـ الاستفتاح بالنداء ، كما في أول المدثر ، وذلك قوله تعالى: ( يا أيها المدثر ) .
3 ـ الاستفتاح بالقسم ، كما في أول سورة الفجر ، وذلك قوله تعالى : ( والفجر ) .
4 ـ الاستفتاح بالجملة الخيرية ، كما في أول سورة « المؤمنون » وذلك قوله تعالى : ( قد أفلح المؤمنون ) .
5 ـ الاستفتاح بصيغة الأمر ، كما في أول سورة العلق ، وذلك قوله تعالى : ( اقرأ باسم ربّك الذى خَلَقَ ) .
6 ـ الاستفتاح بصيغة الشرط ، كما في أول سورة النصر ، وذلك قوله تعالى : ( إذا جاء نصر الله والفتح ) .
7 ـ الاستفتاح بصيغة الاستفهام ، كما في أول سورة النبأ ، وذلك قوله تعالى : ( عمَّ يتساءلون * عن النباء العظيم ) .
8 ـ الاستفتاح بالدعاء ، كما في أول سورة المطففين ، وذلك قوله تعالى : ( ويل للمطفّفين ) .
9 ـ الاستفتاح بالتعليل ، وقد ورد مرة واحدة في القرآن ، في أول سورة الإيلاف ، وذلك قوله تعالى : ( لإيلاف قريش ).
10 ـ الاستفتاح بحروف التهجي ، وهي موضوع هذا البحث في الصوت اللغوي ، إذ تم استفتاح تسع وعشرين سورة في المصحف الشريف بحروف هجائية مقطعة يمكن حصرها بالضبط في النحو الآتي :
أ ـ ثلاثة حروف موحدة هي : ص . ق . ن .
ب ـ عشرة حروف مثناة هي : طه ، طس ، يس ، وحم استعملت في افتتاح سبع سور، فهذه عشرة .
ج ـ إثنا عشر مثلثة الحروف هي : آلم ، آلر ، طسم .
وقد تكرر الأولان عدة مرات في المصحف دون طسم .
د ـ إثنان حروفهما أربعة : آلمر . آلمص .
هـ ـ إثنان حروفها خمسة : كهيعص . حمعسق .
وقد اهتم علماء الإعجاز القرآني بالتصنيف الصوتي لهذه الحروف في فواتح هذه السور ، وبيان أسرارها التركيبية ، ودلائلها الصوتية ، وكان أبو بكر الباقلاني ( ت : 403 هـ ) في طليعة هؤلاء الاعلام ، فقال :
« إن الحروف التي بني عليها كلام العرب تسعة وعشرون حرفاً ، وعدد السور التي افتتح فيها بذكر الحروف ثمان وعشرون (1) سورة ، وجملة ما ذكر من هذه [ الحروف ] في أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة ، وهو أربعة عشر حرفاً ليدل بالمذكور على غيره ، والذي تنقسم إليه هذه الحروف أقساماً : فمن ذلك قسموها إلى حروف مهموسة وأخرى مجهورة ، فالمهموسة منها عشرة وهي : الحاء والهاء والخاء والكاف والشين والثاء والفاء والتاء والصاد والسين .
وما سوى ذلك من الحروف فهي مجهورة ، وقد عرفنا أن نصف الحروف المهموسة مذكورة في جملة الحروف المذكورة في أوائل السور ، وكذلك نصف الحروف المجهورة على السواء لا زيادة ولانقصان » (2) .
فالباقلاني يعدد حروف المعجم ، ويقارن ذلك بأعداد حروف السور المفتتحة بها ، ويضيف هذه الحروف ، وهي إما مجهورة ، وإما مهموسة ونصف هذه الحروف بتقسيمها مقسوم على السواء بين حروف هذه الفواتح القرآنية ، فنصف المهموسة مذكور في جملة هذه الحروف ، ونصف المجهورة مذكور أيضاً دون تزيّد عليها أو نقصان منها .
وقد أيّد أهل اللغة المذهب الأول للباقلاني بما أورده الشيخ الطوسي ( ت : 460 هـ ) عنهم « فقال بعضهم : هي حروف المعجم استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تمام ثمانية وعشرين حرفاً كما يستغنى بذكر : أ . ب . ت . ث . عن ذكر الباقي » (3) .
ثم يعرض الباقلاني إلى تفصيل آخر : أن نصف حروف الحلق ( العين والحاء والهمزة والهاء والخاء والغين ) مذكور في جملة هذه الحروف ، وأن النصف المذكور هو : العين والحاء والهاء . وكذلك نصف عدة الحروف التي ليست من حروف الحلق مذكور في جملة هذه الحروف . وأن نصف الحروف الشديدة : ( الهمزة والقاف والكاف والجيم والتاء والدال والطاء والباء ) مذكور في جملة هذه الحروف ، والمذكور : الطاء والقاف والكاف والهمزة . وأن نصف الحروف المطبقة وهي ( الطاء والضاد والصاد والضاء ) مذكور في جملة هذه الحروف ، والمذكور هو الصاد والطاء (1) .
والذي يخلص لنا من هذا الاهتمام المتكامل اشتمال فواتح السور القرآنية المبدوءة بالحروف الهجائية على نصف تقسيمات أصناف الحروف ، بل على أنصاف كل الأصناف على هذا النحو :
1 ـ نصف الحروف المجهورة .
2 ـ نصف الحروف المهموسة .
3 ـ نصف حروف الحلق .
4 ـ نصف حروف غير الحلق .
5 ـ نصف الحروف الشديدة .
6 ـ نصف الحروف المطبقة .
وجميع هذه الحروف المثبتة في جدولة الباقلاني لها تمثل نصف حروف المعجم العربي ، وهذا التصنيف بعامة يمثل بعداً استقرائياً في حصر اوائل السور ذات الحروف الهجائية المقطّعة على أساس مخارج الصوت اللغوي .
ولا يكتفي الباقلاني بهذه البرمجة حتى يضيف إليها تصوراً صوتياً منظّماً ، ويعلل ظاهرة استعمال بعض الحروف دون سواها للتأكيد على المناخ الصوتي المتميز في وضع الحروف بموقعها المناسب بحسب
وسيأتي فيما بعد إفادة الزركشي ( ت : 794 هـ ) من هذا المنحنى لهذه الأصوات وتوسعه فيه وفي سواه على أس صوتي مكثف .
وقد أفاض جار الله الزمخشري ( ت : 538 هـ ) في تعقب هذه الوجوه ، وذكر هذه الملاحظ ، وأفاد مما أبداه الباقلاني وزاد عليه متوسعاً ، وفصل ما ذكره مجملاً بما نحاول برمجته باختصار على النحو التالي :
أولاً :
قال الزمخشري : « اعلم أنك إذا تأملت ما أورده الله عزّ سلطانه في الفواتح من هذه الأسماء وجدتها نصف أسامي حروف المعجم أربعة عشر سواء ، وهي : الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء والقاف والنون في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم ، ثم إذا نظرت في هذه الأربعة عشر وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف » (2) .
والملاحظ من هذا النص أن الزمخشري قد جعل أسامي حروف المعجم ثمانية وعشرين ، بينما ينص على أن عدد حروف المعجم تسعة وعشرون حرفاً ، مما قد يتصور معه التناقض وعدم الدقة ، وليس الأمر كذلك ، لأن الألف اسم يتناول عندهم جزئين من الحروف هما رسماً (ا) و (ء) أي المدة والهمزة ، لهذا قالوا الألف إما ساكنة أو متحركة ، والألف الساكنة هي المدة ، والألف المتحركة هي الهمزة ، ومن ثم بدأ التفريق الدقيق بينهما ، فأطلقت (ا) على الألف اللينة ، وأطلقت (ء) على الهمزة ،
« الهمزة والألف حرف واحد عند الفقهاء وحرفان في عرف العامة » (1) . و سواء أكانا حرفاً أم حرفين فإنهما صوتان لا شك في هذا .
ثانياً :
أوضح الزمخشري تبعاً للباقلاني أن في هذه الحروف من المهموسة نصفها وعدّدها ، ومن المجهورة نصفها وعدّدها ، ومن الشديدة نصفها وعدّدها ، ومن الرخوة نصفها وعدّدها ، ومن المطبقة نصفها وعددها ، ومن المنفتحة نصفها وعدّدها ، ومن المستعلية نصفها وعدّدها ، ومن المنخفضة نصفها وعدّدها ، ومن حروف القلقلة نصفها ، ويمكن جدولة هذه الحروف في منهج الزمخشري على النحو التالي : (2)
1ـ الحروف المهموسة : الصاد ، الكاف ، الهاء ، السين ، الحاء .
2 ـ الحروف المجهورة : الألف ، اللام ، الميم ، الراء ، العين ، الطاء ، القاف ، الباء ، النون .
3 ـ الحروف الشديدة : الأف ، الكاف ، الطاء ، القاف .
4 ـ الحروف الرخوة : اللام ، الميم ، الراء ، الصاد ، الهاء ، العين ، السين ، الحاء ، الياء ، النون .
5 ـ الحروف المطبقة : الصاد ، الطاء .
6 ـ الحروف المنفتحة : الألف ، اللام ، الميم ، الراء ، الكاف ، الهاء ، العين ، السين ، الحاء ، القاف ، الياء ، النون .
7 ـ الحروف المستعلية : القاف ، الصاد ، الطاء .
8 ـ الحروف المنخفضة : الألف ، اللام ، الميم ، الراء ، الكاف ، الهاء ، الياء ، العين ، السين ، الحاء ، النون .
9 ـ حروف القلقلة : القاف ، الطاء .
ويلاحظ أن الزمخشري قد استدرك على الباقلاني في جدولته لأنصاف الحروف الواردة في فواتح السورة استدرك عليه : الحروف الرخوة ، والمنفتحة ، والمستعلية ، والمنخفضة ، وحروف القلقلة ، ولكنها داخلة عند الباقلاني في جملة حروف الحلق وغير الحلق ، إلا أن الزمخشري قد وسعها تفصيلاً ، وترك الاجمال ، وأورد المسميات .
ثالثاً :
وبعد هذا التقسيم الدقيق تعقب الزمخشري حكمة هذا التركيب ، وغاية هذا الذكر ، وفلسفة هذه الأصوات ، فقال : « ثم إذا استقريت الكلم وتراكيبها ، رأيت الحروف التي ألغى الله ذكرها من هذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكور منها ، فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته . وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله ، وهو المطابق للطائف التنزيل واختصاراته ، فكأن الله عزّ اسمه عدّد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم ، إشارة إلى ما ذكرت من التبكيت لهم ، وإلزام الحجة إياهم » (1) .
رابعاً :
ورصد الزمخشري مواطن استعمال هذه الأصوات وكثرتها ، بحسب الجاري على ألسنة العرب في تكاثر بعض الحروف دون بعض ، وعرض لفائدة التكرار في جملة منها ، وتناول مسألة تفريقها على السور دون جمعها في أول القرآن ، وكأنه يشير إلى الحكمة المتوخاة من كل جانب فقال : « ومما يدل على أنه تعمد بالذكر من حروف المعجم أكثرها وقوعاً في تراكيب الكلم : أن الألف واللام لما تكاثر وقوعهما فيها جاءتا في معظم هذه الفواتح مكررتين ، وهي : فواتح سورة البقرة ، وآل عمران ، والروم ، والعنكبوت ، ولقمان ، والسجدة ، والأعراف ، والرعد ، ويونس ، وإبراهيم ، وهود ، ويوسف ، والحجر . فإن قلت : فهلا عدّدت بأجمعها في أول القرآن ، وما لها جاءت مفرقة على السور؟ قلت : لأن إعادة التنبيه على أن المتحدى به مؤلف منها لا غير ، وتجديده في غير موضع واحد ، أوصل إلى الغرض ، وأقوله في الأسماع والقلوب ، من أن يفرد ذكره مرة ، وكذلك مذهب كل تكرير جاء في القرآن فمطلوب به تمكين المكرر في النفوس
ووقف بدر الدين الزركشي ( ت : 794 هـ ) عند الصدى الصوتي للحروف المقطعة في فواتح هذه السور من عدة وجوه صوتية ، يمكن رصد أبعادها بالخطوط الآتية :
أولاً :
عرض الزركشي لأعداد هذه الأصوات في فواتح السور ، ووقف عندما أبتدىء به بثلاثة حروف ، واعتبر لذلك سراً صوتياً بارزاً علّله بقوله عن « ألم » في تركيبها : « وذلك أن الألف إذا بدىء بها أولاً كانت همزة ، وهي أول المخارج من أقصى الصدر ، واللام من وسط مخارج الحروف ، وهي أشد الحروف اعتماداً على اللسان ، والميم آخر الحروف ، ومخرجها من الفم . وهذه الثلاثة هي أصل مخارج الحروف أعني الحلق واللسان والشفتين ، وترتبت في التنزيل من البداية إلى الوسط ، إلى النهاية . فهذه الحروف تعتمد المخارج الثلاثة ، التي يتفرع منها ستة عشر مخرجاً ، ليصير منها تسعة وعشرون حرفاً ، عليها مدار الحلق أجمعين ، مع تضمنها سراً عجيباً ، وهو أن الألف للبداية ، واللام للتوسط ، والميم للنهاية ، فاشتملت هذه الأحرف الثلاثة على البداية والنهاية والواسطة بينهما » (2) .
وهذه الإنارة في استعمال مصطلحات الصوت في المخارج إلى الحلق واللسان والشفتين يضطلع فيها الزركشي بحسّ صوتي رفيع قد سبق إليه الخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت : 175 هـ ) وسيبويه ( ت : 180هـ ) وأبو الفتح عثمان بن جني ( ت : 392 هـ ) يؤكده الخط الثاني في تذوقه الحروف ، وتأكيده على مسافتها ومكانها وزمانها .
ثانياً :
والزركشي بطلق لفظ الحروف ويريد بذلك الأصوات كما هو
« وأيضاً من أسرار علم الحروف أن الهمزة من الرئة ، فهي أعمق الحروف ، واللام مخرجها من طرف اللسان ملصقة بصدر الغار الأعلى من الفم ، فصوتها يملأ ما وراءها من هواء الفم ، والميم مطبقة ، لأن مخرجها من الشفتين إذا أطبقا ، ويرمز بهن إلى باقي الحروف » (1) .
ثالثاً :
وتعقب الزركشي ملائمه صوت الطاء للسين في ( طس ) ومجانسته للهاء في ( طه ) ، وهو يعمم هذه الملائمة وتلك المجانسة صوتياً على القرآن فيقول :
« وتأمل اقتران الطاء بالسين والهاء في القرآن ، فإن الطاء جمعت من صفات الحروف خمس صفات لم يجمعها غيرها وهي : الجهر ، والشدة ، والاستعلاء ، والإطباق ، والإصمات ، والسين : مهموس ، رخو ، مستفل ، صفير ، منفتح ، فلا يمكن أن يجمع إلى الطاء حرف يقابلها ، كالسين والهاء ، فذكر الحرفين اللذين جمعا صفات الحروف » (2) .
وهذا التعقب خالص الصوتية في الاستقراء والاستنتاج معاً ، فإن ما ذكره اهتمام صوتي ليس غير ، وإن ما عدده من المصطلحات : الجهر ، الشدة ، الاستعلاء ، الإطباق ، الأصمات ، المهموس ، الرخو ، المستفل ، الصفير ، المنفتح ، مصطلحات صوتية في الصميم ، وهو وإن سبق إلى التسمية وسبق إلى الضبط ، إلا أنه طبقها تنظيراً صوتياُ على فواتح السور .
رابعاً :
وتنبه الزركشي أيضاً إلى اشتمال سورة ( ق ) على ذات الحرف ، لما في صوت القاف من القلقلة والشدة من جهة ، ولاشتماله على
والحق أنني تتبعت سورة (ق) فوجدت ذكر هذا الحرف قد تكرر بعده أربعاً وخمسين مرة في خمس وأربعين آية زيادة على الحرف الاستفتاحي . فما هذا السر الصوتي لهذا الحرف ؟ وما علاقة تسمية السورة به من خلال هذا البناء عليه ؟ وما هو موقع القلقلة في القاف ، والشدة في صوتها ، والجهر بأدائها ، والانفتاح عند نطقها بهذا التكرار في شتى الكلمات ، مما ذكره الزركشي ومما لم يذكره . الجواب عن هذا وذاك بعد إدراك العناية الصوتية : الله أعلم .
خامساً :
وأشار الزركشي إلى خصوصية للدلالة الصوتية في سورة (ص) للإبانة بهذا الحرف وصوتيته على أصداء الخصومات النازلة ، والمحاكمات الشديدة الوقع ، بما يتناسب واصطكاك الصاد في الحلحلة ، وصداها الواقع على الأذن ، واشتمالها على ما حدث من مجريات أحاديث السورة نفسها محاكاة في الأصوات الشديدة لما نشب من الأحداث الجسيمة ، فقال مؤكداً وجهة نظره الصوتية ، في تذوق الشدة والوقعة والخصومة من خلال صوت الصاد ، ومصاقبته لما ورد في السورة ذاتها من إشارات موحية بذلك :
« وإذا أردت زيادة إيضاح فتأمل ما أشتملت عليه سورة (ص) من
وهكذا نجد الزركشي في تنبيهاته الصوتية ـ سواء أكان ناقلاً لها ، أم مجمعاً لشتاتها ، أم مبرمجاً لخططها ، أم مبتدعاً لبعضها ـ ، يؤكد العمق الصوتي لدى علماء العربية في إبراز حقيقة الصوت اللغوي فيما اتسمت به فواتح السور القرآنية ذات الحروف الهجائية المقطّعة.
والحق أن استقرار المراد من هذه الحروف المقطعة ـ وإن لم تدرك أسراره ـ لا يخرجها عن حقيقة واقعها الصوتي في الأسماع ، ولا جوهرها الأنصاتي لدى الإطلاق ، فهي من جنس أصوات العرب في لغتهم ، ومن سنخ حروف معجمهم ، ومن روح أصداء لغة القرآن العظيم ، ولا يمانع هذا الاستقراء على اختلاف وجهات النظر فيه من شموخ الصوت اللغوي في أضوائها ، وبروز الملحظ الصوتي في تأويلاتها ـ توصل إلى الواقع أو لم يتوصل ـ على أن السلف الصالح مختلف في المراد من هذه الحروف المقطعة ، أو الأصوات المنطوقة على قولين :
الأول :
ان هذه الحروف في دلالتها وإرادتها من العلم المستور والسر المحجوب الذي استأثر به الله تعالى .
وادعى الشعبي : أنها من المتشابه ، نؤمن بظوواهرها ، ونكل العلم فيها إلى الله عزّ وجل (3) .
وقد روى الشيخ الطوسي ( ت : 460 هـ ) أنها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله ، واختاره الحسين بن علي المغربي (4) .