البيان في تفسير القرآن ::: 381 ـ 390
(381)
شئ إلا أن يكون من هذه الاصناف. ثم نسخ الله ذلك في سورة الانفال ، فجعل لهؤلاء الخمس ، وجعل الاربعة الاخماس لمن حارب قال الله تعالى (1).
     ( وأعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه 8 : 41).
     وقد رفض المحققون هذا القول ، وقالوا : إن ما يغنمه المسلمون في الحرب يغاير موضعا ما أفاء الله على رسوله بغير قتال ، فلا تنافي بين الايتين لتنسخ إحداهما الاخرى.
     أقول : إن ما ذكره المحققون بين لا ينبغي الجدال فيه ، ويؤكده أنه لم ينقل من سيرة النبي صلى الله عليه وآله أن يخص بالغنائم نفسه وقرابته دون المجاهدين. ومما يبطل النسخ ما قيل من أن سورة الانفال نزلت قبل نزول سورة الحشر (2) ولا أدنى من الشك في ذلك ، ومما لا ريب فيه أن الناسخ لا بد من تأخره عن المنسوخ.
1 ـ الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 231.
2 ـ تفسير القرطبي ج 18 ص 14.


(383)
البداء في التكوين


(384)
    العلم الالهي الازلي لا ينافى قدرته.موقف اليهود من قدرة الله.موقع البداء عند الشيعة. أقسام القضاء الالهي.ثمرة الاعتقاد بالبداء.حقيقة البداء عند الشيعة. أحاديث أهل السنة الدالة على البداء.إنباء المعصومين بالحوادث المستقبلة.


(385)
    بمناسبة الحديث عن النسخ في الاحكام وهو في أفق التشريع ، وبمناسبة أن النسخ كالبداء وهو في أفق التكوين ، وبمناسبة خفاء معنى البداء على كثير من علماء المسلمين ، وأنهم نسبوا إلى الشيعة ما هم براء منه ، وأنهم لم يحسنوا في الفهم ولم يحسنوا في النقد ، وليتهم إذ لم يعرفوا تثبتوا أو توففوا (1) كما تفرضه الامانة في النقل ، وكما تقتضيه الحيطة في الحكم ، والورع في الدين بمناسبة كل ذلك وجب أن نذكر شيئا في توضيح معنى البداء ، وإن لم تكن له صلة ـ غير هذا ـ بمدخل التفسير.
    تمهيد :
    لا ريب في أن العالم بأجمعه تحت سلطان الله وقدرته ، وأن وجود أي شيء من الممكنات منوط بمشيئة الله تعالى ، فإن شاء أوجده ، وإن لم يشأ لم يوجده.
     ولا ريب أيضا في أن علم الله سبحانه قد تعلق بالاشياء كلها منذ الازل ، وأن الاشياء بأجمعها كان لها تعين علمي في علم الله الازلي وهذا التعين يعبر عنه ب‍ تقرير الله تارة وب‍ قضائه تارة أخرى ، ولكن تقدير الله وعلمه سبحانه
1 ـ انظر التعليقة رقم (9) للوقوف على اختلاق الفخر الرازي نسبة الجهل إلى الله على لسان الشيعة ـ في قسم التعليقات.

(386)
بالاشياء منذ الازل لا يزاحم ولا ينافي قدرته تعالى عليها حين إيجادها ، فإن الممكن لا يزال منوطا بتعلق مشيئة الله بوجوده التي قد يعبر عنها بالاختيار ، وقد يعبر عنها بالارادة ، فإن تعلقت المشيئة به وجد وإلا لم يوجد. والعلم الالهي يتعلق بالاشياء على واقعها من الاناطة بالمشيئة الالهية ، لان انكشاف الشئ لا يزيد على واقع ذلك الشئ ، فإذا كان الواقع منوطا بمشيئة الله تعالى كان العلم متعلقا به على هذه الحالة ، وإلا لم يكن العلم علما به على وجهه ، وانكشافا له على واقعه. فمعنى تقدير الله تعالى للاشياء وقضائه بها : أن الاشياء جميعها كانت متعينة في العلم الالهي منذ الازل على ما هي عليه من أن وجودها معلق على أن تتعلق المشيئة بها ، حسب اقتضاء المصالح والمفاسد التي تختلف باختلاف الظروف والتي يحيط بها العلم الالهي.

    موقف اليهود من قدرة الله :
    وذهبت اليهود إلى أن قلم التقدير والقضاء حينما جرى على الاشياء في الازل استحال أن تتعلق المشيئة بخلافه. ومن أجل ذلك قالوا : يد الله مغلولة عن القبض والبسط والاخذ والاعطاء ، فقد جرى فيها قلم التقدير ولا يمكن فيها التغيير (1) ، ومن
    الغريب أنهم ـ قاتلهم الله ـ التزموا بسلب القدرة عن الله ، ولم يلتزموا بسلب القدرة عن العبد ، مع أن الملاك في كليهما واحد ، فقد تعلق العلم الازلي بأفعال الله تعالى ، وبأفعال العبيد على حد سواء.

    موقع البداء عند الشيعة :
    ثم إن البداء الذي تقول به الشيعة الامامية إنما يقع في القضاء غير المحتوم ، أما المحتوم منه فلا يتخلف ، ولا بد من أن تتعلق المشيئة بما تعلق به القضاء ، وتوضيح ذلك أن القضاء على ثلاثة أقسام :
1 ـ انظر التعليقة رقم (10) لمعرفة بعض الاخبار الدالة على مشيئة الله تعالى ـ في قسم التعليقات.

(387)
    أقسام القضاء الالهي :
    الاول : قضاء الله الذي لم يطلع عليه أحدا من خلقه ، والعلم المخزون الذي استأثر به لنفسه ، ولا ريب في أن البداء لا يقع في هذا القسم ، بل ورد في روايات كثيرة عن أهل البيت عليهم السلام أن البداء إنما ينشأ من هذا العلم.
     روى الشيخ الصدوق في العيون بإسناده عن الحسن بن محمد النوفلي أن الرضا عليه السلام قال لسليمان المروزي :
    « رويت عن أبي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال : إن لله عز وجل علمين علما مخزونا مكنونا لا يعلمه إلا هو من ذلك يكون البداء ، وعلما علمه ملائكته ورسله ، فالعلماء من أهل بيت نبيك يعلمونه ... » (1).
     وروى الشيخ محمد بن الحسن الصفار في بصائر الدرجات بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال :
    « إن لله علمين : علم مكنون مخزون لا يعلمه إلا هو ، من ذلك يكون البداء وعلم علمه ملائكته ورسله وأنبياءه ، ونحن نعلمه » (2).
     الثاني : قضاء الله الذي أخبر نبيه وملائكته بأنه سيقع حتما ، ولا ريب في أن هذا القسم أيضا لا يقع فيه البداء ، وإن افترق عن القسم الاول ، بأن البداء لا ينشأ منه.
     قال الرضا عليه السلام لسليمان المروزي ـ في الرواية المتقدمة ـ عن الصدوق :
    « إن عليا عليه السلام كان يقول : العلم علمان ، فعلم علمه الله ملائكته ورسله ،
1 ـ عيون أخبار الرضا باب 13 في ذكر مجلس الرضا مع سليمان المروزي ، و البحار : باب البداء والنسخ ج 2 ص 132 ط كمباني.
2 ـ نقلا عن البحار باب البداء والنسخ ج 2 ص 136 ط كمباني ، ورواه الشيخ الكليني عن أبي بصير أيضا ، الوافي باب البداء ج 1 ص 113.


(388)
فما علمه ملائكته ورسله فإنه يكون ، ولا يكذب نفسه ولا ملائكته ولا رسله وعلم عنده مخزون لم يطلع عليه أحدا من خلقه يقدم منه ما يشاء ، ويؤخر ما يشاء ، ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء (1).
     وروى العياشي عن الفضيل ، قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول :
    « من الامور أمور محتومة جائية لا محالة ، ومن الامور أمور موقوفة عند الله يقدم منها ما يشاء ، ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء ، لم يطلع على ذلك أحدا ـ يعني الموقوفة ـ فأما ما جاءت به الرسل فهي كائنة لا بكذب نفسه ، ولا نبيه ، ولا ملائكته » (2).
     الثالث : قضاء الله الذي أخبر نبيه وملائكته بوقوعه في الخارج إلا أنه موقوف على أن لا تتعلق مشيئة الله بخلافه. وهذا القسم هو الذي يقع فيه البداء :
    ( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب 13 : 39. لله الامر من قبل ومن بعد 29 : 4).
    وقد دلت على ذلك روايات كثيرة منها هذه :
     1 ـ ما في تفسير علي بن إبراهيم عن عبد الله بن مسكان عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إذا كان ليلة القدر نزلت الملائكة والروح والكتبة إلى سماء الدنيا ، فيكتبون ما يكون من قضاء الله تعالى في تلك السنة ، فإذا أراد الله أن يقدم شيئا أو يؤخره ، أو ينقص شيئا أمر الملك أن يمحو ما يشاء ، ثم أثبت الذي أراده. قلت : وكل شيء هو عند الله مثبت في كتاب ؟ قال : نعم. قلت :
1 ـ عيون أخبار الرضا باب 13 ورواه الشيخ الكليني عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر (ع) الوافي باب البداء ج 1 ص 113.
2 ـ نقلا عن البحار : باب البداء والنسخ ج 2 ص 133 ط كمباني.


(389)
فأي شيء يكون بعده ؟ قال : سبحان الله ، ثم يحدث الله أيضا ما يشاء تبارك وتعالى (1).
     2 ـ ما في تفسيره أيضا عن عبد الله بن مسكان عن أبي جعفر وأبي عبد الله وأبي الحسن (ع) في تفسير قوله تعالى :
    ( فيها يفرق كل أمر حكيم 44 : 4).
    أي يقدر الله كل أمر من الحق ومن الباطل ، وما يكون في تلك السنة ، وله فيه البداء والمشيئة. يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء من الاجال والارزاق والبلايا والاعراض والامراض ، ويزيد فيها ما يشاء وينقص ما يشاء .. (2).
     3 ـ ما في كتاب الاحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : لولا آية في كتا ب الله ، لاخبرتكم بما كان وبما يكون وبما هو كائن إلى يوم القيامة ، وهي هذه الاية : يمحوا الله ... (3).
    وروى الصدوق في الامالي والتوحيد بإسناده عن الاصبغ عن أمير المؤمنين عليه مثله.
     4 ـ ما في تفسير العياشي عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال :
    « كان علي بن الحسين عليه السلام يقول : لولا آية في كتاب الله لحدثتكم بما يكون إلى يوم القيامة. فقلت : أية آية ؟ قال : قول الله : يمحو الله ... » (4).
     5 ـ ما في قرب الاسناد عن البزنطي عن الرضا عليه السلام قال : قال
1 ـ نقلا عن البحار. باب البداء والنسخ ج 2 ص 133 ط كمباني.
2 ـ نفس المصدر ص 134.
3 ـ الاحتجاج للطبرسي ص 137 المطبعة المرتضوية ـ النجف الاشرف.
4 ـ نقلا عن البحار باب البداء والنسخ ج 2 ص 139 ط كمباني.


(390)
أبو عبد الله ، وأبو جعفر ، وعلي بن الحسين ، والحسين بن علي ، والحسن بن علي وعلي بن أبي طالب عليهم السلام : لولا آية في كتاب الله لحدثناكم بما يكون إلى أن تقوم الساعة : يمحو الله ... (1). إلى غير ذلك من الروايات الدالة على وقوع البداء في القضاء الموقوف.
    وخلاصة القول : أن القضاء الحتمي المعبر عنه باللوح المحفوظ ، وبام الكتاب ، والعلم المخزون عند الله يستحيل أن يقع فيه البداء. وكيف يتصور فيه البداء ؟ وأن الله سبحانه عالم بجميع الاشياء منذ الازل ، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الارض ولا في السماء.
     روى الصدوق في إكمال الدين بإسناده عن أبي بصير وسماعة ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال :
    « من زعم أن الله عز وجل يبدو له في شيء لم يعلمه أمس فابرأوا منه » (2).
     وروى العياشي عن ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام يقول :
    « إن الله يقدم ما يشاء ، ويؤخر ما يشاء ، ويمحو ما يشاء ، ويثبت ما يشاء وعنده أم الكتاب ، وقال : فكل أمر يريده الله فهو في علمه قبل أن يصنعه ، ليس شيء يبدو له إلا وقد كان في علمه ، إن الله لا يبدو له من جهل » (3).
     وروى أيضا عن عمار بن موسى عن أبي عبد الله عليه السلام : سئل عن قول الله : يمحو الله .. قال : إن ذلك الكتاب كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت ، فمن ذلك الذي يرد الدعاء القضاء ، وذلك الدعاء مكتوب عليه الذي يرد به القضاء ، حتى إذا صار إلى أم الكتاب لم يغن الدعاء فيه شيئا (4).
1 ـ نفس المصدر ص 132.
2 ـ نقلا عن البحار ، باب البداء والنسخ ج 2 ص 136.
3 ـ نقلا عن نفس المصدر ص 139.
4 ـ نقلا عن نفس المصدر ص 139.
البيان في تفسير القرآن ::: فهرس