إمضاء ما كان يفعله الناس ، وقد ذكرت الآية في
سياق إثبات الصانع الحكيم بآياته الآفاقية ، فقال عز من قائل :
( والله أنزل من
السماء ماء فأحياء به الارض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون
16 : 65. وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا
للشاربين : 66. ومن ثمرات النخيل والاعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في
ذلك لآية لقوم يعقلون : 67. وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن
الشجر ومما يعرشون : 68. ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من
بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون : 69).
فذكر سبحانه وتعالى أن من آياته أن ينزل الماء من السماء ،
وأنه يحيى به الارض بعد موتها. ثم ذكر تدبيره في صنع الحيوان ، وأنه يخرج
اللبن الخالص من بين فرث ودم. ثم ذكر ما أودعه في ثمرات النخيل والاعناب من الاستعداد لاتخاذ السكرمنها والرزق الحسن ، وقد امتازت هي من بين الثمار بذلك.
ثم ذكر ما يصنعه النحل من الاعمال التي يحار فيها العقلاء العارفون بمزايا صنع
العسل ومبادئه ، وأن ذلك بوحي الله تعالى وإلهامه. وإذن فليس في الآية دلالة على إباحة شرب المسكر أصلا. على أن في الآية إشعارا ـ لو سلم إرادة المسكر من
(362)
لفظ سكرا ـ بعدم جواز شرب المسكر ، فإنها جعلت المسكر مقابلا
للرزق الحسن. ومعنى هذا : أن المسكر ليس من الرزق الحسن ، فلا يكون مباحا.
وتدل على ما ذكرناه الروايات المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام فإنها دلت على أن الخمر لم تزل محرمة.
روى الشيخ الصدوق بإسناده عن محمد بن مسلم ، قال :
« سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الخمر ، فقال : قال رسول الله (ص) : إن
أول ما نهاني عنه ربي عز وجل عبادة الاوثان وشرب الخمر .. ».
وروى عن الريان عن الرضا عليه السلام ، قال :
« ما بعث الله نبيا إلا بتحريم الخمر » (1) ، وقد تقدم في بحث الاعجاز تحريم الخمر في التوراة (2) ، ولكن الشئ الذي لا يشك فيه أن الشريعة الاسلامية لم
تجهر بحرمة الخمر برهة من الزمن ، ثم جهرت بها بعد ذلك ، وهذا هو حال الشريعة المقدسة في جميع
الاحكام. ومن البين أنه ليس معنى ذلك أن الخمر كان مباحا في الشريعة ثم نسخت حرمته.
30 ـ ( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم
ذلك على المؤمنين 24 : 3).
1 ـ البحار تتمة ج 16 باب حرمة شرب الخمر ص 18 ، 20. وقد افرد لذلك بابا في
الوافي ج 11 ص 79.
2 ـ تقدم ذلك في ص 54 من هذا الكتاب.
(363)
فعن سعيد بن المسيب ، وأكثر العلماء أن هذه الآية
منسوخة بقوله تعالى :
( وأنكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم
24 : 32).
فدخلت الزانية في أيامى المسلمين (1).
والحق : أن الآية غير منسوخة ، فإن النسخ فيها
يتوقف على أن يكون المراد من لفظ النكاح هو التزويج ، ولا دليل يثبت ذلك. على أن
ذلك يستلزم القول بإباحة نكاح المسلم الزاني المشركة ، وبإباحة نكاح المشرك
المسلمة الرابي ، وهذا مناف لظاهر الكتاب العزيز ، ولما ثبت من سيرة المسلمين ، وإذن فالظاهر أن
المراد من النكاح في الآية هو الوطئ ، والجملة خبرية قصد بها الاهتمام بأمر الزنا.
ومعنى الآية : أن الزاني لا يزني إلا بزانية ، أو بمن هي أخس منها وهي المشركة ، وأن الزانية لا تزني إلا بزان ، أو بمن هو أخس منه وهو المشرك. وأما المؤمن فهو ممتنع عن ذلك ، لان الزنا محرم ، وهو لا يرتكب ما حرم عليه.
31 ـ ( قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا
يرجون أيام الله 45 : 14).
فذهبت جماعة إلى أن هذه الآية الكريمة منسوخة بآية السيف ، وقالوا :
إن هذه الآية مكية ، وقد نزلت في عمر بن
الخطاب حين شتمه رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة ، فأراد عمر أن يبطش به :
فأنزل الله تعالى هذه الآية ثم نسخت بقوله تعالى :
1 ـ الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 193.
(364)
( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم 9 : 5).
واستندوا في ذلك إلى ما رواه
عليل بن أحمد ، عن محمد بن هشام عن عاصم ابن سليمان ، عن جويبر ، عن الضحاك ،
عن ابن عباس (1) ولكن هذه الرواية ضعيفة جدا ، ولا أقل من أن في سندها عاصم
بن سليمان وهو كذاب وضاع (2) مع أن الرواية ضعيفة المتن ، فإن المسلمين ـ قبل الهجرة ـ كانوا
ضعفاء ، ولم يكن عمر مقداما في الحروب ، ولم يعد من الشجعان المرهوبين ، فكيف
يسعه أن يبطش بالمشرك ؟ ! على أن لفظ الغفران المذكور في الآية يدل على التمكن
من الانتقام. ومن المقطوع به أن ذلك لم يكن ميسورا لعمر قبل الهجرة ، فلو أراد
البطش بالمشرك لبطش به المشرك لا محالة.
والحق : أن الآية المباركة محكمة غير منسوخة ، وأن معنى الآية : أن
الله أمر المؤمنين بالعفو والاغضاء عما ينالهم من الايذاء والاهانة في شؤونهم
الخاصة ممن لا يرجون أيام الله ، ويدل عليه قوله تعالى بعد ذلك :
( ليجزي قوما بما كانوا يكسبون
45 : 14. من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم
ترجعون : 15).
فإن الظاهر منه أن جزاء المسئ الذي لا يرجو أيام الله ولا يخاف المعاد ،
1 ـ الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 218.
2 ـ قال ابن عدي : يعد ممن يضع الحديث. وقال أيضا : عامة أحاديثه مناكير متنا واسنادا ،
والضعف على رواياته بين ، وقال الفلاس : كان يضع الحديث ، ما رأيت مثله قط
وقال أبو حاتم والنسائي : متروك.
وقال الدارقطني : كذاب ، وقال أيضا في العلل : كان ضعيفا آية من الآيات في ذلك. وقال ابن حبان : لا يجوز كتب حديثه إلا تعجبا وقال أبو داود الطيالسي : كذاب ، وقال الساجي :
متروك يضع الحديث ، وقال الازدي : ضعيف مجهول ، لسان الميزان ج 3 ص 218 ، 219.
(365)
سواء أكان من المشركين ، أم من الكتابيين ، أم من المسلمين
الذين لا يبالون بدينهم إنما هو موكول إلى الله الذي لا يفوته ظلم الظالمين
وتفريط المفرطين ، فلا ينبغي للمسلم المؤمن بالله أن يبادر إلى الانتقام منه ،
فإن الله أعظم منه نقمة وأشد أخذا ، وهذا الحكم تهذيبي أخلاقي ، وهو لا ينافي الامر بالقتال
للدعوة إلى الاسلام أو لامر آخر ، سواء أكان نزول هذه الآية قبل نزول آية السيف أم كان بعده.
32 ـ ( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا
أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء 47 ، 4).
فذهبت جماعة إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف ، وذهب آخرون إلى أنها ناسخة لها (1).
والحق : أنها ليست ناسخة ولا منسوخة ، وتحقيق ذلك يحتاج إلى مزيد من البسط في الكلام.
أحكام الكافر المقاتل : المعروف بين الشيعة الامامية
أن الكافر المقاتل يجب قتله ما لم يسلم ، ولا يسقط قتله بالاسر قبل أن يثخن المسلمون الكافرين ،
ويعجز الكافرون عن القتال لكثرة القتل فيهم ، وإذا أسلم ارتفع موضوع القتل ،
وهو الكافر ، وأما الاسر بعد الاثخان فيسقط فيه القتل ، فإن الآية قد جعلت
الاثخان غاية لوجوب ضرب الرقاب.
1 ـ الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 220.
(366)
ومن الواضح : أن الحكم يسقط عند
حصول غايته ، ويتخير ولي الامر في تلك الحال بين استرقاق الاسير ، وبين مفاداته ، والمن عليه من غير فداء ، من غير فرق في ذلك بين المشرك وغيره من فرق الكفار ، وقد ادعي الاجماع على ما ذكرناه من الاحكام ، والمخالف فيها شاذ لا يعبأ بخلافه ، وسيظهر ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وهذا الذي ذكروه يوافق ظاهر الآية الكريمة من جميع الجهات إذا كان شد الوثاق هو
الاسترقاق ، باعتبار أن معنى شد الوثاق هو عزله عن الاستقلال ما لم يمن عليه أو
يفاد ، وأما إذا لم يكن شد الوثاق بمعنى الاسترقاق ، فلا بد من إضافة الاسترقاق
إلى المفاداة والمن للعلم بجوازه من أدلة أخرى ، فيكون ذلك تقييدا لاطلاق الآية
بالدليل.
وقد وردت الاحكام المذكورة فيما رواه الكليني ، والشيخ الطوسي بإسنادهما عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال :
« سمعته يقول كان أبي يقول ان للحرب حكمين : إذا كانت الحرب قائمة لم تضع أوزارها ، ولم يثخن أهلها ، فكل أسير أخذ في تلك الحال فإن الامام فيه بالخيار إن شاء ضرب عنقه ، وإن شاء قطع يده ورجله من خلاف بغير حسم ، وتركه يتشحط في دمه حتى يموت وهو قول الله تعالى :
( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله
ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أوتقطع أيديهم
وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب
عظيم 5 : 33).
ألا ترى أنه التخيير الذي خير الله الامام على شيء واحد وهو الكفر وليس
(367)
هو على أشياء مختلفة فقلت لجعفر بن محمد عليه السلام قول الله
تعالى : أو ينفوا من الارض ، قال ذلك الطلب أن يطلبه الخيل حتى يهرب ، فإن
أخذته الخيل حكم ببعض الاحكام التي وضعت ذلك ، والحكم الآخر إذا وضعت الحرب
أوزارها وأثخن أهلها ، فكل أسير أخذ على تلك الحال وكان في أيديهم
فالامام فيه بالخيار ، إن شاء الله من عليهم فأرسلهم ، وإن شاء فاداهم أنفسهم ،
وإن شاء استعبدهم فصاروا عبيدا » (1).
ووافقتا على سقوط القتل عن الاسير بعد الاثخان : الضحاك وعطاء ، وصرح الحسن بذلك وان الامام بالخيار إما أن يمن أو يفادي أو يسترق (2).
وعلى ما ذكرناه فلا نسخ في الآية الكريمة ، غاية الامر أن القتل يختص بمورد ،
ويختص عدم القتل بمورد آخر من غير فرق بين أن تكون آية السيف متقدمة في النزول
على هذه الآية ، وبين أن تكون متأخرة عنها.
ومن الغريب : أن الشيخ الطوسي ـ في هذا المقام ـ
نسب إلى أصحابنا أنهم رووا تخيير الامام في الاسير بعد الاثخان بين القتل وبين
ما ذكر من الامور.
قال : « والذي رواه أصحابنا أن الاسير إن أخذ قبل انقضاء
الحرب والقتال ـ بأن تكون الحرب قائمة ، والقتال باق ـ فالامام مخير بين أن يقتلهم ، أو
يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويتركهم حتى ينزفوا ، وليس له المن ولا الفداء ،
وإن كان أخذ بعد وضع الحرب أوزارها وانقضاء الحرب والقتال كان ـ الامام ـ مخيرا
بين المن والمفاداة إما بالمال أوالنفس ، وبين الاسترقاق ـ وضرب الرقاب ـ ».
وتبعه على ذلك الطبرسي في تفسيره (3) مع أنه لم ترد في ذلك رواية أصلا.
1 ـ الوافي ج 9 ص 23. 2 ـ القرطبي ج 16 ص 227 ، 228 ، ونقله النحاس في الناسخ والمنسوخ عن عطاء ص 221.
3 ـ تفسير التبيان ج 9 ص 291 ط النجف.
(368)
وقد نص الشيخ الطوسي بنفسه في كتاب المبسوط (1) : كل أسير
يؤخذ بعد أن تضع الحرب أوزارها ، فإنه يكون الامام مخيرا فيه بين أن يمن عليه
فيطلقه ، وبين أن يسترقه وبى أن يفاديه ، وليس له قتله على ما رواه أصحابنا وقد
ادعى الاجماع والاخبار على ذلك : في المسألة السابعة عشرة من كتاب الفئ ، وقسمة
الغنائم من كتاب الخلاف.
ومن الذين ادعوا الاجماع على ذلك صريحا العلامة في كتابي المنتهى والتذكرة
في أحكام الاسارى من كتاب الجهاد.
وفي ظني : أن كلمة ضرب الرقاب في عبارة
التبيان إنما كانت من سهو القلم ، وقد جرى عليه الطبرسي من غير مراجعة.
هذا هو مذهب علماء الشيعة الامامية ، والضحاك ، وعطاء ، والحسن.
آراء اخرى حول الآية : وأما بقية علماء أهل السنة فقد ذهبوا إلى أقوال :
1 ـ منهم من قال : « إن الآية نزلت في المشركين ، ثم نسخت بآيات السيف » ، نسب ذلك إلى قتادة ، والضحاك ، والسدي ، وابن جريح ، وابن عباس ، وإلى كثير من الكوفيين ، فقالوا : إن
الاسير المشرك يجب قتله ، ولا تجوز مفاداته ، ولا المن عليه بإطلاقه (2).
ويرده :
أنه لا وجه للنسخ على
هذا القول ، فإن نسبة هذه الآية إلى آيات السيف نسبة المقيد إلى المطلق ، سواء
أكانت متقدمة عليها في النزول أم كانت متأخرة
1 ـ المبسوط كتاب الجهاد ، فصل في أصناف الكفار وكيفية قتالهم.
2 ـ تفسير القرطبي ج 16 ص 227.
(369)
عنها. وقد أوضحنا ـ فيما سبق ـ أن العام المتأخر لا يكون
ناسخا للخاص المتقدم ، فكيف بالمطلق إذا سبقه المقيد (1) ؟.
2 ـ ومنهم من قال : إن
الآية نزلت في الكفار جميعا ، فنسخت في خصوص المشرك نسب ذلك إلى قتادة ،
ومجاهد ، والحكم ، وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة (2).
ويرده :
أن هذا القول واضح
البطلان كالقول السابق ، فإن ذلك موقوف على أن تكون آيات السيف متأخرة في
النزول عن هذه الآية ، ولا يمكن القائل بالنسخ إثبات ذلك ، ولا سند له غير
التمسك بخبر الواحد ، وقد أوضحنا أن خبر الواحد لا يثبت به النسخ إجماعا ، ولو فرضنا ثبوت ذلك ، فلا دليل على كون آيات السيف ناسخة لها ، ليصح القول المذكور ، بل تكون هذه الآية مقيدة لآيات السيف ،
وذلك : لاجماع الامة على أن هذه الآية قد شملت المشركين أو أنها مختصة بهم ،
وعلى ذلك كانت الآية المباركة قرينة على تقييد آيات السيف لما أشرنا إليه
آنفا من أن المطلق لا يصلح أن يكون ناسخا للمقيد ، وإذا أغمضنا عن ذلك كانت هذه
الآية الكريمة معارضة لآيات السيف بالعموم من وجه ، ومورد الاجتماع هو المشرك
الاسير بعد الاثخان ، ولا مجال للالتزام بالنسخ فيه.
3 ـ ومنهم من قال : إن الآية ناسخة الآية السيف نسب ذلك إلى الضحاك وغيره (3).
ويرده :
1 ـ قد فصلنا الكلام في ذلك في بحث العموم والخصوص من كتابنا
أجود التقريرات 2 ـ تفسير القرطبي ج 16 ص 227. 3 ـ نفس المصدر. ( البيان ـ 24)
(370)
أن هذا القول ، يتوقف على إثبات تأخر هذه الآية في النزول عن
آيات السيف ، ولا يمكن هذا القائل إثبات ذلك ، على أنا قد أوضحنا ـ فيما تقدم ـ
أنه لا موجب للالتزام بالنسخ ، تأخرت الآية في النزول عن آيات السيف ، أم تقدمت
عليها.
4 ـ ومنهم من قال : إن الامام مخير في كل
حال بين القتل والاسترقاق والمفاداة والمن ، رواه أبو طلحة عن ابن عباس ،
واختاره كثير : منهم ابن عمر ، والحسن ، وعطاء ، وهو مذهب مالك ، والشافعي ،
والثوري ، والاوزاعي وأبي عبيد ، وغيرهم. وعلى هذا القول فلا نسخ في الآية (1) قال النحاس بعدما ذكر هذا القول : وهذا على أن الآيتين محكمتان معمول بهما ،
وهو قول حسن لان النسخ إنما يكون بشئ قاطع ، فأما إذا أمكن العمل بالآيتين ،
فلا معنى في القول بالنسخ .. وهذا القول يروى عن أهل المدينة ، والشافعي ،
وأبي عبيد (2).
ويرده :
أن هذا القول وإن لم يستلزم نسخا في
الآية ، إلا أنه باطل أيضا ، لان الآية الكريمة صريحة في أن المن والفداء إنما
هما بعد الاثخان فالقول بثبوتهما ـ قبل ذلك ـ قول بخلاف القرآن ، والامر بالقتل
في الآية مغيا بالاثخان فالقول بثبوت القتل بعده قول بخلاف القرآن أيضا ، وقد
سمعت أن آيات السيف مقيدة بهذه الآية.
وأما ما استدل به على هذا القول من أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قتل بعض
الاسارى وفادى بعضا ، ومن على آخرين ، فهذه الرواية ـ على فرض صحتها ـ لا دلالة
لها على التخيير بين القتل وغيره ، لجواز أن يكون قتله للاسير قبل الاثخان
1 ـ تفسير القرطبي ج 16 ص 228.
2 ـ الناسخ والمنسوخ ص 221.