البيان في تفسير القرآن ::: 271 ـ 280
(271)
    والجواب :
    أن هذا العلم الاجمالي إنما يكون سببا للمنع عن الاخذ بالظواهر ، إذا أريد العمل بها قبل الفحص عن المراد ، وأما بعد الفحص والحصول على المقدار الذي علم المكلف بوجوده إجمالا بين الظواهر ، فلا محالة ينحل العلم الاجمالي ، ويسقط عن التأثير ، ويبقى العمل بالظواهر بلا مانع. ونظير هذا يجري في السنة أيضا ، فإنا نعلم بورود مخصصات لعموماتها ، ومقيدات لمطلقاتها ، فلو كان العلم الاجمالي مانعا عن التمسك بالظواهر حتى بعد انحلاله لكان مانعا عن العمل بظواهر السنة أيضا ، بل ولكان مانعا عن إجراء اصالة البراءة في الشبهات الحكمية ، الوجوبية منها والتحريمية ، فإن كل مكلف يعلم بوجود تكاليف إلزامية في الشريعة المقدسة ، ولازم هذا العلم الاجمالي وجوب الاحتياط عليه في كل شبهة تحريمية ، أو وجوبية يقع فيها مع أن الاحتياط ليس بواجب فيها يقينا. نعم ذهب جمع كثير من المحدثين إلى وجوب الاحتياط في موارد الشبهات التحريمية ، إلا أن ذلك نشأ من توهمهم أن الروايات الامرة بالتوقف أو الاحتياط تدل على وجوب الاحتياط والتوقف في موارد تلك الشبهات. وليس قولهم هذا ناشئا من العلم الاجمالي بوجود التكاليف الالزامية في الشريعة المقدسة ، وإلا لكان اللازم عليهم القول بوجوب الاحتياط حتى في الشبهات الوجوبية ، مع أنه لم يذهب إلى وجوبه فيها أحد فيما نعلم. والسر في عدم وجوب الاحتياط في هذه الموارد وفي أمثالها واحد ، وهو أن العلم الاجمالي قد انحل بسبب الظفر بالمقدار المعلوم ، وبعد انحلاله يسقط عن التأثير. ولتوضيح ذلك يراجع كتابنا أجود التقريرات.
     5 ـ المنع عن اتباع المتشابه :
    إن الايات الكريمة قد منعت عن العمل بالمتشابه ، فقد قال الله تعالى :


(272)
     ( منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه 3 : 7).
    والمتشابه يشمل الظاهر أيضا ، ولا أقل من احتمال شموله للظاهر فيسقط عن الحجية.
    الجواب :
    إن لفظ المتشابه واضح المعنى ولا إجمال فيه ولا تشابه ، ومعناه أن يكون للفظ وجهان من المعاني أو أكثر ، وجميع هذه المعاني في درجة واحدة بالنسبة إلى ذلك اللفظ ، فإذا أطلق ذلك اللفظ احتمل في كل واحد من هذه المعاني أن يكون هو المراد ، ولذلك فيجب التوقف في الحكم إلى أن تدل قرينة على التعيين ، وعلى ذلك فلا يكون اللفظ الظاهر من المتشابه.
     ولو سلمنا أن لفظ المتشابه متشابه ، يحتمل شموله للظاهر ، فهذا لا يمنع عن العمل بالظاهر بعد استقرار السيرة بين العقلاء على اتباع الظهور من الكلام ، فإن الاحتمال بمجرده لا يكون رادعا عن العمل بالسيرة ، ولا بد في الردع عنها من دليل قطعي ، وإلا فهي متبعة من دون ريب ، ولذلك فإن المولى يحتج على عبده إذا خالف ظاهر كلامه ، ويصح له أن يعاقبه على المخالفة ، كما أن العبد نفسه يحتج على مولاه إذا وافق ظاهر كلام مولاه وكان هذا الظاهر مخالفا لمراده. وعلى الجملة فهذه السيرة متبعة في التمسك بالظهور حتى يقوم دليل قطعي على الردع.
     6 ـ وقوع التحريف في القرآن :
    إن وقوع التحريف في القرآن ، مانع من العمل بالظواهر ، لاحتمال كون هذه الظواهر مقرونة بقرائن تدل على المراد ، وقد سقطت بالتحريف.


(273)
    والجواب :
     منع وقوع التحريف في القرآن ، وقد قدمنا البحث عن ذلك ، وذكرنا أن الروايات الامرة بالرجوع إلى القرآن بأنفسها شاهدة على عدم التحريف ، وإذا تنزلنا عن ذلك فإن مقتضى تلك الروايات هو وجوب العمل بالقرآن ، وإن فرض وقوع التحريف فيه. ونتيجة ما تقدم أنه لا بد من العمل بظواهر القرآن ، وأنه الاساس للشريعة ، وأن السنة المحكية لا يعمل بها إذا كانت مخالفة له.


(275)
النسخ في القرآن


(276)
    المعنى اللغوي والاصطلاحي للنسخ. إمكان النسخ. وقوعه في التوراة. وقوعه في الشريعة الاسلامية. أقسام النسخ الثلاثة. الايات المدعى نسخها وإثبات انها محكمة. آية المتعة ودلالتها على جواز نكاح المتعة. الرجم على المتعة. فتوى أبي حنيفة بسقوط حد الزنا بالمحارم إذا عقد عليها. فتواه بسقوط الحد إذا استأجر امرأة فزنى بها. نسبة هذه الفتوى إلى عمر. مزاعم حول المتعة. تعصب مكشوف حول ترك الصحابة العمل بآية النجوى. كلام الرازي والرد عليه.


(277)
    في كتب التفسير وغيرها آيات كثيرة ادعى نسخها. وقد جمعها أبو بكر النحاس في كتابه الناسخ والمنسوخ فبلغت 138 آية.
    وقد عقدنا هذا البحث لنستعرض جملة من تلك الايات المدعى نسخها ولنتبين فيها أنه ليست ـ في واقع الامر ـ واحدة منها منسوخة ، فضلا عن جميعها.
    وقد اقتصرنا على 36 آية منها ، وهي التي استدعت المناقشة والتوضيح لجلاء الحق فيها ، وأما سائر الايات فالمسألة فيها أوضح من أن يستدل على عدم وجود نسخ فيها.

    النسخ في اللغة :
    هو الاستكتاب ، كالاستنساخ والانتساخ ، وبمعنى النقل والتحويل ، ومنه تناسخ المواريث والدهور ، وبمعنى الازالة ، ومنه نسخت الشمس الظل ، وقد كثر استعماله في هذا المعنى في ألسنة الصحابة والتابعين فكانوا يطلقون على المخصص والمقيد لفظ الناسخ (1).

    النسخ في الاصطلاح :
    هو رفع أمر ثابت في الشريعة المقدسة بارتفاع أمده وزمانه ، سواء أكان
1 ـ وقد اطلق النسخ كثيرا على التخصيص في التفسير المنسوب إلى ابن عباس.

(278)
ذلك الامر المرتفع من الاحكام التكليفية أم الوضعية ، وسواء أكان من المناصب الالهية أم من غيرها من الامور التي ترجع إلى الله تعالى بما أنه شارع ، وهذا الاخير كما في نسخ القرآن من حيث التلاوة فقط ، وإنما قيدنا الرفع بالامر الثابت في الشريعة ليخرج به ارتفاع الحكم بسبب ارتفاع موضوعه خارجا ، كارتفاع وجوب الصوم بانتهاء شهر رمضان ، وارتفاع وجوب الصلاة بخروج وقتها ، وارتفاع مالكية شخص لماله بسبب موته ، فإن هذا النوع من ارتفاع الاحكام لا يسمى نسخا ، ولا إشكال في إمكانه ووقوعه ، ولا خلاف فيه من أحد.
     ولتوضيح ذلك نقول : إن الحكم المجعول في الشريعة المقدسة له نحوان من الثبوت :
    أحدهما : ثبوت ذلك الحكم في عالم التشريع والانشاء ، والحكم في هذه المرحلة يكون مجعولا على نحو القضية الحقيقية ، ولا فرق في ثبوتها بين وجود الموضوع في الخارج وعدمه ، وإنما يكون قوام الحكم بفرض وجود الموضوع. فإذا قال الشارع : شرب الخمر حرام ـ مثلا ـ فليس معناه أن هنا خمرا في الخارج. وأن هذا الخمر محكوم بالحرمة ، بل معناه أن الخمر متى ما فرض وجوده في الخارج فهو محكوم بالحرمة في الشريعة سواء أكان في الخارج خمر بالفعل أم لم يكن ، ورفع هذا الحكم في هذه المرحلة لا يكون إلا بالنسخ.
     وثانيهما : ثبوت ذلك الحكم في الخارج بمعنى أن الحكم يعود فعليا بسبب فعلية موضوعه خارجا ، كما إذا تحقق وجود الخمر في الخارج ، فإن الحرمة المجعولة في الشريعة للخمر تكون ثابتة له بالفعل ، وهذه الحرمة تستمر باستمرار موضوعها ، فإذا انقلب خلا فلا ريب في ارتفاع تلك الحرمة الفعلية التي ثبتت له في حال خمريته ، ولكن ارتفاع هذا الحكم ليس من النسخ في شيء ، ولا كلام لاحد في جواز ذلك ولا في وقوعه ، وإنما الكلام في القسم الاول ، وهو رفع الحكم عن موضوعه في عالم التشريع والانشاء.


(279)
    امكان النسخ :
     المعروف بين العقلاء من المسلمين وغيرهم هو جواز النسخ بالمعنى المتنازع فيه رفع الحكم عن موضوعه في عالم التشريع والانشاء وخالف في ذلك اليهود والنصارى فادعوا استحالة النسخ ، واستندوا في ذلك إلى شبهة هي أوهن من بيت العنكبوت.
     وملخص هذه الشبهة :
    إن النسخ يستلزم عدم حكمة الناسخ ، أو جهله بوجه الحكمة ، وكلا هذين اللازمين مستحيل في حقه تعالى ، وذلك لان تشريع الحكم من الحكيم المطلق لا بد وأن يكون على طبق مصلحة تقتضيه ، لان الحكم الجزافي ينافي حكمة جاعله ، وعلى ذلك فرفع هذا الحكم الثابت لموضوعه إما أن يكون مع بقاء الحال على ما هو عليه من وجه المصلحة وعلم ناسخه بها ، وهذا ينافي حكمة الجاعل مع أنه حكيم مطلق ، وإما أن يكون من جهة البداء ، وكشف الخلاف على ما هو الغالب في الاحكام والقوانين العرفية ، وهو يستلزم الجهل منه تعالى. وعلى ذلك فيكون وقوع النسخ في الشريعة محالا لانه يستلزم المحال.
     والجواب :
    إن الحكم المجعول من قبل الحكيم قد لا يراد منه البعث ، أو الزجر الحقيقيين كالاوامر التي يقصد بها الامتحان ، وهذا النوع من الاحكام يمكن إثباته أولا ثم رفعه ، ولا مانع من ذلك ، فإن كلا من الاثبات والرفع في وقته قد نشأ عن مصلحة وحكمة ، وهذا النسخ لا يلزم منه خلاف الحكمة ، ولا ينشأ من البداء الذي يستحيل في حقه تعالى ، وقد يكون الحكم المجعول حكما حقيقيا ، ومع ذلك ينسخ بعد زمان ، لا بمعنى أن الحكم بعد ثبوته يرفع في الواقع ونفس الامر ، كي يكون مستحيلا على الحكيم العالم بالواقعيات ، بل هو بمعنى أن


(280)
يكون الحكم المجعول مقيدا بزمان خاص معلوم عند الله ، مجهول عند الناس ، ويكون ارتفاعه بعد انتهاء ذلك الزمان ، لانتهاء أمده الذي قيد به ، وحلول غايته الواقعية التي أنيط بها.
     والنسخ بهذا المعنى ممكن قطعا ، بداهة : أن دخل خصوصيات الزمان في مناطات الاحكام مما لا يشك فيه عاقل ، فإن يوم السبت ـ مثلا ـ في شريعة موسى عليه السلام قد اشتمل على خصوصية تقتضي جعله عيدا لاهل تلك الشريعة دون بقية الايام ، ومثله يوم الجمعة في الاسلام ، وهكذا الحال في أوقات الصلاة والصيام والحج ، وإذا تصورنا وقوع مثل هذا في الشرايع فلنتصور أن تكون للزمان خصوصية من جهة استمرار الحكم وعدم استمراره ، فيكون الفعل ذا مصلحة في مدة معينة ، ثم لا تترتب عليه تلك المصلحة بعد انتهاء تلك المدة ، وقد يكون الامر بالعكس.
     وجملة القول : إذا كان من الممكن أن يكون للساعة المعينة ، أو اليوم المعين أو الاسبوع المعين ، أو الشهر المعين تأثير في مصلحة الفعل أو مفسدته أمكن دخل السنة في ذلك أيضا ، فيكون الفعل مشتملا على مصلحة في سنين معينة ، ثم لا تترتب عليه تلك المصلحة بعد انتهاء تلك السنين ، وكما يمكن أن يقيد إطلاق الحكم من غير جهة الزمان بدليل منفصل ، فكذلك يمكن أن يقيد إطلاقه من جهة الزمان أيضا بدليل منفصل ، فإن المصلحة قد تقتضي بيان الحكم على جهة العموم أو الاطلاق ، مع أن المراد الواقعي هو الخاص أو المقيد ، ويكون بيان التخصيص أو التقييد بدليل منفصل. فالنسخ في الحقيقة تقييد لاطلاق الحكم من حيث الزمان ولا تلزم منه مخالفة الحكمة ولا البداء بالمعنى المستحيل في حقه تعالى ، وهذا كله بناء على أن جعل الاحكام وتشريعها مسبب عن مصالح أو مفاسد تكون في نفس العمل. وأما على مذهب من يرى تبعية الاحكام لمصالح في الاحكام أنفسها فإن الامر أوضح ، لان الحكم الحقيقي على هذا الرأي يكون شأنه شأن الاحكام الامتحانية.
البيان في تفسير القرآن ::: فهرس