البيان في تفسير القرآن ::: 231 ـ 240
(231)
    طرح هذه الروايات لمخالفتها للكتاب ، والسنة ، والادلة المتقدمة على نفي التحريف. وقد دلت الاخبار المتواترة على وجوب عرض الروايات على الكتاب والسنة وأن ما خالف الكتاب منها يجب طرحه ، وضربه على الجدار.
    ومما يدل على أن اسم أمير المؤمنين عليه السلام لم يذكر صريحا في القرآن حديث الغدير ، فإنه صريح في أن النبي (ص) إنما نصب عليا بأمرالله ، وبعد أن ورد عليه التأكيد في ذلك ، وبعد أن وعده الله بالعصمة من الناس ، ولو كان اسم علي مذكورا في القرآن لم يحتج إلى ذلك النصب ، ولا إلى تهيئة ذلك الاجتماع الحافل بالمسلمين ، ولما خشي رسول الله (ص) من إظهار ذلك ، ليحتاج إلى التأكيد في أمر التبليغ.
     وعلى الجملة : فصحة حديث الغدير توجب الحكم بكذب هذه الروايات التي تقول : إن أسماء الائمة مذكورة في القرآن ولا سيما أن حديث الغدير كان في حجة الوداع التي وقعت في أواخر حياة النبي صلى الله عليه واله وسلم ونزول عامة القرآن ، وشيوعه بين المسلمين ، على أن الرواية الاخيرة المروية في الكافي مما لا يحتمل صدقه في نفسه ، فإن ذكر اسم علي عليه السلام في مقام إثبات النبوة والتحدي على الاتيان بمثل القرآن لا يناسب مقتضى الحال. ويعارض جميع هذه الروايات صحيحة أبي بصير المروية في الكافي. قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تعالى :
     ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم 4 : 59).
    قال : فقال نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين (ع) فقلت له : إن الناس يقولون فما له لم


(232)
يسم عليا وأهل بيته في كتاب الله. قال عليه السلام : فقولوا لهم إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم نزلت عليه الصلاة ولم يسم الله لهم ثلاثا ، ولا أربعا ، حتى كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم هو الذى فسر لهم ذلك ... (1).
     فتكون هذه الصحيحة حاكمة على جميع تلك الروايات ، وموضحة للمراد منها ، وأن ذكر اسم أمير المؤمنين عليه السلام في تلك الروايات قد كان بعنوان التفسير ، أو بعنوان التنزيل ، مع عدم الامر بالتبليغ. ويضاف إلى ذلك أن المتخلفين عن بيعة أبي بكر لم يحتجوا بذكر اسم علي في القرآن ، ولو كان له ذكر في الكتاب لكان ذلك أبلغ في الحجة ، ولا سيما أن جمع القرآن ـ بزعم المستدل ـ كان بعد تمامية أمر الخلافة بزمان غير يسير ، فهذا من الادلة الواضحة على عدم ذكره في الايات.
     الطائفة الثالثة : هي الروايات التي دلت على وقوع التحريف في القرآن بالزيادة والنقصان ، وان الامة بعد النبي صلى الله عليه واله وسلم غيرت بعض الكلمات وجعلت مكانها كلمات أخرى.
     فمنها : ما رواه علي بن ابراهيم القمي ، بإسناده عن حريز عن أبي عبد الله عليه السلام : صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين.
    ومنها : ما عن العياشي ، عن هشام بن سالم. قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله تعالى :
    ( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران 33 : 3).
1 ـ الوافي ج 2 باب 30 ما نص الله ورسوله عليهم ص 63.

(233)
    قال : هو آل إبراهيم وآل محمد على العالمين ، فوضعوا اسما مكان اسم. أي انهم غيرا فجعلوا مكان آل محمد آل عمران.
    والجواب :
    عن الاستدلال بهذه الطائفة ـ بعد الاغضاء عما في سندها من الضعف ـ أنها مخالفة للكتاب ، والسنة ، ولاجماع المسلمين على عدم الزيادة في القرآن ولا حرفا واحدا حتى من القائلين بالتحريف. وقد ادعى الاجماع جماعة كثيرون على عدم الزيادة في القرآن ، وأن مجموع ما بين الدفتين كله من القرآن. وممن ادعى الاجماع الشيخ المفيد ، والشيخ الطوسي ، والشيخ البهائي ، وغيرهم من الاعاظم قدس الله أسرارهم. وقد تقدمت رواية الاحتجاج الدالة على عدم الزيادة في القرآن.
     الطائفة الرابعة : هي الروايات التي دلت على التحريف في القرآن بالنقيصة فقط.
     والجواب عن الاستدلال بهذه الطائفة :
    أنه لا بد من حملها على ما تقدم في معنى الزيادات في مصحف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وإن لم يمكن ذلك الحمل في جملة منها فلا بد من طرحها لانها مخالفة للكتاب والسنة ، وقد ذكرنا لها في مجلس بحثنا توجيها آخر أعرضنا عن ذكره هنا حذرا من الاطالة ، ولعله أقرب المحامل ، ونشير إليه في محل آخر إن شاء الله تعالى.
     على أن أكثر هذه الروايات بل كثيرها ضعيفة السند. وبعضها لا يحتمل صدقه في نفسه. وقد صرح جماعة من الاعلام بلزوم تأويل هذه الروايات أو لزوم طرحها.


(234)
    وممن صرح بذلك المحقق الكلباسي حيث قال على ما حكي عنه : أن الروايات الدالة على التحريف مخالفة لاجماع الامة إلا من لا اعتداد به... وقال : إن نقصان الكتاب مما لا أصل له وإلا لاشتهر وتواتر ، نظرا إلى العادة في الحوادث العظيمة. وهذا منها بل أعظمها.
     وعن المحقق البغدادي شارح الوافية التصريح بذلك ، ونقله عن المحقق الكركي الذي صنف في ذلك رسالة مستقلة ، وذكر فيها : « أن ما دل من الروايات على النقيصة لا بد من تأويلها أو طرحها ، فإن الحديث إذا جاء على خلاف الدليل من الكتاب ، والسنة المتواترة ، والاجماع ، ولم يمكن تأويله ، ولا حمله على بعض الوجوه ، وجب طرحه ».
     أقول : أشار المحقق الكركي بكلامه هذا إلى ما أشرنا إليه ـ سابقا ـ من أن الروايات المتواترة قد دلت على أن الروايات إذا خالفت القرآن لا بد من طرحها. فمن تلك الروايات :
    ما رواه الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بسنده الصحيح عن الصادق عليه السلام : « الوقوف عند الشبهه خير من الاقتحام في الهلكة ، إن على كل حق حقيقة ، وعلى كل صواب نورا ، فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالف كتاب الله فدعوه ... » (1).
     وما رواه الشيخ الجليل سعيد بن هبة ال له القطب الراوندي بسنده الصحيح إلى الصادق عليه السلام :
1 ـ الوسائل گ 3 كتاب القضاء. باب وجوه الجمع بين الاحاديث المختلفة ، وكيفية العمل ، ص 380.

(235)
     « إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالف كتاب الله فردوه ... » (1).

    وأما الشبهة الرابعة :
    فيتلخص في كيفية جمع القرآن ، واستلزامها وقوع التحريف فيه. وقد انعقد البحث الاتي فكرة عن جمع القرآن لتصفية هذه الشبهة وتفنيدها.
1 ـ المصدر السابق.

(237)
فكرة عن جمع القرآن


(238)
    كيفية جمع القرآن. عرض الروايات في جمع القرآن. تناقضها وتضاربها. معارضتها لما دل على أن القرآن جمع على عهد الرسول. معارضتها للكتاب وحكم العقل. مخالفتها لاجماع المسلمين على أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر. الاستدال بهذه الروايات يستلزم التحريف بالزيادة المتسالم على بطلانه.


(239)
    ان موضوع جمع القرآن من الموضوعات التي يتذرع بها القائلون بالتحريف ، إلى إثبات ان في القرآن تحريفا وتغييرا. وان كيفية جمعه مستلزمة ـ في العادة ـ لوقوع هذا التحريف والتغيير فيه.
    فكان من الضروري أن يعقد هذا البحث إكمالا لصيانة القرآن من التحريف وتنزيهه عن نقص أو أي تغيير.
     إن مصدر هذه الشبهة هو زعمهم بأن جمع القرآن كان بأمر من أبي بكر بعد أن قتل سبعون رجلا من القراء في بئر معونة ، وأربعمائة نفر في حرب اليمامة فخيف ضياع القرآن وذهابه من الناس ، فتصدى عمر وزيد بن ثابت لجمع القرآن من العسب ، والرقاع ، واللخاف ، ومن صدور الناس بشرط أن يشهد شاهدان على أنه من القرآن ، وقد صرح بجميع ذلك في عدة من الروايات ، والعادة تقضي بفوات شيء منه على المتصدي لذلك ، إذا كان غير معصوم ، كما هو مشاهد فيمن يتصدى لجمع شعر شاعر واحد أو أكثر ، إذا كان هذا الشعر متفرقا ، وهذا الحكم قطعي بمقتضي العادة ، ولا أقل من احتمال وقوع التحريف ، فإن من المحتمل عدم إمكان إقامة شاهدين على بعض ما سمع من النبي صلى الله عليه واله وسلم فلا يبقى وثوق بعدم النقيصة.
     والجواب :
     إن هذه الشبهة مبتنية على صحة الروايات الواردة في كيفية جمع القرآن والاولى أن نذكر هذه الروايات ثم نعقبها بما يرد عليها.


(240)
    أحاديث جمع القرآن :
     1 ـ روى زيد بن ثابت. قال : « أرسل إلي أبو بكر ، مقتل أهل يمامة ، فإذا عمر بن الخطاب عنده ، قال أبو بكر : إن عمر أتاني. فقال : إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن ، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن ، وإني أرى أن تأمر بجمع القران. قلت لعمر : كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله ؟ قال عمر : هذا والله خير ، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد : قال أبو بكر : إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك ، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني من جمع القران قلت : كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ؟ قال : هو والله خير ، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري ، للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب ، واللخاف ، وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الانصاري ، لم أجدها مع أحد غيره :
    ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم 9 : 128. فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم : 129).
    حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ، ثم عند عمر حياته ، ثم عند حفصة بنت عمر (1).
1 ـ صحيح البخاري. باب جمع القرآن ج 6 ص 98.
البيان في تفسير القرآن ::: فهرس