البيان في تفسير القرآن ::: 191 ـ 200
(191)
يعد قولا مستقلا عن الوجوه الاخرى ، لانه لم يعين معنى الحروف فيه ، فلا بد وان يراد من الحروف أحد المعاني المذكورة في الوجوه المتقدمة ويرد عليه ما يرد من الاشكال على تلك الوجوه.

    9 ـ سبع قراءات :
    ومن تلك الوجوه ان الاحرف السبعة موضوعة البحث هي سبع قراءات. ويرده :
    ان هذه القراءات السبع إن اريد بها السبع المشهورة ، فقد أوضحنا للقارئ بطلان هذا الاحتمال في البحث عن تواتر القراءات ـ وقد تقدم ذلك ـ في باب نظرة في القراءات.
     وان اريد بها قراءات سبع عى إطلاقها ، فمن الواضح أن عدد القراءات أكثر من ذلك بكثير ، ولا يمكن أن يوجه ذلك بأن غاية ما ينتهي إليه اختلاف القراءات أكثر من ذلك بكثير ، الواحدة هي السبع ، لانه إن اريد أن الغالب في كلمات القرآن أن تقرأ على سبعة وجوه فهذا باطل ، لان الكلمات التي تقرأ على سبعة وجوه قليلة جدا. وإن اريد أن ذلك موجود في بعض الكلمات وعلى سبيل الايجاب الجزئي فمن الواضح أن في كلمات القرآن ما يقرأ بأكثر من ذلك فقد قرأت كلمة وعبد الطاغوت بإثنين وعشرين وجها ، وفي كلمة أف أكثر من ثلاثين وجها. ويضاف إلى ما تقدم ان هذا القول لا ينطبق على مورد الروايات ، ومثله أكثر الاقوال في المسألة.

    10 ـ اللهجات المختلفة :
    إن الاحرف السبع يراد بها اللهجات المختلفة في لفظ واحد ، اختاره الرافعي في كتابه (1).
1 ـ إعجاز القرآن 70.

(192)
    وتوضيح القول : أن لكل قوم من العرب لهجة خاصة في تأدية بعض الكلمات ، ولذلك نرى العرب يختلفون في تأدية الكلمة الواحدة حسب اختلاف لهجاتهم. فالقاف في كلمة يقول مثلا يبدلها العراقي بالكاف الفارسية ، ويبدلها الشامي بالهمزة ،
    وقد أنزل القرآن على جميع هذه اللهجات للتوسعة على الامة ، لان الالتزام بلهجة خاصة من هذه اللهجات فيه تضييق على القبائل الاخرى التي لم تألف هذه اللهجة ، والتعبير بالسبع إنما هو رمز إلى ما ألفوه من معنى الكمال في هذه اللفظة ، فلا ينافي ذلك كثرة اللهجات العربية ، وزيادتها على السبع.
     الرد :
    وهذا الوجه ـ على أنه أحسن الوجوه التي قيلت في هذا المقام ـ غير تام أيضا :
    1 ـ لانه ينافي ما ورد عن عمر وعثمان من أن القرآن نزل بلغة قريش ، وأن عمر منع ابن مسعود من قراءة عتى حين
    2 ـ ولانه ينافي مخاصمة عمر مع هشام بن حكيم في الراءة ، مع أن كليهما من قريش.
    3 ـ ولانه ينافي مورد الروايات ، بل وصراحة بعضها في أن الاختلاف كان في جوهر اللفظ ، لا في كيفية أدائه ، وان هذا من الاحرف التي نزل بها القرآن.
    4 ـ ولان حمل لفظ السبع ـ على ما ذكره خلاف ـ ظاهر الروايات ، بل وخلاف صريح بعضها.
    5 ـ ولان لازم هذا القول جواز القراءة فعلا باللهجات المتعددة ، وهو خلاف السيرة القطعية من جميع المسلمين ، ولا يمكن أن يدعي نسخ جواز القراءة بغير اللهجة الواحدة المتعارفة ، لانه قول بغير دليل ، ولا يمكن لقائله أن يستدل على النسخ بالاجماع القطعي على ذلك ، لان مدرك الاجماع إنما هو عدم ثبوت نزول القرآن على اللهجات المختلفة ، فإذا فرضنا ثبوت ذلك كما يقوله أصحاب هذا القول فكيف يمكن تحصيل الاجماع على ذلك ؟ مع أن إصرار


(193)
النبي ( صلى الله عليه واله وسلم ) على نزول القرآن على سبعة أحرف إنما كان للتوسعة على الامة ، فكيف يمكن أن يختص ذلك بزمان قليل بعد نزول القرآن ، وكيف يصح أن يقوم على ذلك إجماع أو غيره من الادلة ؟ ! ومن الواضح أن الامة ـ بعد ذلك ـ أكثر احتياجا إلى التوسعة ، لان المعتنقين للاسلام في ذلك الزمان قليلون. فيمكنهم أن يجتمعوا في قراءة القرآن على لهجة واحدة ، وهذا بخلاف المسلمين في الازمنة المتأخرة ، ولنقتصر على ما ذكرنا من الاقوال فإن فيه كفاية عن ذكر البقية والتعرض لجوابها وردها.
     وحاصل ما قدمناه : أن نزول القرآن على سبعة أحرف لا يرجع إلى معنى صحيح ، فلا بد من طرح الروايات الدالة عليه ، ولا سيما بعد أن دلت أحاديث الصادقين (ع) على تكذيبها ، وأن القرآن إنما نزل على حرف واحد ، وان الاختلاف قد جاء من قبل الرواة.
( البيان ـ 13)


(195)
صيانة القرآن من التحريف


(196)
    وقوع التحريف المعنوي في القرآن باتفاق المسلمين. التحريف الذي لم يقع في القرآن بلا خلاف. التحريف الذي وقع فيه الخلاف. تصريحات أعلام الامامية بعدم التحريف كجزء من معتقداتهم. نسخ التلاوة مذهب مشهور بين علماء أهل السنة. كلمات مشاهير الصحابة في وقوع التحريف. القول بنسخ التلاوة هو نفس القول بالتحريف. الادلة الخمسة على نفي التحريف. شبهات القائلين بالتحريف.


(197)
    يحسن بنا ـ قبل الخوض في صميم الموضوع ـ أن نقدم أمام البحث امورا ، لها صلة بالمقصود ، لا يستغنى عنها في تحقيق الحال وتوضيحها.

    1 ـ معنى التحريف :
    يطلق لفظ التحريف ويراد منه عدة معان على سبيل الاشتراك ، فبعض منها واقع في القرآن باتفاق من المسلمين ، وبعض منها لم يقع فيه باتفاق منهم أيضا ، وبعض منها وقع الخلاف بينهم. واليك تفصيل ذلك (1) :
    الاول : نقل الشئ عن موضعه وتحويله إلى غيره ومنه قوله تعالى :
    ( من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه 4 : 46).
    ولا خلاف بين المسلمين في وقوع مثل هذا التحريف في كتاب الله فإن كل من فسر القرآن بغير حقيقته ، وحمله على غير معناه فقد حرفه. وترى كثيرا من أهل البدع ، والمذاهب الفاسدة قد حرفوا القرآن بأويلهم آياته على آرائهم وأهوائهم.
    وقد ورد المنع عن التحريف بهذا المعنى ، وذم فاعله في عدة من الروايات.
1 ـ انظر التعليقة رقم (6) تقديم دار التقريب لهذا البحث في قسم التعليقات.

(198)
منها : رواية الكافي بإسناده عن الباقر عليه السلام أنه كتب في رسالته إلى سعد الخير :
    « وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا حدوده ، فهم يروونه ولا يرعونه ، والجهال يعجبهم حفظهم للرواية ، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية ... » (1).
     الثاني : « النقص أو الزيادة في الحروف أو في الحركات ، مع حفظ القرآن وعدم ضياعه ، وإن لم يكن متميزا في الخارج عن غيره ».
    والتحريف بهذا المعنى واقع في القرآن قطعا ، فقد أثبتنا لك فيما تقدم عدم تواتر القراءات ، ومعنى هذا أن القرآن المنزل إنما هو مطابق لاحدى القراءات ، وأما غيرها فهو إما زيادة في القرآن وإما نقيصة فيه.
     الثالث : « النقص أو الزيادة بكلمة أو كلمتين ، مع التحفظ على نفس القرآن المنزل ».
    والتحريف بهذا المعنى قد وقع في صدر الاسلام ، وفي زمان الصحابة قطعا ، ويدلنا على ذلك إجماع المسلمين على أن عثمان أحرق جملة من المصاحف وأمر ولاته بحرق كل مصحف غير ما جمعه ، وهذا يدل على أن هذه المصاحف كانت مخالفة لما جمعه ، وإلا لم يكن هناك سبب موجب لاحراقها ، وقد ضبط جماعة من العلماء موارد الاختلاف بين المصاحف ، منهم عبد الله ابن أبي دود السجستاني ، وقد سمى كتابه هذا بكتاب المصاحف. وعلى ذلك فالتحريف واقع لا محالة إما من عثمان أو من كتاب تلك المصاحف ، ولكنا سنبين بعد هذا إن شاء الله تعالى أن ما جمعه عثمان كان هو القرآن المعروف بين المسلمين ، الذى تداولوه على النبي
1 ـ الوافي آخر كتاب الصلاة ص 274.

(199)
(ص) يدا بيد. فالتحريك بالزيادة والنقيصة إنما وقع في تلك المصاحف التي انقطعت بعد عهد عثمان ، وأما القرآن الموجود فليس فيه زيادة ولا نقيصة.
    وجملة القول : إن من يقول بعدم تواتر تلك المصاحف ـ كما هو الصحيح ـ فالتحريف بهذا المعنى وإن كان قد وقع عنده في الصدر الاول إلا أنه قد انقطع في زمان عثمان ، وانحصر المصحف بما ثبت تواتره عن النبي (ص) وأما القائل بتواتر المصاحف بأجمعها ، فلا بد له من الالترام بوقوع التحريف بالمعنى المتنازع فيه في القرآن المنزل ، وبضياع شيء منه. وقد مر عليك تصريح الطبري ، وجماعة آخرين بإلغاء عثمان للحروف الستة التي نزل بها القرآن ، واقتصاره على حرف واحد (1).
     الرابع : التحريف بالزيادة والنقيصة في الاية والسورة مع التحفظ على القرآن المنزل ، والتسالم على قراءة النبي (ص) إياها.
    والتحريف بهذا المعنى أيضا واقع في القرآن قطعا. فالبسملة ـ مثلا ـ مما تسالم المسلمون على أن النبي (ص) قرأها قبل كل سورة غير سورة التوبة وقد وقع الخلاف في كونها من القرآن بين علماء السنة ، فاختار جمع منهم أنها ليست من القرآن ، بل ذهبت المالكية إلى كراهة الاتيان بها قبل
    قراءة الفاتحة في الصلاة المفروضة ، إلا إذا نوى به المصلي الخروج من الخلاف ، وذهب جماعة اخرى إلى أن البسملة من القرآن.
     وأما الشيعة فهم متسالمون على جزئية البسملة من كل سورة غير سورة التوبة ، واختار هذا القول جماعة من علماء السنة أيضا ـ وستعرف تفصيل ذلك عند تفسيرنا سورة الفاتحة ـ وإذن فالقرآن المنزل من السماء قد وقع فيه التحريف يقينا ، بالزيادة أو بالنقيصة.
1 ـ في موضع نزول القرآن على سبعة أحرف ص 196 من هذا الكتاب.

(200)
    الخامس : التحريف بالزيادة بمعنى أن بعض المصحف الذي بأيدينا ليس من الكلام المنزل.
    والتحريف بهذا المعنى باطل بإجماع المسلمين ، بل هو مما علم بطلانه بالضرورة.
     السادس : التحريف بالنقيصة ، بمعنى أن المصحف الذي بأيدينا لا يشتمل على جميع القرآن الذي نزل من السماء ، فقد ضاع بعضه على الناس.
    والتحريف بهذا المعنى هو الذي وقع فيه الخلاف فأثبته قوم ونفاه آخرون.

    2 ـ رأي المسلمين في التحريف :
    المعروف بين المسلمين عدم وقوع التحريف في القرآن ، وأن الموجود بأيدينا هو جميع القرآن المنزل على النبي الاعظم (ص) ، وقد صرح بذلك كثير من الاعلام. منهم رئيس المحدثين الصدوق محمد بن بابويه ، وقد عد القول بعدم التحريف من معتقدات الامامية. ومنه شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ، وصرح بذلك في أول تفسيره التبيان ونقل القول بذلك أيضا عن شيخه علم الهدى السيد المرتضى ، واستدلاله على ذلك بأتم دليل. ومنهم المفسر الشهير الطبرسي في مقدمة تفسيره مجمع البيان ، ومنهم شيخ الفقهاء الشيخ جعفر في بحث القرآن من كتابه كشف الغطاء وادعى الاجماع على ذلك ومنهم العلامة الجليل الشهشهاني في بحث القرآن من كتابه العروة الوثقى ونسب القول بعدم التحريف إلى جمهور المجتهدين. ومنه المحدث الشهير المولى محسن القاساني في كتابيه (1). ومنهم بطل العلم المجاهد الشيخ محمد جواد البلاغي في مقدمة تفسيره آلاء الرحمن.
1 ـ الوافي ج 5 ص 274 ، و علم اليقين ص 130.
البيان في تفسير القرآن ::: فهرس