البيان في تفسير القرآن ::: 171 ـ 180
(171)
    لقد ورد في روايات أهل السنة : أن القرآن انزل على سبعة أحرف ، فيحسن بناأن نتعرض إلى التحقيق في ذلك بعد ذكر هذه الروايات :
     1 ـ أخرج الطبري عن يونس وأبي كريب ، بإسنادهما عن ابن شهاب ، بإسناده عن ابن عباس ، حدثه أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال : أقر أني جبرئيل على حرف فراجعته ، فلم أزل استزيده فيزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف.
    ورواها مسلم عن حرملة عن ابن وهب عن يونس (1) ورواها البخاري بسند آخر (2) وروى مضمونها عن ابن البرقي ، بإسناده عن ابن عباس.
     2 ـ وأخرج عن أبي كريب ، بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن جده عن أبي بن كعب قال :
    « كنت في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه ، ثم دخل رجل آخر فقرأ قراءة
1 ـ صحيح مسلم باب ان القرآن انزل على سبعة أحرف ج 2 ص 202 طبعة محمد علي صبيح بمصر.
2 ـ صحيح البخاري باب انزل القرآن على سبعة أحرف ج 6 ص 100 طبعة دار الخلافة. المطبعة العامرة.


(172)
    غير قراءة صاحبه ، فدخلنا جميعا على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال : فقلت يا رسول الله إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه ، ثم دخل هذا فقرأ قراءة غير قراءة صاحبه ، فأمرهما رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقرءا ، فحسن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم شأنهما ، فوقع في نفسي من التكذيب ، ولا إذ كنت في الجاهلية فلما رأى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ما غشيني ضرب في صدري ، ففضت عرقا كأنما أنظر إلى الله فرقا. فقال لي : يا أبي أرسل إلي أن اقرأ القرآن على حرف ، فرددت عليه أن هون على امتي ، فرد علي في الثانية أن اقرأ القرآن على حرف (1) فرددت عليه أن هون على امتي ، فرد علي في الثالثة ان اقرأه على سبعة أحرف ، ولك بكل ردة رددتها مسألة تسألنيها. فقلت : اللهم اغفر لامتي. اللهم اغفر لامتي ، وأخرت الثالثة ليوم يرغب فيه إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم عليه السلام ».
    وهذه الرواية رواها مسلم أيضا بأدنى اختلاف (2). وأخرجها الطبري عن أبي كريب بطرق أخرق باختلاف يسير أيضا. وروى ما يقرب من مضمونها عن طريق يونس بن عبد الاعلى وعن طريق محمد بن عبد الاعلى الصنعاني عن أبي.
     3 ـ وأخرج عن أبي كريب ، بإسناده عن سليمان بن صرد عن أبي ابن كعب قال :
1 ـ هكذا في النسخة ، وفي صحيح مسلم : على حرفين.
2 ـ صحيح مسلم ج 2 ص 203.


(173)
     « رحت إلى المسجد فسمعت رجلا يقرأ. فقلت : من أقرأك ؟ فقال : رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقلت : استقرئ هذا ، فقرأ. فقال : أحسنت. قال : فقلت إنك أقرأتني كذا وكذا فقال : وأنت قد أحسنت. قال : فقلت قد أحسنت قد أحسنت. قال : فضرت بيده على صدري ، ثم قال : اللهم أذهب عن ابي الشك. قال : ففضت عرقا وامتلا جوفي فرقا ، ثم قال صلى الله عليه واله وسلم : إن الملكين أتياني. فقال أحدهما : اقرأ القرآن على حرف ، وقال الآخر : زده قال : فقلت زدني. قال : اقرأه على حرفين حتى بلغ سبعة أحرف. فقال : اقرأ على سبعة أحرف ».
     4 ـ وأخرج عن أبي كريب ، بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال :
    « قال رسول الله ( صلى الله عليه واله وسلم ) : قال جبرئيل : اقرأ القرآن على حرف. فقال ميكائيل : استزده. فقال : على حرفين ، حتى بلغ ستة أو سبعة أحرف ـ والشك من أبي كريب ـ فقال : كلها شاف كاف. ما لم تختم آية عذاب برحمة ، أو آية رحمة بعذاب كقولك : هلم وتعال ».
     5 ـ وأخرج عن أحمد بن منصور ، بإسناده عن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن جده قال :
    « قرأ رجل عند عمر بن الخطاب فغير عليه فقال : لقد قرأت على رسول الله ( صلى الله عليه واله وسلم ) فلم يغير


(174)
علي قال : فاختصما عند النبي ( صلى الله عليه واله وسلم ) فقال : يا رسول الله ألم تقرئني آية كذا وكذا ؟ قال : بلى. فوقع في صدر عمر شئ فعرف النبي ( صلى الله عليه واله وسلم ) ذلك في وجهه. قال : فضرب صدره. وقال : أبعد شيطانا ، قالها ثلاثا ثم قال : يا عمر إن القرآن كله سواء ، ما لم تجعل رحمة عذابا وعذابا رحمة ».
    وأخرج عن يونس بن عبد الاعلى ، بإسناده عن عمر بن الخطاب قضية مع هشام بن حكيم تشبه هذه القصة. وروى البخاري ومسلم والترمذي قصة عمر مع هشام بإسناد غير ذلك ، واختلاف في ألفاظ الحديث (1).
     6 ـ وأخرج عن محمد بن المثنى ، بإسناده عن ابن أبي ليلى عن أبي بن كعب أن النبي ( صلى الله عليه واله وسلم ) كان عند أضاءة بني غفار قال :
    « فأتاه جبرئيل. فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف. فقال : اسأل الله معافاته ومغفرته ، وإن أمتي لا تطيق ذلك. قال : ثم أتاه الثانية. فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين. فقال : أسأل الله معافاته ومغفرته ، وإن امتي لا تطيق ذلك ، ثم جاء الثالثة. فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف. فقال : أسأل الله معافاته ومغفرته ، وإن امتي لا تطيق ذلك ، ثم جاء الرابعة. فقال : إن الله يأمرك أن
1 ـ صحيح مسلم ج 2 ص 202 ، و صحيح البخاري ج 3 ص 90 ، وج 6 ص 100 ، 111 ، وج 8 ص 53 ، 215 ، و صحيح الترمذي بشرح ابن العربي باب ما جاء انزل القرآن على سبعة أحرف ج 11 ص 60.

(175)
تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف ، فأيما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا ».
    ورواها مسلم أيضا في صحيحه (1).
    وأخرج الطبري أيضا نحوها عن أبي كريب ، بإسناده عن ابن أبي ليلى عن أبي بن كعب. وأخرج أيضا بعضها عن أحمد بن محمد الطوسي ، بإسناده عن ابن أبي ليلى عن أبي بن كعب باختلاف يسير. وأخرجها أيضا عن محمد بن المثنى ، بإسناده عن أبي بن كعب.
     7 ـ وأخرج عن أبي كريب باسناده عن زر عن أبي قال :
    « لقي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم جبرئيل عند أحجار المراء. فقال : إني بعثت إلى أمة أميين منهم الغلام والخادم ، وفيهم الشيخ الفاني والعجوز. فقال جبرئيل : فليقرأوا القرآن على سبعة أحرف » (2).
     8 ـ وأخرج عن عمرو بن عثمان العثماني ، بإسناده عن المقبري عن أبي هريرة أنه قال :
    « قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : إن هذا القرآن انزل على سبعة أحرف ، فاقرأوا ولا حرج ، ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب ، ولا ذكر عذاب برحمة ».
     9 ـ وأخرج عن عبيد بن اسباط ، باسناده عن أبي سلمة عن أبي هريرة. قال :
1 ـ صحيح مسلم ج 2 ص 203.
2 ـ ورواها الترمذي أيضا بأدنى اختلاف ج 11 ص 62.


(176)
    قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : « انزل القرآن على سبعة أحرف. عليم. حكيم. غفور. رحيم ».
    وأخرج عن أبي كريب ، باسناده عن أبي سلمة عن أبي هريرة مثله.
     10 ـ وأخرج عن سعيد بن يحيى ، باسناده عن عاصم عن زرعن عبد الله ابن مسعود قال : « تمارينا في سورة من القرآن ، فقلنا : خمس وثلاثون ، أو ست وثلاثون آية. قال : فانطلقنا إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فوجدنا عليا يناجيه. قال : فقلناإنما اختلفنا في القراءة. قال : فاحمر وجه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وقال : إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم بينهم. قال : ثم أسر إلى علي شيئا. فقال لنا علي : إن رسول الله يأمركم أن تقرأوا كما علمتم » (1).
     11 ـ وأخرج القرطبي عن أبي داود عن أبي قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم :
    « يا أبي إني قرأت القرآن. فقيل لي : على حرف أو حرفين. فقال الملك الذي معي : قل على حرفين. فقيل لي : على حرفين أو ثلاثة. فقال الملك الذي معي : قل على ثلاثة ، حتى بلغ سبعة أحرف ، ثم قال : ليس منها إلا شاف كاف ، إن قلت سميعا ، عليما ، عزيزا ، حكيما ، ما لم تخلط آية عذاب برحمة ، أو آية رحمة بعذاب » (2).
1 ـ هذه الروايات كلها مذكورة في تفسير الطبري ج 1 ص 9 ـ 15.
2 ـ تفسير القرطبي ج 1 ص 43.


(177)
    هذه أهم الروايات التي رويت في هذا المعنى ، وكلها من طرق أهل السنة ، وهي مخالفة لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال :
    « إن القرآن واحد نزل من عند واحد ، ولكن الاختلاف يجئ من قبل الرواة » (1).
     وقد سأل الفضيل بن يسار أبا عبد الله عليه السلام فقال : إن الناس يقولون : إن القرآن نزل على سبعة أحرف. فقال أبو عبد الله عليه السلام :
    « كذبوا ـ أعداء الله ـ ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد » (2).
     وقد تقدم إجمالا أن المراجع بعد النبي صلى الله عليه واله وسلم في امور الدين ، إنما هو كتاب الله وأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وسيأتي توضيحه مفصلا بعد ذلك إن شاء الله تعالى ولا قيمة للروايات إذا كانت مخالفة لما يصح عنهم. ولذلك لا يهمنا أن نتكلم عن أسانيد هذه الروايات. وهذا أول شيء تسقط به الرواية عن الاعتبار والحجية. ويضاف إلى ذلك ما بين هذه الروايات من التخالف والتناقض ، وما في بعضها من عدم التناسب بين السؤال والجواب.

    تهافت الروايات :
    فمن التناقض أن بعض الروايات دل على أن جبرئيل أقرأ النبي صلى الله عليه واله وسلم على حرف فاستزاده النبي صلى الله عليه واله وسلم فزاده ، حتى انتهى إلى سبعة أحرف ، وهذا يدل
1 ـ اصول الكافي كتاب فضل القرآن ـ باب النوادر ، الرواية : 12.
2 ـ اصول الكافي كتاب فضل القرآن ـ باب النوادر ، الرواية : 13.
( البيان ـ 12)



(178)
على أن الزيادة كانت على التدريج ، وفي بعضها أن الزيادة كانت مرة واحدة في المرة الثالثة ، وفي بعضها أن الله أمره في المرة الثالثة أن يقرأ القرآن على ثلاثة أحرف ، وكان الامر بقراءة سبع في المرة الرابعة.
     ومن التناقض أن بعض الروايات يدل على أن الزيادة كلها كانت في مجلس واحد ، وأن طلب النبي صلى الله عليه واله وسلم الزيادة كان بإرشاد ميكائيل ، فزاده جبرئيل حتى بلغ سبعا ، وبعضها يدل على أن جبرئيل كان ينطلق ويعود مرة بعد مرة.
     ومن التناقض أن بعض الروايات يقول : إن أبي دخل المسجد ، فرأى رجلا يقرأ على خلاف قراءته. وفي بعضها أنه كان في المسجد ، فدخل رجلان وقرءا على خلاف قراءته. وقد وقع فيها الاختلاف أيضا فيما قاله النبي ـ صلى الله عليه واله وسلم ـ لابي .. إلى غير ذلك من الاختلاف.
    ومن عدم التناسب بين السؤال والجواب ، ما في رواية ابن مسعود من قول علي عليه السلام إن رسول الله ( صلى الله عليه واله وسلم ) يأمركم أن تقرؤا كما علمتم. فإن هذا الجواب لا يرتبط بما وقع فيه النزاع من الاختلاف في عدد الآيات. أضف إلى جميع ذلك أنه لا يرجع نزول القرآن على سبعة أحرف إلى معنى معقول ، ولا يتحصل للناظر فيها معنى صحيح.

    وجوه الاحرف السبعة :
    وقد ذكروا في توجيه نزول القرآن على سبعة أحرف وجوها كثيرة نتعرض للمهم منها مع مناقشتها وبيان فسادها :

    1 ـ المعاني المتقاربة :
     إن المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو عجل ، وأسرع ، واسع وكانت هذه الاحرف باقية إلى زمان عثمان فحصرها عثمان


(179)
بحرف واحد ، وأمر بإحراق بقية المصاحف التي كانت على غيره من الحروف الستة. واختار هذا الوجه الطبري (1) وجماعة. وذكر القرطبي أنه مختار أكثر أهل العلم (2). وكذلك قال أبو عمرو بن عبد البر (3).
     واستدلوا على ذلك برواية ابن أبي بكرة ، وأبي داود ، وغيرهما مما تقدم. وبرواية يونس بإسناده عن ابن شهاب. قال :
    « أخبرني سعيد بن المسيب أن الذي ذكر الله تعالى ذكره :
    ( إنما يعلمه بشر 16 : 103 ).
    إنما افتتن أنه كان يكتب الوحي ، فكان يملي عليه رسول الله ( صلى الله عليه واله وسلم ) سميع عليم ، أو عزيز حكيم ، وغير ذلك من خواتم الآي ، ثم يشتغل عنه رسول الله ( صلى الله عليه واله وسلم ) وهو على الوحي ، فيستفهم رسول الله ( صلى الله عليه واله وسلم ) فيقول : أعزيز حكيم ، أو سميع عليم ، أو عزيز عليم ؟ فيقول له رسول الله ( صلى الله عليه واله وسلم ) أي ذلك كتبت فهو كذلك ، ففتنه ذلك. فقال : إن محمدا أوكل ذلك إلي فاكتب ما شئت ».
     واستدلوا أيضا بقراءة أنس إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأصوب قيلا فقال له بعض القوم : يا أبا حمزة إنما هي وأقوم فقال : أقوم ، وأصوب ، وأهدى واحد. وبقراءة ابن مسعود إن كانت إلا زقية واحدة (4).
1 ـ تفسير الطبري ج 1 ص 15.
2 ـ تفسير القرطبي ج 1 ص 42.
3 ـ التبيان ص 39.
4 ـ تفسير الطبري ج 1 ص 18.


(180)
    وبما رواه الطبري عن محمد بن بشار ، وأبي السائب بإسنادهما عن همام : أن أبا الدرداء كان يقرئ رجلا :
    ( إن شجرة الزقوم. طعام الاثيم 44 : 44).
    قال : فجعل الرجل يقول : إن شجرة الزقوم طعام اليتيم قال : فلما أكثر عليه أبو الدرداء فرآه لا يفهم. قال : إن شجرة الزقوم طعام الفاجر (1).
     واستدلوا أيضا على ذلك بما تقدم من الروايات الدالة على التوسعة : ما لم تختم آية رحمة بعذاب ، أو آية عذاب برحمة.
    فإن هذا التحديد لا معنى له إلا أن يراد بالسبعة أحرف جواز تبديل بعض الكلمات ببعض. فاستثنى من ذلك ختم آية عذاب برحمة ، أو آية رحمة بعذاب. وبمقتضى هذه الروايات لا بد من حمل روايات السبعة أحرف على ذلك بعدد بحملها إلى مبينها.
    إن جميع ما ذكر لها من المعاني أجنبي عن مورد الروايات ـ وستعرف ذلك ـ وعلى هذا فلا بد من طرح الروايات ، لان الالتزام بمفادها غير ممكن.
    والدليل على ذلك :
    أولا : ان هذا إنما يتم في بعض معاني القرآن ، التي يمكن أن يعبر عنها بألفاظ سبعة متقاربة. ومن الضروري أن أكثر القرآن لا يتم فيه ذلك ، فكيف تتصور هذه الحروف السبعة التي نزل بها القرآن ؟.
     ثانيا : إن كان المراد من هذا الوجه أن النبي ( صلى الله عليه واله وسلم ) قد جوز تبديل
1 ـ تفسير الطبري ج 25 ص 78 عند تفسير الآية المباركة.
البيان في تفسير القرآن ::: فهرس