البيان في تفسير القرآن ::: 111 ـ 120
(111)
فتفجر الانهار خلالها تفجيرا : 91. أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا : 92. أو يكون لك بيت من زخرف أوترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا : 93).
    ووجه استدلال الخصم بهذه الآيات الكريمة : أن المشركين قد دعوا النبي إلى إقامة المعجزة شاهدة على صدقه بالنبوة ، فامتنع عن ذلك واعترف لهم بالعجز ، ولم يثبت لنفسه إلا أنه بشر ارسل إليهم. فالآيات دالة على نفي صدور المعجزة منه.
     الجواب :
    أولا : أنا قد أوضحنا للقارئ حال الآيات المقترحة في جواب الاستدلال المتقدم. ولا شك في أن هذه المعجزات التي طلبها المشركون من النبي آيات مقترحة ، وأن هؤلاء المشركين في مقام العناد للحق. ويدلنا على ذلك أمران :
    1 ـ أنهم قد جعلوا تصديقهم بالنبي موقوفا على أحد هذه الامور التي اقترحوها ، ولو كانوا غير معاندين للحق لاكتفوا بكل آية تدل على صدقه ، ولم تكن لهذه الامور التي اقترحوها خصوصية على ما سواها من الآيات.
    2 ـ قولهم : أوترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤة وأي معنى لهذا التقييد بإنزال الكتاب أفليس الرقي إلى


(112)
السماء وحده آية كافية في الدلالة على صدقه ؟ أو ليست في هذه التشهيات الباردة دلالة واضحة على عنادهم للحق. وتمردهم عليه ؟!!.
     ثانيا : إن هذه الامور التي اقترحها المشركون في الآيات المتقدمة منها ما يستحيل وجوده ، ومنها ما لا يدل على صدق دعوى النبوة. فلو وجب على النبي (ص) أن يجيب المقترحين إلى ما يطلبونه ، فليس هذا النوع من الامور المقترحة مما تجب إجابته.
     وإيضاح هذا : أن الامور المقترحة على النبي (ص) المذكورة في هذه الآيات ستة : ثلاثة منها مستحيلة الوقوع ، وثلاثة منها غير مستحيلة ، ولكنها لا تدل على صدق المدعي للنبوة (1). فالثلاثة المستحيلة :
    أولها : سقوط السماء عليهم كسفا. فان هذا يلازم خراب الارض ، وهلاك أهلها ، وهو إنما يكون في آخر الدنيا. وقد أخبرهم النبي (ص) بذلك ، ويدل عليه قولهم : كما زعمت وقد ذكر هذا في مواضع عديدة من القرآن الكريم. منها قوله تعالى :
    ( إذا السماء انشقت 84 : 1. إذا السماء انفطرت 82 : 1. إن نشأ نخسف بهم الارض أو نسقط عليهم كسفا من السماء 34 : 9).
    وإنما كان ذلك مستحيلا ، لان وقوعه قبل وقته خلاف ما تقتضيه الحكمة
1 ـ انظر الحديث الكامل ـ الذي يقص محاورة قريش مع النبي (ص) في فرض هذه الامور المستحيلة عليه ، محاولة تعجيزه وتبكيته ـ في قسم التعليقات برقم (6).

(113)
    الالهية من بقاء الخلق ، وإرشادهم إلى كمالهم. ويستحيل على الحكيم أن يجري في أعماله على خلاف ما تقتضيه حكمته.
     ثانيها : أن يأتي بالله بأن يقابلوه ، وينظروا إليه. وذلك ممتنع لان الله لا تدركه الابصار ، وإلا لكان محدودا في جهة ، وكان له لون وله صورة. وجميع ذلك مستحيل عليه تعالى.
     ثالثها : تنزيل كتاب من الله. ووجه استحالة ذلك أنهم أرادوا تنزيل كتاب كتبه الله بيده ، لا مجرد تنزيل كتاب ما ، وإن كان تنزيله بطريق الخلق والايجاد ، لانهم لو أرادوا تنزيل كتاب من الله بأي طريق اتفق لم يكن وجه معقول لطلبهم إنزاله من السماء ، وكان في الكتاب الارضي ما في الكتاب السماوي من الفائدة والغرض ، ولا شك ان هذا الذي طلبوه مستحيل لانه يستلزم أن يكون الله جسما ذا جارحة. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
     وأما الامور الثلاثة الاخرى فهي وإن كانت غير مستحيلة ، لكنها لا تدل على صدق دعوى النبوة. فإن فجر الينبوع من الارض ، أو كون النبي (ص) مالكا لجنة من نخيل وعنب مفجرة الانهار. أو كونه يملك بيتا من زخرف ، امور لا ترتبط بدعوى النبوة ، وكثيرا ما يتحقق أحدها لبعض الناس ثم لا يكون نبيا.
     بل فيهم من يتحقق له جميع هذه الامور الثلاثة ، ثم لا يحتمل فيه أن يكون مؤمنا ، فضلا عن أن يكون نبيا ، وإذا لم ترتبط هذه الامور بدعوى النبوة ، ولم تدل على صدقها كان الاتيان بها في مقام الاحتجاج عبثا ، لا يصدر من نبي حكيم.
     وقد يتوهم متوهم أن هذه الامور الثلاثة لا تدل على صدق النبوه ، إذا وجدت من أسباب عادية مألوفة. أما إذا وجدت بأسباب غير عادية فلا ريب أنها تكون آيات إلهية ، وتدل على صدق النبوة. ( البيان ـ 8)


(114)
    الجواب :
    إن هذا في نفسه صحيح ، ولكن مطلوب المشركين أن تصدر هذه الاشياء ولو من أسبابها العادية ، لانهم استبعدوا أن يكون الرسول الالهي فقيرا لا يملك شيئا.
     ( وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم 43 : 31).
     فطلبوا من النبي (ص) أن يكون ذا مال كثير. ويدلنا على ذلك أنهم قيدوا طلبهم بأن تكون الجنة والبيت من الزخرف للنبي دون غيره ، ولو أرادوا صدور هذه الامور على وجه الاعجاز لم يكن لهذا التقييد وجه صحيح ، بل ولا وجه لطلب الجنة أو البيت ، فإنه يكفي إيجاد حبة من عنب أو مثقال من ذهب.
     وأما قولهم : حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا فلا يدل على أنهم يطلبون الينبوع لهم لا للنبي وإنما يدل على أنهم يطلبون منه فجر الينبوع لاجلهم ، وبين المعنيين فرق واضح. ولم يظهر النبي لهم عجزه عن الاتيان بالمعجزة كما توهمه هؤلاء القائلون. وإنما أظهر بقوله : سبحان ربي أن الله تعالى منزه عن العجز ، وأنه قادر على كل أمر ممكن ، وأنه منزه عن الرؤية والمقابلة. وعن أن يحكم عليه بشئ من اقتراح المقترحين وأن النبي بشر محكوم بأمر الله تعالى ، والامر كله لله وحده يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
     ومن الآيات التي استدل بها القائلون بنفي المعجزات للنبي عدا القرآن قوله تعالى :


(115)
     ( لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين 10 : 20).
    ووجه الاستدلال : أن المشركين طالبوا النبي بآية من ربه ، فلم يذكر لنفسه معجزة. وأجابهم بأن الغيب لله ، وهذا يدل على أنه لم يكن له معجزة غير ما أتى به من القرآن.
     وبسياق هذه الآية آيات اخرى تقاربها في المعنى ، كقوله تعالى :
    ( ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد 13 : 7. وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون 6 : 37).
     الجواب :
    أولا : هو ما تقدم. فإن هؤلاء المشركين وغيرهم لم يطلبوا من النبي إقامة آية ما من الآيات التي تدل على صدقه ، وإنما اقترحوا عليه إقامة آيات خاصة. وقد صرح القرآن بها في مواضع كثيره ، منها ما تقدم.
    ومنها قوله تعالى :
    ( وقالوا لولا أنزل عليه ملك 6 : 8. وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون 15 : 6. لو ما تأتينا


(116)
بالملائكة إن كنت من الصادقين : 7. وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الاسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا 25 : 7. أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا : 8).
    وقد علمنا أن الآيات المقترحة لا تجب الاجابة إليها ، ويدلنا على أن المشركين إنما يريدون الاتيان بما اقترحوه من الآيات : أنهم لو أرادوا من النبي أن يأتي بآية ما ، تدل على صدقه لاجابهم على الاقل بالاتيان بالقرآن الذي تحدى به في كثير من مواضعه. نعم يظهر من الآيات المتقدمة التي استدل بها الخصم ، ومما يشبهها من الآيات أمران :
     1 ـ إن تحدي النبي (ص) لعامة البشر إنما كان بالقرآن خاصة من بين سائر معجزاته. وقد أوضحنا فيما سبق أن الامر لا بد وأن يكون كذلك ، لان النبوة الابدية العامة تستدعي معجزة خالدة عامة ، وهي منحصرة بالقرآن ، وليس في سائر معجزاته (ص) ما يتصور له البقاء والاستمرار.
     2 ـ إن الاتيان بالمعجزة ليس اختياريا للنبي صلى الله عليه واله وسلم وإنما هو رسول يتبع في ذلك اذن الله تعالى ، ولا دخل لاقتراح المقترحين في شيء من ذلك. وهذا المعنى ثابت لجميع الانبياء. ويدل عليه قوله تعالى :
    ( وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب 13 : 38. وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا


(117)
بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون 40 : 78).
     ثانيا : ان في القرآن أيضا آيات دالة على صدور الآيات من النبي صلى الله عليه واله وسلم. منها قوله تعالى :
    ( إقتربت الساعة وانشق القمر 54 : 1. وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر : 2. وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله 6 : 124).
    ويدلنا على أن المراد من الآية هنا هي المعجزة : أنه عبر برؤية الآية ، ولو كان المراد هو آيات القرآن لكان الصحيح أن يعبر بالسماع دون الرؤية وأنه ضم إلى ذلك انشقاق القمر. وأنه نسب إلى الآية المجئ دون الانزال وما يشبهه. بل وفي قولهم : سحر مستمر دلالة على تكرر صدور المعجزة عنه صلى الله عليه واله وسلم وإذا : فلو سلمنا دلالة الآيات السابقة على نفي صدور المعجزة عنه ، فلا بد وأن يراد من ذلك نفيه في زمان نزول هذه الآيات الكريمة ، وما بمعناها ، ولا يمكن أن يراد منه نفي الآية حتى بعد ذلك.
     وحاصل جميع ما ذكرناه في هذا المبحث امور :
    1 ـ إنه لا دلالة لشئ من آيات القرآن على نفي المعجزات الاخرى سوى القرآن ، بل وفي جملة من الآيات دلالة على وجود هذه المعجزات التي يدعي الخصم نفيها.


(118)
    2 ـ إن إقامة المعجزة ليست أمرا اختياريا للرسول صلى الله عليه وآله وإن ذلك بيد الله سبحانه.
     3 ـ إن اللازم في دعوى النبوة هو إقامة المعجزة التي تتم بها الحجة ويتوقف عليها التصديق. وأما الزائدة على ذلك ، فلا يجب على الله إظهارها ولا تجب على النبي الاجابة إليها.
    4 ـ إن كل معجزة يكون فيها هلاك الامة وتعذيبها ، فهي ممنوعة في هذه الامة. ولا تسوغ إقامتها باقتراح الامة ، سواء أكان الاقتراح من الجميع أم كان من البعض.
     5 ـ إن المعجزة الخالدة للنبي صلى الله عليه وآله التي تحدى بها جميع الامم إلى يوم القيامة ، إنما هي كتاب الله المنزل إليه ، وأما غيره من المعجزات ، فهي وإن كثرت إلا أنها ليست معجزة باقية ، وهي في هذه الناحية تشارك معجزات الانبياء السابقين.

    بشارة التوراة والانجيل بنبوة محمد :
    صرح القرآن المجيد في جملة من آياته الكريمة أن موسى وعيسى عليهما السلام قد بشرا برسالة محمد صلى الله عليه وآله وأن هذه البشارة مذكورة في التوراة والانجيل. فقد قال تعالى :
    ( الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر 7 : 157. وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من


(119)
التوراة ومبشرا برسوله يأتي من بعدي اسمه أحمد 61 : 6).
     وقد آمن كثير من اليهود والنصارى بنبوته في زمن حياته وبعد مماته. وهذا يدلنا دلالة قطعية على وجود هذه البشارة في الكتابين المذكورين في زمان دعوته. ولو لم تكن هذه البشارة مذكورة فيهما ، لكان ذلك دليلا كافيا لليهود والنصارى على
    تكذيب القرآن في دعواه ، وتكذيب النبي في دعوته ، ولانكروا عليه أشد الانكار. فيكون إسلام الكثير منهم في عصر النبي صلى الله عليه وآله وبعد مماته ، وتصديقهم دعوته دليلا قطعيا على وجود هذه البشارة في ذلك العصر. وعلى هذا فإن الايمان بموسى وعيسى عليهما السلام يستلزم الايمان بمحمد صلى الله عليه وآله من غير حاجة إلى وجود معجزة تدل على صدقه.
     نعم يحتاج إلى ذلك بالنسبة إلى الامم الاخرى التي لم تؤمن بموسى وعيسى عليهما السلام وبكتابيهما. وقد عرفت بالادلة المتقدمة أن القرآن المجيد هو المعجزة الباقية والحجة الالهية على صدق النبي الاكرم ، وصحة دعواه ، وأن غير القرآن ـ من معجزاته الكثيرة المنقولة بالتواتر الاجمالي ـ أولى بالتصديق من معجزات سائر الانبياء المتقدمين.
البيان في تفسير القرآن ::: فهرس