البيان في تفسير القرآن ::: 51 ـ 60
(51)
    2 ـ وفي الاصحاح الثاني عشر من التكوين : أن ابراهيم إدعى أمام فرعون أن سارة اخته وكتم أنها زوجته ، فأخذها فرعون لجمالها وصنع إلى ابراهيم خيرا بسببها ، وصار له غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وأتن وجمال. وحين علم فرعون أن سارة كانت زوجة إبراهيم وليست اخته قال له : لماذا لم تخبرني أنها امرأتك ؟ لماذا قلت : هي اختي حتى أخذتها لي لتكون زوجتي. ثم رد فرعون سارة إلى إبراهيم.
    ومغزى هذه القصة أن إبراهيم صار سببا لاخذ فرعون سارة زوجة إبراهيم زوجة له. وحاشا إبراهيم ـ وهو من أكرم أنبياء الله ـ أن يرتكب ما لا يرتكبه فرد عادي من الناس.
    3 ـ وفي الاصحاح التاسع عشر من سفر التكوين : قصة لوط مع ابنتيه في الجبل ، وأن الكبيرة قالت لاختها : أبونا قد شاخ وليس في الارض رجل ليدخل علينا .. هامي نسقي أبانا خمرا ، ونضطجع معه فنحيي من أبينا نسلا فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة واضطجعت معه الكبيرة. وفي الليلة الثانية سقتاه الخمر أيضا ، ودخلت معه الصغيرة فحملتا منه ، وولدت البكر إبنا وسمته موآب وهو أب الموآبيين ، وولدت الصغيرة إبنا فسمته بزعمي وهو أبو بني عمون إلى اليوم.
    هذا ما نسبته التوراة الرائجة إلى لوط نبي الله وإلى ابنتيه ، وليحكم الناظر فيها عقله ، ثم ليقل ما يشاء.
    4 ـ وفي الاصحاح السابع والعشرين من التكوين : أن إسحق أراد أن يعطي إبنه عيسو بركة النبوة فخادعه يعقوب وأو همه أنه عيسو ، وقدم له طعاما وخرما فأكل وشرب ، وبهذه الحيلة والكذب المتكرر توسل إلى أن باركه الله. وقال له اسحق : كن سيدا لاخوتك ، ويسجد ك بنو أمك ليكن لاعنوك ملعونين ، ومباركوك مباركين ، ولما جاء عيسو علم أن أخاه


(52)
يعقوب قد انتهب بركة النبوة. فقال لابيه : باركني أنا أيضا يا أبي. فقال : جاء أخوك بمكرو أخذ بركتك. ثم قال عيسو : أما أبقيت لي بركة ؟ فقال إسحق : إني قد جعلته سيدا لك ، ودفعت إليه جميع إخوته عبيدا ، وعضدته بحنطة وخمر. فماذا أصنع اليك يا ابني ؟ ورفع عيسو صوته وبكى.
    أفهل يعقل انتهاب النبوة ؟ وهل يعطي الله نبوته لمخادع كاذب ، ويحرم منها أهلها ؟ وهل أن يعقوب بعمله هذا خادع الله أيضا كما خادع إسحق ولم يقدر الله بعد ذلك على إرجاعها إلى أهلها ؟ ! ! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ولعل سكرة الخمر دعت إلى وضع هذه السخافة ، والى نسبة شرب الخمر إلى إسحق.
    5 ـ وفي الاصحاح الثامن والثلاثين من التكوين : أن يهوذا بن يعقوب زنى بزوجة ابنه عير المسماة بثامار وأنها حبلت منه وولدت له ولدين فارص و زارح ، وقد ذكر انجيل متى في الاصحاح الاول نسب يسوع المسيح تفصيلا ، وجعل المسيح وسليمان وأباه داود من نسل فارص هذا الذي ولد من زنا يهوذا بكنته ثامار.
    حاشا أنبياء الله أن يولدوا من الزنى ، كيف وأن تنسب إليهم الولادة من الزنى بذات محرم ! ! ولكن واضع التوراة الرائجة لا يبالي بما يكتب وبما يقول !!.
    6 ـ وفي الاصحاحين الحادي والثاني عشر من صموئيل الثاني : أن داود زنى بامرأة اوريا المجاهد المؤمن. وحملت من ذلك الزنى ، فخشي داود الفضيحة ، وأراد تمويه الامر على اوريا ، فطلبه وأمره أن يدخل بيته فأبى اوريا وقال : سيدي ـ يوآب ـ وعبيد سيدي نازلون على وجه الصحراء ، وأنا آتي إلى بيتي لآكل وأشرب وأضطجع مع امرأتي ، وحياتك وحياة نفسك لا أفعل هذا الامر فلما يئس داود من التموية أقامه عنده اليوم ، ودعاه فأكل عنده وشرب وأسكره وفي الصباح كتب داود إلى يوآب : اجعلوا اوريا في وجه الحرب الشديدة ، وارجعوا من ورائه فيضرب ويموت وقد فعل يوآب ذلك فقتل اوريا ، وأرسل


(53)
إلى داود يخبره بذلك ، فضم داود امرأة اوريا إلى بيته وصارت امرأة له بعد انتهاء مناحتها على بعلها. وفي الاصحاح الاول من انجيل متى : أن سليمان بن داود ولد من تلك المرأة.
    تأمل كيف تجرأ هذا الوضع على الله ؟ وكيف تصح نسبة هذا الفعل إلى من له أدنى غيرة وحمية فضلا عن نبي من أنبياء الله ؟ وكيف يجتمع هذا مع ما في انجيل لوقا من أن المسيح يجلس على كرسي داود أبيه ؟!!
    7 ـ وفي الاصحاح الحادي عشر من الملوك الاول : أي سليمان كانت له سبعمائة زوجة من السيدات ، وثلاثمائة من السراري ، فأمالت النساء قلبه وراء آلهة اخرى فذهب سليمان وراء عشتورث إلهة الصيدونيين ، وملكوم ، رجس العمونيين ، وعمل سليمان الشر في عيني الرب.. فقال الرب : إني امزق المملكة عنك تمزيقا وأعطيها لعبدك. وفي الثالث والعشرين من الملوك الثاني : أن المرتفعات التي بناها سليمان لعشتورث رجاسة الصيدونيين وك كموش رجاسة الموآبيين ولملكوم كراهة بني عمون نجسها الملك يوشيا وكسر التماثيل وقطع السواري ، وكذلك فعل بجميع آثار الوثنيين.
    هب أن النبي لا يلزم أن يكون معصوما ـ والادلة العقلية قائمة على عصمته ـ فهل يجوز له في حكم العقل أن يعبد الاصنام ، وأن يبني لها المرتفعات ثم يدعو الناس إلى التوحيد والى عبادة الله ؟ كلا !!!
    وفي الاصحاح الاول من كتاب هوشع : أن أول ما كلم الرب هوشع. قال الرب لهوشع : اذهب خذلنفسك امرأة زنى ، وأولاد زنى ، لان الارض قد زنت زنى تاركة الرب ، فذهب وأخذ جومر بنت دبلايم فحبلت ، وولد له ابنان وبنت. وفي الاصحاح الثالث : أن الرب قال له : إذهب أيضا أحبب امرأة ـ حبيبة صاحب وزانية ـ كمحبة الرب لبني إسرائيل.
    أهكذا يكون أمر الله ، يأمر نبيه بالزنى وبمحبة امرأة زانية ؟ تعالى عن


(54)
ذلك علوا كبيرا. ولا عجب في أن الكاتب لا يدرك قبح ذلك. وإنما العجب من الامم المثقفة ورجال العصر ، ومهرة العلوم الناظرين في التوراة الرائجة ، والمطلعين على ما اشتملت عليه من الخرافات ، كيف تعتقد بأنها وحي إلهي وكتاب سماوي. نعم ان تقليد الآباء كالغريزة الثانوية ، يصعب التنازل عنه إلى اتباع الحق والحقيقة. والله الهادي والموفق.
     9 ـ وفي الاصحاح الثاني عشر من إنجيل متى ، والثالث من مرقس والثامن من لوقا : أن المسيح فيما هو يكلم الجموع إذا أمه وإخوته قد وقفوا خارجا طالبين أن يكلموه. فقال له واحد : هو ذا أمك وإخوتك واقفون خارجا طالبين أن يكلموك. فأجاب وقال للقائل له : من هم أمي ومن هم إخوتي ، ثم مد يده نحو تلاميذه وقال : هاأمي وإخوتي ، لان من يصنع مشيئة أبي الذي في السموات هو أخي وأختي وأمي.
    انظر إلى هذا الكلام وتأمل ما فيه من سخافة. ينتهر المسيح امه القديسة البرة ويحرمها رؤيته ، ويعرض بقداستها ، ويفضل تلاميذه عليها وهم الذين قال فيهم المسيح : إنهم لا إيمان لهم كما في الرابع من مرقس ، وإنه ليس لهم من الايمان مثل حبة خردل كما في السابع عشر من متى ، وهم الذين طلب منهم المسيح أن يسهروا معه ليلة هجوم اليهود عليه فلم يفعلوا ، ولما أمسكه اليهود في الظاهر تركه التلاميذ كلهم وهربوا ، كما في الاصحاح السادس والعشرين من إنجيل متى ، إلى ما سوى ذلك من الشنائع التي نسبتها إليهم الاناجيل.
    10 ـ وفي الاصحاح الثاني من يوحنا : أن المسيح حضر مجلس عرس فنفد خمرهم ، فعمل لهم ستة أجران من الخمر بطريق المعجزة. وفي الحادي عشر من متى ، والسابع من لوقا : أن المسيح كان يشرب الخمر ، بل كان شريب خمر « كثير الشرب لها ».
    حاشا قدس المسيح من هذا البهتان العظيم. فقد جاء في العاشر اللاويين أن الرب قال ؟ لهرون : خمرا ومسكرا لا تشرب أنت وبنوك معك عند دخولكم


(55)
خيمة الاجتماع لكي لا تموتوا ، فرضا دهريا في أجيالكم ، وللتمييز بين المقدس والمحلل ، وبين النجس والطاهر. وفي الاول من لوقا في مدح يوحنا المعمدان : لانه يكون عظيما أمام الرب وخمرا ومسكرا لا يشرب. إلى غير ذلك مما دل على حرمة شرب الخمر في العهدين.
    هذه أمثلة يسيرة في كتب العهدين الرائجة من سخافات وخرافات ، وأضاليل وأباطيل لا تلتئم مع البرهان ، ولا تتمشى مع المنطق الصحيح ، وضعناها أمام القارئ ليمعن النظر فيها ، وليحكم عقله ووجد انه. وهل يمكن أن يحكم أن محمدا (ص) قد اقتبس معارفه ، وأخذ محتويات قرآنه العظيم من هذه السخافات وهو على ما هو عليه من سمو المعارف ، ورصانة التعليم ؟ وهل يمكن أن تنسب هذه الكتب السخيفة إلى وحي السماء وهي التي لوثت قداسة الانبياء بما ذكرناه وبما لم نذكره (1) ؟

    3 ـ القرآن والاستقامة في البيان :
    قد علم كل عاقل جرب الامور ، وعرف مجاريها أن الذي يبني أمره على الكذب والافتراء في تشريعه وأخباره ، لا بد من أن يقع منه التناقض والاختلاف ، ولا سيما إذا تعرض لكثير من الامور المهمة في التشريع والاجتماع والعقائد ، والنظم الاخلاقية المبتنية على أدق القواعد ، وأحكم الاسس ، ولا سيما إذا طالت على ذلك المفتري أيام ، ومرت عليه أعوام. نعم لا بد من أن يقع في التناقض والتهافت من حيث يريد أو لا يريد ، لان ذلك مقتضى الطبع البشري الناقص إذا خلا من التسديد. وقد قيل في المثل المعروف : لا حافظة لكذوب.
    وقد تعرض القرآن الكريم لمختلف الشؤون ، وتوسع فيها أحسن التوسع
1 ـ الهدى إلى دين المصطفى. و الرحلة المدرسية لشيخنا البلاغي. وكتابنا الاعجاز ، تجد في هذه الكتب ، الشئ الكثير من نقل هذه الخرافات.

(56)
فبحث في الالهيات ومباحث النبوات ، ووضع الاصول في تعاليم الاحكام والسياسات المدنية ، والنظم الاجتماعية ، وقواعد الاخلاق. وتعرض لامور أخرى تتعلق بالفلكيات والتاريخ ، وقوانين السلم والحرب ، ووصف الموجودات السماوية والارضية من ملك وكواكب ورياح ، وبحار ونبات وحيوان وإنسان ، وتعرض لانواع الامثال ، ووصف أهوال القيامة ومشاهدها فلم توجد فيه أية مناقضة ولا أدنى اختلاف ولم يتباعد عن أصل مسلم عند العقل والعقلاء. وربما يستعرض الحادثة الواحدة مرتين أو أكثر ، فلا تجد فيه أقل تهافت وتدافع. وإليك قصة موسى عليه السلام ، فقد تكررت في القرآن مرارا عديدة ، وفي كل مرة تجد لها مزية تمتازبها من غير اختلاف في جوهر المعنى.
     وإذا عرفت أن الآيات نزلت نجوما متفرقة على الحوادث ، علمت أن القرآن روح من أمر الله ، لان هذا التفرق يقتضي بطبعه عدم الملاءمة والتناسب حين يجتمع. ونحن نرى القرآن معجزا في كلتا الحالتين ، نزل متفرقا فكان معجزا حال تفرقه ، فلما اجتمع حصل له إعجازآخر. وقد أشار إلى هذا النحو من الاعجاز قوله تعالى :
    ( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا 4 : 82).
    وهذه الآية تدل الناس على أمر يحسونه بفطرتهم ، ويدركونه بغريزتهم ، وهو أن من يعتمد في دعواه على الكذب والافتراء لا بد له من التهافت في القول ، والتناقض في البيان ، وهذا شيء لم يقع في الكتاب العزيز.
     والقرآن يتبع هذه الخطة في كثير من استدلالاته واحتجاجاته ، فيرشد الناس إلى حكم الفطرة ، ويرجعهم إلى الغريزة ، وهي أنجح طريقة في الارشاد ، وأقربها إلى الهداية. وقد أحست العرب بهذه الاستقامة في أساليب القرآن ،


(57)
واستيقنت بذلك بلغاؤهم. وإن كلمة الوليد بن المغيرة في صفة القرآن تفسر لنا ذلك ، حيث قال ـ حين سأله أبو جهل أن يقول في القرآن قولا : « فما أقول فيه ؟ فوالله ما منكم رجل أعلم في الاشعار مني ولا أعلم برجزه مني ، ولا بقصيده ، ولا بأشعار الجن. والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا ، ووالله إن لقوله لحلاوة ، وإنه ليحطم ما تحته ، وإنه ليعلو ولا يعلى.
    قال أبو جهل : والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه قال الوليد : فدعني حتى افكر فيه فلما فكر. قال : هذا سحر يأثره عن غيره » (1).
     وفي بعض الروايات قال الوليد : والله لقد سمعت منه كلاما ما هو من كلام الانس ومن كلام الجن ، وإن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه ، وما يقول هذا بشر (2) ...
    وإذا أردت أن تحس ذلك من نفسك فانظر إلى الكتب المنسوبة إلى الوحي ، فانك تجدها متناقضة المعاني ، مضطربة الاسلوب ، لا تنهض ولا تتماسك.
     وإذا نظرت إلى كتب العهدين ، وما فيها من تضارب وتناقض تجلت لك حقيقة الامر ، وبان لك الحق من الباطل. وهنا نذكر أمثلة مما وقع في الاناجيل من هذا الاختلاف :
1 ـ تفسير الطبري ج 29 ص 98. 2 ـ تفسير القرطبي ج 19 ص 72.

(58)
    1 ـ في الاصحاح الثاني عشر من إنجيل متى ، والحادي عشر من لوقا : إن المسيح قال : من ليس معي فهو علي ، ومن لا يجمع معي فهو يفرق. وقال في التاسع من مرقس ، والتاسع من لوقا : من ليس علينا فهو معنا.
    2 ـ وفي التاسع عشر من متى ، والعاشر من مرقس ، والثامن عشر من لوقا : إن بعض الناس قال للمسيح : أيها المعلم الصالح. فقال : لماذا تدعوني صالحا ؟ ليس أحد صالحا إلا واحد وهو الله. وفي العاشر من يوحناأنه قال : أنا هو الراعي الصالح ... أما أنا فإني الراعي الصالح.
     3 ـ وفي السابع والعشرين من متى قال : كان اللصان اللذان صلبامعه ـ المسيح ـ يعيرانه ، وفي الثالث والعشرين من لوقا : وكان واحد من المذنبين المعلقين يجدف عليه قائلا : إن كنت أنت المسيح فخلص نفسك وإيانا ، فأجاب الآخر وانتهره قائلا : أولا أنت تخاف الله ؟ إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه.
     4 ـ وفي الاصحاح الخامس من انجيل يوحنا : إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي ليست حقا. وفي الثامن من هذا الانجيل نفسه أنه قال : وإن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق. هذه نبذة مما في الاناجيل ـ على ما هي عليه من صغر الحجم ـ من التضارب والتناقض. وفيها كفاية لمن طلب الحق ، وجانب التعصب والعناد (1).

    2 ـ القرآن في نظامه وتشريعه :
    يبدو لكل متتبع للتاريخ ما كانت عليه الامم قبل الاسلام من الجهل ، وما وصلت إليه من الانحطاط في معارفهم وأخلاقهم. فكانت الهمجية سائدة عليهم ،
1 ـ وللزيادة راجع كتابي « الهدى و الرحلة المدرسية » لشيخنا البلاغي قدس سره وكتابنا « نفحات الاعجاز ».

(59)
والغارات متواصلة فيما بينهم ، والقلوب متجهة إلى النهب والغنيمة ، والخطى مسرعة إلى إصلاء نيران الحروب والمعارك. وكان للعرب القسم الوافر من خرافات العقيدة ، ووحشية السلوك ، فلا دين يجمعهم ، ولا نظام يربطهم وعادات الآباء تذهب بهم يمينا وشمالا ، وكان الوثنيون في بلاد العرب هم السواد الاعظم فكانت لهم ـ باختلاف قبائلهم وأسرهم ـ آلهة يعبدونها ويتخذونها شفعاء إلى الله ، وشاع بينهم الاستقسام بالانصاب والازلام ، واللعب بالميسر ، حتى كان الميسر من مفاخرهم (1) وكان من عاداتهم التزويج بنساء الآباء (2) ولهم عادة اخرى هي أفظع منها ـ وهي وأد البنات ـ دفنهن في حال الحياة (3).
    هذه بعض عادات العرب في جاهليتهم. وحين بزغ نور محمد (ص) وأشرقت شمس الاسلام في مكة ، تنوروا بالمعارف ، وتخلقوا بمكارم الاخلاق ، فاستبدلوا الوثنية بالتوحيد ، والجهل بالعلم ، والرذائل بالفضائل ، والشقاق والتخالف بالاخاء والتآلف ، فأصبحوا أمة وثيقة العرى مدت جناح ملكها على العالم ، ورفعت أعلام الحضارة في أقطار الارض وأرجائها. قال ألدوري (4) :
    « وبعد ظهور الذي جمع قبائل العرب أمة واحدة ، تقصد مقصدا واحدا ، ظهرت للعيان أمة كبيرة ، مدت جناح ملكها من نهر تاج إسبانيا إلى نهر الجانج في الهند ، ورفعت على منار الاشادة أعلام التمدن في أقطار الارض ، أيام كانت أوروبا مظلمة بجهالات أهلها في القرون المتوسطة. ثم قال : إنهم كانوا في القرون المتوسطة مختصين بالعلوم من بين سائر الامم ، وانقشعت
1 ـ بلوغ الارب ج 3 ص 50 طبع مصر
2 ـ نفس المصدر ج 2 ص 52.
3 ـ نفس الصمدر ج 3 ص 43
4 ـ هو أحد وزراء فرنسا السابقين.


(60)
    بسببهم سحائب البربرية التي امتدت على اوروبا حين اختل نظامها بفتوحات المتوحشين » (1).
    نعم إن جميع ذلك كان بفضل تعاليم كتاب الله الكريم الذي فاق جميع الصحف السماوية. فإن للقرآن في أنظمته وتعاليمه مسلكا يتمشى مع البراهين الواضحة ، وحكم العقل السليم ، فقد سلك سبيل العدل ، وتجنب عن طرفي الافراط والتفريط. فتراه في فاتحة الكتاب يطلب عن لسان البشر من الله الهداية إلى الصراط المستقيم بقوله :
    ( إهدنا الصراط المستقيم 1 : 6).
    وهذه الجملة على وجازتها واختصار ألفاظها واسعة المعنى بعيدة المدى. وسنتعرض لما يتيسر من بيان ذلك عند تفسيرنا للآية المباركة إن شاء الله تعالى.
     وقد أمر القرآن بالعدل وسلوك الجادة الوسطى في كثير من آياته. فقال :
    ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل 4 : 58. اعدلوا هو أقرب للتقوى 5 : 8. وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى 6 : 152. إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون 16 : 90).
1 ـ صفوة العرفان لمحمد فريد وجدي ص 119.
البيان في تفسير القرآن ::: فهرس