وروى مُخوَّلُ بنُ إبراهيمَ ، عن قيسِ بنِ الرّبيعِ قالَ : سأَلتُ أَباإِسحاقَ عنِ المسحِ فقال : أَدركتُ الناسَ يمَسحونَ حتّى لقيتُ رجلاًمن بني هاشمٍ لم أَرَ مثلَه قطُّ ، محمّد بنِ عليِّ بنِ الحسينِ ، فسأَلتُه عنِالمسحِ على الخفّينِ فنهاني عنه ، وقالَ : «لم يكنْ علي أَميرُ المؤمنينَ عليهِالسّلامُ يمَسحُ ، وكانَ يقولُ : سبقَ الكتابُ المسحَ على الخفّينِ » .
قالَ أَبوإِسحاقَ : فما مسحتُ منذُ نهاني عنه .
قالَ قيسُ بنُ الربيعِ : وما مسحتُ أَنا منذُ سمعتُ أَباإسحاقَ (1) .
أَخبرَني الشّريفُ أَبومحمّد الحسنُ بنُ محمّدٍ قالَ : حدّثَني جدِّي ،عن يعقوب بن يزيدَ قال : حدّثَنا محمّدُ بنُ أَبي عُميرٍ ، عن عبدِ الرّحمنِ بنِالحجّاجِ ، عن أَبي عبدِاللّهِ جعفرٍ بنِ محمد عليهما السّلامُ قالَ : إِنّ محمّدَ بنَالمنكدر كانَ يقول : ما كنتُ أَرى أَنّ مثلَ عليِّ بنِ الحسينِ يَدَعُ خَلَفاً- لفضلِ عليِّ بنِ الحسينِ - حتّى رأَيتُ ابنَه محمّدَ بنَ عليٍّ فأَردتُ أَن أَعِظَهفوعظَني .
فقالَ له أَصحابُه : بأَيِّ (2) شيءٍ وَعَظَكَ ؟
قال : خرجت إِلى بعضِ نواحي المدينةِ في ساعةٍ حارّةٍ ، فلقيتُ محمّدَابنَ علي - وكانَ رجلاً بَدِيناً - وهو مُتكِئٌ على غلامَينِ له أَسودَينِ - أو مولَيَيْنِله - فقلتُ في نفسي : شيخٌ من شيوخِ قُريشٍ في هذه الساعةِ على
قالَ : فخلّى عنِ الغلامينِ من يدِه ، ثمّ تسانَد وقالَ : «لو جاءَنيوالله الموتُ وأَنا (في هذه )(3) الحالِ ، جاءَني وأَنا في طاعةٍ من طاعاتِ اللهِّ ،أكفُّ بها نفسي عنكَ وعنِ النّاسِ ، وِانّما كنتُ أَخافُ الموتَ لوجاءَنيوأَنا على معصيةٍ من معاصي اللهِ » .
فقلتُ : يرحمُكَ اللهّ ، أَردتُ أَن أعِظَكَ فوعظتني (4) .
أَخبرَني الشّريفُ أبو محمّدٍ الحسنُ بنُ محمّدٍ قالَ : حدّثَني جدِّيقالَ : حدّثَني (شيخٌ من أَهلِ الرّيِّ )(5) قد عَلَتْ سِنُّه قالَ : حدّثَني يحيىابن عبدِ الحميدِ الحِمّاني ، عن معاوية بن عمّارٍ الدُّهني ، عن محمّدِ بن عليِّابنِ الحسينِ عليهم السّلامُ في قولِ الله عزَّوجلَّ :(فَاسْئَلوْا أًهْلَالذِّكْرِ إِنْ كنْتمْ لا تَعْلَمُوْنَ )(6) قالَ : «نحنُ أَهلُ الذِّكرِ» .
وقد روى أَبو جعفرٍ عليه السّلامُ أَخبارَ المُبتدأ (2) وأَخبارَ الأنبياءِوكَتَبَ عنه النّاسُ المغَازِيَ وأثروا عنه السُّنْنَ (3) واعتمدوا عليه فيمناسكِ الحجِّ الّتي رواها عن رسولِ اللهِّ صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وكتبوا عنهتفسيرَ القرآن ، وروتْ عنه الخاصةُ والعامّةُ الأخبارَ، وناظَرَ مَنْ كانَ يَرِدُعليه من أَهلِ الأراء وحَفِظَ عنه النّاسُ كثيراً من علمِ الكلامِ .
أخبرَني الشّريفُ أبو محمّدٍ قالَ : حدّثَني جدِّي قالَ : حدّثَنيالزُّبيرُبنُ أبي بكرٍ قالَ : حدّثَني عبدُ الرحمنِ بن عبدِاللهِ الزُّهْريّ قالَ : حَجَّهِشامُ بنُ عبدِ الملكِ فدخلَ المسجدَ الحرامَ مُتكِئاً على يدِ سالمٍ مولاه ،ومحمّدُ بنُ عليِّ بنِ الحسينِ عليهم السّلامُ جالسٌ في المسجدِ، فقالَ لهسالم مولاه : يا أميرَالمؤمنينَ هذا محمّدُ بنُ عليّ ؛ قال هشامٌ : المَفْتُوْنُبه أهل العراق ؟ قالَ : نعم ؛ قالَ : اذهبْ إليه فقُلْ له يقولُ لكَ أميرُالمؤمنينَ : ما اَلّذي يأْكلُ النّاسُ ويَشربونَ إِلى أن يُفْصَلَ بينهم يومالقيامةِ ؟
قالَ له أبوجعفرٍ عليهِ السّلامُ : «يُحشرُ النّاسُ على مثلِ قُرْصِالنَّقِيِّ (1)، فيها أنهارٌ متفجِّرةٌ ، يأكلونَ ويشربونَ حتّى يُفرغَ منَالحسابِ » .
قالَ : فرأىَ هِشامٌ أنّه قد ظفرَ به ، فقالَ : اللهُ أكبرُ، اذهبْ إِليه فقلْله : ما أشغَلَهم عنِ الأكلِ والشُّربِ يومئذٍ ؟!
فقالَ له أبو جعفر عليهِ السّلامُ : «هم في النّارِ أشغلُ ولم يُشْغَلواعن أنْ قالوا:(أفِيْضُوْا عَلَينَا مِنَ الماءِ أو ممٌا رَزَقَكمُ اللهُ)(2)» فسكتَهشامٌ لا يرجعُ كلاماً(3).
وجاءتِ الأخبارُ أنّ نافعَ بنَ الأزرقِ جاءَ إِلى محمّدِ بنِ عليّ عليهماالسّلامُ فجلسَ بين يديه فسألَه (4) عن مسائلَ في الحلالِ والحرام ، فقالَله أبو جعفرٍ عليهِ السّلامُ في عُرْضِ كلامِه : «قُلْ لهذه المارقَةِ : بمَاستحللتم فراقَ أميرِ المؤمنين عليهِ السّلامُ وقد سفكتم دماءَكم بينَ يديهفي طاعتهِ والقربةِ إِلى اللهِّ بنصرته ؟! فسيقولونَ لكَ : إنه حَكَّمَ في دينِ اللهِ ،فقلْ لهم : قد حَكَّمَ اللهُ تعالى في شريعةِ نبيِّه عليه السّلامُ رجلينِ من خلقهِفقالَ تعالى : ( فَابْعَثًوْا حَكَمَاً مِنْ أهْلِهِ وَحَكَمَاً مِنْ أَهِلِهَا إِنْ يُرِيْدَا إصْلاحَاً
فقالَ نافعُ بنُ الأزرق : هذاَ كلامٌ ما مرَّ بسمعي قطُّ ، ولا خطر منِّيببالٍ ، وهو الحقُّ إِن شاءَ اللهُ (2).
وروى العلماءُ: أنّ عمرو بنَ عُبَيدٍ وفدَ على محمّدِ بنِ عليِّ بنِ الحسينِعليهم السّلامُ ليمتحنَه بالسُّؤالِ ، فقالَ له : جُعِلْتُ فداكَ ما معنى قولهعزّ اسمُه : (أوَلَمْ يَرَ الّذِيْنَ كَفَرُوْا أنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقَاًفَفَتَقْنَاهُمَا)(3) ما هذا الرّتقُ والفتقُ ؟ فقالَ له أبو جعفر عليهِ السّلامُ :«كانتِ السّماءُ رَتْقاً لا تُنزِلُ القَطْرَ، وكانتِ الأرضُ رتقاً لا تُخرِجُ النّباتَ »فانقطعَ عمرٌو ولم يَجِد اعتراضاً .
ومضى ثمّ عادَ إِليه فقالَ له : خَبِّرْني -جُعِلْتُ فداكَ -عن قولهِ جلَّذكرُه : (وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِيْ فَقَدْ هَوَى)(4) ما غَضَبُ اللهّ ؟ فقالَ أبوجعفرٍ عليهِ السّلامُ : «غضبُ اللهِّ عقابُه يا عمرُو، ومَنْ ظَنَّ أَنّ اللهَ يُغيِّرُه
وكانَ - معَ ما وصفْناه به منَ الفضل في العلم والسُّؤْدَدِ والرِّئاسةِوالإمامةِ - ظاهرَ الجودِ في الخاصّةِ والعامّةِ، مشهورَ الكرم في الكافَّةِ،معروفاً بالفضلِ (2) والإحسانِ معَ كثرةِ عيالهِ وتوسُّطِ حاله .
حدّثَني الشّريفُ أَبو محمّدٍ الحسنُ بنُ محمّدٍ قالَ : حدّثَني جدِّيقالَ : حدّثَنا أَبو نصرقالَ : حدّثَني محمّدُ بنُ الحسينِ قالَ : حدّثَنا أَسودُ بنُعامرٍ قالَ : حدّثَنا حبّانُ (3) بن عليٍّ ، عنِ الحسنِ بنِ كثيرٍ قالَ : شكوتُ إِلىأَبي جعفرٍ محمّدٍ بنِ عليٍّ عليهِ السّلامُ الحاجةَ وجفاءَ الأخوانِ ، فقالَ :«بئسَ الأخ أَخٌ يرعاكَ غنيّاً َويقطعك فقيراً» ثمّ أَمرَ غلامَه فأَخرجَ كيساًفيه سبعمائةِ دِرهمٍ وقالَ : «استنفِقْ هذه فإِذا نَفِدَتْ فأَعْلِمْني »(4) .
وقد روى (محمّدُ بنُ الحسينِ)(5) قالَ : حدّثَنا عبدُاللهِ بن الزُّبيرِقالَ :حدّثونا عن عمرِو بنِ دينارٍ وعبدِاللهِ بنِ عبيدِ بنِ عُميرأَنّهما قالا : ما لقيْنا أَباجعفرٍ محمّدِ بنِ عليٍّ عليهما السّلامُ إِلا وحملَ إِلينا النّفقةَ والصِّلةَوالكِسوةَ، ويقولُ : «هذه مُعَدَّةٌ لكم قبلَ أَن تَلقَوْني »(6).=
وروى أَبو نُعيمٍ النّخعيُّ ، عن معاوية بن هشامٍ ، عن سليمان بنقَرْمٍ قالَ : كانَ أَبوجعفرٍ محمّدُ بنُ عليٍّ عليهما السّلامُ يُجِيْزُنا بالخمسمائةِدرهم إِلى السِّتّمائةِ إِلى الألفِ درهم ، وكان لا يَملُّ من صلةِ إِخوانهِوقاصِديه ومؤمِّليه وراجيه (1) .
ورُويَ عنه عن آبائه عليه وعليهم السّلامُ : أَنّ رسولَ اللّهِ صلّى اللهُعليهِ والهِ كانَ يقولُ : «أَشدُّ الأعمالِ ثلاثةٌ : مواساةُ الإخوانِ في المالِ ،وإنصافُ النّاسِ من نفسِكَ ، وذكرُ اللهِ على كلِّ حالٍ »(2).
وروى إسحاقُ بن منصور السّلوليّ قالَ : سمعتُ الحسنَ بنَ صالحٍيقولُ : سمعتُ أَبا جعفرٍ محمّدَ بنَ عليٍّ عليهما السّلامُ يقولُ : «ماشِيْبَشيءٌ بشي بأَحسن (3)من حلمٍ بعلمٍ »(4).
وروِيَ عنه عليه السّلامُ أَنّه سُئلَ عنِ الحديثِ يرسله ولا يُسندُهفقالَ : «إِذا حدّثْت الحديثَ فلم أسنِدْه فسَنَدي فيه أَبي عن جدِّي عنأَبيه عن جدِّه رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ والهِ عن جَبْرَئيْلَ عليهِ السّلامُعنِ اللهِ عزَّوجلَّ »(5).
وكانَ عليه وابائه السّلامُ يقول : «بليّةُ النّاسِ علينا عظيمةٌ ، إن
وكانَ عليهِ السّلامُ يقولُ : «ما يَنْقِمُ النّاسُ منّا؟! نحنُ أَهلُ بيتِالرّحمةِ ، وشجرةُ النُّبوَّةِ ، ومَعدِن الحكمةِ ، ومَوضِعُ (2) الملائكةِ ، ومَهبِطُالوحي »(3).
وتُوُفِّيَ عليه وآبائه السّلامُ وخلّفَ سبعةَ أَولادٍ ، وكانَ لكلِّ واحدٍمن إخوته فضلٌ وإن لم يَبلغْ فضلَه لمكانِه منَ الامامةِ، ورتبتهِ عندَ اللهِفي الولايةِ، ومحلِّه منَ النّبيِّ عليه واله السّلامُ في الخلافِة . وكانتْ مدّةُ إمامتِهوقيامِه مَقامَ أبيه في خلافةِ اللهِ عزّوجلَّ على العبادِ تسعَ عشرةَ سنةً.
*
*
وكانَ عبدُاللهِ بن عليِّ بن الحسينِ أخو أبي جعفر عليه المسّلام يليصدقاتِ رسولِ اللهِ صلّى الله عليهِ وآلهِ وصدقاتِ أًميرِ المؤمنينَ عليهِالسّلامُ وكانَ فاضلاً فقيهاً ، وروى عن آبائه عن رسول اللهِ صلّى اللهُ عليهِوالهِ أخباراً كثيرةً، وحدّثَ النّاسُ عنه وحملوا عنه الآثارَ.
فمن ذلكَ ما رواه (إبراهيمُ بن محمّدِ بنِ داود بن عبدِاللهالجعفري)(2)، عن عبدِ العزيزِ بنِ محمّدٍ الدّراورديّ ، عن عُمارة بنغَزِيّةَ(3)، عن عبدِاللهِ بنِ عليِّ بنِ الحسينِ (4) أنّه قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلّىاللهُ عليهِ وآلهِ : «إِنّ البخيلَ كلَّ البخيلِ الّذيِ إِذا ذُكِرْتُ عندهَ لم يُصَلِّ عليٌ»(5).
وروى زيدُ بنُ الحسنِ بنِ عيسى قالَ : حدّثَنا (أبو بكرِ بنِ أبي
* وكانَ عمرُ بنُ عليَّ بنِ الحسينِ فاضلاًَ جليلاً، ووليَ صدقاتِ النّبيِّصلّى اللهُّ عليهِ والهِ وصدقاتِ أميرِ المؤمنينَ عليهِ السّلامُ وكان وَرِعاًسَخِيّاً.
وقد روى (داود بنُ القاسمِ)(4) قالَ : حدّثَنا الحسينُ بنُ زيدٍ قالَ :رأيتُ عمِّي عمرَ بنَ عليِّ بنِ الحسينِ يَشرطُ(5) على مَنِ ابتاعَ صدقاتِ
ومنه يظهر ان الخبرمن كتاب العبيدلي يحيى بن الحسن على الظاهر، وعلى أيَ حال فأبو بكرأبن أبي اويس هوعبد الحميد بن عبداللهّ بن عبدالله بن اويس الاصبحي أبو بكر بن أبي اويس المدنيالاعشى كما ترجمه ابن حجر قي تهذيب التهذيب 6 : 118 وذكر وفاته سنة 202 ببغداد . ومنعنوان ابن حجر له يعلم صحة اطلاق أبي بكر بن اويس عليه أيضاً.
أخبرَني الشرّيف أبو محمّدٍ قالَ : حدّثَني جدِّي قالَ : حدّثَنا (أبوالحسنِ بكّارُ بنُ أحمدَ الأزديّ)(2) قالَ : حدّثَنا الحسنُ بنُ الحسينِالعُرَنيّ ، عن عبيدِاللهِّ بنِ جريرٍ القطّانِ قال: سمعتُ عمرَ بنَ عليِّ بنِالحسينِ يقولُ : المُفْرِطُ في حبِّنا كالمُفْرِطِ في بغضِنا، لنا حقٌّ بقرابتِنا مننبيِّنا عليه وآله السّلام وحق جعلَه الله لنا، فمن تركَه تركَ عظيماً، أَنزِلونا بالمنزلِالّذي أنزلَنا اللهُ به ، ولا تقولوا فينا ما ليسَ فينا، إِن يُعَذِّبْنا اللهُّ فبذنوبِنا، وإنيَرْحَمْنا فبرحمتهِ وفضلِه (3).
* وكانَ زيدُ بنُ عليِّ بن الحسينِ عينَ إِخوتهِ بعدَ أَبي جعفرٍ عليهِ السّلامُوأفضلَهم ، وكانَ عابداً وَرِعاً فقيهاً سخيّاً شجاعاً، وظهرَ بالسّيفِ يَأْمرُبالمعروفِ وينهي عنِ المنكرِ ويَطالبُ بثاراتِ الحسينِ عليهِ السّلامُ .
أَخبرَني الشّريفُ أَبومحمّدٍ الحسنُ بنُ محمّدٍ ، عن جدِّه ، عنِ
ثم ان في متن «ش»: محمد بدل أحمد وفوقه علامة تشبه أن تكون (سيد)، ولكن فيهامشها أحمد| س صِح ، وهوما اثبتناه ، فقد عنونه الشيخ في فهرسته 39 : 128 : بكار بنأحمد، واثبت له كتباُ روى بعضها علي بن العباس المقانعي وبعضها الحسين بن عبد الكريمالزعفراني. وعنونه في باب من لم يرو عنهم في الرجال : 2|456 : بكار بن أحمد بنزياد ، روى عنه ابن الزبير- والموجود في الفهرست رواية ابن الزبيرعنه بتوسط علي بن العباسالمقانعي لا مباشرة - ويأتي في ص 193 رواية علي بن العباس المقانعي عن بكّار بن أحمد عنحسن بن حسين ، وهو نفس من يرويَ عنه بكار بن أحمد في هذه الرواية.
وروى هشيمٌ (2) قالَ : سأَلتُ خالدَ بنَ صفوانَ عن زيدِ بن عليّ- وكانَ يحدِّثُنا عنه - فقلتُ : أَينَ لقيتَه ؟ قالَ : بالرُّصافةِ(3)، فقلتُ : أَيّرجلٍ كانَ ؟ فقالَ :كانَ - ما علمتُ - يبكي من خشيةِ اللهِّ حتّى تختلطَ دموعُهبمخاطِه (4).
واعتقدَ فيه كثيرٌ منَ الشِّيعةِ الإمامةَ، وكانَ سببُ اعتقادِهم ذلكَ فيهخروجَه بالسّيفِ يدعو إِلى الرِّضا من الِ محمّدٍ فظنُّوه يرُيدُ بذلكَ نفسَه ،ولم يكن يُريدُها به لمعرفتِه عليه السّلام باستحقاقِ أَخيه للإمامةِ من قبلِه ،ووصيّتهِ عندَ وفاتِه إِلى أَبي عبدِاللهِ عليهِ السّلامُ.
* وكانَ سببُ خروجِ أَبي الحسينِ زيدٍ رضيَ الله عنه - بعدَ الّذيذكرْناه من غرضِه في الطّلبِ بدم الحسينِ عليهِ السّلامُ - أَنّه دخلَ علىهِشام بنِ عبدِ الملكِ ، وقد جمعَ لهَ هشامٌ أَهلَ الشّامِ وأَمرَأَن يتضايقوا فيالمجلسَِ حتّى لا يتمكّنَ منَ الوصولِ إِلى قربه ، فقالَ له زيدٌ : إِنّه ليسَمن عبادِ اللهِ أحدٌ فوقَ أَن يُوصى بتقوى اللهِ ، ولا من عبادِه أَحدٌ دونَ أَنيُوصِيَ بتقوى اللهِ ، وأنا أُوصيكَ بتقوى اللهِّ - يا أَميرَ المؤمنينَ - فاتّقِه .
فقالَ له هشامٌ : أَنتَ المؤهِّلُ نفسَكَ للخلافةِ الرّاجي لها؟! وماأَنتَ وذاكَ - لا أُمَّ لكَ - وِانّما أَنتَ ابنُ أمة ؛ فقالَ له زيدٌ : إِنِّي لا أَعلمُأَحداً أعظمُ منزلة عندَ اللهِ من نبيٍّ بعثَه وهو ابنُ أَمةٍ ، فلوكانَ ذلكَيُقَصَرُ عنِ منتهى غايةٍ لم يُبْعَثْ ، وهو إسماعيلً بنُ إِبراهيمَ عليهماالسّلامُ ، فالنبوَّةُ أَعظمُ منزلةً عندَ اللهِّ أَم الخلافةُ، يا هشام ؟ ! وبعدُ، فمايقصُرُ برجلٍ أَبوه رسولُ اللهِّ صلّى اللهُ عَليهِ وآلهِ وهو ابنُ عليِّ بنِ أَبيطالب ؛ فوثبَ هشامٌ عن مجلسِه ودعا قَهْرَمانَه وقالَ : لا يَبِيْتَنَّ هذا فيعَسكرِي .
فخرجَ زيدٌ رحمةُ اللهِّ عليه وهويقولً : إنّه لم يَكرهْ قومٌ قطُّ حرَّالسُّيوفِ إلا ذَلوا . فلمّا وصلَ الكوفةَ اجتمعَ إِليه أَهلُها فلم يزالوا بهحتّى بايعوه على الحربِ ، ثمّ نقضوا بيعتَه وأَسلموه ، فقتِل عليهِ السّلامُوصُلِبَ بينَهم أربَعِ سنينَ ، لايُنكِرُأحدٌ منهم ولايُغَيِّر بيدٍ ولا لسانٍ .
ولمّا قُتِلَ بَلغَ ذلك من أبي عبدِاللهِ عليهِ السّلامُ كل مبلغ ،وحزنَ له حزناً عظيماً حتّى بانَ عليه ، وفرّقَ من مالِه على عيالِ مَنْ أُصيبَمعَه من أَصحابِهِ أَلفَ دينارٍ . (روى ذلكَ أَبو خالدٍ الواسطيُّ قالَ : سلّمَإِليَّ أَبو عبدِاللهِّ عليهِ السّلام أَلفَ دينار) (1)، وأَمرَني أَن أُقسِّمَها في عيالِ مَنْأُصيبَ معَ زيدٍ ، فأَصابَ عيال عبدِاللهِ بنِ الزُّبيرِ أَخي فضُيَلٍ الرسّانِمنها أَربعة دنانير (2) .
وكانَ مقتلُه يومَ الاثنينِ لليلتينِ خَلَتا من صفرٍ سنةَ عشرينَومائةٍ ، وكانتْ سنُّه يومئذٍ اثْنتينِ وأَربعينَ سنةً .
* وكانَ الحسينُ بنُ عليَ بنِ الحسينِ فاضلاً وَرِعاً، وروى حديثاً كثيراًعن أَبيه عليِّ بنِ الحسينِ وعمّتِهِ فاطمةَ بنتِ الحسينِ وأَخيه أَبي جعفرٍ عليهمالسّلامُ .
وروى أَحمدُ بنُ عيسى قالَ : حدّثَنا أَبي قالَ : كنتُ أَرى الحسينَ بنَعليِّ بنِ الحسينِ يدعو، فكنتُ أَقول : لا يَضعُ يدَه حتّى يُستجاب لهفي الخلقِ جميعاً(1).
وروى حَرْبٌ الطَحّانُ قالَ : حدّثَني سعيدٌ صاحبُ الحسنِ بنصالحٍ قالَ : لم أَرَ أحداُ أخوفَ منَ الحسنِ بنِ صالحٍ ، حتّى قدمتَالمدينةَ فرأيتُ الحسينَ بنَ عليِّ بنِ الحسينِ عليهم السلامُ فلم أَرَ أَشدَّخوفاً منه ، كأنّما أُدخِلَ النارَ ثمّ أُخرِجَ منها لِشدّةِ خوفهِ (2).
وروىَ يحيى بن سليمان بن الحسينِ ، عن عمِّه إِبراهيم بنالحسينِ ، عن أَبيه الحسينِ بنِ عليِّ بنِ الحسينِ قالَ : كانَ إِبراهيمُ بنُهِشامٍ المخزوميّ والياً على المدينةِ، فكانَ يجمعُنا يومَ الجمعةَ قريباً منَالمِنْبَرِ، ثمّ يَقَعُ في عليِّ ُويشتمه. قالَ : فحضرتُ يوماً وقدِ امتلأ ذلكَالمكانُ ، فلَصِقْتُ بالمِنبَرَ فأَغْفَيْتُ ، فرأَيتُ القبرَ قدِ انفرجَ وخرجَ منهرجلٌ عليِه ثياب بياض ، فقالَ لي : يا أبا عبدِاللهِ ، ألا يَحزُنُكَ ما يقول هذا؟قلتُ : بلى واللهِ ، قال : افتَحْ عينَيْكَ ، انظُرْ ما يصنَعُ اللهُ به ؛ فإِذا هو قد ذكرَ
*
*
قد ذكرْنا فيما سلفَ أَنّ ولدَ أَبي جعفرٍ عليهِ السلامُ سبعة نفرٍ :أَبو عبداللهِ جعفرُ بن محمّدٍ - وكانَ به يُكنى - وعبدُاللهِ بن ّمحمّدٍ ،أُمُّهما أُمُّ فرْوَةَ بنتُ القاسمِ بنِ محمّدِ بنِ أَبي بكرٍ .
وإِبراهيمُ وعبيدُاللهِ ، دَرَجا(1)، أُمُّهما أُمُّ حكيمٍ بنتُ أَسِيدِ بنِ المُغيرةِالثّقفيةُ.
وعليّ وزينبُ ، لأمِّ ولدٍ .
وأُمُّ سلمةَ، لأمِّ ولدٍ (2) .
ولم يُعتقدْ في أَحدٍ من ولدِ أَبي جعفرٍ عليهِ السلام الإمامةُ إلا في أَبيعبدِاللهِ جعفرِ بنِ محمّدٍ الصادق عليهِ السلامُ خاصّةً، وكانَ أَخوه عبدُاللهِرضيَ اللهُ عنه يُشارُ إِليه بالفضلِ والصلاحِ .
ورُوِيَ : أنّه دخلَ على بعض بني أُميّةَ فأَرادَ قَتْلَه ، فقالَ له عبدُاللهِّ رضيَاللهُ عنه :لا تَقتلْني فأكوُنَ (3) للهِّ عليكَ عوناً، واسْتَبْقِني أَكنْ لكَ على اللهِّعونا ؛ يُريدُ بذلك أَنّه ممّن يَشفَعُ إِلى اللهِ فيُشفِّعُه ، فقالَ له الأمويُّ :
وكانَ الصادقُ جعفرُ بن محمّدِ بنِ عليّ بنِ الحسينِ عليهم السلامُمن بينِ إِخوتهِ خليفةَ أبيه محمّدِ بنِ عليِّ عليهما السلامُ ووصيَّه والقائمَبالإِمامةِ من بعدِه ، وبَرَزَ على جماعتِهمَ بالفضلِ ، وكانَ أَنبهَهم ذِكراً ،وأَعظمَهم قدراً ، وأَجلَّهم في العامّةِ والخاصةِ ، ونقلَ النّاسُ عنه منَ العلومما سارتْ به الرُّكْبانُ ، وانتشرَ ذكرُه في البُلْدانِ ، ولم يَنْقُلْ عن أَحدٍ منأَهلِ بيتهِ العلماء ما نُقِلَ عنه ، ولا لقِيَ أحدٌ منهم من أَهلِ الآثارِونَقَلةِالأخبارِ، ولا نَقَلُوا عنهم كما نقلوا عن أَبي عبداللهِّ عليهِ السّلامُ ، فإنّأصحابَ الحديثِ قد جمعوا أَسماءَ الرُّواةِ عنه منَ الثًّقاتِ ، على اختلافِهم فيالأراءِ والمقالاتِ ، فكانوا أربعةَ آلافِ رجلٍ (1) .
وكانَ له عليهِ السّلامُ منَ الدّلائلِ الواضحةِ في (2) إِمامتهِ ، ما بَهَرَتِالقلوبَ وأَخرستِ المخالفَ عنِ الطّعنِ (3) فيها بالشُّبهاتِ .
وكانَ مولدُه عليهِ السّلامُ بالمدينةِ سنةَ ثلاث وثمانينَ منَ الهجرةِ،
وأُمُّه أُمُّ فَرْوَةَ بنتُ القاسمِ بنِ محمّدِ بنِ أَبي بكرٍ .
وكانت إِمامته عليه السّلامُ أَربعاً وثلاثينَ سنةً.
ووصّى إِليه أَبوه أَبو جعفرٍ عليهِ السلامُ وصيّةَ ظاهرةً،ونصَّ عليهبالإمامةِ نصّاً جليّاً .
فروى محمّدُ بنُ أَبي عُمَيرٍ ، عن هِشام بنِ سالمٍ ، عن أَبي عبدِاللهِّجعفرِ بن محمّدٍ عليهما السّلامُ قال : «لمّاَ حضرَتْ أَبي الوفاةُ قالَ : ياجعفرُ، أوصيكَ بأَصحابي خيراً ؛ قلتُ : جُعِلْتُ فداكَ ، واللهِ لأدَعَنَهم (1)والرّجلُ منهم يكونُ في المصرِ فلا يَسألُ أحداً»(2).
وروى أَبانُ بنُ عثمانَ ، عن أَبي الصبّاحِ الكنانيِّ قالَ : نظرَ أَبوجعفرٍعليهِ السّلامُ إِلى أَبي عبدِاللهِّ عليهِ السّلامُ فقالَ : «تَرى هذا، هذا منَالّذينَ قالَ الله عزَّ وجل: (وَنُرِيْدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الّذِيْنَ اسسْتُضْعِفُوْا فيالأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً ونَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِيْنَ) (3) »(4) .
وروى هِشامُ بنُ سالم، عن جابرِ بنِ يزيدَ الجُعفيِّ قالَ : سُئلَ
وروى عليُّ بنُ الحَكَم ، عن طاهرٍ - صاحب أبي جعفرٍ عليه السّلامُ -قالَ : كنتُ عندَه فأَقبلَ جعفرٌ عليهِ السّلامُ فقالَ أَبوجعفرٍ عليهِالسّلامُ : «هذا خيرُ البريّةِ»(2) .
وروى يونسُ بنُ عبدِ الرّحمن ، عن عبدِ الأعلى مولى آلِ سامٍ ، عنأَبي عبدِاللهِّ عليه السّلامُ قالَ : «إِنَّ أَبي عليهِ السّلامُ استودَعَني ما هناكَ ،فلمّا حضرَتْه الوفاةُ قالَ : ادْعُ لي شهوداً، فدعوتُ أَربعةً من قُريشٍ ،فيهم نافعٌ مولى عبدِاللهِ بنِ عمرَ، قالَ : اكتبْ : هذا ما أَوصى به يعقوبُبنيه :(يَا بَنيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّيْنَ فلا تَمُوتُنَّ إِلاٌ وَأنْتمْمُسْلِمُوْنَ)(3)َ وأَوصى محمّد بنُ عليٍّ إِلى جعفرٍ بنِ محمّدٍ وأَمرَه أَن يُكفِّنَهفي بُردِهِ الّذي كانَ يُصلِّي فيه يومَ الجمعةِ، وأن يُعمِّمَهُ بِعِمامَتهِ ، وأَنيُربِّعَ قبرَه ويرفعَه أَربعَ أَصابعَ ، وأَن يَحُلَّ عنه أطمارَه (4) عندَ دفنهِ ، ثمّقالَ للشُّهودِ: انصرفوا رحمَكم اللهُ ، فقلتُ له : يا أَبت ، ما كانَ في هذابأَنْ يُشْهَدَ عليه ؟ فقالَ : يا بُنِّي ، كَرِهْتُ أَن تغْلَبَ ، وأَن يُقالَ : لم يُوصَإليه، فأَردتُ أَن تكونَ لكَ الحجّةُ«(5) .=
وأشباهُ هذا الحديثِ في معناه كثيرٌ ، وقد جاءتِ الرِّوايةُ التي قدّمْناذِكرَها في خبرِ اللوحِ بالنّصِّ عليه منَ اللهِ تعالى بالإمامةِ(1).
ثمّ الّذي قدّمْناه - من دلائلِ العقولِ على أَنّ الإمامَ لا يكونُ إِلاالافضل (2) - يدلُّ على إِمامتهِ عليه السّلامُ لظهورِ فضلِه في العلمِوالزُّهدِ والعملِ على كافّةِ إِخوتهِ وبني لم عَمِّه وسائرِ النّاسِ من أَهلِعصره .
ثَم الّذيَ يَدلُ على فسادِ إِمامةِ مَنْ ليسَ بمعصومٍ كعصمةِالأَنبياءِ عليهم السّلام وليسَ بكاملٍ في العلمِ ، وظهور تعرِّي مَنْسواه ممّنِ ادّعِيَ له الإمامةُ في وقتهِ عنِ العصمةِ، وقصورِهم عنِ الكمالِفي علمِ الدَينِ ؛ يَدًلُّ على إِمامتهِ عليهِ السّلام ، إِذ لا بدَّ من إِماممعصومٍ في كلِّ زمانٍ ، حَسَبَ ما قدّمْناه ووصفْناه (3).
وقد روى النّاسُ من اياتِ اللهِ الظاهرةِ على يدِه (4) عليهِ السّلامُ مايَدلّ على إِمامتهِ وحقِّه ، وبطلانِ مقالِ منِ ادّعى الإمامةَ لغيرهِ .
فمن ذلكَ ما رواه نقلةُ الآثارِ(5) من خبرِه عليه وآبائه السّلامُ معَالمنصورِ لمّا أمرَ الرَّبِيعَ باحضارِ أَبي عبدِاللهِ عليه السّلامُ فأَحضرَه ، فلمّابَصُرَ به المنصورُ قالَ له : قتلَني اللهُ إن لم أَقتلْكَ ، أَتلحِدُ في سلطاني