أمّا بعدُ فَجَعْجِعْ (2) بالحسينِ حينَ يَبلُغُكَ كتابي ويقدمُ عليكَرسولي ، ولا تُنْزِلْه (3) إِلاّ بالعراءِ في غيرِ حصنٍ وعلى غيرِماءٍ ، فقد أمرتُرسولي أن يَلزَمَك ولا يفُارِقَكَ حتّى يأْتيني بإِنفاذِكَ أمري ، والسّلامُ .
فلمّا قرأ الكتابَ قالَ لهم الحرُ: هذا كتابُ الأَميرِ عُبيدِاللهِّ يأْمرُنيأَن أُجَعْجِعَ بكم في المكانِ الّذي يأْتي كتابُه ، وهذا رسولُه وقد أمرَه أَلاّيفارقَني حتّى أُنَفّذَ أَمْرَه .
فنظرَ يزيد بنُ المهاجرِ الكنانيّ (4) - وكانَ معَ الحسينِ عليهِالسّلامُ - إلى رسولِ ابن زيادٍ فعرفَه فقالَ له يزيدُ : ثَكلَتْكَأُمُّكَ ، ماذا جئتَ فيه ؟ قالَ : أَطعتُ إِمامي ووفيتُ ببيعتي ، فقالَ له ابنُالمهاجرِ: بل عصيتَ ربَّكَ وأطعتَ إِمامَكَ في هلاكِ نفسِكَ وكسبتَالعارَ والنّارَ، وبئسَ الإمامُ إِمامكَ ، قالَ اللّهُ عزَّ من قائلٍ
وأخذَهم الحرُّ بالنُّزولِ في ذلكَ المكانِ على غيرماءٍ ولا قريةٍ ،فقالَ له الحسينُ عليهِ السّلامُ : « دَعْنا- ويحك - ننزل في هذه القريةِ أوهذه- يعني نينَوَى والغاضِريّةَ - أو هذه - يعني شِفْنَةَ(2) - » قالَ : لا واللّهِ ماأستطيعُ ذلكَ ، هذا رجل قد بُعِثَ اليّ عيناً عليّ، فقالَ له زُهَيرُ بنُالقَيْنِ : إِنِّي واللّهِ ما أراه يكونُ بعدَ هذا الّذي تَرَوْنَ إِلا أَشدَّ ممّا تَرَوْنَ ، ياابنَ رسولِ اللّهِ ، إِنّ قتالَ هؤلاءِ السّاعةَ أهونُ علينا من قتالِ من يأْتينابعدَهم ، فلعَمْري لَيَاْتيَنا بعدَهم ما لا قِبلَ لنا به ، فقالَ الحسين عليهِالسّلامُ : «ما كنتُ لأَبدأهم بالقتالِ » ثمّ نزل ؛ وذلكَ يومَ الخميسِوهو اليوم (3) الثّاني منَ المحرّمِ سنةَ إِحدى وستَينَ .
* فلمّا كانَ منَ الغدِ قدمَ عليهم عُمَرُبنُ سَعْدِ بنِ أبي وَقّاصٍ منَالكوفةِ في أربعةِ آلافِ فارسٍ ، فنزلَ بنينوى وبعثَ إِلى الحسينِ عليهِالسّلامُ (عُروةَ بنَ قَيْسٍ )(4) الأحمسيّ فقالَ له : ائتِهِ فسَلْه ما الّذي جاءَبكَ ؟ وماذا تريدُ؟
وكانَ عُروةُ ممّن كتبَ إلى الحسينِ عليهِ السّلامُ فاستحيامنه أن ياْتيَه ، فعرضَ ذلكَ على الرؤَساءِ الّذينَ كاتبوه ، فكلّهم
* فاقبلَ كثيرٌ إِليه ، فلمّا رآه أبو ثمامةَ الصّائديُّ قالَ للحسينِ عليهِالسّلامُ : أصلَحَكَ اللهّ يا أَبا عبدِاللهِّ ، قد جاءَكَ شرُّ أهلِ الأرضِ ،وأجرؤهم على دم ، وأفتكُهم (1). وقامَ إِليه فقالَ له : ضَعْ سيفَكَ ، قالَ : لاولا كرامة، إِنّما أنا رسولٌ ، فإِن سمعتم منِّي بلّغتُكم ما أرْسِلْتُ به إِليكم ،وان أبَيتم انصرفتُ عنكم ، قالَ : فإِنِّي آخذُ بقائِمِ سيفِكَ ، ثمّ تكلّمبحاجتِكَ ، قالَ : لا واللهِّ لا تمسَّه ، فقالَ له : أخبرْني بما جئتَ به وأَنا أُبلِّغهُعنكَ ، ولا أدعُكَ تدنو منه فإِنّكَ فاجرٌ ؛ فاستَبّا وانصرفَ إِلى عمر بن سعدٍفأخبرَه الخبرَ.
فدعا عمرُقُرّةَ بنَ قيسٍ الحنظليّ فقالَ له : ويحَكَ يا قُرّةُ، القَحسيناً فسَلْه ما جاءَ به وماذا يريد ؟ فأتاه قُرّةُ فلمّا رآه الحسينُ مقبلاًقالَ : «أتعرفونَ هذا؟» فقالَ له حبيبُ بنُ مُظاهِرِ: نعم ، هذا رجلٌمن حنظلةِ تميم ، وهو ابنُ أُختِنا، وقد كنتُ أعرَفه بحسنِ الرٌأي ، وماكنتُ أراه يشهَدُ هذا المشهدَ. فجاءَ حتّى سلَّمَ على الحسينِ عليهِ السّلامُوأبلغَه رسالةَ عمرِ بنِ سعدٍ إِليه ، فقالَ له الحسينُ : «كَتبَ إِليَّ أهلُمِصْرِكم هذا أن اقدم ، فأمّا إِذ كرهتموني فأنا أنصرفُ عنكم » ثمّ قالَحبيبُ بنُ مُظاهِر: ويحَكَ يا قُرّةً أينَ ترجعُ ؟! إلى القوم الظّالمينَ ؟! انْصُرْهذا الرّجلَ الّذي بآبائه أيّدَكَ اللّهُ بالكرامةِ ، فقالَ له قُرّةُ : أَرجعُ إِلى صاحبي
بسم اللّهِ الرّحمنِ الرّحيمَ ، أمّا بعدُ : فإِنِّي حينَ نزلتُ بالحسينِ بعثتُإِليه رسلي ، فسألتُه عمّا اقْدَمَه ، وماذا يطلبُ ؟ فقالَ : كتبَ إِليَّ أَهْلُهذه البلادِ، واتتْني رُسُلُهم يسألونَني القدومَ ففعلتُ ، فأمّا إِذ كرهونيوبدا لهم غيرُما أتَتْني به رُسُلُهم ، فأَنا منصرفٌ عنهم .قالَ حسّانُ بنُ قائدٍ العَبْسيّ : وكنتُ عندَ عُبيدِاللهِّ حينَ أَتاههذا الكتابُ ، فلمّا قرأه قالَ :
وكتبَ إِلى عمربن سعدٍ :
أمّا بعدُ: فقد بلغَني كتابُكَ وفهمتُ ما ذكرتَ ، فاعرِضْ علىالحسينِ أَن يُبايعَ ليزيدَ هو وجميعُ أصحابه ، فإِذا فعلَ هو ذلكَ رأينارأيَنا ، والسّلامُ .
فلمّا وردَ الجوابُ على عمر بن سعدٍ قالَ : قد خشيتُ ألاّ يَقبلَ ابنُزيادٍ العافيةَ .
ووردَ كتابُ ابنِ زيادٍ في الأثرِ إلى عمر بن سعدٍ : أن حُلْ بينَالحسينِ وأصحابه وبينَ الماءِ فلا يَذوقوا منه قطرةً، كما صُنعَ بالتّقيِّالزّكيِّ عُثمان بن عفَّان . فبعثَ عمرُبنُ سعدٍ في الوقتِ عَمْرَو بنَ الحجّاجِ فيخمسمائةِ فارس ، فنزلوا على الشّريعةِ وحالوا بينَ الحسينِ وأصحابهوبينَ الماءِ أن يَستَقُوا منه قطرةً، وذلكَ قبلَ قتل الحسين بثلاثةِ
* قالَ حميدُ بنُ مسلمٍ : واللّهِ لَعُدْتُه بعدَ ذلكَ في مرضِه ، فواللّهِالّذي لا إِلهَ غيرُه ، لقد رأيتُه يَشرَبُ الماءَ حتّى يَبغَرَ(2) ثمّ يقيئه ،ويصيحُ :العطشَ العطش ، ثمّ يعودُ فيشرَبُ الماءَ حتّى يَبْغَرَثم يقيئه ويتلَظّىعَطَشاً، فما زالَ ذلكَ دأبه حتّى (لَفَظَ نفسَه)(3).
ولمّا رأى الحسينُ نزولَ العساكرِ مع عمرِ بن سعدٍ بنينوى ومدَدَهملقتالِه أنفذَ إِلى عمر بن سعدٍ : «انِّي أُريدُ أن ألقاكَ (4)» فاجتمعا ليلاً فتناجياطويلاً، ثمّ رجعَ عمرُ بنُ سعدٍ إِلى مكانِه وكتبَ إِلى عُبيَدِاللهِّ بن زيادٍ :
أمّا بعدُ: فإِنّ اللّهَ قد أطْفأ النّائرةَ وجَمَعَ الكلمةَ وأَصَلحَ أَمرَالأمّةِ، هذا حسينٌ قد أَعطاني أن يرجِعَ إِلى المكانِ الّذي أتى منه أوأن يسيرَ إِلى ثَغرٍ منَ الثُّغورِ فَيكونَ رجلاًَ منَ المسلمينَ ، له ما لهموعليه ما عليهم ، أو أَن يأَتيَ أميرَ المؤمنينَ يزيدَ فيضعَ يدَه في يدِه ، فيرى فيمابينَه وبينَه رأيَه ، وفي هذا[لكم](5) رضىً وللأمّةِ صلاحٌ .=
فلمّا قرأ عُبيدُاللّهِ الكتابَ قالَ : هذا كتابُ ناصحٍ مشفق على قومِه .فقامَ إِليه شِمْرُ بنُ ذي الجَوْشنِ فقالَ : أتَقبلُ هذا منه وقد نزلَ بأرًضِكَ والىجنبكَ ؟ واللّهِ لئن رحلَ من بلادِكَ ولم يَضَعْ يدَه في يدِكَ ، لَيكونَنَّ أولىبالقَوّةِ ولتكونَنَّ أولى بالضَّعفِ والعجز، فلا تُعْطِه هذه المنزلةَ فإِنّها منَالوَهْنِ ، ولكن لِينَزِلْ على حُكمِكَ هو وأصحابُه ، فان عاقبْتَ فأنت (أَولىبالعقوبةِ)(1) وإن عفَوْتَ كانَ ذلكَ لك .
قالَ له ابنُ زيادٍ : نِعْمَ ما رأيتَ ، الرأيُ رأيُك ، اخْرجُ، بهذا الكتابإِلى عُمَر بن سعدٍ فلْيَعْرِضْ على الحسينِ وأصحابه النًّزولَ على حُكْمِي ،فإِن فَعَلوا فليَبْعَثْ بهم إِليّ سِلماً، وأن هم أًبَوْا فليقاتلْهم ، فإِن فَعَلَفاسمعْ له وأطِعْ ، واِن أبى أن يقاتِلَهم فأنتً أَميرُ الجيشِ ، واضرِبْعُنقَه وابعثْ إِليَّ برأسِه .
وكتبَ إِلى عمر بن سعدٍ :انِّي لم أبعثْكَ إِلى الحسينِ لتكفَّ عنه ولالتُطاوِلَه ولا لتمنّيَه السّلامةَ والبقاءَ ولا لتَعتَذِرَ له ولا لتكونَ له عنديشافعاً، انظرْ فإِن نزلَ حسينٌ وأصحابُه على حكمي واستسلموا فابعثْبهم إِليَّ سِلْماً، وِان أبوْا فازحَفْ إِليهم حتّى تقتُلَهم وتُمثِّلَ بهم ، فإِنّهملذلكَ مستحقُّونَ ، وِان قُتِلَ الحسينُ فأوْطئ الخيلَ صدرَه وظهرَه ، فإِنّهعاتٍ ظلومٌ ، وليس أَرى أنّ هذا يَضُرُّ بعدَ الموتِ شيئاً، ولكنْ عليّقولٌ قد قلتُه : لوقتلتُه لفعلتُ هذا به ، فإِن أنتَ مضيتَ لأَمرِنا فيهجزَيْناكَ جزاءَ السّامعِ المطيعِ ، وإن أبيتَ فاعتزلْ عَمَلَنا وجُنْدَنا، وخلِّ
فأقبلَ شمرٌ بكتاب عًبيدِاللّهِ إِلى عمربن سعدٍ ، فلمّا قدمَ عليه وقرأَهقالَ له عمرُ: ما لَكَ ويْلَكَ ؟! لا قَرَّبَ اللّهُ دارَكَ ، قَبَّح اللهُ ما قَدِمْتَ بهعليّ ، واللّهِ إِنِّي لاظنُّكَ أنّكَ نهيتَه (1) أن يَقْبَلَ ما كتبتُ به إِليه ، وأفسدتَعلينا أمْرنَا، قد كنّا رَجَوْنا أن يصلحَ ، لا يستسلمُ واللّهِ حسينٌ ، إِنَّنفسَ أبيه لبَيْنَ جنبَيْه . فقالَ له شمرٌ : أخبِرني ما أَنتَ صانعٌ ، أتمضِيلأَمرِ أميرِكَ وتقاتلُ عدوٌه ؟ ِوألاّ فخلِّ بيني وبينَ الجندِ والعسكر؛ قالَ :لا، لا واللّهِ ولاكَرامةَ لكَ ، ولكنْ أنا أتولىّ ذلكَ ، فدونَكَ فكُنْ أنتَ علىالرَّجّالةِ. ونهضَ عمرُبنُ سعدٍ إِلى الحسينِ عشيّةَ الخميسِ لتسعٍ مضَيْنَمنَ المحرّمِ .
وجاءَ شِمرٌ حتّى وقفَ على أصحاب الحسينِ عليهِ السّلامُ فقالَ :أينَ بَنُو أُختِنا؟ فخرجَ إِليه العبّاسُ وجَعْفَرٌ (2) وعثمانُ بنوعليِّ بنِ أبي طالبعليه وعليهم السّلامُ فقالوا : ماتريدً؟ فقلَ : أنتم يابني أُختي امِنونَ ؛ فقالتْ لهالفِتْيةُ : لَعَنَكَ اللهّ ولَعَنَ أمانَكَ ، أتؤمِنُنَا(3) وابنُ رسولِ اللّهِ لا أمانَ له ؟ !
ثمّ نادى عمرُ بنُ سعدٍ : يا خيلَ اللّهِ اركبي وأبشري ، فركِبَالنّاس ثمّ زحفَ نحوَهمِ بعد العصرِ، وحسينٌ عليهِ السّلامُ جالسٌأمامَ بيتِه مُحتب بسيفِه ، إِذ خفقَ برأسِه على ركبتَيْه ، وسمعَتْ أُختُه
فأتاهم العبّاسُ في نحوٍ من عشرينَ فارساً، منهم (3) زُهَيرُ بنالقَيْنِ وحبيبُ بنُ مظاهِرٍ ، فقالَ لهم العبّاسُ : ما بدا لكم وما تريدونَ ؟قالوا: جاءَ أًمرُ الأميرِأَن نَعْرضَ عليكم أن تنزلوا على حكمِه أَونناجِزَكم ؛ قالَ : فلا تعجلوا حتّىَ أَرجعَ إِلى أبي عبدِاللهِّ فأعرِضَ عليه ماذكرتم ، فوقفوا وقالوا: الْقَه فأعْلِمْه ، ثمّ الْقَنا بما يقولُ لكَ.فانصرفَ العباسُ راجعاً يركضُ إِلى الحسينِ عليهِ السّلامُ يخبرُهالخبرَ، ووقفَ أَصحابُه يخاطِبونَ القومَ ويَعِظُونَهم ويكفّونَهم عن قتاَلِالحسينِ .
فجاءَ العبّاسُ إِلى الحسينِ عليه السّلامُ فأخبرَه بما قالَ القومُ ،فقالَ : «ارجعْ إِليهم فإِنِ استطعتَ أَن تُؤَخِّرَهم إِلى الغُدْوَةِ(4) وتَدْفَعَهم
فمضى العبّاسُ إِلى القوم ورجعَ من عندِهم ومعَه رسولٌ منقبَل عمر بن سعدٍ يقول : إِنّا قد أجَّلناكم إِلى غدٍ ، فإِنِ استسلمتمسرَّحْناكم إلى أميرِنا عُبيدِاللّهِ بنِ زيادٍ ، وإِن أَبيتم فلسنا تاركيكم ،وانصرفَ .
* فجمعَ الحسين عليهِ السّلامُ أَصحابَه عندَ قربِ المساءِ. قالَعليُّ بنُ الحسينِ زينُ العابدينَ عليهِ السّلامُ : «فدنوتُ منه لأَسْمَعَ مايقولُ لهم ، وأَنا إِذ ذاك مريضٌ ، فسمعتُ أَبي يقولُ لأصحابِه : أُثني علىاللهِّ أَحسنَ الثّناءِ ، وأَحمده على السّرّاءِ والضّرّاءِ ، اللّهمَّ إِنِّي أحْمَدُكَ علىأن أكرمْتَنا بالنُّبُوّةِ وعَلّمتنَا القرآنَ وفَقَّهْتَنَا في الدِّينِ ، وجعلت لنا أسماعاًوأَبصاراً وأَفئدةً ، فاجعلْنا منَ الشّاكرينَ .
أَمّا بعدُ : فإِنِّي لا أَعلمُ أَصحاباً أَوفى ولا خيراً من أصحابي ،ولا أَهلَ بيتٍ أَبرَّ ولا أوصلَ من أَهلِ بيتي فجزاكم اللّهُ عنَي خيراً،أَلا وإِنَي لأَظنَّ أَنّه اخرُ(1) يومٍ لنا من هؤلاءِ،أَلا وإِنّي قد أَذنت لكمفانطلِقوا جميعاً في حِلٍّ ليس عليكم منِّي ذِمامٌ ، هذا الليلُ قدغشِيَكم فاتّخِذوه جَملاً .
فقالَ له إِخوتُه وابناؤه وبنوأخيه وابنا عبدِاللهِّ بنِ جعفرٍ : لِمَ نفعلُذلكَ ؟! لنبقى بعدَكَ ؟! لا أَرانا اللهُّ ذلكَ أبداً . بدأهم بهذا القولِالعبّاس بنُ عليٍّ رضوانُ اللهِّ عليه واتّبعتْه الجماعةُ عليه فتكلّموا بمثله ونحوِه .
وقامَ إِليه مسلمُ بنُ عَوْسَجةَ فقالَ : أنُخلِّي (2) عنكَ ولمّا نُعذِرْإِلى اللهِسبحانَه في أداءِ حقِّكَ ؟! أما واللهِّ حتّى أطعنَ في صُدورِهم برمحي ،وأضربَهم بسيفي ما ثبتَ قائمهُ في يدي ، ولو لم يكنْ معي سلاحٌأُقاتلُهم به لقَذَفْتهم بالحجارةِ، واللهِّ لا نُخلِّيكَ حتّى يعلمَ اللهُ أنْ قدحَفِظْنا غيبةَ رسولِ اللّهِ (3)صلّى اللّهُ عليهِ وآلهِ فيكَ ، واللّهِ لوعلمتُ أنِّي أُقْتَلُثمّ أحيا ثم أُحرقُ ثم أحيا ثم أُذَرَّى، يُفعَلُ ذلكَ بي سبعينَ مرة مافارقتُكَ حتّى ألقى حِمامي دونَكَ ، فكيفَ لا أفعلُ ذلكَ ِوانّما هي قَتْلةٌواحدةُ ثمّ هي الكَرامةُ الّتي لا انْقِضاءَ لها أبداً .
وقامَ زُهَيرُ بنُ القَيْن البجليّ -رحمةُ اللهِّ عليهِ - فقالَ : واللهِ لوَددْتُأنِّي قُتِلْتُ ثمّ نُشِرْتُ ثمّ قُتِلْت حتّى أًقتلَ هكذا ألفَ مرّةٍ ، وأَنّ الله تعالىيدفعُ بذلكَ القتلَ عن نفسِكَ ، وعن أنفُسِ هؤلاء الفِتْيانِ من أهلبيتِكَ .
وتكلّمَ جماعةُ أصحابه (1) بكلام يُشبهُ بَعضُه بعضاً في وجهٍواحدٍ ، فجزاهم الحسينُ عَليهِ السلامُ خيراً وَانصرفَ إلى مضِربه (2)» .
قالَ عليُّ بنُ الحسينِ عليهما السّلامُ : «اِنيّ لَجالسٌ في تلكَ العشيّةِالّتي قُتِلَ أبي في صبيحتِها، وعندي عمّتي زينبُ تمرضني ، إِذِ اعتزلَ أبيفي خباءٍ له وعندَه جُويْنٌ مولى أبي ذرٍّ الغفار وهويُعالجُ سيفَه ويُصلِحُهوأبي يقولُ :
فأعادَها مرّتينِ أو ثلاثاً حتّى فهِمْتُها وعَرفْتُ ما أرادَ، فخنقَتْنيالعَبْرةُ فردَدْتُها ولزمتُ السُّكوتَ ، وعلمتُ أنّ البلاءَ قد نزلَ ، وأمّا عمّتيفإنهّا سَمِعَتْ ماسَمِعْتُ وهيَ امرأةٌ ومن شاْنِ النساءِ الرّقّةُ والجَرعُ ، فلم تَملِكْنفسَها أنْ وَثَبَتْ تجرُّثوبَها(3) ِوأنّها لَحاسرة، حتّى انتهتْ إِليه فقالتْ :واثكْلاه ! ليتَ الموتَ أعدمَني الحياةَ، اليومَ ماتْتْ أُمِّي فاطمةُ وأبي عليّوأخي الحسنُ ، يا خليفةَ الماضِي وثِمالَ الباقي . فنظرَ إِليها الحسينُعليهِ السّلام فقالَ لها : يا أُخيَّةُ لا يذْهِبَنَ حلمَكِ الشّيطانُ ، وتَرَقْرَقَتْعيناه بالدُموعِ وقالَ : لو تُرِكَ القَطَا لَنامَ (4) ؛فقالتْ : يا ويلتاه !
فقامَ إِليها الحسينُ عليهِ السّلامُ فصبّ على وجهها الماءَ وقالَلها: يا أُختاه ! اتّقي اللهَّ وتعَزَيْ بعزاءِ اللّهِ ، واعْلمي أنّ أهَلَ الأرضِيموتونَ وأهلَ السّماءِ لا يَبْقَوْنَ ، وأنَّ كلَّ شيءٍ هالكٌ إلاّ وجهَ اللهِّالّذي خلقَ ألخلقَ بقدرتهِ ، ويبعثُ الخلقَ ويعودونَ ، وهو فردٌ وحدَه ،أبي خيرٌ منِّي ، وأُمِّي خيرٌ منِّي ، وأخي خيرٌ منِّي ، ولي ولكلِّ مسلمٍبرسولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ والهِ أُسوةٌ . فعزّاها بهذا ونحوِه وقالَ لها : ياأُخيّةُ إِنِّي أقسمتُ فأبِرِّي قَسَمي ، لا تَشُقِّي عليَّ جيبأً ، ولا تَخْمشي (1)عليَّ وجهاً، ولا تَدْعِي عليٌ بالويلِ والثّبورِ إِذا أنا هلكتُ . ثمّ جاءَ بهاحتّى أجلسَها عنديّ.
ثمّ خرجَ إِلى أصحابه فأمرَهم أَن يُقَرِّبَ بعضُهم بيوتَهم منبعضٍ ، وأن يُدخِلوا الأطنابَ بعضها في بعضٍ ، وأن يكونوا بينَالبيوتِ ، فيستقبلونَ القومَ من وجهٍ واحدٍ والبيوتُ من ورائهم وعنأيْمانِهم وعن شمائِلهم قد حَفّتْ بهم إلاّ الوجهَ الّذي يأْتيهم منهعدوُّهم .
ورجعَ عليهِ السّلامُ إِلى مكانِه فقامَ الليلَ كلَّه يُصلّي ويستغفرُويدعو ويتضرّعُ ، وقامَ أصحابُه كذلكَ يُصَلًّونَ ويدعونَويستغفرونَ » (2) .
قالَ الضحّاكُ بنُ عبدِاللهِّ : ومرَّ بنا خيلٌ لابنِ سعدٍ يحرسُنا، وِانَّحسيناً لَيقرأ : (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا أنَّمَا نُمْليْ لَهُمْ خَيْرٌ لانفُسِهِمْإِنَّمَا نُمْليْ لَهُمْ لِيَزْدَادُوْا إِثْمَاً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِين * مَا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَالْمُؤْمِنِيْن عَلَى مَا أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيْزَ الْخَبِيْثَ مِنَ الطَّيِّب)(1) فسمعَهامن تلكَ الخيلِ رجلٌ يُقالُ له عبداللهّ بن سُميرٍ (2) ، وكانَ مَضحاكاً وكانَشجاعاً بطلاًَ فارساً فاتكاً شريفاً فقالَ : نحن وربِّ الكعبةِ الطّيِّبونَ ،مُيِّزْنا منكم . فقالَ له بَرِيرُ بنُ خُضيرٍ : يا فاسقُ أَنتَ يجعلُكَ اللهُّ منَالطّيِّبينَ ؟! فقالَ له : من أنتَ ويلَكَ ؟ قال : أنا بَرِيرُ بنُ خُضَيْرِ،فتسابّا(3).
* وأصبحَ الحسيُن بنُ عليّ عليهما السّلامُ فعبّأَ أصحابَه بعدَصلاةِ الغداةِ ، وكانَ معَه اثنان وثلاثونَ فارساً واربعونَ راجلاًَ، فجعلَزُهيرَ بنَ القينِ في مَيْمَنةِ أصحابِه ، وحبيبَ بنَ مُظاهِرٍ في مَيْسَرةِأصحابه ، وأعطى رايتَه العبّاسَ أخاه ، وجعلوا البيوتَ في ظهورِهم ،وأمرَ بحَطًبِ وقَصَبٍ كانَ من وراءِ البيوتِ أَن يُتركَ في خَنْدَقٍ كانَ قدحُفِرَ هناكَ وَأن يُحرَقَ بالنّارِ، مخافةَ أن يأتوهم من ورائهم .
وأصبحَ عمرُ بنُ سعدٍ في ذلكَ اليوم وهو يومُ الجمعةِ وقيلَ يومُالسّبتِ ، فعبّأ أصحابَه وخرجَ فيمن معَه منً النّاسِ نحوَ الحسينِ عليهالسّلامُ وكانَ على مَيْمَنَتهِ عَمرُو بنُ الحجّاجِ ، وعلى مَيْسَرتَه شِمرُ بنُ ذيالجوشنِ ، وعلى الخيلِ عُروةُ بنُ قَيْسٍ ، وعلى الرّجّالةِ شَبَثُ بنُ رِبعيّ ،
فروِيَ عن عَليِّ بنِ الحسينِ زينِ العابدينَ عليهِ السّلامُ أنّه قالَ :«لمّا صبّحتِ الخيلُ الحسينَ رَفَعَ يديه وقالَ : اللهَم أنتَ ثِقَتي فيكلِّ كَرْبِ ، ورجائي في كلِّ شدّةٍ (2) وأنتَ لي في كلِّ أمر نزلَ بي ثقةٌوعُدَّة، كمَ مِنْ هَمٍّ يَضْعُفُ فيه الفؤادُ، وتَقِلُّ فيه الحيلةُ، ويخذُلُ فيهالصّديقُ ، ويَشمَتُ فيه العدوُّ، أنزلتُه بكَ وشكوتُه إِليكَ رغبةً منِّيإِليكَ عمَّن سواكَ ، ففرَّجْتَه وكشفْتَه ، وأنتَ وليُّ كلِّ نعمةٍ ، وصاحبُكلِّ حسنةٍ ، ومُنتهَى كلِّ رغبةٍ»(3).
قالَ : وأقبلَ القومُ يَجولونَ حولَ بيوتِ الحسينِ عليه السّلامُ فيَروْنَالخندقَ في ظهورِهم والنّار تَضْطَرِمُ في الحَطَب والقَصب الّذي كانَأُلقِيَ فيه ، فنادى شمرُ بنُ ذي الجوشنِ عليه الَلعنةُ بأعلَى صوته: ياحسينُ أتعجّلتَ النّارَ قبلَ يوم القيامةِ؟ فقالَ الحسينُ عليهِ السّلامُ :«مَنْ هذا؟ كأنّه شمرُ بنُ ذي الجَوشنِ » فقالوا له : نعم ، فقالَ له : «يا ابنَراعيةِ المِعْزَى، أنتَ أولى بها صلِيّاً» .
ورَامَ مسلمُ بنُ عَوسَجَةَ أنِ يرميَه بسهمٍ فمنعَه الحسينُ منذلكَ ، فقالَ له : دعْني حتّى أرميَه فإنّ الفاسقَ من عظماءِ الجبّارينَ ، وقدأمكنَ اللّهُ منه . فقالَ له الحسينُ عليهِ السّلامُ : «لا تَرْمِه ، فإِنِّي أكرهُأن أبدأهم » .
* ثمّ دعا الحسينُ براحلتهِ فركبَها ونادى بأَعلى صوته : «يا أهلَألعراقِ » - وجُلّهم يسمعونَ - فقالَ : «أَيًّها النّاسُ اسمعَوا قَوْلي ولاتَعجَلوا حتّى أَعِظَكم بما يَحقُّ لكم عليّ وحتّى أعْذِرَ إِليكم ، فإِنأعطيتموني النّصفَ كنتم بذلكَ أسعدَ ،وان لم تُعْطُوني النّصفَ منأنفسِكم فأجمعوا رأيَكم ثمّ لا يَكنْ أمرُكم عليكم غُمّةً ثمّ اقضوا إِليَّولا تنظِرونَ ، إِنَّ وَلِيٍّ اللّهُ الّذي نزّلَ الكتابَ وهو يتولّى الصّالحينَ » .ثم حَمدَ اللّهَ وأثنى عليه وذَكَرَ اللهَّ بما هو أهلُه ، وصَلّى على النّبيِّصلّى اللهُّ عليهِ والهِ وعلى ملائكةِ اللّهِ وأَنبيائه ، فلم يُسْمَعْ متكلِّمٌقطُّ قبلَه ولا بعدَه أبلغ في منطقٍ منه ، ثمّ قالَ :
«أمّا بعدُ : فانسبوني فانظروا مَن أنا، ثمّ ارجِعوا إِلى أنفسِكموعاتِبوها، فانظروا هل يَصلُح لكم قتلي وانتهاكُ حرمتي ؟ ألستابنَ بنتِ نبيِّكم ، وابنَ وصيِّه وابن عمِّه وأَوّل المؤمنينَ المصدِّقِلرسولِ اللّهِ بما جاءَ به من عندِ ربِّه ، أَوَليسَ حمزةً سيدُ الشُهداءِعمِّي ، أَوَليسَ جعفر الطّيّارُ في الجنّةِ بجناحَيْنِ عَمِّي ، أوَلم يَبْلُغْكم (1)ما قالَ رسولُ اللهِ لي ولأخي : هذان سيِّدا شبابِ أهلِ الجنّةِ؟! فانصدَّقتموني بما أقولُ وهو الحقُّ ، واللّهِ ما تعمّدْتُ كذِباً منذُ عَلِمْتُأنّ اللهَّ يمقُتُ عليه أهلَهُ ، وإِن كذّبتموني فإِنّ فيكم (مَنْ لو) (2) سأَلتموهعن ذلكَ أخْبَركم ، سَلوُا جابرَ بنَ عبدِاللّهِ الأَنصاريّ وأبا سعيدٍالخُدْريّ وسَهْلَ بن سعدٍ الساعديّ وزيدَ بنَ أرقَمَ وأنسَ بنَ مالكٍ ،يُخْبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالةَ من رسولِ اللهِّ صلى اللّهُ عليهِ وآلهِ لي
فقالَ له شمرُ بنُ ذي الجوشن : هو يَعْبدُ اللّهَ على حَرْفٍ إِن كانَيدري (ما تقولُ )(2) فقالَ له حبيبُ بنُ مُظاهِرٍ : واللّهِ إِنِّي لأراكَ تَعْبُدُاللّهَ على سبعينَ حرفاً، وأنا أشهدُ أنّكَ صادقٌ ما تدري ما يقول ، قدطبَعَ اللّهُ على قلبِكَ .
ثمّ قالَ لهم الحسينُ عليهِ السّلامُ : «فإِن كنتم في شكٍّ منهدْا ، أفتشكّونَ أَنِّي ابن بنتِ نبيِّكمْ ! فواللّهِ ما بينَ المشرقِ والمغربابن بنتِ نبيٍّ غيري فيكم ولا في غيرِكم ، ويحكم أتَطلبوني بقتيلِمنكم قَتلتُه ، أومالٍ لكم استهلكتُه ، أو بقِصاصِ جراحةٍ ؟!»فأخَذوا لا يُكلِّمونَه ، فنادى : «يا شَبَثَ بنَ ربْعيّ ، يا حَجّارَ بنَ أَبجرَ، ياقيسَ بنَ الأشْعَثِ ، يا يزيدَ بن الحارثِ ، ألم تكتبوا إِليّ أنْ قد أيْنَعَتِالثِّمارُ واخضَرَّ الجَنابُ ، ِوانمّا تَقدمُ على جُندٍ لكَ مُجَنَّدٍ ؟!» فقالَ لهقيسُ بنُ الأَشعثِ : ما ندري ما تقولُ ، ولكنِ انْزِلْ على حُكمِ بنيعمِّكَ ، فإِنّهم لن يُرُوْكَ إلا ما تُحِبُّ . فقالَ له الحسينُ «لا واللهِّ لاأُعطيكم بيدي إعطاءَ الذّليل ، ولا أَفِرُّ فِرارَ العبيدِ(3)» . ثمّ نادى : «ياعبادَ اللهِ ، إِنِّي عُذْتُ بربِّي وربِّكم أن ترجمون ، أعوذُ بربِّي وربِّكم من كلِّمُتكبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بيومِ الحسابِ » .
ثمّ إنّه أناخَ راحلتَه وأمرَ عُقبةَ بنَ سَمْعانَ فعقلَها، وأَقبلوا
* فأقبلَ الحرُّحتّى وقفَ منَ النّاسِ موقفاً، ومعَه رجلٌ منقومِه يُقالُ له : قُرّةُ بنُ قَيْسٍ ، فقالَ : يا قُرّةُ هل سقيتَ فرسَكَاليومَ ؟ قالَ : لا، قالَ : فما تُريدُ أن تَسقِيَه ؟ قالَ قُرّةُ : فظننتُ واللّهِأنّه يُريد أَن يَتنحّى فلا يشهدَ القتالَ ، ويكرهُ (2) أن أَراه حينَ يَصنعُذلكَ ، فقلتُ له : لم أسقِه وأَنا منطلق فأسقيه ، فاعتزلَ ذلكَ المكانالّذي كانَ فيه ، فواللّهِ لوأَنّه أطْلَعَني على الّذي يُريدُ لخرجتُ معَه إِلىالحسينِ بنِ عليٍّ عليه السّلامُ ؛ فأخذَ يَدنو منَ الحسينِ قليلاً قليلاً،فقالَ له المهاجرُ بنُ أوسٍ : ما تُريدُ يا ابنَ يزيدَ، أتريدُ أن تَحملَ ؟فلم يُجبْه وأخَذَهُ مثلُ الأفْكَلِ - وهي الرِّعدةُ - فقالَ له المهاجرُ:إِنّ أمْرَكَ لَمُريبٌ ، واللهِّ ما رأيتُ منكَ في موقفٍ قطُّ مثلَ هذا ، ولوقيلَ لي : مَنْ أشجعُ أَهلِ الكوفِة ما عَدَوْتُكَ ، فما هذا الّذي أرىمنكَ ؟! فقالَ له الحرُّ: إِنِّي واللّه أُخيِّرُ نفسي بينَ الجنَّةِ والنّارِ، فواللّهِلا أختارُ على الجنّةِ شيئاً ولو قُطًّعْتُ وحُرِّقْت .
ثمّ ضربَ فرسَه فلحِقَ بالحسينِ عليهِ السّلامُ فقالَ له :جُعِلْتُ فِداكَ - يا ابنَ رسولِ اللهِّ - أَنا صاحبُكَ الّذي حبستُكَ عنِ
قالَ : فأنا لكَ فارساً خيرٌ منِّي راجلاً، أقُاتِلهُم على فرسي ساعةً،والى النُّزول ما يَصيرُ اخرُ أمري . فقالَ له الحسينُ عليهِ السّلامُ :«فاصنعْ - يَرحمَكَ اللهُّ - ما بدا لكَ » .
فاستقدمَ أمامَ الحسينِ عليهِ السّلامُ ثمّ أنشأ رجلٌ منأصحاب الحسينِ عليهِ السّلامُ يقولُ :
ثمّ قالَ (1): يا أهلَ الكوفةِ، لأمِّكم الهَبَلُ والعَبَرُ، أدَعَوْتُمهذا العبدَ الصّالحَ حتّى إِذا أتاكم أسلمتموه ، وزعمتُم أنّكم قاتلوأنفسِكم دونَه ثمّ عَدَوْتُم عليه لِتقتلوه ، أمسكتم بنفسِه وأخذتمبكظمِه (2)، وأحَطْتم به من كلِّ جانبِ لتِمنعوه التّوجُّهَ في بلادِ اللّهِالعريضةِ، فصارَ كالأسير في أَيديكم لاَ يَملكُ لِنفسِه نفعاً ولا يَدفعُعنها ضَرّاً(3)، وحَلأتمُوه (4) ونساءه وصِبْيتَه وأهله عن ماءِ الفراتِ
* ونادى عمرُ بنُ سعدٍ : يا ذُوَيْدُ(2)، أَدْنِ رايتَكَ؛ فأَدناها ثمّ وضعَسهمَه في كَبدِ قوسِه ثمّ رمى وقالَ : اشهدُوا أَنِّي أَوّلُى من رمى، ثمّ ارتمىالنّاسُ وتبارزوا ، فبرزَ يسارٌ مولى زيادِ بنِ أَبي سُفيانَ ، وبرزَ إِليه عبدُاللّه بنعُميرٍ ، فقالَ له يسارٌ : مَنْ أَنتَّ ؟ فانتسبَ له ، فقالَ : لستُ أعرفُكَ ،لِيَخْرُجْ إِليَّ زُهَيرَبنُ القَيْنِ أَو حَبيبُ بن مُظاهِرٍ ، فقالَ له عبدُاللّه بن عُمَيرٍ :يا ابنَ الفاعلةِ، وبكَ رغبةٌ عن مُبارَزَةِ أحدٍ منَ النّاسِ ؟! ثمّ شدَّ عليهفضربَه بسيفِه حتّى بَردَ، فإِنّه لَمُشتغلٌ بضربه إِذ شدَّ عليه سالمٌمولى عُبيدِاللّهِ بنِ زيادٍ ، فصاحُوا به : قدْ رَهقَكَ العبَدُ، فلم يَشعرْحتّىغشيَه فبدرَه ضربةً اتّقاها ابنُ عميرٍ بكفِّه (3) اليُسرى فاطارتْ أَصابعَكفِّه ، ثمّ شدّ عليه فضربَه حتّى قتله ، وأَقبلَ وقد قتلَهما جميعا ًوهويرتجزُ ويقولُ :=
وجاء رجل من بني تَميم يُقالُ له : عبدُاللّهِ بن حَوْزةَ، فأَقدمَ على عسكرِالحسينِ عليهِ السّلامُ فناداه القومُ : إِلى أَينَ ثكلتْكَ أُمُّكَ ؟! فقالَ :إِنِّي أَقدمُ على ربِّ رحيمٍ وشفيعٍ مُطاعٍ ، فقالَ الحسينُ عليهِ السّلامُلأصحابه : «مَنْ هَذا؟» قيلَ : هذا ابنُ حَوْزةَ ، قالَ : «اللّهمَّ حُزْهُ إِلى النّارِ»فاضطرَبتْ به فرسُه في جَدْوَلٍ فوقعَ وَتعلّقتْ رِجْله اليُسرى بالرِّكابوارتفعتِ اليُمنى، فشدَّ عليه مسلمُ بنُ عَوْسَجَةَ فضربَ رجلَه اليًمنىَفطارتْ ، وعَدا به فرسُه يَضربُ برأسِه كلَّ حَجَرٍ وكلَّ شجرٍ حتّى ماتَوعجّلَ اللّهُ بروحِه إِلى النّارِ.