والأمامُ بعدَ الحسنِ بنِ عليٍّ عليهما السّلامُ أخوه الحسينُ بنُعليٍّ ، ابنُ فاطمةَ بنتِ رسولِ اللهِ صلّى اللّهُ عليهم بنصِّ أبيه وجَدِّهعليه ، ووصيّةِ أخيه الحسنِ إِليه .
كنيتهُ أبو عبدِاللهِّ . وُلِدَ بالمدينةِ لخمسِ ليالٍ خَلَوْنَ من شَعبانَسنةَ أربعٍ منَ الهجرةِ، وجاءتْ به أُمُّه فاطمةُ عليهما السّلامُ إِلىجَدِّهِ رسولِ اللهِ صلّى اللّهُ عليهِ وآلهِ فاستبشرَ به وسمّاه حُسَيْنَاً وعَقَّعنه كبشاً ؛ وهو وأخوه بشهادةِ الرّسولِ صلّى اللّهُ عليهِ وعليهما سيِّداشبابِ أهل الجنّةِ، وبالاتِّفاقِ الّذي لا مِرْيَةَ فيه سِبطا نبيِّ الرّحمةِ .
وكانَ الحسنُ بنُ عليّ عليهما السلامُ يُشبَّهُ بالنّبيِّ صلّى الله عليهِوآلهِ من صدرِه إِلى رأْسِه ، والحسينُ يُشبَّهُ به من صدرِه إِلى رجليه ، وكاناحبيبَيْ رسولِ الله صلّى اللّهُ عليهِ وآلهِ من بينِ جميعِ أهلهِ وولدِه .
روى زَاذانُ عن سلمانَ رضيَ اللهُ عنه قالَ : سمعتُ رسولَ اللهِصلّى اللّهُ عليهِ وآلهِ يقولُ في الحسنِ والحسينِ عليهما السّلامُ :
وقالَ عليهِ وآلهِ السّلامُ : «مَنْ أحَبَّ الحسنَ والحسينَ - عليهماالسّلامُ - أحْبَبْتُهُ ، ومن أحْبَبْتُهُ أحبّه اللهُّ ، ومن أحَبَّه اللهّ عزّ وجلّأدْخَلَه الجنّةَ، ومن أبْغَضَهما أبْغَضْتُهُ ، ومن أبْغَضْتُهُ أبْغَضَه اللهُ ، ومنأبْغَضَهُ اللّهُ خَلَّدَه في النّارِ»(3) .
وقالَ عليهِ وآلهِ السّلامُ : «إِنّ ابنيَّ هذينِ رَيحانتايَ مِنَ الدُّنيا»(4) .
وروى زرُّ بنُ حُبَيْشٍ ، عنِ ابنِ مسعودٍ قالَ : كانَ النّبيُّ صلّى اللهُعليهِ وآلهِ يصُلِّي فجاءه الحسنُ والحسينُ عليهما السّلامُ فارْتَدَفاه ،فلمّا رَفعَ رأسَه أخذَهما أخذاً رفيقاً، فلمّا عَادَ عادَا ، فلما انصرفَأجلسَ هذا على فخذِه وهذا على فخذِه ، وقالَ : «مَنْ أحَبَّني فَلْيُحِبَّهذينِ »(5).=
وكانا عليهما السّلامُ حجّةَ اللهِ تعالى لنبيِّه عليهِ وآلهِ السّلامُ فيالمُباهلةِ ، وحجّةَ اللّهِ من بعد أبيهما أميرِ المؤمنينَ عليهِ وعليهما السّلامُعلى الأمّةِ في الدِّينِ والأسلامِ والملّةِ .
وروى محمّدُ بنُ أبي عُمَيْرٍ ، عن رجالهِ ، عن أبي عبدِاللهّ عليهِ السّلامُقالَ : «قالَ الحسنُ بنُ عليٍّ عليهما السّلامَُ لأصحابِه : إِنّ للّهِ تعالىمدينتينِ : إِحداهما في المشرقِ ، والأخرى في المغرب ، فيهما خَلْق للّهِ عزّوجلّ لم يَهُمُّوا بمعصيةٍ له قطُّ ، واللهِّ مافيهما وَما بينَهما حجّةٌ للهِّ علىخلقِه غيري وغيرُأخي الحسينِ »(1).
وجاءتِ الرِّوايةُ بمثلِ ذلكَ عن الحسينِ عليهِ السّلامُ أنّه قالَلأصحابِ ابنِ زيادٍ : «ما بالُكم »(2) تَناصَرونَ عليَّ ؟ ! أمَ واللهِ لَئنْ قتلتمونيلَتَقتُلُنَ حجّةَ اللهِّ عليكم ، لا واللهِ ما بينَ جَابَلْقَا وجَابَرْسَا ابنُ نبيٍّ احتجَّاللّهُ به عليكم غيري »(3) يَعني بَجابَلْقَا وجَابَرْسَا المدينتينِ اللتينِ ذكرَهماالحسنُ أخوه عليهِ السّلامُ .
وكانَ من برهانِ كمالِهما وحجّةِ اختصاصِ اللهِ لهما - بعدَ الّذيذكرْناه من مُباهلةِ رسولِ اللهِ صلّى اللهُّ عليهِ وآلهِ بهما- بيعةُ رسولِ اللهِلهما، ولم يُبايِعْ صبيّاً في ظاهرِ الحالِ غيرَهما، ونزولُ القرآنِ بإِيجابِ
وقد صرّحَ رسول اللّهِ صلّى اللهُّ عليهِ والهِ بالنّصِّ على إِمامتهِوامامةِ أخيه من قبلهِ بقولهِ : « ابناي هذانِ إِمامانِ قاما أوقعدا» ودَلّتوصيّةُ الحسنِ عليهِ السّلامُ إِليه على إِمامتِه ، كما دَلّتْ وصيّةُ أميرِ المؤمنينَإِلى الحسنِ على إِمامتهِ ، بحسبِ ما دَلّتْ وصيّةُ رسولِ اللّهِ صلّى اللهُعليهِ وآلهِ إِلى أميرِ المؤمنينَ على إِمامتهِ من بعدِه .
فكانتْ إِمامةُ الحسينِ عليهِ السّلامُ بعدَ وفاةِ أخيه بما قدّمناهثابتةً،وطاعتُه - لجَميعِ الخلقِ - لازمة، وِإن لم يَدْعُ إِلى نفسِه عليهِ السّلامُ
*فلمّا ماتَ معاويةُ وانقضتْ مُدَّةُ الهُدنةِ الّتي كانتْ تمنعُ الحسينَابنَ عليِّ عليهما السّلامُ منَ الدّعوةِ إِلى نفسه ، أظهرَ أمرَه بحسبالأمكاَنِ ، وأبانَ عن حقه للجاهلينَ به حالاً بحالٍ ، إِلى أنِ اجتمع لهَفي الظاهر الأنصارُ. فدعا عليهِ السّلامُ إِلى الجهادِ وشمّرَ(1) للقتالِ ،وتوجّه بولدِه وأهلِ بيتهِ من حرَمِ اللّهِ وحرَمِ رسولهِ نحوَ العراقِ ،للاستنصارِ بمن دعاه من شيعتهِ على الأعداءِ . وقدّمَ أمَامَهُ ابنَ عمِّهمُسلِمَ بنَ عقيلٍ - رضيَ اللهُ عنه وأرضاه - للدّعوةِ إِلى اللهِّ والبيعةِ لهعلى الجهادِ، فبايَعه أهلُ الكوفةِ على ذلكَ وعاهدوه ، وضَمِنُوا له النصرةَوالنصّيحةَ ووَثَّقوا له في ذلكَ وعاقدوه ، ثمّ لم تطُلِ المُدّةُ بهم حتّىنكثوا بيعتَه وخذلوه وأسلموه ، فقُتِلَ بينهم ولم يمنعوه ، وخرجوا إِلىالحسين عليهِ السّلامُ فحصروه ومنعوه المسيرَفي بلادِ اللّهِ ، واضطرُّوهإِلى حيث لا يَجِدُ ناصراً ولا مَهْرباً منهم ، وحالوا بينَه وبينَ ماءِ الفُراتِحتّى تمكَّنوا منه وقتلوه ، فمضى عليهِ السّلامُ ظَمآنَ مجاهداً صابراً
ما رواه الكَلبيُّ والمدائنيُّ وغيرُهما من أصحاب السِّيرةِ قالوا : لمّاماتَ الحسنُ بنُ عليٍّ عليهما السّلامُ تحرّكتِ الشِّيعةُ بالعراقِ وكتبوا إِلىالحسينِ عليهِ السّلامُ في خلعِِ معاويةَ والبيعةِ له ، فامتنعَ عليهم وذكرَأنّ بينَه وبينَ معاويةَ عهداً وعقداَ لا يجوزُ له نقضُه حتّى تمضِيَ المُدّةُ، فإِن ماتَمعاويةُ نظرَ في ذلكَ .
فلمّا ماتَ معاويةُ - وذلكَ للنِّصفِ (2) من رجب سنة ستِّينَ منَالهجرةِ - كتبَ يزيدُ إِلى الوليدِ بنِ عُتْبة بن أبي سفيانَ - وكانَ على المدينةِمن قِبَلِ معاويةَ - أن يأْخذَ الحسينَ عليهِ السّلامُ بالبيعةِ له، ولايُرخِّصَ له في التّأخُّرِعن ذلكَ . فأنفذَ الوليدُ إِلى الحسينِ عليهِالسّلامُ في الليلِ فاستدعاه ، فعَرفَ الحسينُ الّذي أرادَ فدعا جماعةًمن مواليه وأمرَهم بحملِ السِّلاحِ ، وقالَ لهم : «إِنّ الوليدَ قد
فصارَ الحسينُ عليهِ السّلامُ إلى الوليدِ فوجدَ عندَه مروانَ بنَالحكمِ ، فنعى الوليدُ إِليه معاويةَ فاسترجعَ الحسينُ عليهِ السّلامُ ، ثم قرأكتابَ يزيدَ وما أمرَه فيه من أخذِ البيعةِ منه له ، فقالَ له الحسينُ : «إِنِّي لا أراكَ تَقنعُ ببيعتي ليزيدَ سرّاً حتّى أُبايعَه جهراً ، فيعرف الناسُ ذلكَ » فقالَالوليدُ له : أجل ، فقالَ الحسينُ عليهِ السَّلامُ : «فتصبحُ وترى ريكَ في ذلكَ »فقالَ له الوليدُ: انصرفْ على اسمِ اللّهِ حتّى تأْتينا معَ جماعةِ النّاسِ .فقالَ له مروانُ : واللهِ لئن فارقَكَ الحسينُ السّاعةَ ولم يُبايعْ لا قَدرت منهعلى مثلِها أبداً حتّى يكثرَ القتلى بينَكم وبينَه ، احبسِ الرّجلَ فلا يخرجمن عندِكَ حتّى يبايعَ أوتضربَ عنقَه . فوثبَ عندَ ذلكَ الحسينُ عليهِالسّلامُ وقالَ : «أنتَ - يا ابنَ الزّرقاءِ- تَقتلني أو هو؟! كذبتَ واللّهِ وأثمتَ »وخرجَ (يمشي ومعَه)(1) مواليه حتّى اتى منزلَه .
فقالَ مروان للوليد ِ: عصيتَني ،لا واللهِ لا يُمكِّنكَ مثلَها مِن نفسِهأبداً، فقالَ الوليدُ : (الويح لغيرك)(2) يا مروانُ إِنَّكَ اخترتَ لي الّتي فيهاهلاكُ ديني ، واللّهِ ما أُحِبُّ أنّ لي ما طلعتْ عليه الشّمسُ وغربتْ عنهمن مالِ الدُّنيا وملكِها وأنّي قتلتُ حسيناً، سبحانَ اللهِّ ! أقتلُ حسيناً أنْ
*فأقامَ الحسينُ عليهِ السّلامُ في منزلهِ تلكَ الليلَة، وهي ليلةُ السبتِلثلاثٍ بَقِيْنَ من رجبِ سنةَ ستَينَ . واشتغلَ الوليدُ بنُ عُتْبةَ بمراسلةِ ابنِالزُّبيرِ في البيعةِ ليزَيدَ وامتناعِه عليه . وخرجَ ابنُ الزُبيرِمن ليلتِه عنِإلمدينةِ متوجِّهاً إِلى مكّةَ ، فلمّا أصبحَ الوليدُ سرّحَ في أثرِه الرِّجالَ ، فبعثَراكباً من موالي بني أُمّيةَ في ثمانينَ راكباً، فطلبوه فلم يُدرِكوه فرجعوا .
فلمّا كانَ آخر (نهارِ يوم)(2) السّبتِ بعثَ الرِّجالَ إِلى الحسينِ بنِعليِّ عليهما السّلامُ ليحضرَ فيبايعِ الوليدَ ليزيد بن معاويةَ، فقالَ لهمالحسَينُ : «أصبِحوا ثمّ تَرَوْن ونرَى» فكفُّوا تلكَ الليلةَ عنه ولميُلِحُّوا عليه . فخرجَ عليهِ السّلامُ من تحتِ ليلتِه - وهي ليلةُ الأحدِليومين بَقِيا من رجبٍ - متوجِّهاً نحوَمكّةَ ومعَه بنوه واخوتُه وبنوأخيهوجُلُّ أهلِ بيتهِ إلأ محمّدَ بنَ الحنفيّةِ - رضوان اللهِ عليه - فإِنّه لمّا علمَعزمَه على الخروجِ عنِ المدينةِ لَم يدْرِ أينَ يتوجّهُ ، فقالَ له : يا أخيأنتَ أحبُّ النّاس إِليَّ وأعزُّهم عليَّ ولستُ أَدّخِرُ النّصيحةَ لأحدٍمنَ الخلقِ إِلا لكَ وأَنتَ أحقُّ بها، تَنَحَّ ببيعتِكَ عن يزيد بن معاويةَ وعنِالأمصارِ ما استطعتَ ، ثمّ ابعثْ رُسُلَكَ إِلى النّاسِ فادعُهم إِلىنفسِكَ ، فإِن تابَعَكَ النّاسُ وبايَعوا لكَ حمدتَ اللهَّ على ذلكَ ، وإن
فسارَ الحسينُ عليهِ السّلامُ إلى مكّةَ وهو يقرأ: (فَخَرَجَ مِنْهَاخَائِفَاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّني مِنَ الْقَوْم الظَالِميْنَ)(3) ولزمَ الطّريقَالأعظمَ ، فقالَ له أهلُ بيتِه : لوتنكّبْتَ الطَّريقَ الأَعظمَ كما صنعَ (4)اَبنُ الزُّبيرِلئلاّ يلحقَكَ الطّلبُ ، فقالَ : «لا واللّهِ لا أُفارقُه حتّى يقضيَاللّهُ ما هوقاضٍ » .
ولمّا دخلَ الحسينُ مكّةَ كانَ دُخُولُه إِليها(5) ليلةَ الجمعةِ لثلاثمَضَيْنَ من شعبانَ ، دخلهَا وهو يقرأُ: (وَلَمِّا تَوَجَّههَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قالَ
وبلغَ أهل الكُوفةِ هلاك معاويةَ فأرجفوا بيزيدَ، وعَرفوا خبرَالحسينِ عليهِ السّلامُ وامتناعَه من بيعتهِ ، وما كانَ من ابنِ الزُّبيرِ فيذلكَ ، وخروجهما إِلى مكّةَ، فاجتمعتِ الشِّيعةُ بالكوفةِ في منزلِ سُليمانابن صُرَد، فذكروا هلاكَ معاويةَ فحمدوا اللهَ عليه ، فقالَ سليمانُ : إِنّمعاويةَ قد هلكَ ، وانّ حُسَيناً قد تَقَبَّضَ (3)على القوم ببيعتِه ، وقدخرجَ إِلى مكّةَ، وأنتم شيعتُه وشيعةُ أبيه ، فإِن كنتم تعَلمونَ أنّكمناصِروه ومجاهِدو عَدوِّه (فاعلموه ، وان خفتم الفشل والوهن فلا تغروا الرجل فينفسه ، قالوا : لا، بل نقاتل عدوه ، ونقتل انفسنا دونه ، قال : )(4)؛ فكَتَبُوا :
للحسينِ بنِ عليٍّ عليهما السّلامُ من سُليمان بن صُرد،والمسَيَّبِ
سلامٌ عليك ، فإِنّا نحمدُ إِليكَ اللهَ الّذي لا إِلهَ إلا هو.
أمّا بعدُ : فالحمدُ للّهِ الّذي قصمَ عدوَّكَ الجبّارَ العنيدَ، الّذيانتزى على هذهِ الأمّةِ فابتَزَها أمرَها، وغصبَها فيئَها، وتأمّرَ عليها بغيرِرضىً منها، ثمّ قتلَ خيارَها واستبقى شِرارَها، وجعلَ مالَ اللّهِ دُوْلةً بينَ(جبابرتِها وأغنيائها)(2)، فبعُداً له كما بَعدَتْ ثمودُ . إِنّه ليسَ علينا إِمامٌ ،فأقبِلْ لعلّ اللّهَ أن يجمعَنا بكَ على الحقِّ ؛ والنُّعمانُ بنُ بشيرٍ في قصرِالأمارة لسْنا نجَمِّعُ معَه في جمعةٍ ولا نخرجُ معَه إِلى عيدٍ ، ولوقد بَلَغَناأنّكَ أَقبلتَ إِلينا أخرَجْناه حتّى نُلحقَه بالشّامِ إِن شاءَ اللّهُ .
ثمّ سرّحوا الكتابَ (3) معَ عبدِاللهِ بنِ مِسْمَعٍ الهَمْدانيّ وعبدِاللّهِابنِ والٍ ، وأمروهما بالنّجاءِ(4)، فخرجا مُسرِعَيْنِ حتّى قدما على الحسينِعليهِ السّلامُ بمكّةَ(5)، لعشرٍ مَضَيْنَ من شهرِ رمضانَ .
(ولبثَ أهلُ الكُوفةِ يومينِ بعدَ تسريحِهم)(6) بالكتاب ، وأنفذواقيسَ بنَ مُسْهِرٍ الصَّيْداويّ و (عبدَ الرّحمن بن عبدِ الله الأرحبّي )(7) وعمارةَ
ثمّ لبثوا يومينِ آخرينِ وسرّحوا إِليه هانئ بنَ هانئ السّبيعيّوسعيدَ بنَ عبدِاللهِّ الحنفيّ ، وكتبوا إِليه : بسمِ اللهِّ الرّحمنِالرّحيمِ ، للحسينِ بنِ عليٍّ من شيعتهِ منَ المؤمنينَ والمسلمينَ .
أمّا بعدُ: فحيَّ هلا، فإِنّ النّاسَ ينتظرونَكَ ، لا رأيَ لهمغيركَ ، فالعجلَ العجلَ ، ثمّ العجلَ العجلَ ،والسلامُ .
وكتبَ شَبَثُ بنُ رِبعيّ وحجَّارُ بنُ أبجرَ ويزيدُ بنً الحارثِ بنِرُوَيمٍ و(عروةُ بنُ قيسٍ)(1) ، وعمروبنُ الحجّاجِ الزّبيديّ و(محمّد بنُعمرو التّيميّ)(2): أمّا بعدُ : فقد اخضرَّ الجَناب وأينعتِ الثِّمارُ، فإِذاشئتَ فاقدمْ على جُندٍ لكَ مجنَّدٍ ، والسّلامُ .
وتلاقتِ الرُسّلُ كلًّها عندَه ، فقرأ الكُتُبَ وسألَ الرّسلَ عنِالنّاسِ ، ثمّ كتبَ معَ هانئ بنِ هانئ وسعيدِ بنِ عبدِاللّهِ وكانا آخرَالرُّسُلَ :
ودعا الحسينُ بنُ عليٍّ عليهما السّلامُ مسلمَ بنَ عقيلِ بنِ أَبيطالبِ رضيَ اللهُّ عنه فسرَّحَه معَ قيسِ بنِ مُسْهِرِ الصّيداويّ وعُمارة بنعبدٍ السَّلوليّ وعبدِ الرّحمنِ بنِ عبدِاللّهِ الأَرحبي ، وأَمرَه بتقوى اللهِّ وكتمانِأمرِه واللطفِ ، فإِنْ رأَى النّاسَ مجتمعينَ مُسْتوسِقِينَ عَجَّلَ إِليه بذلكَ .
فأقبلَ مسلمٌ حتّى أَتى المدينةَ فصلّى في مسجدِ رسولِ اللّهِ صلّىاللّهُ عليهِ والهِ وودعِ من أَحبَّ من أَهلِه ثمّ استأْجرَ دليلينِ من قيس ،
فكتبَ مسلم بنُ عقيلٍ - رحمهَ اللّهُ - منَ الموضعِ المعروفِبالمضيقِ معَ قيسِ بنِ مُسْهِرٍ : أمّا بعدُ: فإِنّني أقبلتُ منَ المدينةِ معَدليلينِ لي فجارَا عنِ الطّريقِ فضلاّ واشتدَّ علينا(1)، العطشُ فلم يلبثاأن ماتا، وأقبلْنا حتّى انتهينا إِلى الماءِ فلم نَنْجُ إلاّ بحُشاشةِ أَنفسِنا،وذلكَ الماءُ بمكانٍ يدعى المضيقَ من بطنِ الخَبْتِ (2)، وقد تطيَّرتُ منوجهي هذا ، فإِنْ رأَيتَ أَعفيتَني منه وبعثتَ غيري ، والسّلامُ .
فكتبَ إِليه الحسينُ بنُ عليٍّ عليهما السّلام :
فلمّا قرأَ مسلمٌ الكتابَ قالَ : أَمّا هذا فلستُ أتخوّفُه علىنفسي . فأَقبلَ حتّى مرَّ بماءٍ لِطَيءٍ فنزلَ به ثمّ ارتحلَ منه ، فإِذارجلٌ يرمي الصّيدَ فنظرَ إِليه قد رمى ظَبْياً حينَ أشرفَ(4) له
أمّا بعدُ: فاتّقوا اللّهَ - عبادَ اللّه - ولا تُسارعوا إِلى الفتنةِ والفُرقةِ،فإِنّ فيها يَهْلِك الرِّجالُ ، وتُسْفَكُ الدِّماءُ ، وتُغْتَصَبُ (2) الأَموالُ ، إِنّي لاأُقاتلُ من لا يُقاتلني ، ولا آتي على من لم يأْتِ عليَّ ، ولا أُنبِّهُ نائمَكم ، ولاأتحرّشُ بكم ، ولا آخُذُ بالقَرْفِ (3) ولا الظِّنّةِ ولا التُّهمةِ، ولكنَّكم إِنأبديتم صفحتَكم لي ونكثتم بيعتَكم وخالفتم إِمامَكم ، فوَاللّهِ الّذي لا إِلهَغيرُه ، لأضربَنَّكم بسيفي ما ثبتَ قائمهُ في يدي ، ولو لم يكنْ ليمنكم ناصرٌ . أما إِنِّي أرجو أن يكونَ من يعرفً الحقَّ منكم أَكثرَ ممّنيُرديه الباطلُ .
فقامَ إِليه عبدُاللّه بن مسلمِ بن ربيعةَ الحضرميّ ، حليف بني أُميّةَ،
وخرجَ عبداللهِّ بن مسلمٍ فكتبَ إِلى يزيد بن معاويةَ : أَمّا بعدُ : فإِنّمُسلمَ بنَ عقيلٍ قد قدمَ الكوفَة، فبايعَتْه الشِّيعةُ للحسينِ بنِ عليِّ ، فإِنْيَكُ لكَ في الكوفةِ حاجة فابعثْ إِليها رجلاً قويّاً، يُنَفِّذُ أَمرَكَ وَيعملُمثلَ عملِكَ في عدوِّكَ ، فإِنّ النُّعمانَ بنَ بشيرٍ رجلٌ ضعيفٌ أو هويَتَضعَّفُ . ثمّ كتبَ إِليه عُمارةُ بنُ عُقْبَةَ بنحوٍ من كتابه ؟ ثمّ كتبَ إِليه عُمَرُابنُ سعدِ بنِ أَبي وقّاصٍ مثلَ ذلكَ .
فلمّا وصلتِ الكتبُ إِلى يزيدَ دعا سَرْجُونَ مولى معاويةَ فقالَ : مارأْيُكَ ؟ إِنَّ حسيناً قد وجّهَ إِلى الكوفةِ مسلمَ بنَ عقيل يُبايِعُ له ، وقدبَلَغَني عنِ النُّعمانِ بنِ بشيرٍ ضعفٌ وقولٌ سَيئ، فمَنْ تَرى أَن أَستعملَ علىالكوفةِ؟ وكانَ يزيدُ عاتباً على عُبيدِاللهِّ بن زيادٍ ؟ فقالَ له سَرْجُون : أرأيتَمعاويةَ لو نُشِرَ(2) لكَ حيّاً أَما كنتَ اخَذاً برأْيه ؟ قالَ : نعم . قال :فأخرجَ سرجُونُ عهدَ عبيدِاللهِّ بنِ زيادٍ على الكوفةِ وقاَلَ : هذا رأْيُ معاويةَ،ماتَ وقد أمرَ بهذا الكتاب ، فضُمَّ المِصرينِ إِلى عُبيدِاللّهِ بنِ زيادٍ ، فقالَ لهيزيدُ : أفْعَلُ ، ابعثْ بعهدِ عَبيدِاللهِّ إِليه . ثمّ دعا مسلمَ بنَ عَمرو الباهليّوكتبَ إِلى عبيدِاللّهِ بن زيادٍ معَه :
أَمّا بعدُ : فإِنّهَ كَتَبَ إِليَّ شيعتي من أَهلِ الكُوفةِ ، يُخبروني أنّ ابن
*وسلّمَ إِليه عهدَه على الكوفةِ . فسارَ مسلمُ بنُ عمرو حتّىقدمَ على عُبيدِاللّهِ بالبصرةِ ، فأوصلَ إِليه العهدَ والكتابَ ، فأمَرَ عُبيدُاللهِّبالجهازِ من وقتهِ ، والمسيرِ والتّهيًّؤ إِلى الكوفةِ منَ الغدِ، ثمّ خرجَ منَالبصرةِ واستخلفَ أَخاه عًثمانَ ، وأَقبلَ إلى الكوفةِ ومعَه مسلمُ بنُ عمروالباهليّ وشريكُ بنُ أَعْوَرَ الحارثيّ وحَشَمُه وأَهلُ بيتهِ ، حتّى دخلَ الكوفةَوعليه عمامةٌ سوداءُ وهو متَلثِّمٌ ، والنّاسُ قد بلغَهم إِقبالُ الحسينِ عليهِالسّلامُ إِليهم فهم ينتظرونَ قدومَه ، فظنُّوا حينَ رأوا عُبيدَاللّهِ أَنّه الحسينُ ،فأَخذَ لا يَمُرُّ على جماعةٍ منَ النّاسِ إلاّ سلَّموا عليهِ وقالوا: مرحباً بابنِرسولِ اللهِّ ، قدمتَ خيرَ مقدم . فرأَى من تَباشرُهم بالحسينِ ما ساءه ،فقالَ مسلمُ بنُ عمرو لمّا أَكثروا : تَأخَّرُوا ، هذا الأَميرُ عبيدُاللّه بن زيادٍ .
وسارَ حتّى وافى القصرَ في الليلِ ، ومعَه جماعةٌ قدِ التفُّوا به لايَشُكُّون أَنّه الحسينُ عليهِ السّلامُ ، فأَغلقَ النًّعمانُ بنُ بشيرٍ عليه وعلىحامّتهِ (2)، فناداه بعضُ من كانَ معَه ليفتح لهم البابَ ، فأطّلعَ إِليه النُّعمانُوهو يظنُّه الحسين فقالَ : أَنْشُدُكَ اللهَّ إلاّ تَنَحَّيْتَ ، واللهِّ ما انا مُسلمٌ إِليكَأمانتي ، وما لي في قتالِكَ من أَرَبٍ ، فجعلَ لا يُكلّمُه ، ثمّ إِنّه دنا وتدلّى
وحامته : خاصته واقرباؤه . «الصحاح - حمم - 5: 1907 » .
وأصبحَ فنادى في النّاسِ : الصّلاةُ جامعةٌ . فاجتمعَ النّاسُ ، فخرجَإِليهم فحمدَ اللهَّ وأثنى عليه ثمّ قالَ :
أَمّا بعدُ : فإِنّ أَميرَ المؤمنينَ وَلاَّني مِصرَكم وثَغْرَكم وفيئكم ، وأمرَنيبإِنصافِ مظلومِكم وإِعطاءِ محرومكم ، والأحسانِ إِلى سامعِكمومُطيعِكم كالوالدِ البر، وسوطي وسيفي على من تركَ أمري وخالفَعهدي، فليُبقِ(2) امرؤٌ على نفسِه؛ الصِّدقُ يُنبي عنك(3)، لا الوعيدُ .
ثمّ نزلَ فأَخذَ العُرَفاءَ(4) والنّاسَ (5) أخذاً شديداً فقالَ : اكتُبوا إِلى
وقال الجوهري في الصحاح - نبا - 6 : 2500 : في المثل : «الصدق ينبي عنك لاالوعيد» أي ان الصدق يدفع عنك الغائلة في الحرب دون التهديد . وقال أبو عبيد : هوينبي بغيرهمز. ويقال : أصله الهمزمن الانباء أي ان الفعل يخبرعن حقيقتك لا القول .
ولمّا سمعَ مسلمُ بنُ عقيلٍ رحمَه اللهُّ بمجيءِ عبيدِاللّهِ بنِ زيادٍالكوفةَ، ومقالتهِ الّتي قالَها، وما أخذَ به العُرفاءَ والنّاسَ ، خرجَ من دارِالمختارِ حتّى انتهى إِلى دارِ هانئ بنِ عُروةَ فدخلَها، وأخذتِ الشِّيعةُ تختلفُإِليه فِى دارِ هانئ على تستُّرٍ واستخفاف من عبيدِاللهِّ ، وتواصَوْا بالكتمانِ .
فدعا ابنُ زيادٍ مولىً له يُقالُ له مَعْقلٌ ، فقالَ : خُذْ ثلاثةَ آلافِدِرهمٍ ، ثمّ اطلبْ مسلمَ بنَ عقيلٍ والتمسْ أَصحابَه ، فإِذا ظفرتَبواحدٍ منهم أو جماعةٍ فأعطِهم هذهِ الثّلاثةَ آلاف درهمٍ ، وقلْ لهم :استعينوا بها على حرب عدوِّكم ، وأعلِمْهم أنّكَ منهم ، فإِنّكَ لو قدأعطيتَها إِياهم لقدِ اَطمأنوا إِليكَ ووثقوا بكَ ولم يكتموكَ شيئاً منأخبارِهم ، ثمّ اغدُ عليهم ورُح حتّى تعرفَ مستقرَّمسلم بنعقيلٍ ، وتدخلَ عليه .َ
ففعلَ ذلكَ وجاءَ حتّى جلسَ إِلى مسلمِ بنِ عَوْسَجةَ الأسديّ فيالمسجدِ الأعظمِ وهو يصلِّي ، فسمعِ قوماً يقولونَ : هذا يبايعُللحسينِ ، فجاءَ فجلسَ إِلى جنبهِ حتّى فرغ من صلاتِه ، ثمّ قالَ : ياعبدَاللهِّ ! إِنِّي امرؤٌ من أهلِ الشّامِ ، أنعمَ اللهُّ عليَّ بحبِّ أهلِ هذا البيتِ
فقالَ له مسلمُ بنُ عوسجة رحمه اللّه : احمد اللهَّ على لقائكَ إِيّايَفقد سرَني ذلكَ ، لتنال الّذي تحبُّ ، ولينصر اللّهُ بكَ أهلَ بيتِ نبيِّهعليه والهِ السّلامُ ، ولقد ساءَني معرفةُ النّاسِ إِيّايَ بهذا إلأَمر قبلَ أَنيتمَّ ، مخافةَ هذا الطاغيةِ وسطوته ؛ فقالَ له معقلٌ : لا يكون إلأ خيراً،خُذِ البيعةَ عليَّ ، فأَخذَ بيعتَه وأَخذَ عليه المواثيقَ المغلَّظةَ لَيُناصِحَنَّولَيَكْتُمَنَّ ، فأَعطاه من ذلكَ ما رضيَ به ، ثمّ قال له : اختلفْ إِليَّ أيّاماًفي منزلي فأنا طالبٌ لكَ الأذنَ على صاحبكَ . فأَخذَ يختلفُ مع النّاسِ ،فطلبَ له الأذنَ فأُذِنَ له ، فأَخذَ مسلمُ بنُ عقيلٍ رضيَ اللّه عنه بيعتَه ،وأمرَ أَبا ثُمامةَ الصائديَّ فقبضَ المالَ منه ، وهو الّذي كانَ يَقبضُ أموالَهمِوما يُعينُ به بعضُهم بعضاً، ويشتري لهم السِّلاحَ ، وكانَ بصيراًَومن فرسانِ العربِ ووُجوهِ الشِّيعةِ .
وأَقبل ذلكَ الرّجلُ يختلفُ إِليهم ، وهو أَوّلُ داخلٍ وآخرُ خارج ،حتّى فَهِمَ ما احتاجَ إِليه ابنُ زيادٍ من أَمرِهم ، وكانَ يُخبرهُ به وقتاً فوقتاَ.وخافَ هانئً بنُ عُروةَ عبيدَاللهّ بن زيادٍ على نفسِه فانقطعِ من حضورمجلسِه وتمارضَ ، فقالَ ابنُ زيادٍ لجلسائه : ما لي لا أَرى هانئاً؟ فقالوا : هو