والإمامُ بعدَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلام ابنهُ الحسنُ ابنُ سيدةِنساءِ العالمينَ فاطمةَ بنتِ محمّد سيدِ المرسلينَ صلّى اللهّ عليه وآلهالطاهرينَ .
كنيتُه أبومحمّدٍ . ولدَ بالمدينةِ ليلةَ النِّصفِ من شهر رمضانَ سنةَثلاثٍ منَ الهجرة، وجاءتْ به فاطمةُ إلى النّبيِّ عليه وآلهِ السلام يومَالسابعِ من مولدِه في خرقةٍ من حريرِالجنّةِ كانَ جَبْرَئِيْل عليهالسلام نزلَ بها إِلى رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ فسمّاه حسناً وعَقَّعنه كبشاً، روى ذلكَ جماعةٌ، منهم أحمدُ بنُ صالحٍ التميميّ، عنعبدِاللهِ بنِ عيسى، عن جعفرِبنِ محمّدٍ عليهما السّلامُ (1).
وكانَ الحسنُ أشبهَ الناسِ برسولِ اللهِ صلّى الله عليهِما خَلْقاً(2)وسُؤدداً وهَدياً . روى ذلكَ جماعةٌ منهم معمر، عنِ الزُّهريِّ ، عن أنسِابن مالكٍ قالَ : لم يكنْ أحدٌ أشبهَ برسولِ اللهِ صلّىَ اللهُ عليهِ وآلهِ
وروى إِبراهيمُ بنُ عليِّ الرافعي (2)، عن أبيه ، عن جدّتِه زينبَ بنتِأبي رافعٍ قالَ (3): أتتْ فاطمَةُ بابنيها الحسنِ والحسينِ إِلى رسولِ اللّهِ=
وكانَ الحسنُ بنُ عليٍّ وصيَّ أبيهِ أمير المؤمنينَ صلواتُ اللهِ عليهماعلى أهلِه وولده وأصحابِه ، ووصّاه بالنّظرِ في وُقُوفه وصَدَقاتِه ، وكتبَله (3) عهداً مشهوراً ووصيّةً ظاهرةً في معالمِ الدِّينِ وعُيونِ الحكمةِوالادابِ ، وقد نقلَ هذهِ الوصيّةَ جمهورُ العلماءِ، واستبصرَ بها في دينهِودنياه كثيرٌ منَ الفقهاءِ .
*ولمّا قُبضَ أميرُ المؤمنينَ عليهِ السّلامُ خطبَ النّاسَ الحسنُعليهِ السّلاَمُ وذكرَحقَّه ، فبايَعَه أصحابُ أبيه على حرب مَنْ حارَبَوسِلْمِ مَنْ سالَمَ .
وروى أبو مخنف لوطُ بنُ يحيى قالَ : حدّثَني أشعثُ بنُسوّار(4)، عن أبي إِسحاقَ السَّبيعي وغيرِه قالوا: خطبَ الحسنُ بنُ عليٍّعليهما السّلامُ صبيحةَ اللَيلةِ الّتي قُبِضَ فيها أميرُ المؤمنينَ عليهِ
ثمّ قالَ : «أنا ابنُ البشيرِ، أنا ابنُ النّذيرِ، أنا ابنُ الدّاعي إِلىاللهِ بإِذنهِ ، أنا ابنُ السِّراجِ المنيرِ، أنا من أهلِ بيتٍ أذهبَ اللهُ عنهمالرِّجسَ وطهّرَهم تطهيراً، أنا من أهلِ بيتٍ افترضَ اللهُ حبَّهم فيكتابهِ فقالَ عزّ وجلّ : (قُلْ لا أسْثَلُكُمْ عَلَيْهِ أجْرَاً إلا الْمَوَدَّةَ فيالْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرف حَسَنَةً نَزِدْ لهُ فِيْهَا حُسْنَاً)(1) فالحسنةُ مودَّتُناأهلَ البيتِ » .
*ولمّا بلغَ معاويةَ بنَ أبي سُفيانَ وفاةُ أميرِ المؤمنينَ عليهِ السّلامُوبيعةُ النّاسِ الحسنَ عليهِ السّلامُ دَسَّ رجلاًَ من حِمْيَر إِلى الكوفةِ،ورجلاً من بَلقَين (2) إِلى البصرةِ، ليكتُبا إِليه بالأخبارِ ويُفسِدا علىالحسنِ عليهِ السّلام الأمورَ. فَعرَفَ ذلكَ الحسنُ عليهِ السّلامفأمرَ باستخراجِ الحِميريِّ من عندِ حَجّامٍ بالكوفةِ فأُخرِجَ فأمرَ بضربِعنقهِ ، وكتبَ إِلى البصرةِ فاستخرج القَيْنيّ من بني سُلَيْم وضرِبَتْعنقه .
وكتبَ الحسنُ عليهِ السّلامُ إِلى معاويةَ :
«أما بعد فإنكَ دسست الرجال للاحتيال والاغتيال، وأرصدت العيون كأنك تُحب اللقاء، (وما أوشَكَ ذلك(3)! فتوقعه إن شاء الله.وبلغني أَنك شمتَ بما لا يشمت به ذوو الحجى، وإنما مثلك في ذلك كما قال الاول:
فأجابَه معاويةُ عن كتابِه بما لا حاجةَ بنا إِلى ذكرِه(1).
وكانَ بينَ الحسنِ عليهِ السّلامُ وبينَه بعدَ ذلكَ مُكاتباتٌومُراسلاتٌ واحتجاجاتٌ للحسنِ عليهِ السّلامُ فِى استحقاقِه الأمرَ،وَتَوَثُّب من تقدَّمَ على أبيه عليهما السّلامُ وابتزازِه سُلطان ابنِ عمِّهرسولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ والهِ وتحقُقِّهم به دونَه ، وأشياء يطولُ ذكرُها .
*وسارَ معاويةً نحوَ العراقِ ليَغلِبَ عليه، فلمّا بلغَ جسرَ مَنْبِجَ (2) تحرّكَالحسنُ عليهِ السّلامُ وبعثَ حُجْرَ بنَ عَدِيٍّ فأمَر العُمّالَ بالمسيرِ،واستنفرَ النّاسَ للجهادِ فتثاقلوا عنه، ثمّ خفَّ معَه أخلاطٌ منَ النّاسِبعضُهم شيعةٌ له ولأبيه عليهما السّلامُ ، وبعضُهم ُمحكِّمةٌ (3) يُؤثرونَقتالَ معاويةَ بكلِّ حيلةٍ ، وبعضُهم أصحابُ فتنِ وطمعٍ في الغنائمِ ،وبعضُهم شُكّاكٌ ، وبعضُهم أصحابُ عصبيّةٍ اتَّبعوا رؤساءَ قبائلِهم لايَرجعونَ إِلى دين .
* فسارَحتّى أتى حَمّامَ عُمرَ(1)، ثمّ أخذَ على دَيرِكَعْبٍ ، فنزلَسَاباط دون القَنطرةِ وباتَ هناكَ ، فلمّا أصبحَ أرَادَ عليهِ السّلام أن يَمتحِنَأصحابَه ويَستبرئَ أحوالَهم في الطّاعةِ له ، ليتميّزَ بذلكَ أولياؤه منأعدائه ، ويكونَ على بصيرِة في لقاءِ معاويةَ وأهلِ الشّامِ ، فأمرَ أنيُناديَ في النّاسِ بالصّلاةِ جامعةً، فاجتمعَوا فصعدَ المنبرَ فخطبَهمفقالَ : «الحمدُ للهِّ بكلِّ ما حَمِدَه حامِدٌ ، وأشهدُ أن لا إِلهَ إِلاّ اللهُ كلَّماشهدَ له شاهدٌ ، وأشهدُ أنّ محمّداً عبدُه ورسولُه ، أرسلَه بالحقِّ وائتمنَهعلى الوحيِ صلّى اللّه عليهِ وآلهِ .
أمّا بعدُ : فوَاللهِ إِنِّي لأرجو أن أكونَ قد أصبحتُ - بحمدِ اللهِ َومنِّهِ -وأنا أنصحُ خلقِ اللهِ لخلقهِ ، وما أصبحتُ محتملاً على مسلم ضغِيْنةًولا مُريداً له بسوءٍ ولا غَائلةٍ ، ألا واِنَ ما تَكرهُونَ في الجماعةِ خيرلكم ممّاتحبُّونَ في الفُرقةِ، ألا وَانِّي ناظرٌ لكم خيراً من نَظرِكم لأنفسِكم فلاتُخالِفوا أمري ، ولا تَرُدُّوا عليَّ رأيي ، غفرَ اللهُ لي ولكم وأرشَدَنِي ِوايّاكملما فيه المحبّةُ والرِّضا»(2).
قالَ : فنظرَ النّاسُ بعضُهم إِلى بعض وقالوا : ما تَرَوْنَه يرُيدُبما قالَ ؟ قالوا : نَظُنُّه - واللهِّ - يرُيدُ أن يُصالحَ معاويةَ ُويُسَلِّمَ الأمر إليه ،فقالوا: كفرَ- واللهِ -الرّجلُ ، ثمّ شدُّوا على فُسْطَاطِه فانتهبوه ، حتّىأخذوا مُصلاّه من تحتهِ ، ثمّ شدَّ عليه عبدُ الرحمن بن عبدِاللّهِ بنِ جِعَالٍالأزْديّ فنزعَ مِطْرَفَه (3) عن عَاتِقهِ ، فبقيَ جالساً متقلِّداً السّيفَ بغير
*ثمّ دَعَا بفرسِه فرَكِبَه ، وأحْدَقَ به طَوَائفُ مِن خاصّتِه وشيعتِهومنعوا مِنه مَنْ أرادَه ، فقالَ : «ادعُوا إِليَّ (1) رَبيْعةَ وهَمْدانَ » فدُعُوا لهفأطافوا به ودفعوا النّاسَ عنه . وسارَو معَه شوبٌ (2) منَ النّاسِ ، فلمّا مرَّ فيمُظلمِ ساباط بَدَرَ إِليه رجلٌ من بني أسد يُقالُ له : الجَرّاحُ بنُ سِنان ،فأخذَ بلجامِ بغلتهِ وبيدِه مِغْوَلٌ(3) وقالَ : اللهُ أكبرُ، أشركتَ - يا حسنُ -كما أشركَ أبوكَ من قبلُ، ثمّ طعنَه في فخذِه فشقَّه حتّى بلغَ العظمَ ،فاعتنقَه الحسنُ عليهِ السّلامُ وَخَرّا جميعاً إِلى الأرضِ ، فوثبَ إِليه رجلٌمن شيعةِ الحسنِ عليهِ السّلامُ يقُالُ له : عبدُالله بن خَطَلٍ الطّائي ،فانتزعَ المغولَ من يدِه وخَضْخَضَ به جوفَه ، وأكبَ عليهِ آخر يُقالُ له :ظَبْيَانُ بنُ عُمارةَ، فقطعَ أنفَه، فهلكَ من ذلكَ. وأُخِذَ آخرُ كانَ معَهفقُتِلَ .
وحُمِلَ الحسنُ عليهِ السّلامُ على سريرٍ إِلى المدائنِ، فاُنزلَ به علىسعدِ بنِ مسعودٍ الثّقفيّ ، وكانَ عاملَ أميرِ المؤمنينَ عليهِ السّلامُ بهافأقرَّه الحسنُ عليهِ السّلامُ على ذلكَ ، واشتغلَ بنفسِه يعُالِجُ جُرْحَه .وكتبَ جماعةٌ من رؤساءِ القبائلِ إِلى معاويةَ بالطّاعةِ له في السِّرِّ،واستحثّوه على السّيرِ نحوَهم ، وضَمِنُوا له تسليمَ الحسنِ عليهِ السّلامُإِليه عندَ دُنُوِّهم من عسكرِه أو الفتكَ به ، وبلغَ الحسنَ ذلكَ . ووردَ
فازدادتْ بصيرةُ الحسنِ عليهِ السّلامُ بخذلانِ القوم له، وفسادِنيّاتِ المُحكِّمةِ فيه بما أظهروه له من السّبَّ والتكفيرِ واستحَلالِ دمِهونهب أموالهِ، ولم يبقَ معَه من يَاْمَنُ غوائلَه إِلاّ خاصّة من شيعتهِوشيعَةِ أبيه أميرِ المؤمنينَ عليه السّلامُ، وهم جماعةٌ لا تقومُ لأجنادِالشّام.
*فكَتبَ إِليه معاويةُ في الهُدْنةِ والصُّلحِ ، وأنفذَ إِليه بكُتُبِ أصحابِهالتّي ضَمِنوا له فيها الفتكَ به وتسليمَه إِليه ، واشترط له على نفسِه فيإِجابتهِ إِلى صلحِه شروطاً كثيرةً وعقدَ له عُقوداً كانَ في الوفاءِ بها مصالحٌ
فتوثّقَ عليهِ السّلامُ لنفسِه من معاويةَ لتأكيدِ الحجّةِ عليه ،والإعذارِ فيما بينَه وبينَه عندَ اللهِ عزّ وجلّ وعند كافَّةِ المسلمينَ ، واشترطَعليه تركَ سبِّ أميرِ المؤمنينَ عليهِ السّلامُ والعدولَ عنِ القُنوتِ عليه فيالصّلواتِ ،وأنْ يُؤمنَ شيعتَه رضيَ اللهُ عنهم ولايتعرّضَ لأحدٍ منهمبسوءٍ، ويُوصِلَ إِلى كلِّ ذي حقٍّ منهم حقَّه . فأجابَه معاويةُ إِلى ذلكَكلِّه ، وعاهدَه عليه وحَلفَ له بالوفاءِ به .
فلمّا استتمّتِ الهُدنةُ على ذلكَ ، سارَ معاويةُ حتّى نزلَبالنُّخَيْلةِ(2)، وكانَ ذلكَ يومَ جمعةٍ فصلّى بالنّاسِ ضحى النّهارِ،فخطَبَهُم وقالَ في خطبتهِ : إِنِّي واللهِّ ما قاتلتُكم لتُصلُّوا ولا لتصوموا ولالتحجّوا ولا لتزكُّوا، إِنّكم لتفعلونَ ذلكَ ، ولكنِّي قاتلتُكم لأتأمّرَعليكم ، وقد أعطاني اللهُّ ذلكَ وأنتم له كارِهونَ . ألا ِوانِّي كنتُمنَّيتُ الحسنَ وأعطيتُه أشياءَ، وجَمِيعُها تحتَ قَدَمَيَّ لا أفي بشيءٍمنها له .
ثم سار حتى دخل الكوفة فأقام بها أياماً ، فلما استتمت البيعة له من أهلها ، صعد المنبر فخطب الناس ، وذكر أمير المؤمنين عليه السلام فنال منه ونال من الحسن ، وكان الحسن والحسين صلوات الله عليهما حاضرين ، فقام الحسين ليرد عليه فأخذ بيده الحسن فأجلسه ثم قام فقال : « أيها الذاكر علياً ، أنا الحسن وأبي علي ، وأنت معاوية وأبوك صخر ، وأمي فاطمة وأمك هند ، وجدي رسول الله وجدك حرب ، وجدتي خديجة وجدتك قتيلة ، فلعن الله أخملنا ذكراً ، وألأمنا حسباً ، وشرنا قدماً ، وأقدمنا كفراً ونفاقاً» فقال طوائف من أهل المسجد : آمين آمين .
ولما استقر الصلح بين الحسن صلوات الله عليه وبين معاوية على ما ذكرناه ، خرج الحسن عليه السلام إلى المدينة فأقام بها كاظماًغيظه ، لازماًمنزله ، منتظراً لأمر ربه جل ّ اسمه ، إلى أن تم لمعاوية عشر سنين من إمارته وعزم على البيعة لابنه يزيد ، فدس إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس ـ وكانت زوجة الحسن عليه السلام ـ من حملها على سمه ، وضمن لها أن يزوجها بابنه يزيد ، وأرسل إليها مائة ألف درهم ،فسقته جعدة السم ، فبقي عليه السلام مريضاً أربعين يوماً ، ومضى عليه السلام لسبيله في صفر سنة خمسين من الهجرة وله يومئذ ثمان وأربعونسنة ، فكانت خلافته عشر سنين ، وتولى أخوه ووصيه الحسين عليه السلام غسله وتكفينه ودفنه عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم ٍ بنعبد منافٍ رحمة الله عليها بالبقيعِ .
فمن الأخبار التي جاءت بسبب وفاة الحسن عليه السلام وماذكرناه من سم معاوية له ، وقصة دفنه وما جرى من الخوض في ذلك والخطاب:
ما رواه عيسى بن مهران قال : حدثنا عبيدالله بن الصباح قال : حدثنا جرير، عن مغيرة قال : أرسل معاوية إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس : أني مزوٌجك (يزيد ابني)(1) ، على أن تسمي الحسن ،وبعث إليها مائةألف درهم ، ففعلت وسمت الحسن عليه السلام فسوغها المال ولم يزوجها من يزيد ، فخلف عليها رجل من آل طلحةفأولدها ، فكان إذا وقع بينهم وبين بطون قريش كلام عيروهم وقالوا:يا بني مسمة الأزواج(2).
وروى عيسى بن مهران قال : حدثني عثمان بن عمر قال :حدثنا ابن عون ، عن عمر بن إسحاق قال : كنت مع الحسن والحسينعليهما السلام في الدار ، فدخل الحسن عليه السلام المخرج (3) ثم خرج قال : «لقد سقيت السم مراراً ، ما سقيته مثل هذه المرة ، لقد لفظت قطعة من كبدي ، فجعلت أقلبها بعود معي» فقال له الحسين
وروى عبدُاللّهِ بن إبراهيمَ عن زيادٍ المخارقي قالَ : لمّا حضرتِالحسنَ عليه السّلامُ الوفاةُ استدعى الحسينَ بنَ عليٍّ عليهما السّلامُفقالَ : «يا أَخي ، إنِّي مُفارقًكَ ولاحق بربِّي جلّ وعزّ وقد سُقيتُ السّمَّورَمَيْتُ بكبدي في الطستِ ، وِإنَي لَعارفٌ بمن سقاني السّمَّ ، ومن أينَدُهِيْتُ ، وأنا أُخاصِمُه إِلى اللهِ تعالى ، فبحقَي عليكَ إِن تكلّمتَ في ذلكَبشيءٍ ، وانتظِرْ ما يُحدِثُ اللهُ عزّ ذكرُه فيَّ ، فإذا قضيتُ فَغمِّضْنيوغَسِّلني وكفَنِّي واحمِلْني على سريري إِلى قبر ِجدِّي رسولِ اللهِ صلّى اللهُعليهِ وآلهِ لأجدِّدَ به عهداً ، ثمّ رُدَّني إِلى قبرِ جَدَّتي فاطمةَ بنتِ أسدٍ رحمةُاللهِ عليها فادفنِّي هناكَ .
وستعلمُ يا ابنَ أُمّ أنّ القومَ يظنُّون أنّكم تريدونَ دفني عندَرسوِلِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ فَيُجْلِبُونَ في منعِكم عن ذلكَ ، وباللهِأُقسمُ عليكَ أن تُهريقَ في أمري مِحجمةَ دمٍ » ثمّ وصّى عليهِ السّلامُإِليه باهلهِ وولدِه وتركاتِه، وما كانَ وصّى به إِليه أميرُ المؤمنينَ عليهِالسّلامُ حينَ استخلفَه وأهَّلَه لمقامِه ، ودلَّ شيعتَه على استخلافِهونصبِه لهم عَلَماً من بعدِه .
*فلمّا مضى عليهِ السّلامُ لسبيلِه غسّلَه الحسين عليهِالسّلامُ وكفّنَه وحملَه على سريرِه ، ولم يَشُكَّ مروانُ ومن معَه من بني أُميّةَأنَّهم سيدفنونَه عندَ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ فَتَجَمَّعوا له ولبسواالسِّلاحَ ، فلمّا توجّهَ به الحسينُ بنُ عليٍّ عليهما السّلامُ إلى قبرِ جدِّهرسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ ليُجدِّدَ به عَهداً أقبلوا إليهم فيجمعِهم ، ولَحِقَتْهم عائشةُ على بغلٍ وهي تقولُ : مالي ولكم تُريدونَأن تُدخِلوا بيتي من لا أُحِبُّ . وجعَل مروانُ يقولُ :
أيدفَنُ عثمانُ في أقصى المدينةِ، ويُدفَنُ الحسن معَ النّبي ؟! لايكونُ ذلكَ أبداً وأنا أحْمِلُ السّيفَ .
وكادتِ الفتنةُ تقعُ بينَ بني هاشمٍ وبني أُميَّةَ، فبادرَ ابنُ عبّاسٍإِلى مروانَ فقالَ له : ارجعْ يا مروانُ من حيثُ جئتَ ، فإنّا ما نريدَ (أنْنَدفِنَ صاحبَنا)(1) عندَ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ لكِنَّا نريدُ أن نُجدِّدَبه عهداً بزيارتِه ، ثم نَردَّه إِلى جدّتِه فاطمَة عليها السّلامُ فنَدفِنَه عندَهابوصيَّتهِ بذلكَ ، ولوكانَ وصَّى بدفنِه معَ النّبيِّ صلّى اللهُ عليهِ وآلهِلعلمتَ أنّكَ أقصرُ باعاً من رَدِّنا عن ذلكَ ، لكِنَّه عليهِ السّلامُ كانَأعلمَ باللهِ ورسوله وبحرمةِ قبرِه من أن يُطَرِّقَ عليه هَدْماً كما طَرّقَذلكَ غيرُه ، ودَخَلَ بيتَه بغيرِ إِذنِه .
ثمّ أقبلَ على عائشةَ فقالَ لها: واسوأتاه ! يوماً على بغلٍ ويوماًعلى جملٍ ، تريدينَ أن تُطفِئي نورَ اللهِ ، وتُقاتلينَ أولياءَ اللهِ ، ارجِعي
وقالَ الحسينُ عليهِ السّلامُ : «واللهِ لَولا عهدُ الحسنِ إِليَّ بحقنالدِّماءِ، وأن لا أُهريقَ في أمرِه محجمةَ دمِ ، لَعلمتُم كيفَ تَأْخذُ سُيوفُاللهِّ منكم مَأْخذَها، وقد نَقَضْتُمُ العهَدَ بَينَنا وبينَكم ، وأبطلتُم مااشترطْنا عليكم لأنفسِنا» .
ومَضَوا بالحسنِ عليهِ السّلامُ فَدَفَنُوه بالبقيعِ عندَ جدّتِه فاطمةَبنتِ أسدِ بنِ هاشمِ بنِ عبدِ مَنافٍ رضيَ اللهُ عنها وأسكنَها جنّاتِالنعيمَ (2).
وفي الخرائج والجرائح : قال ابن عباس لعائشة : واسوأتاه ! يوماً على بغل ويوماً علىجمل ، وفي رواية : يوماً تجملت وبوماً تبغلت وان عشت تفيلت ، فأخذه ابنالحجاج الشاعر البغدادي فقال :
أولادُ الحسنِ بنِ عليٍّ عليهما السّلامُ خمسةَ عشرَ ولداً ذكراًوأُنثى : زيدُ بنُ الحسنِ وأُختاه أّمّ الحسنِ وأُمّ الحسينِ أُمُّهم أُمُّ بَشيرٍبنتُ أبي مسعودٍ عُقْبة بن عمرو بنِ ثعلبةَ الخزرجيّةُ .
والحسنُ بنُ الحسنِ أُمُّه خَوْلةُ بنتُ منظورٍ الفَزاريّةُ .
وعَمْرُو بنُ الحسنِ وأخَواه القاسمُ وعبدُاللهِ ابنا الحسنِ أمُّهم أُمُّ ولدٍ .
وعبدُ الرحمن بن الحسنِ أُمُّه أُمُّ ولدٍ .
والحسين بنُ الحسنِ الملقّب بالأثرم وأخوه طلحةُ بنُ الحسنِوأُختُهما فاطمةُ بنتُ الحسن ، أُمهم أُمُّ إِسحَاقَ بنتُ طلحةَ بن عبيدِاللهِالتّيميِّ .
وأُمُّ عبدِاللهِ وفاطمةُ وأُمُّ سَلَمَةَ ورُقيّةُ بناتُ الحسنِ عليهِ السّلامُلأمهاتِ أولادٍ شتّى .
فأمّا زيدُ بنُ الحسنِ رضيَ اللّه عنه فكانَ على صدقاتِ رسولِ اللهِ
فذكرَ أصحابُ السِّيرِة : أنّ زيدَ بنَ الحسنِ كانَ يلي صدقاتِرسولِ اللهِّ صلّى اللّهُ عليهِ وآلهِ فلمّا وُلِّيَ سليمانُ بنُ عبدِ الملكِ كتبَ إِلىعاملِه بالمدينةِ : أمّا بعدُ فإِذا جاءَكَ كتابي هذا ، فاعزِلْ زيداً عن صدقاتِرسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وادفَعْها إِلى فلانِ ابنِ فلانٍ - رجل منقومِه- وأعِنْه على ما استعانَكَ عليهِ ، والسّلامُ .
فلما استُخْلِفَ عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ إِذا كتابٌ قد جاءَ(2) منه : أمّابعدُ فإنّ زيدَ بنَ الحسنِ شريفُ بني هاشمٍ وذوسِنِّهم ، فإِذا جاءَكَ كتابيهذا فاردُدْ اليه صدقاتِ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ واعِنْه على مااستعانَكَ عليه ، والسّلامُ (3) .
وفي زيدِ بنِ الحسنِ يقولُ محمّدُ بنُ بَشيرٍ الخارِجيُّ :
وفي «م» ! وهامش «ش » : ظريف النفس .=
وماتَ زيد وله تسعونَ سنة، فرثَاه جماعةٌ منَ الشُّعراءِ وذكروا مآثره وبكَوافضلَه ، فممّن رثاه قُدامةُ بنُ موسى الجُمَحِيّ فقالَ :
في أمثالِ هذا ممّا يطولُ به الكتاب.
وخرجَ زيدُ بنُ الحسنِ رضيَ اللهُ عنه منَ الدُّنيا ولم يدَعِ الأمامةَ، ولاادَّعاها له مُدَّعٍ منَ الشِّيعةِ ولا غيرهم ، وذلكَ أنَّ الشِّيعةَ رجلانِ : إِمامّي
والزّيديُّ يُراعي في الأمامةِ بعدَ عليٍّ والحسنِ والحسينِ عليهمالسلامُ الدعوةَ والجهادَ، وزيدُ بن الحسنِ رحمةُ اللهِ عليهِ كانَ مُسالِماًلبني أُميّةَ ومُتقلِّداً من قِبَلِهم الأعمالَ ، وكان رأْيُه التّقيَّةَ لأعدائه والتألُّفَلهم والمداراةَ ، وهذا يُضادُّ عندَ الزّيديّةِ علاماتِ الأمامةِ كما حَكَيْناه .
فأمّا الحَشْويّة فإِنّها تَدينُ بامِامةِ بني أُمَّيَةَ، ولا ترى لولدِ رسولِ اللهِصلّى اللهُ عليهِ وآلهِ إمامةً على حالٍ .
والمُعتزلةُ لا ترى الأمامةَ إلاٌ فيمن كانَ على رأيِها في الاعتزالِ ، ومن تَوَلَّوا- هم - العقدَ له بالشورى والاختيار، وزيدٌ على ما قدّمْنا ذكرَه خارج عن هذهالأحوال .
والخوارجُ لا ترى إِمامةَ من تولىّ أميرَ المؤمنينَ عليَّ بنَ أبي طالبٍ عليهِالسّلامُ ، وزيدٌ كانَ متولِّياً أباه وجدّه بلا اختلافٍ .
فأمّا الحسنُ بنُ الحسنِ فكانَ جليلاً رئيساً فاضلاً وَرِعاً ، وكانَ يَليصدقاتِ أميرِ المؤمنينَ عليهِ السّلامُ في وقتِه ، وله معَ الحَجَّاجِ خبرٌرواه الزُّبيرُ بنُ بكّارٍ قالَ : كانَ الحسنُ بنُ الحسنِ والياً صدقاتِأميرِ المؤمنينَ عليهِ السّلامُ في عصرِه ، فسايرَ يوماً الحَجَّاجَ بنَيوسفَ في موكبِه - وهو إِذْ ذاكَ أمير المدينةِ - فقالَ له الحَجَّاجُ : أدْخِلْ
فنكصَ الحسنُ بنُ الحسنِ عنه (حتّى غفلَ)(1) الحَجَّاجُ ، ثمّ توجّهَ إِلىعبدِ الملكِ حتّى قَدِمَ عليه فوقفَ ببابهِ يَطلُبُ الإذن ، فمرّ به يحي بن أُمِّالحَكَمِ فلمّا رآه يَحيى مالَ إِليه وسلّمَ عليه وسألَه عن مَقدَمِه وخبرِه ، ثمَّقالَ : إِنِّي سأنفعُكَ عندَ أميرِ المؤمنينَ - يعني عبدَ الملكِ - فلمّا دخلَ الحسنُابنُ الحسنِ على عبدِ الملكِ رَحّبَ به وأحسنَ مُسَاءَلَتَه ، وكانَ الحسنُ قدأسرعَ إليه الشَّيبُ ، ويَحيى بن أُمِّ الحكمِ في المجلسِ ، فقالَ له عبدُ الملكِ :لقد أسرعَ إليكَ إليكَ الشيبُ يا با محمّدٍ ، فقالَ يَحيى : وما يمنعُه يا أميرالمؤمنينَ ؟ شيَّبَه أمانيُّ أهلِ العراقِ ، يَفِدُ(2) عليه الرّكبُ يُمَنُّونَه الخلافةَ .فأقبلَ عليه الحسنُ فقالَ : بئْسَ والله الرِّفدُ رَفَدْتَ ، لست (3) كما قلتَ ،ولكنّا أهلُ بيتٍ يُسرعُ إِليناَ الشَّيبُ . وعبدُ الملكِ يَسمعُ ، فأقبلَ عليهعبدُ الملكِ فقالَ : هلّم بما (4) قدمتَ له ، فاخبرهَ بقولِ الحجّاج فقالَ: ليسذلكَ له ، أكْتُبُ إِليه كتاباً لا يتجاوزه . فكتبَ إِليه ووصلَ الحسنَ بنَالحسنِ فأحسنَ صِلَتَه .
فلمّا خرجَ من عندِه لَقِيَه يَحي بن أُمِّ الحكمِ ، فعاتبَه الحسن على
حتى قفل - بالقاف - أي رجع . انظر مختصر تاريخ دمشق 6 : 330 .
وكانَ الحسنُ بنُ الحسنِ حضرَمعَ عمِّه الحسينِ بنِ عليٍّ عليهماالسلام الطّفَّ، فلما قُتِلَ الحسينُ وأسِرَ الباقونَ من أهلِه، جاءه أسماءُ بنُخارِجةَ فانتزعَه من بينِ الأسرى وقالَ : واللّهِ لا يُوصَلُ إِلى ابن خَوْلَةَأبداً، فقالَ عُمَرُ بنُ سعدٍ : دَعُوا لأبي حَسَّان ابنَ أُختِه . ويُقالُ إِنّه أُسِرَوكانَ به جِراح قد أشفى منها.
ورُويَ :أنّ الحسنَ بنَ الحسنِ خطبَ إلى عمِّه الحسينِ عليهِالسّلامُ إحدى ابنتيه ، فقالَ له الحسينُ : «اختَرْ يا بُنيَّ أحبَّهُما إِليكَ »فاستحيا الحسنُ ولم يُحرْ جواباً ، فقالَ الحسينُ عليهِ السّلامُ : «فإِنِّي قدِاخترتُ لكَ ابنتي فاطَمةَ، وهي أكثرُهما شبهاً بأُمِّي فاطمةَ بنتِ رسولِاللهِ صلّى اللهُ عليهِما»(2).
وقُبضَ الحسنُ بنُ الحسنِ رضوانَ اللهِ عليه وله خمسُ وثلاثونَسنةً وأخَوه زيدُ بنُ الحسنِ حيُّ ، ووصّى إِلى أخيه من أُمِّه إِبراهيم بنمحمّدِ بنِ طلحةَ .
ولمّا ماتَ الحسنُ بنُ الحسنِ رحمةُ اللهِّ عليه ضَرَبَتْ زوجتُه فاطمةُبنتُ الحسينِ على قبرِه فسطاطاً، وكانتْ تقومُ الليلَ وتصومُ النّهارَ،وكانتْ تُشبَّهُ بالحورِ العينِ لجمالِها، فلمّا كانَ رأسُ السّنةِ قالتْ لمواليها :إِذا أظلمَ الليلُ فقَوِّضُوا هذا الفسطاطَ ، فلمّا أظلمَ الليلُ سَمِعَتْ قائلاًيقول هَلْ وَجَدُوا ما فَقَدُوا؟ فاجابَه آخرُ: بَلْ يَئِسُوْا فانْقَلَبُوْا .
ومضى الحسنُ بنُ الحسنِ ولم يَدَّعِ الأمامةَ ولا ادّعاها لهمُدَّعٍ ، كما وصفْناه من حالِ أخيه زيدٍ رحمةُ اللّهِ عليهما.
*وأمّا عَمْروٌ والقاسمُ وعبدُ اللهِ بنو الحسنِ بنِ عليّ رضوانُ اللهِ عليهمفإِنَّهم استُشْهِدُوا بينَ يَدَيْ عمِّهم الحسينِ عليهِ السّلامُ بالطّفِّ رضيَ اللهعنهم وأرضاهم وأحسنَ عن الدِّينِ والإسلام وأهلهِ جَزاءهم .
*وعبدُ الرّحمن بن الحسنِ رضيَ اللهُ عنه خرجَ معَ عمِّه الحسينِ عليهِالسّلامُ إِلى الحجِّ فتُوفِّيَ بالأبواءِ وهومُحْرِمٌ .
والحسينُ بنُ الحسنِ المعروفُ بالأثرم كانَ له فضلٌ ولميكنْ له ذِكر في ذلك.
وطلحةُ بنُ الحسنِ كانَ جَواداً .
*
*