الناسُ إلى الحُجرة يَنْظُرَون ، مَن الرجل ؟ فإذا هو أمير المؤمنين عليّ بن
أبي طالب عليه السلام .
وروى هذا الحديث جماعةٌ عن أمير المؤمنين عليه السلام وقالوا
فيه : إنّ علياً قصّ هذه القصّة، ثمّ قال : «سَمِعتُ رسول الله صلّى اللّه
عليه واله يقول : من كَذَبَ عليَّ مُتعقَداً فلَيَتَبَوّأ مقعدَه من النار»(1) .
وكان الذي أصلَحَه أميرُ المؤمنين من نعل النبي صلّى الله عليهما
شِسْعَها(2)، فإنّه كان انْقطَعَ فخَصَف موضِعَه وأصلحه .
وروى إسماعيل بن عليّ العَمّي ، عن نائل بن نَجِيح (3)، عن
عَمْرو بن شمرٍ ، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر، عن أبيه عليهما
السلام قال : «انقَطَع شِسْعُ نعلِ رسول الله صلّى اللّه عليه وآله
فَدَفَعها إلى عليّ عليه السلام يُصلِحُها، ثمّ مشى في نَعل واحدةَ غَلْوةً(4)
- أونحوها- وأقبل على أصحابه فقال : إنّ منكم من يُقاتِل على التأويل
كما (قاتل معي (5) على التنزيل» .
فقال أبو بكر: أنا ذاك ، يا رسول اللّه ؟ قال : «لا» فقال عمر:
ثمّ تلت الحُدَيبيةَ خَيْبُر، وكان الفتحُ فيها لأمير المؤمنين عليه
السلام بلا ارتياب ، وظَهَر من فضله في هذه الغَزاة (ما اجتمع على
نقله )(2) الرُواة، وتفرّد فيها من المناقب بما لم يَشْركه فيه أحدٌ من
الناس .
فروى محمّد بن يحيى الأزْدِيّ ،عن مَسْعَدة بن اليَسَع وعُبَيْدالله (3)
ابن عبد الرحيم ، عن عبد المَلِك بن هِشام ومحمّد بن إسحاق
وغيرهم من أصحاب الآثار قالوا : لمّا دنا رسولُ الله صلّى الله عليه واله
من خَيبر، قال للناس : «قِفُوا» فوقف الناسُ ، فرَفَع يدَيْه إلى السماء
وقال : «اللهمّ ربَّ السماوات السبع وما أظْلَلن ، وربَّ الأرضينَ السبع وما
فلمّا كان نصفَ النهار نادانا منادي رسول الله صلّى اللّه عليه
وآله ، فاجتمعنا إليه فإذا عنده رجلٌ جالسٌ ، فقال : «إنّ هذا جاءني وأنا
نائم ، فسَلَّ سيفي وقال : يا محمّد، مَن يَمْنَعك منّي اليوم ! قلت : الله
يَمْنَعني منك ، فشامَ السيف (4) وهو جالس كما تَرَوْن لا حَراك به» فقلنا:
يا رسولَ الله ، لعلّ في عقله شيئاً، فقال رسول الله صلى الله عليه واله :
«نعم دَعُوه» ثمّ صَرَفه ولم يُعاقبه .
وحاصر رسولُ اللّه صلّى الله عليه واله خَيبرَبضعاً وعشرين ليلةً ؛
وكانت الرايةُ يومئذ لأمير المؤمنين عليه السلام فَلَحِقَه رَمَدٌ أعجزه عن
الحرب ، وكان المسلمون يناوَشون (5) اليهودَ من بين أيدي حصُونهم
وجَنَباتِها.
فلمّا كان ذات يوم فتحوا الباب ، وقد كانوا خَنْدَقوا على
أنفسهم ، وخرج مَرْحَب برِجْلهِ يتعرّض (6) للحرب ، فدعا رسولُ الله صلّى
الله عليه وآله أبا بكر فقال له : «خذُ الرايةَ» فأخذها - في جَمع من المهاجرين -
فلمّا كان من الغد تعرض لها عمر، فساربها غيرَبعيد ، ثمّ
رجع يُجبِّن أصحابه ويجبِنونه .
فقال النبي صلّى الله عليه وآله : «ليست هذه الرايةُ لمن حَمَلها ،
جيئوني بعليّ بن أبي طالب» فقيل له : إنّه أرمَد ، فقال : «أرونيه تروني
رجلاً يُحِبّ الله ورسولَه ويُحبّه الله ورسولُه ، يَأخُذُها بحقّها ليس بفرارِ» .
فجاؤوا بعلي عليه السلام يَقودونه إِليه ، فقال له النبي صلّى الله
عليه وآله : «ما تَشتكي يا علي ؟ قال : رَمَدٌ ما أُبْصِرُمعه ، وصُداعٌ
برأسي ، فقال له : اِجلس وضَعْ رأسَك على فَخذِي» ففعل عليّ عليه
السلام ذلك ، فدعا له النبي صلى الله عليه وآله وتَفَل في يده فمسحها على
عَيْنَيه (1) ورأسه ، فانفتحَتْ عَيْناه وسَكَن ما كان يجِده من الصُداع ،
وقال في دعائه له : «اللهم قِه الحرَّ والبَرْد» وأعطاه الرايةَ - وكانت رايةً
بيضاء - وقال له : «خذ الراية وامضِ بها، فجبرئيل معك ، والنصر
أمامك ، والرُعب مبثوث في صدور القوم ، واعلم - يا علي - أنهم يَجدون
في كتابهم : أنّ الذي يُدَمّرعليهم إسمه الِيا(2)، فإذا لقيتَهم فقل : أنا
علي ، فإنّهم يُخْذَلون إن شاء اللّه».
قال عليّ عليه السلام : «فمَضَيتُ بها حتّى أتيتُ الحصونَ ، فخَرَج
مَرْحب وعليه مغْفَر وحجرقد ثقَّبه (3) مِثل البيضة على رأسه ، وهو
فقلت :
فاختلفنا ضربَتين ، فبَدَرْتُه فضربتُه فَقَددْت الحَجَر والمِغْفَر ورأسَه حتّى وَقع
السيفً في أضراسه وخَرّ صَريعاً».
وجاء في الحديث أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا قال : «أنا عليّ
ابن أبي طالب» قال حَبْر من أحبار القوم : غُلِبْتم وما أُنْزِل على
موسى(3). فدخل قلوبَهم من الرُعب ما لم يُمكِنْهم معه الاستيطانُ به .
ولمّا قَتَل أميرُ المؤمنين عليه السلام مَرْحَباً، رجع من كان معه
وأغلَقوا بابَ الحِصْن عليهم دونه ، فصار أميرُ المؤمنين عليه السلام
إليه فعالجَهُ حتّى فَتَحه ، وأكثرُ الناس من جانب الخَندق لم يَعْبُروا
معه ، فأخذ أميرُ المؤمنين عليه السلام بابَ الحِصْن فجعله على الخَنْدَق
جِسْراً لهم حتى عَبَروا وظَفِروا بالحِصْن ونالوا الغنائم .
فلما انصرفوا من الحُصون ، أخذه أميرُ المؤمنين بيُمْناه فدحا به
أذرُعاً من الأرض ، وكان البابُ يُغْلِقه عشرون رجلاً منهم .
ولمّا فَتَحَ أميرُ المؤمنين عليه السلام الحِصْن وقَتَل مَرْحَباً، وأغْنَمَ
اللّه المسلمين أموالهَم ، استأذن حَسّان بن ثابت رسول الله صلّى الله
عليه وآله أن يقول شعراً. فقال له : «قُلْ».
فأنشأ يقول :
وقد رَوى أصحابُ الاثار عن الحسن بن صالح ، عن الأعْمَش ،
عن أبي إسحاق ، عن أبي عبداللّه الجَدَليّ قال : سَمِعتُ أميرَ المؤمنين
عليه السلام يقول : «لمّا عالجتُ بابَ خَيْبرَجَعَلْتُه مجَنّاً لي وقاتلتُ
القومَ فلمّا أخزاهم اللّه وَضَعتُ البابَ على حِصْنهم طريقاً ، ثمّ رَميتُ به
في خَندقهم ؛ فقال له رجل : لقد حَمَلْتَ منه ثقلاً! فقال : ما كان إلاّ مثلَ جُنَّتي
التي في يَدي في غيرذلك المقام»(2).
وذكر أصحابُ السِير: أنّ المسلمين لمّا انصرفوا من خَيْبرراموا
وفي حَمل أميرالمؤمنين عليه السلام الباب يقول الشاعر:
ثمّ تلا غَزاة خَيْبَرمواقِفُ لم تَجْرِمجرى ما تقدّمها فنَصْمِد
وفيه أيضاً قال الشاعر من شُعراء الشيعة يَمْدَح أميرَ المؤمنين عليه السلام ويهَجْو أعداءه ،
على ما رواه أبو محمّد الحسن بن محمّد بن جمهور، قال : قرأت على أبي عُثمان المازني :=
ثمّ كانت غَزاة الفتح ، وهي التي تَوَطّد(1) أمرُ الإسلام بها،
وتَمَهّد الدين بما منّ اللّه تعالى على نبيّه صلّى الله عليه واله فيها، وقد كان
الوعدُ تقدَّمَ في قوله عزّ اسمه : (اِذَا جَاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ)(2) إلى آخر
=
في أبيات اُخر.
فكانت الأعيُنُ إليها مُمْتَدّة، والرِقاب إليها مَتَطاوِلة ، ودَبَر رسولُ
اللّه صلّى اللّه عليه واله الأمر فيها بكتمان مسيره إلى مكّة، وسَتْرِعزيمته
على مراده بأهلها، وسأل الله - عزّ اسمه - أن يَطْوِيَ خبرَه عن أهل مكّة
حتّى يَبْغَتَهم بدخولها، فكان المُؤْتَمنُ على هذا السرّ والموُدعَ له - من بين
الجماعة - أميرَ المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، فكان الشريكَ
لرسول الله صلّى الله عليه وآله في الرأي ، ثمّ نَماه النبيُّ صلّى اللّه عليه
وآله إلى جماعة من بعدُ ، واستَتَبَّ الأمرُ فيه على أحوال كان أميرُ المؤمنين عليه
السلام في جميعها متفرّداً من الفضل بما لم يَشْرَكه فيه غيرهُ من الناس .
فمن ذلك أنّه لمّا كتب حاطِبُ بن أبي بَلْتَعة - وكان من أهل
مكّة، وقد شَهِد بَدْراً مع رسول اللّه - كتاباً إلى أهل مكّة يُطْلِعهُم على
سرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في المسيرإليهم جاء الوحيُ إلى رسول
الله صلّى اللّه عليه وآله بما صنَعَ وبنفوذ كتاب حاطِب إلى القوم
فتلافئ ذلك رسولُ الله صلّى الله عليه واله بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب
عليه السلام ، ولو لم يَتَلافَه به لفسد التدبيرُ الذي بتمامه كان نصر
المسلمين .
وقد مضى الخبرُ في هذه القصة فيما تقدّم ، فلا حاجة بنا إلى
إعادته .
ولمّا دخل أبو سفيان المدينةَ لتجديد العهد بين رسول الله صلّى
الله عليه وآله وبين قريش ، عندما كان من بني بكْرِفي خُزاعة وقتلهِم من قتلوا
منها ، فقَصَد أبو سفيانَ ليتلافى الفارطَ من القوم ، وقد خاف من نصرة
رسول اللة صلّى الله عليه وآله لهم ، وأَشْفَقَ ممّا حلّ بهم يوم الفتح .
فأتى النبي صلّى الله عليه وآله وكلّمه فى ذلك ، فلم يَرْدُدْ عليه جواباً .
فقام من عنده ، فلَقِيه (1) ابو بكر فتشبًثَ به وظنّ أنّه يُوصِله إلى
بغْيته من النبي صلّى اللّه عليه وآله فسأله كلامَه له ، فقال : ما أَنا
بفاعل . لعلم أبي بكر بأنّ سؤاله في ذلك لا يُغني شيئاً .
فظنّ أبوسفيان بعمر بن الخطاب ما ظنّه بأبي بكر فكلّمه في
ذلك ، فدفعه بغِلظةٍ وفَظاظَةٍ كادت أن تفسِدَ الرَّأيَ على النبي صلى اللّه عليه
وآله .
فعدل (2) إلى بيت أمير المؤمنين علَيه السلام فاستأذن عليه ، فأذِن
له وعنده فاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فقال له : يا علي ،
إنّك أمسُّ القوم بي رَحِماً، وأقربهُم منّي قرابةً، وقد جئتُك فلا
أَرجِعَنً كما جئتُ خائباً، إشفَعْ لي إلى رسول الله فيما قصدتُه . فقال
له : «ويْحَكَ - يا باسفيان - لقد عَزَم رسول اللّه صلّى الله عليه واله على
فتحيّر أبو سفيان (وسُقِطَ في يده )(2)، ثمّ أقبل على أمير المؤمنين
عليه السلام فقال : يا با الحسن ، أرى الأمورَ قد التبستْ عَلَيّ فانصَحْ
لي (3) . فقال له أميرُ المؤمنين : «ما أرى شيئاً يُغني عنك ولكنّك سيّدُ
بني كِنانة فقُمْ فأجِرْ بين الناس ، ثمّ اِلحَقْ بأرضك» قال : فترى
ذلك مُغنياً عنّي شيئاً؟ قال : «لا والله ما أظُنّ ولكنّي لا أجِدُ لك غيرَ
ذلك».
فقام أبو سفيان في المسجد فقال : أيّها الناس ، إنّي قد أَجَرْت بين
الناس . ثمّ رَكِبَ بعيرَه فانطلق .
فلمّا قَدِمَ على قريش قالوا : ما وراءَك ؟ قال : جئتُ محمّداً
فكلّمتُه ، فواللّه ما رَدّ عليّ شيئاً، ثمّ جئتُ ابن أبي قحافَة فلم أَجِد
فيه خيراً، ثمّ لَقِيتُ ابنَ الخطاب فوجدته فَظّاً غليظاً لا خيرَ فيه ،
ثم أتيت علياً فوجدتُه ألين القوم لي ، وقد أشارعليَّ بشيء فصنعتُه ،
واللّه ما أدري يُغني عنّي شيئاَ أم لا، فقالوا : بما أمَرك ؟ قال : أمرني أن
وكان الذي فعله أميرُ المؤمنين عليه السلام بأبي سفيان من
أصوب رأيٍ لتمام أمر المسلمين وأصحّ تدبير، وبه تَمّ للنبي صلّى اللّه
عليه وَآله في القوم ما تمَّ .
ألا ترى أنَّه عليه السلام صَدَق أبا سفيان عن الحال ، ثمّ لان له
بعضَ اللين حتّى خَرَج عن المدينة وهو يَظُنُّ أنّه على شيء ، فانقطع
بخروجه على تلك الحال موادُّ كيده التي كان يتشعَّثُ بها الأمرُعلى النبي
صلّى الله عليه وآله .وذلك أنّه لوخرج آئِساً حَسَب ما أيْأسَه الرجلان ،
لتجدَّدَ للقوم من الرأي في حَربه عليه السلام والتحرّزمنه ما لم يخطر لهم ببال ،
مع مجيء أبي سفيان إليهم بما جاء، أوكان يقيم بالمدينة على التمحّل لتمام مراده
بالاستشفاع إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله فيتجدّدُ بذلك أمرٌ يَصُدّ النبيَ صلّى
اللّه عليه وآله عن قَصد قريش ، أويُثَبِّطه عنهم تثبيطاً يفوته معه المرادُ، فكان
التوفيقُ من اللّه تعالى مقارناً لرأي أمير المؤمنين عليه السلام فيما رآه من تدبير
الأمر مع أبي سفيان ، حتى انتظَمَ بذلك للنبي صلّى اللّه عليه وآله من فتح
مكةّ ما أراد
ولما أمَرَ رسولُ اللّه صلّى اللّه عليه وآله سعدَ بن عُبادة بدخول
فسَمِعَها العباسُ رضي الله عنه فقال للنبي صلّى ّ الله عليه وآله :
أما تَسْمَعُ يا رسولَ اللّه ما يقولُ سَعدُ بن عُبادة ؟ إنّي لا امَنُ أن يكونَ
له في قريش صَوْلةٌ . فقال النبي صلّى اللّه عليه واله لأمير المؤمنين عليه
السلام : «أدركْ - يا علي - سَعداً فخُذ الرايةَ منه ، وكُنْ أنت الذي
يَدْخُلُ بها مكّة» فأدركه أميرُ المؤمنين عليه السلام فأخَذَها منه ، ولم
يَمْتَنعْ عليه سعدٌ من دفعها.
فكان تلافي الفارط من سَعد في هذا الأمر بأمير المؤمنين عليه
السلام ، ولم يَرَ رسولُ الله صلّى الله عليه وآله أحداً من المهاجرين
والأنصار يَصْلَح لأخذ الراية من سيّد الأنصار سوى أمير المؤمنين عليه
السلام ، وعَلِمَ أنَّه لو رام ذلك غيره لامتَنَع سَعدٌ عليه (2)، فكان في
امتناعه فسادُ التدبير واختلافُ الكلمة بين الأنصار والمهاجرين ، ولمّا لم
يكن سعدٌ يَخفِضُ جَناحَه لأحدٍ من المسلمين وكافّةِ الناس سوى النبي
صلّى اللّه عليه وآله ولم يكن وجهَ الرأي تَوَلّي رسولِ الله عليه السلام
أَخْذَ الرايةَ منه بنفسه ، وَلّى ذلك من يَقوُم مقامَه ولا يتميَّزُ عنه ، ولا
وفي هذا من الفضل الذي تَخَصّصَ به أميرُ المؤمنين عليه السلام ما
لم يَشركه فيه أحدٌ ، ولا ساواه في نظيرٍ له مساوٍ ، وكان عِلْمُ اللّه تعالى ورسوله
عليه السلام في تَمام المصلحة بإنفاذ أمير المؤمنين عليه السلام دونَ
غيره ، ما كَشَفَ عن اصطفائه لجسيم (1) الأُمور، كما كان عِلْمُ اللّهِ
تعالى فيمن اختارَه للنُبوّة وكمالِ المصلحة ببِعْثته (2)كاشفاً عن كونهم
أفضلَ الخلق أجمعين .
وكان عهدُ رسول اللّه صلّى الله عليه وآله إلى المسلمين عند توجّهه
إلى مكّة، ألاّ يقتُلُوا بها إلاّ من قاتلهم ، وامَنَ من تعلق بأستار
الكعبة سوى نفر كانوا يُؤذونه صلّى اللّه عليه واله منهم : مِقْيَسُ بن
صُبابة وابنُ خَطَل عبد العُزّى وابن أبي سَرْح وقَيْنَتان كانتا تُغَنّيان
بهجاء رسول اللّه صلّى الله عليه وآله وبمراثي أهل بدر، فقتل أميرُ
المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إحدى القَيْنَتين وأفلَتَتِ
الأخرى ، حتّى استوْمِن لها بعد، فضَرَبها فرسٌ بالأبطح في إمارة عُمربن
الخطّاب فقتلها . وقَتَل أميرُ المؤمنين عليه السلام الحُوَيْرِث بن نُقَيذ بن
وبَلَغَه عليه السلام أنّ أُختَه أًمَّ هانئ قد آوتْ ًناساً من بني
مَخزُوم ، منهم : الحارث بن هِشام وقَيْسُ بن السائب ، فقصد عليه
السلام نحوَ دارها مُقَنّعاً بالحديد، فنادى : «أَخْرِجوا من آوَيْتُم»
قال : فجعلوا يَذْرُقون - والله - كما تَذْرُق الحبارى خوفاً منه .
فخَرَجَتْ اُمُّ هانئ - وهي لا تَعرِفه - فقالت : يا عبدَالله ، أنا اُمّ
هانئ بنتُ عمِّ رسول اللّه واُختُ عليّ بن أبي طالب انصَرِفْ عن داري .
قالت أمّ هانئ : فجئتُ إلى النبي صلّى اللّه عليه واله وهو في قُبّةٍ
يغتسل ، وفاطمة عليها السلام تَسْتُرُه ، فلمّا سَمِعَ رسولُ اللّه صلّى اللّه
عليه وآله كلامي قال : «مَرْحَباً بكِ يا اُمّ هانئ وأَهلاً» قلت : بأبي
أنت واُمّي ، أشكُو إليك ما لقِيتُ من عليّ اليوم . فقال رسول ّ الله
صلّى الله عليه وآله «قد أَجَرت من أجرتِ» فقالت فاطمة عليها
ولمّا دخل رسولُ اللّه صلّى الله عليه واله المسجد، وَجَد فيه ثلاثمائة
وستّين صَنَماً، بعضُها مشدودٌ ببعض بالرَصاص ، فقال لأمير المؤمنين
عليه السلام : «أعطِني يا عليّ كفّاً من الحَصى» فقَبَض له أميرُ المؤمنين
كَفّاً فنَاوَله ، فرماها به وهو يقول : (قُلْ جاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ
إنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقا)(1) فما بَقَيِ منها صنمٌ إلا خَرَّ لوجهه ، ثمّ أَمَرَ
بها فأُخْرِجَتْ من المسجد فطُرِحَتْ وكًسِرتْ .
وفيما ذكرناه من أعمال أمير المؤمنين عليه السلام في قَتْل من
قَتَل من أعداء اللّه بمكَة، وإخافةِ من أخاف ، ومعونةِ(2) رسول اللّه صلّى
اللّه عليه واله على تطهير المسجد من الأصنام ، وشدّةِ باسه في اللّه ،
وقطع الأرحام في طاعة اللّه أدلُّ دليلٍ على تخصّصه من الفضل بما لم
يكن لأَحدٍ منهم سهمٌ فيه ، حَسَبَ ما قدّمناه .
ثمّ اتصل بفتح مكّة إنفاذُ رسول الله صلّى الله عليه واله خالدَ بن
الوَليد إلى بني جَذِيمة بن عامر- وكانوا بالغُمَيْصاء (1)- يدعوهم إلى الله
عزّوجلّ ، وإنّما أنفذه (2) إليهم للترة(3) التي كانت بينه وبينهم .
وذلك أنّهم كانوا أصابوا في الجاهلية نِسوةً من بني المُغيرة،
وقَتَلوا الفاكِهَ بنَ المُغيرة - عمَّ خالد بن الوليد - وقَتَلوا عَوْفأ - أبا عبد الرحمن
ابن عَوْف - فأنفذه رسولُ الله صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ لذلك ، وأنفذ معه
عبد الرحمن بن عَوْف للتِرَة أيضاً التي كانت بينه وبينهم ، ولولا ذلك
ما راى رسولُ اللّه صلّى الله عليه وآله خالداً أهلاً للإمارة على المسلمين .
ثمّ كانت غَزاة حنَين ، استظهَرَ رسولُ الله صلّى اللّه عليه وآله
فيها بكِثرة الجَمْع ، فَخَرج عليه السلام متوجّهاً إلى القوم في عشرة الاف
من المسلمين ، فظَنَّ أكثرُهم أنّهم لن يُغْلَبوا لمِا شاهَدوه من جمعهم
وكثرة عُدَّتِهم وسِلاحهم ، وأعْجَب أبا بكر الكثرةَ يومَئذٍ فقال : لن
نُغلب اليوم من قلة ، فكان الأمر في ذلك بخلاف ما ظنّوه ، وعانهم (1)
أبوبكر بعجبه بهم .
فلمّا التقَوْا مع المشركين لم يَلْبَثوا حتى انهزموا بأجمَعِهم ، فلم
يَبْقَ منهم مع النبي صلّى اللّه عليه واله إلاّ عشرةُ أنفس : تسعةٌ من بني
هاشم خاصّةً ، وعاشرُهم أيمنُ بن أُمّ ايمَن ، فقًتِل أَيْمَن - رحمه الله -
وثبت تسعة النفر الهاشميّون حتى ثابَ إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه
وآله من كان انهزم ، فرجعوا أوّلاً فأوّلاً ، حتى تلاحَقوا ، وكانت الكَرة لهم
على المشركين .
وفي ذلك أنزل الله تعالى وفي إعجاب أبي بكر بالكثرة : (وَيَوْمَ
حنين اِذْ اَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتكُمْ فَلَمْ تغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ
عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرينَ * ثُمَّ أنْزَلَ أللّهُ سَكِينَتهُ عَلى
العَباسُ بن عبدِ المطّلب عن يمين رسول اللّه .
والفَضْلُ بن العباس بن عبد المطلب عن يساره .
وأبوسفيان بن الحارث مُمْسِكٌ بسَرْجه عند ثَفَر(2) بَغْلتَه .
وأميرُ المؤمنين عليه السلام بين يَدَيْه بالسيف .
ونَوْفَلُ بن الحارث ، ورَبيعةُ بن الحارثِ ، وعبدالله بن الزُبَير بن
عبد المطلب ، وعُتْبةٌ ومُعَتِّبٌ ابنا أبي لَهَبٍ حوله .
وقد وَلَت الكافَةُ مُدبِرين سوى من ذكرناه ، وفي ذلك يقول
مالكُ بن عُبادة الغافقي :
وقال العبّاسُ بن عبد المطّلب رضي الله عنه في هذا المقام :
ولمّا رأى رسولُ اللّه صلّى اللّه عليه واله هزيمةَ القوم عنه ، قال
للعبّاس رضي اللّه عنه - وكان رجلاً جَهْوَرِيّاً صَيّتاً -: «نادِ في القوم
وذَكِّرْهم العَهْد» فنادى العّباسُ بأعلى صوته : يا أهلَ بَيْعَةِ الشجرة(1)،
يا اصحابَ سورة البقرة(2) إلى أين تَفِرّون ؟ اُذْكُروا العهدَ الذي
عاهدتم (3) عليه رسول الله صلّى الله عليه وآله ، والقومُ على وُجوهِهم
قد وَلَّوْا مُدْبِرين ، وكانت ليلةً ظَلماء، ورسولُ الله في الوادي
والمشركون قد خَرَجُوا عليه من شِعاب الوادِي وجَنَباته ومَضايِقِه
مُصْلِتين بسيوفهم وعمدهم وقِسيّهم.
قالوا : فنظَرَرسولُ الله صلّى الله عليه واله إلى الناس ببعض وجهه
في الظَلْماء، فأضاءَ كأنّه القمرُ ليلةَ البَدْر. ثمّ نادى المسلمين : «أينَ
ما عاهدتم اللّه عليه ؟» فأسمع أوّلهُم وآخِرهم ، فلم يَسْمَعْها رجلٌ إلاّ
رَمى بنفسه إلى الأرض ، فانحدَرُوا إلى حيث كانوا من الوادي ، حتّى
لحِقوا بالعدو فواقعوه .
قالوا: وأقبل رجلٌ من هَوازِن على جَمَل له أحمر، بيده راية
سوداء في رأس رُمْحٍ طويلٍ أمامَ القوم ، إذا أدرك ظَفَراً من المسلمين