وكانت هندٌ بنت عتبة جَعَلتْ لوحشيٍ جُعْلاًعلى أن يَقْتُل رسولَ
اللة صلّى اللة عليه وآله أو أميرَالمؤمنين علي بن أبي طالب أو حمزةَ بن
عبد المطّلب عليهما السلام فقال لها: أما محمّد فلا حيلة لي فيه ، لاّنّ
أصحابه (يُطيفون به ) ، وأما عليّ فإنّه إذا قاتل كان أحذَر من الذِئب ،
وأمّا حمزة فإني أطْمَع فيه ، لأنه إذا غَضِب لم يُبْصِر بين يديه .
وكان حمزة - يومئذ - قد أعْلَمَ بريشةِ نَعُامة في صدره ، فكَمن له
وحشي في أصل شجرة، فرآه حمزة فبدر اليه بالسيف فضربه ضربةً
أخطأت رأسَه ، قال وحشي : وهَزَزتُ حَرْبتي حتّى إذا تمكّنت منه رميته ،
فأصبتهُ في أُربِيّته (1) فأنفذتُه ، وتركتهُ حتّى إذا برد صِرت إليه فاخذت
حَربتي ، وشُغِل عني وعنه المسلمون بهزيمتهم .
وجاءت هند فأمَرَتْ بشَقّ بطن حمزة وقطع كَبده والتمثيل به ،
فجَدَعوا أنفه واُذَنَيْه ومَثّلوا به ، ورسولُ الله صلّى الله علَيه واله مشغولٌ
عنه ، لا يَعْلَم بما انتهى إليه الأمرُ.
قال الراوي للحديث - وهو زيد بن وَهْب - قلت لابن مسعود :
انهزم الناس عن رسول الله حتّى لم يبقَ معه إلاّ علي بن أبي طالب عليه
السلام وأبو دُجانَة وسهل بن حًنَيْف؟!
قال : انهزم الناس إلاّ علي بن أبي طالب وحده وثاب الى رسول الله
صلّى اللّه عليه وآله نفر، وكان أولهم عاصِم بن ثابت وأبو دُجانة وسَهْل
فقلت له : فأين كان أبو بكر وعمر؟!
قال : كانا ممّن تنحّى.
قال ، قلت : فأين كان عثمان ؟!
قال : جاء بعد ثلاثة من الوَقْعة ، فقال له رسول اللّه صلّى الله عليه وآله :
«لَقدْ ذَهَبْتَ فيها عَرِيضة»(1) .
قال ، فقلت له : فأين كنتَ أنت ؟ .
قال : كنتُ فيمن تنحّى .
قال فقلت له: فمن حدَّثك بهذا؟ .
قال : عاصم وسهل بن حنيف .
قال ، قلت له : إنّ ثبوتَ علي عليه السلام في ذلك المقام لعَجَبٌ .
فقال : إن تعجّبت من ذلك ، لقد تعجّبتْ منه الملائكة، أما
علمتَ أنّ جبرئيل قال في ذلك اليوم - وهويَعْرج إلى السماء - : لا سيف
إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ علي .
فقلت له : فمن أين عُلِم ذلك من جبرئيل ؟.
فقال : سَمِعَ الناس صائحاً يَصيح في السماء بذلك ، فسألوا النبي
وفي حديث عِمران بن حُصَيْن قال : لمّا تفرقّ الناسُ عن رسول اللّه
صلّى الله عليه وآله في يوم أُحد، جاء عليّ مُتَقلّداً سيفَه حتّى قام بين
يديه ، فرفع رسولُ اللّه صلّى الله عليه وآله رأسَه إليه فقال له : «ما لك
لم تَفِرَّ مع الناس ؟ فقال : يا رسول اللّه أأرجع كافراً بعد إسلامي !»
فاشارله إلى قوم انحَدَرُوا من الجبل فحَمَلَ عليهم فهَزَمهم ، ثمّ أشار لَه
إلى قوم آخرين فحمل عليهم فهَزَمهم ، ثمّ أشار إلى قوم فحَمَل عليهم
فهَزَمهم ، فجاء جبرئيل عليه السلام فقال : يا رسول الله ، لقد عَجِبتِ
الملائكة (وعَجبنا معهم )(2) من حسن مواساة عليّ لك بنفسه ، فقال
رسول الله صلَّى الله عليه وآله : «وما يمنعه من هذا وهو منّي وأنا منه»
فقال جبرئيل عليه السلام : وأنا منكما(3).
وروى الحَكَم بن ظُهير(4)، عن السُدِّي ، عن أبي مالك ، عن ابن
عبّاس رحمة الله عليه : انّ طلحة بن أبي طَلحة خرج يومئذ فوقف بين
وقد روى محمّد بن مَروان ، عن عُمارَة، عن عِكْرِمَة قال :
سمعتُ علياً عليه السلام يقول : «لما انهزم الناس يوم أُحد عن
رسول الله صلّى الله عليه وآله لَحِقني من الجَزَع عليه ما لم أمْلِك
نفسي ، وكنتُ أمامه أضرِب بسيفي بين يديه ، فرَجَعتُ أطلُبه فلم أرَه ،
فقلت : ما كان رسول اللّه ليفِرَّ، وما رأيتُه في القتلى، وأظُنُّه رُفع من بيننا
إلى السماء، فكَسَرْت جَفْنَ سيفي ، وقلتُ في نفسي لأقاتلنّ به عنه
حتّى أقْتَل ، وحَمَلْتُ على القوم فافَرجوا فإذا أنا برسول الله صلّى الله عليه
وآله قد وقع على الأرض مَغْشِيّاً عليه ، فقمتُ على رأسه ، فنظرإليّ
وقال : ما صَنَع الناس يا علي ؟ فقلت : كَفَروا- يا رسول الله - ووَلَّوُا الدُبُر
وقد روى الحسن بن عَرَفة، عن عُمارة بن محمّد، عن سَعْد بن
طَرِيف ، عن ابي جعفر محمّد بن علي عليهما السلام ، عن ابائه ، قال :
« نادى مَلَك من السماء يومَ أُحد : لا سيفَ إلاّ ذو الفَقار، ولا فَتى إلاّ
عليّ»(3).
وروى مثلَ ذلك إبراهيمُ بن محمّد بن مَيمون ، عن عَمرو بن
ثابت ، عن محمّد بن عُبَيدالله بن أبي رافع ، عن أبيه ، عن جدّه قال :
ما زلنا نَسْمَع أصحابَ رسول اللّه صلّى الله عليه وآله يقولون : نادى في
يوم أُحد منادٍ من السماء : لا سيفَ إلاّذو الفَقار، ولا فَتى إلاّ
علي (4).=
وروى سلام بن مِسكين ، عن قَتادة ، عن سَعيد بن المُسَيّب قال :
لو رأيتَ مَقامَ عليّ يومَ أُحُد، لوجدتَه قائماً على ميمنةِ رسول اللّه صلّى
اللّه عليه وآله يذُبّ عنه بالسيف ، وقد وَلّى غيره الأدبار(1).
وروى الحسن بن محبوب قال : حدَّثنا جميلُ بن صالح ، عن أبي
عُبَيْدة، عن أبي عبداللّه جعفر بن محمد ، عن آبائه عليهم السلام قال :
«كان أصحابُ اللواء يومَ أحد تسعةً، قَتَلَهم عليّ عن آخرهم ، وانهزم
القومُ ، وطارت مخزوم منذ فَضَحها عليّ بن أبي طالب يومئذ . قال : وبارز
علي الحَكَم بن الأخْنَس ، فضربه فقطع رجله من نصف الفخذ فهلك
منها»(2).
ولمّا جال المسلمون تلك الجَوْلة، أقبل أُمَيّة بن أبي حُذَيفة بن
المُغَيرة - وهو دارعٌ - وهو يقول : يومٌ بيوم بدر، فعَرَض له رجلٌ من
المسلمين فقتله اُميّة، وصَمَدَ له عليّ بن أبي طالب فضربه بالسيف على
هامته فنَشِب في بَيْضةِ مِغْفَره ، وضربه اُميّة بسيفه فاتّقاها أميرُ المؤمنين
بَدَرقته فنَشِب فيها، ونَزَع علي عليه السلام سيفَه من مِغْفره ، وخَلَّص
اُميةُ سيفَه من دَرَقته أيضاً ثمّ تناوشا، فقال علي عليه السلام :
«فنظرتُ إلى فَتْقٍ تحت إبْطه ، فضربتُه بالسيف فيه فقتلته ، وانصرفت
عنه»(3).=
197 / 234، شرح النهج الحديدي 14 : 251 باختلاف يسير، ونقله العلامة المجلسي في البحار 20 : 86 .
ولما انهزم الناسُ عن النبي صلّى الله عليه وآله في يوم اُحد،
وثبت أميرُ المؤمنين عليه السلام فقال له : «ما لك لا تَذْهَب مع القوم ؟
فقال أمير المؤمنين عليه السلام : أذهَبُ وأدَعَك يا رسول الله ،واللهّ لا
بَرِحت حتّى أُقْتَل ، أو يُنْجِزَ الله لك ما وعدك من النصر. فقال له
النبي صلّى اللّه عليه وآله «أبْشِر يا عليّ فإنّ الله منجزٌ وعدَه ، ولن
ينالوا منّا مثلَها أبداً» .
ثمّ نظرإلى كَتيبة قد أقبلتْ إليه فقال له : «لوحَمَلتَ على هذه
يا عليّ» فحمل أميرُ المؤمنين عليه السلام ، فقَتَل منها هِشامَ بن أُمَيّة
المخزومي ، وانهزم القوم .
ثم أقبلت كَتيبة اُخرى، فقال له النبي صلّى الله عليه وآله :«احْمِل
على هذه» فحمل عليها فقتل منها عمروبن عبدالله الجُمَحِيّ ،
وانهزمت أيضاً .
ثمّ أقبلت كَتيبة أُخرى، فقال له النبي صلّى الله عليه وآله : «احْمِل
على هذه» فحمل عليها فقتل منها بِشْرَ بن مالك العامري ، وانهزمت
الكَتيبة، فلم يَعُد بعدها أحدٌ منهم .
وتراجع المنهزمون من المسلمين إلى النبي صلّى الله عليه وآله وانصرف
المشركون إلى مكّة، وانصرف النبي صلّى الله عليه وآله إلى المدينة، فاستقبلته
فاطمة عليها السلام ومعها إناء فيه ماء فغسل به وجهَه ، ولَحِقه أميرُالمؤمنين
عليه السلام وقد ُ خَضب الدمُ يدَه إلى كِتفه ، ومعه ذو الفقار فناوله فاطمة عليها
السلام وقال لها : «خذي هذا السيف فقد صَدَقني اليوم».
وأنشا يقول :
وقال رسول الله صلّى الله عليه واله : «خُذيه يا فاطمة ، فقد أدّى
بعلُك ما عليه ، وقد قتل اللّه بسيفه صَناديدَ قريش»(3).
وقد ذكر أهل السير(4) قتلى أُحُد من المشركين ، فكان جمهورهم
قتلى أمير المؤمنين عليه السلام .
فروى عبد المَلِك بن هِشام قال : حدَّثنا زياد بن عبدالله (5)، عن
وفي هامش «م» و «ح» : بلئيم .
وتوجّه العِتاب من اللّه تعالى إلى كافّتهم ، لهزيمتهم - يومئذ - سواه ومن
ثبت معه من رجال الأنصار، وكانوا ثمانية نفر وقيل : أربعة أو خمسة .
وفي قتله عليه السلام من قتل يوم أُحد، وغَنائه في الحرب ، وحسن
بلائه ، يقول الحَجّاج بن عِلاط السُلَميّ :
ولما توجّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إلى بني النَضير، عَمِل
على حصارهم ، فضرب قُبّته في أقصى بني حَطَمَة(3)من البطحاء.
فلما أقبل الليل رماه رجل من بني النضير بسهم فأصاب القُبّة،
فأمر النبي صلّى الله عليه وآله أن تحول قُبته إلى السفح (4)، وأحاط به
المهاجرون والأنصار .
فلما اختلط الظَلام فقدوا أميرَ المؤمنين علي بن أبي طالب عليه
السلام ، فقال الناس : يا رسول اللّه ، لا نرى علياً؟ فقال عليه وآله
السلام : «أراه في بعض ما يُصْلح شانكم» فلم يَلْبَث (5)أن جاء برأس
اليهودي الذي رَمى النبي صلّى اللّه عليه وآله ، وكان يقال له عُزورا(6)،
فطرحه بين يدي النبي عليه وآله السلام .
فقال له النبي صلّى اللّه عليه وآله : «كيف صنعتَ ؟» فقال : «إنّي
رأيتُ هذا الخبيث جَريئاً شجاعاً، فكمنتُ له وقلت ما أجرأه أن يخرُج إذا
اختلط الظَلام (1)، يطلُب منّا غِرّةً ، فاقبل مُصْلِتاً سيفَه في تسعة نفرمن
أصحابه اليهود، فشددتُ عليه فقتلته ، وأفلت أصحابهُ ، ولم يَبْرَحوا
قريبا(2)، فابعَثْ معي نفراً فإنّي أرجو أن أظفَرَ بهم».
فبعث رسولُ اللّه صلّى اللّه عليه وآله معه عشرة فيهم أبودُجانة
سِماك بن خَرْشَة، وسَهْل بن حُنَيف ، فأدركوهم قبل أن يَلِجوا(3)
الحصنَ ، فقتلوهم وجاؤوا برؤوسهم إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله فأمر
أن تُطْرَح في بعض آبار بني حَطَمة.
وكان ذلك سببَ فتح حُصون بني النضير.
وفي تلك الليلة قُتِل كَعْبُ بن الأشرف ، واصطفَى رسولُ اللّه صلّى
اللّه عليه وآله أموالَ بني النضير، فكانت أوّلَ صافيةٍ قَسَمها رسولُ اللّه
صلّىّ الله عليه واله بين المهاجرين الأولين.
وأمَّرَ علياً عليه السلام فحاز ما لرسول الله منها فجعله صدقةً،
فكان في يده أيامَ حياته ، ثمّ في يد أمير المؤمنين عليه السلام بعده ،
وهو في ولد فاطمة حتّى اليوم.
وفيما كان من أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الغَزاة، وقَتْله
وكانت غَزاة الأحزاب بعد بني النَضير.
وذلك أنّ جماعةً من اليهود منهم سلام بن أبي الحُقَيق النَضْري ،
وحُييّ بن أخطَب ، وكِنانة بن الربيع ، وهَوْذَة بن قَيْس الوالبي ، وأبو
عُمارة الوالبيّ (3)- في نفرمن بني والبة-خرجوا حتى قَدِموا مكة،
فصاروا إلى أبي سُفيان صَخْرِ بن حَرْب ، لعلمهم بعَداوته لرسول الله
صلّى الله عليه وآله وتسّرعه إلى قتاله ، فذكروا له ما نالهم منه وسألوه
المعونة لهم على قتاله.
فقال لهم أبوسُفيان : أنا لكم حيث تُحِبّون ، فاخرجُوا إلى قريش
فادعوهم (4) إلى حربه ، واضمَنوا النصرةَ لهم ، والثبوتَ معهم حتّى
فطافوا على وجوه قريش ، ودَعَوْهم إلى حرب النبي صلّى الله عليه
وآله وقالوا لهم : أيدينا مع أيديكم ونحن معكم حتى تستأصلوه (1)
فقالت قريش : يا مَعْشرَ اليهود، أنتم أهل الكتاب الأول والعلم
السابق ، وقدعَرَفتم الدين الذي جاء به محمّد وما نحن عليه من الدين ،
فديننا خيرٌ من دينه أم هو أولى بالحق منّا؟ فقالوا لهم : بل دينكم خير
من دينه ، فنَشِطَتْ قريش لما دَعَوْهم إليه من حرب رسول اللّه صلّى الله
عليه وآله.
وجاءهم أبوسفيان فقال لهم : قد مكّنكم الله من عدوّكم ، وهذه
يهود تُقاتله معكم ، ولن تَنْفَلّ (2)عنكم حتى يُؤتى على جميعها، أو
تستأصله ومن اتّبعه . فقَوِيت عزائمهُم - إذ ذاك - في حرب النبي صلّى الله
عليه واله.
ثمّ خرج اليهودُ حتى أتَوا غَطَفان وقَيْسَ عَيْلان ، فدعوهم إ لى
حرب رسول الله صلّى اللّه عليه واله وضَمِنوا لهم النصرةَ والمعونةَ،
وأخبروهم باتّباع قريشٍ لهم على ذلك ، فاجتمعوا معهم.
وخرجت قريش وقائدها - إذ ذاك - أبو سفيان صَخْر بن حَرْب ،
وخرجت غَطَفان وقائدُها عُيينةُ بن حصن في بني فَزارة، والحارثُ بن عَوْف
في بني مُرّة ، ووَبَرَةُ بن طُرَيْف في قومه من أشجَع ، واجتمعت قريشٌ
معهم.
فلما سمِع رسولُ الله صلّى اللّه عليه وآله باجتماع الأحزاب عليه ،
وقوّة عزيمتهم في حربه ، استشار أصحابه ، فأجمع رأيهم على المُقام
بالمدينة، وحرب القوم إن جاؤوا إليهم على أنقابها(1).
وأشار سلمان الفارسي - رحمه اللّه - على رسول الله صلّى اللّه عليه
وآله بالخَنْدَق ، فأمر بحَفْره وعَمِل فيه بنفسه ، وعَمِل فيه المسلمون.
وأقبلت الأحزابُ إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله فهال المسلمين
أمرُهم وارتاعوا من كثرتهم وجمعهم ، فنزلوا ناحيةً من الخَنْدق ، وأقاموا
بمكانهم بِضعاً وعشرين ليلة ثمّ لم يكن بينهم حرب إلاّ الرمي بالنَبْل
والحصار.
فلما رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ضعفَ قلوب أكثر المسلمين
من حصارهم لهم ووهنهم في حربهم ، بعث إلى عُيَيْنَة بن حِصْن
والحارث بن عَوْف - وهما قائدا غَطَفان - يدعوهم إلى صلحه والكفّ
عنه ، والرجوع بقومهما عن حربه ، على أن يُعطيهم ثلثَ ثِمار المدينة.
واستشار سعدَ بن مُعاذ وسعدَ بن عُبادة فيما بعث به إلى عُيَينة
والحارث ، فقالا : يا رسول الله ، إن كان هذا الأمر لا بُدّ لنا من العمل
به ، لأنّ الله أمَرَك فيه بما صنعتَ ، والوحيُ جاءك به ، فافعل ما بدا
لك ، وإن كنتَ تُحِبُّ أن تَصْنَعه لنا، كان لنا فيه رأي.
فقال عليه واله السلام : «لم يأتني وحيٌ به ، ولكنّي رأيتُ
العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وجاؤوكم من كلّ جانب ، فأردتُ
فقال سعدً بن مُعاذ : قد كنّا نحن وهؤلاء القوم على الشرك
بالله وعبادة الأوثان ، لا نعبدُ الله ولا نَعْرِفه ، ونحن لا نطعمهم من ثمرنا
إلاّ قِرىً أو بيعاً، والآن حين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك ،
نُعطيهم أموالنا؟ ما لنا إلى هذا من حاجة، واللّه لا نعطيهم إلآ السيف
حتّى يحكم الله بيننا وبينهم.
فقال رسولُ اللّه عليه واله : «الآن قد عرفتُ ما عندكم ، فكونوا
على ما أنتم عليه ، فإنّ اللّه تعالى لن يَخْذُل نبيّه ولن يُسْلِمه حتى يُنْجِز(1)
له ما وعده».
ثم قام رسول اللّه صلّى الله عليه وآله في المسلمين ، يدعوهم إلى
جهاد العدو(2)، ويُشَجّعهم ويَعِدهم النصر.
وانتدبَتْ فوارسُ من قريش للبراز، منهم : عَمرو بن عبدِ وَدّ بن
أبي قَيْس بن عامر بن لُؤَيّ بن غالب ، وعِكْرمة بن أبي جهل ، وهُبَيرة
ابن أبي وَهْب - المخزوميّان - وضِرار بن الخَطَّاب ، ومرداس الفِهْري ،
فلَبِسوا للقتال ثم خرجوا على خيلهم ، حتى مَرّوا بمنازل بني كِنانة
فقالوا: تهيؤوا- يا بني كِنانة- للحرب ، ثمّ أقبلوا تُعْنِق (3) بهم خيلُهم ،
حتى وَقَفوا على الخَندق.
فلما تأملوه قالوا : واللّه إنّ هذه مكيدةٌ ما كانت العرب تَكيدها.
وخرج أميرُ المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في نفرمعه
من المسلمين ، حتى أخَذوا عليهم الثغْرة التي اقتحموها، فتقدّم عَمرو
ابن عبدِ وَدّ الجماعةَ الذين خرجوا معه ، وقد أعْلَمَ ليرى مكانهُ.
فلما رأى المسلمين وَقَف هو والخيلُ التي معه وقال : هل من
مبارز؟ فبرز إليه أمير المؤمنين عليه السلام فقال له عمرو: اِرجع يا ابن
أخِ فما أحِبّ أن أقتلك.
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : «قد كنتَ - يا عمرو- عاهدتَ
اللّه ألاّ يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خَصْلتين (3)إلا اخترتَها منه» .
قال : أجَلْ ، فماذا ؟
قال : «فإني أدعوك إلى الله ورسوله والإسلام».
قال : لا حاجة لي بذلك.
قال : «فإني أدعوك إلى النزال».
فقال: ارجع فقد كان بيني وبين أبيك خلّة، وما أحبّ أن
أقتلك.
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : «لكنّني - والله -أحب أن أقْتُلك
ما دُمْتَ آبياً للحق».
فَحَمِيَ عمروعند ذلك ، وقال : أتَقْتُلني!؟ ونزل عن فرسه فعَقَره
وضرب وجهَه حتّى نَفَر، وأقبل على عليّ عليه السلام مُصْلِتاً سيفه ،
وبدره بالسيف فنشِب سيفهُ في تُرس علي ،وضربه أمير المؤمنين عليه
السلام ضربةً فقتله .
فلمّا رأى عِكرِمة بن أبي جهل وهُبَيْرة وضرار عَمراً صريعاً، ولّوا
بخَيْلهم منهزمين حتى اقتحمت (1) الخندق لا تَلْوِي (2) على شيء ، وانصرف
أمير المؤمنين عليه السلام إلى مَقامه الأوّل - وقد كادت نفوسُ القوم الذين
خرجوا معه إلى الخندق تَطيرجَزَعاً - وهويقول :
وقد روى محمّد بن عُمر الواقدي قال : حدَّثنا(1) عبدُالله بن
جعفر، عن ابن أبي عَوْن ، عن الزُهري قال : جاء عَمرو بن عبدِ وَدّ
وعِكرِمة بن أبي جَهْل وهُبَيرة بن أبي وَهْب ونَوْفَل بن عبدالله بن المُغيرة
وضِرار بن الخطّاب - في يوم الأحزاب - إلى الخندق فجعلوا يطوفون به
يطلُبون مَضيقاً منه فيعبرون ، حتّى انتهوا إلى مكان أكْرَهوا خيولَهم فيه
فَعبَرتْ ، وجعلوا (يجولون بخيلهم ) فيما بين الخندق وسَلْع ،
والمسلمون وُقوفٌ لايُقْدِم واحدٌ منهم عليهم ، وجعل عمرَو بن عَبدِ وَدّ
يدعو إلى البَراز و(يُعَرِّض بالمسلمين ) (2) ويقول :
في كلّ ذلك يَقوُم عليّ بن أبي طالب من بينهم ليبارزه (3) فيأمُره
رسول الله صلّى الله عليه واله بالجلوس انتظاراً منه ليتحرّك (4) غيرهُ ،
والمسلمون كأنّ على رؤوسهم الطَير، لمكان عمرو بن عبدِ وَدّ والخوف
منه وممّن معه ووراءه.
فلمّا طال نداءُ عمرو بالبراز، وتتابع قيامُ أمير المؤمنين عليه السلام
قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله : «أدنُ مني يا عليّ» فدنا منه ، فنَزَع
فلمّا انتهى أمير المؤمنين عليه السلام إليه قال له : «يا عمرو، إنّك
كنتَ في الجاهلية تقول : لا يدعوني أحدٌ إلى ثلاث إلاّ قَبِلتُها أو واحدةَ
منها».
قال : أجل .
قال : «فإني أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول اللّه
وأنْ تُسلِمَ لربّ العالمين» .
قال : يا ابن أخ أخّر هذه عنّي.
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : «أما إنّها خير لك لو
أخذ تَها» .
ثمّ قال : «فها هنا أخرى» .
قال : ما هي ؟
قال : «تَرْجِع من حيث جئتَ».
قال : لا ُتحدث نساءُ قريش بهذا أبداً.
قال : «فها هنا أخرى» .
قال : ما هي ؟
قال : «تَنزلُ فتقاتلني» .
فضَحِك عمرو وقال : إنّ هذه الخَصلة ما كنتُ أظُنُ أنّ أحداً
من العرب يَرومني عليها، وإنّي لأكره أن أقتُلَ الرجلَ الكريم مثلك ،
وقد كان أبوك لي نديماً .
قال علي عليه السلام : «لكنّني احبّ أن أقتلك ، فانزل إن
شئت».
فأسِف (1) عمرو ونزل فضرب وجهَ فرسه (حتى رجع )(2).
فقال جابر بن عبداللّه رحمه اللّه : وثارت بينهما قَتَرة، فما رأيتُهما
وسمعتُ التكبيرتحتها، فعَلِمتُ أن عليّاً عليه السلام قد قتله ، وانكشف
أصحابُه حتى طَفَرت خيولهُم الخندقَ ، وتبادر المسلمون حين سَمِعوا
التكبيرَ ينظُرون ما صنع القوم ، فوجدوا نَوْفَلَ بن عبدالله في جوف
الخندق لم يَنْهضْ به فرسُه ، فجعلوا يَرْمُونه بالحجارة، فقال لهم : قِتْلَةٌ
أجملُ من هذه ، يَنزِل بعضُكم اُقاتله ، فنزل إليه أمير المؤمنين عليه
السلام فضربه حتى قتله ، ولَحِق هُبَيرةَ فأعجزه فضرب قَربوسَ سَرْجه
وسَقَطَتْ درعٌ كانت عليه ، وفَرّ عِكرِمةُ، وهرب ضِرارُ بن الخطّاب .
فقال جابر: فما شَبَّهْتُ قتلَ علي عمراً إلاّ بما قَصّ اللّه تعالى من
قصّة داود وجالوت ، حيث يقول : (فَهَزَمُوهُمْ بِاِذْنِ أللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ
جَالُوتَ)(3) (4).