أخبرني أبو عبيدالله قال : حدَّثني (أحمدُ بن عيسى الكرخي) (1) قال :
حدَّثنا أبو العَيْناء محمّد بن القاسم قاّل : حدَّثنا (محمّد بن عائشة) (2) ،عن
إسماعيل بن عمرو البَجَلي قال : حدَّثني عُمَر بن موسى ، عن زيد بن
علي بن الحسين ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن علي عليه السلام ، قال :
«شكوتُ إلى رسول الله صلّى اللّه عليه واله حَسَد الناس إيّاي ، فقال : يا
عليّ ، إنّ اوّلَ أربعةٍ يدخُلون الجنةَ : أنا وأنت والحسن والحسين ، وذُرّيّتنا
خَلْف ظهورنا ، وأحبّاؤنا خَلْفَ ذُرّيّتنا ، وأشياعُنا عن أيماننا وشمائلنا» (3) .
أخبرني أبو الجَيْش المُظَفّر بن محمّد البَلْخي قال : حدَّثنا(4)أبوبكر
محمّد بن أحمد بن أبي الثَلْج قال : حدَّثنا جعفرُ بن محمّد العَلَوي قال :
أخبرني أبو إلجيش المظفر بن محمد، عن محمد بن أحمد بن أبي
الثلج قال : حدثنا (محمد بن سلم الكوفي )(2) ، قال : حدثنا عبيداللّه (3) بن
كثير قال : حدثنا جعفر بن محمد بن الحسين الزُهْري قال : حدثنا عبيداللّه
ابن موسى ، عن إسرائيل (4) ، عن أبي خصَين ، عن عِكرِمة، عن ابن
عباس : إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال : «إذا كان يوم القيامة يدعى (5)
الناس كلّهم باسماء أمهاتهم ، ما خلا شيعتنا فإنهم يدعون باسماء آبائهم
لطيب مواليدهم»(6) .
اخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد القمي قال : حدَّثنا أبوعلي محمد
ابن هَمّام بن سُهَيْل الأسكافي (1) قال : حدثني جعفر بن محمد بن مالك
قال : حدَّثنا محمد بن نعمة السلولي قال : حدثنا عبداللة بن القاسم ، عن
عبداللّه بن جَبَلة، عن أبيه قال : سمعت جابر بن عبدالله بن حرام
الأنصاري يقول : كنّا عند رسول اللّه صلّى الله عليه وآله ذات يوم - جماعة
من الأنصار- فقال لنا : «يا معشر(2) الأنصار، بوروا(3) أولادكم بحبّ علي
ابن أبي طالب ، فمن أحبه فاعلموا أنّه لِرَشْدة(4) ومن أبغضه فاعلموا أنّه
لغَيّة(5)»(6) .
أخبرني أبو الجيش المظفر بن محمد البلخي قال : أخبرنا (7) أبو بكر
محمد بن أحمد بن أبي الثلج (8) قال : أخبرني الحسين بن أيوب ، عن محمد
=
أخبرَني أبو الجيش المًظَفَّر بن محمّد ، عن محمّد بن أحمد بن أبي الثَلْج
قال : حدَّثني جدّي قال : حدَّثنا عبداللّه بن داهر قال: حدَّثني أبي داهر بن
يحيى الأحمري المُقْرئ ،عن الأعْمَش ، عن عَبايَة الأسْدي (1) ، عن ابن
عبّاس أنّ النبي صلّىَ الله عليه واله قال لاُمّ سلمة رضِي اللّه عنها:
«إسمَعي وأشْهَدي ، هذا عليّ أمير المؤمنين وسيُد الوصيين(2)»(3) .
وبهذا الإسناد عن محمد بن أبي الثلج قال : حدَّثني جدّي قال : حدَّثنا
عبد السلام بن صالح قال : حدَّثني يحيى بن اليَمان قال : حدَّثني سُفيان
الثَوري ، عن أبي الجَحّاف ، عن معاوية بن ثَعْلَبَة قال: قيل لأبي ذَرٍّ رضي
اللّه عنه : أوْص ، قال : قد أوصيتُ ، قيل : إلى من ؟ قال : إلى أمير
المؤمنين ، قيل : عثمان ؟ قال : لا، ولكن إلى أمير المؤمنين حَقِّاً أميرِ المؤمنين علي
ابن أبي طالب ، إنّه لَزِرّ(4) الأرض ، ورَبّانيّ (5) هذه الأمّة ، لو قد فقدتموه
=
330 / 66 .
وحديث بًرَيْدَة بن الحُصَيب الأسلَمي - وهو مشهور معروف بين
العلماء ، بأسانيد يطول شرحها - قال : إنّ رسول اللّه صلّى الله عليه واله
أمّرني سابعَ سبعة، فيهم أبو بكر وعُمَر وطًلْحَة والزُبَير، فقال : «سلّموا على
عليّ بإمْرَة المؤمنين» فسلّمنا عليه بذلك ، ورسولُ اللّه صلّى اللّه عليه وآله
حيّ بين أظهرنا(2) .
في أمثال هذه الأخبار يطول بها الكتاب .
فأمّا مناقبه الغنيّةُ- بشهرتها، وتواتُر النقل بها، وإجماع العلماء
عليها - عن إيراد أسانيد الأخبار بها، فهي كثيرةٌ يطولُ بشرحها(3)
الكتاب ، وفي رَسْمِنا منها طرفاً كفاية عن إيراد جميعها في الغرض الذي
وضعنا له الكتاب ، ان شاء اللّه .
فمن ذلك : أنّ النبي صلّى اللّه عليه واله جَمَعَ خاصّةَ أهله وعشيرته ،
في ابتداء الدعوة الى الاسلام ، فعَرَضَ عليهم الإيمان ، واستنصرهم على
أهل الكفر والعُدوان ، وضَمِنَ لهم على ذلك الحُظْوةَ في الدنيا، والشرفَ
وذلك في حديث الدار، الذي أجمع على صحّته نُقّاد الآثار، حين
جَمَعَ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بني عبد المطّلب في دارأبي طالب ، وهم
أربعون رجلاً - يومئذ - يَزيدون رجلاً أو يَنْقصُون رجلاً - فيما ذكره الرُواة-
وأمر أن يُصْنَع لهم فَخِذُ شاةٍ مع مُدّمن البُرّ، ويُعَدَّ لهم صاعٌ من اللبن ،
وقد كان الرجل منهم معروفاً باكل الجَذَعَة في مقام (1) واحد، ويَشرب
الفَرق (2) من الشراب في ذلك المَقام ، وأراد عليه السلام بإعداد قليل
الطعام والشراب لجماعتهم إظهارَ الآية لهم في شِبعِهم وريّهم ممّا كان لا
يُشْبِع الواحدَ منهم ولا يًروِيْه .
ثمّ أمر بتقديمه لهم ، فأكَلَت الجماعةُ كلها من ذلك اليسيرحتّى
تملّؤوا منه ، فلم يَبِن ما أكَلُوه منه وشرَبوه فيه ، فبَهَرَهم بذلك ، وبَيّنً لهم
اية نُبوّته ، وعلامةَ صدقه ببرهان اللّه تعالى فيه .
ثمّ قال لهم بعد أن شَبِعوا من الطعام ورَوُوْا من الشراب : «يا بني
عبد المطّلب ، إنّ اللّه بعثني إلى إلخلق كافة، وبعثني إليكم خاصة،
فقال عزّ وجلّ : (واَنذرْ عَشِيرَتكَ الأقْرَبينَ ) (3)وأنا أدعوكم إلى كلِمتين
خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان ، تَمْلِكون بهما العَرَب والعَجَم ،
فقال أمير المؤمنين عليه السلام : «فقمتُ بين يديه من بينهم - وأنا
إذ ذاك أصغرُهم سنّاً ، وأحمَشُهم (1) ساقاً ، وأرمَصُهم (2) عيناً - فقلتُ : أنا
- يا رسول اللّه - أؤازرُك على هذا الأمر. فقال : اجْلِسْ ، ثم أعاد القول
على القوم ثانيةً فاُصْمِتوا، وقمتُ فقلتُ مثلَ مقالتي الأولى، فقال :
اجْلِسْ . ثمّ أعاد على القوم مقالَتَه ثالثةً فلم يَنْطِقْ أحدٌ منهم بحرفٍ ،
فقلتُ : أنا أؤازرك - يا رسولَ اللّه ـ على هذا الأمر، فقال : اجْلِس، فانت
أخي ووصّي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي» .
فنهض القوم وهم يقولون لأبي طالب : يا أبا طالب ، لِيَهْنِك (3)
اليوم إن دَخَلْتَ في دين ابن أخيك ، فقد جَعَل ابْنَك أميراً عليك(4) .
وهذه منقبة جليلة اختَصّ بها أميرُ المؤمنين عليه السلام ولم يَشْرَكْه
ومن ذلك أن النبيّ عليه السلام لما أًمِرَ بالهجرة - عند اجتماع الملأ
من قريش على قتله ، فلم يتمكن عليه السلام من مُظاهَرَتهم - بالخروج
من (2) مكّة ، وأراد الأستسرارَ بذلك وتعميةَ خبره عنهم ، لِيَتِمَّ له الخروجُ
على السلامة منهم ، ألقى خبرَه إلى أمير المؤمنين عليه السلام واستكتمه إيّاه ،
وكَلَّفه الدفاعَ عنه بالمبيت على فراشه من حيث لا يعلمون أنّه هو البائت على
الفِراش ، وبَظُنّون أنّه النبيّ صلّىالله عليه وآله بائتاً(3) على حاله التي كان
يكون عليها فيما سلف من الليالي .
فوَهَب أميرُ المؤمنين عليه السلام نفسَه للّه وشراها من الله في
طاعته ، وبَذَلها دونَ نبيّه عليه وآله السلام ليَنْجُوَ به من كيد الأعداء،
وتَتِمً له بذلك السلامةُ والبقاءُ، وينتظم له به الغرضُ في الدعاء إلى الملّة
وإقامة الدين واظهار الشريعة . فبات عليه السلام على فِراش رسول اللّه
صلّى اللّه عليه واله مستتراً(1) بازاره ، وجاءه القومُ الذين تمالَؤُوا (2) على قتله
فأحْدَقُوا به وعليهم السِلاح ، يرصدُون طلوعَ الفجر لِيَقْتُلوه ظاهراً ،
فيذهَبَ دمُه فِرغاً(3) بمشاهدة بني هاشم قاتليه من جميع القبائل ، ولا يَتِمّ
لهم الأخذُ بثاره منهم ، لا شتراك الجماعة في دمه ، وقعودِ كل قبيل عن
قتال رَهْطه ومباينة أهله .
فكان ذلك سببَ نجاة رسول الله صلّى اللّه عليه واله وحفظِ
دمه ، وبقائهِ حتى صدع بأمر ربه ، ولولا أميرُ المؤمنين عليه السلام وما فعلّه
من ذلك ، لما تَمَّ لنبيّ اللّه صلّى اللّه عليه واله التبليغُ والأداء ، ولا استدام له
العمرُ والبقاء ، ولظَفَرَ به الحَسَدةُ والأعداء .
فلمّا أصبح القومُ وأرادوا الفَتْكَ به عليه السلام ثار إليهم ، فتفرّقوا
عنه حين عَرَفوه ، وانصرفواعنه وقد ضلّت حِيَلهم (4) في النبي صلى اللّه
عليه وآله ،وانتقض ما بَنَوه من التدبيرفي قتله ، وخابت ظُنونهم ، وبَطَلتْ
آمالهم ، فكان بذلك انتظامُ الإيمان ، وإرغامُ الشيطان ، وخِذلانُ أهل
الكفر والعُدوان .
ولم يَشْرك أميرَ المؤمنين عليه السلام في هذه المنقبة أحدٌ من أهل
الإسلام ، ولا اختصَّ بنظير لها على حال ، ولا مقاربِ لها في الفَضْل
بصحيح الأعتبار.
وفي أمير المؤمنين عليه السلام ومبيته على الفِراش ، أنزل اللّه تعالى
(وَمِنَ ألنّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّه وَاللّه رَؤوفٌ
بِالْعِبَادِ)(1 و 2) .
ومن ذلك أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله كان أمينَ قريش على
وَدائعهم ، فلمّا فجأه من الكفّار ما أحْوَجَه الى الهَرب من مكّة بغتةً ، لم
يَجِد في قومه وأهله مَنْ يأتَمِنهُ على ما كان مؤتمناً عليه سوى أمير المؤمنين
عليه السلام فاستخلفه في ردّ الودائع إلى أربابها، وقضاءِ ما عليه من دَيْن
لمستحقّيه ، وجَمْع بَناته ونساء أهله وأزواجه والهِجرة بهم إليه ، ولم يَرَ أنّ
أحداً يَقوم مقامه في ذلك من كافّة النَاس ، فوَثق بامانته ، وعَوّلَ على
نجْدته وشَجاعته ، واعتمد في الدفاع عن أهله وحامَّته على بأْسه
وقدرته ، واطمأن إلى ثقته على أهله وحُرَمه ، وعَرَفَ من ورعه وعصمته
فقام عليه السلام به أحسنَ القيام ، وردّ كلَّ وديعة إلى أهلها،
وأعطى كلَّ ذي حقّ حقّه ، وحَفظَ بناتِ نبيّه عليه السلام واله وحُرمه ،
وهاجر بهم ماشياً على قَدَمِه (2)، يَحوُطُهم من الأعداء، ،يكْلَؤُهم (3) من
الخُصَماء، ويَرفق بهم في المسير حتى أوردهم عليه المدينة، على أتمّ
صيانة وحَراسة ورِفْق ورَأفة وحسن تدبير، فأنزله النبي صلّى الله عليه وآله
عند وروده المدينةَ دارَه ، وأحلّه قرارَه ، وخَلَطَه بحرُمَه وأولاده ، ولم يُميّزه من
خاصّة نفسه ، ولا احتشمه في باطن أمره وسرّه.
وهذه منقبة تَوَحّد بها عليه السلام من كافّة أهل بيته وأصحابه ،
ولم يَشْركه فيها أحدٌ من أتباعه وأشياعه ، ولم يحصُل لغيره من الخلق
فضلٌ سواها يُعادلها عند السَبْر ، ولا يُقاربها على الأمتحان ، وهذه (4)
مُضافَةٌ إلى ما قدّمناه من مناقبه ، الباهرِ فضْلُها القاهرِ شرفُها قلوبَ
العقلاء(5).
ومن ذلك أنّ اللّه تعالى خصّه بتلافي فارِطِ من خالَفَ نبيَّه صلّى اللّه
=
ألا ترى أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله أنفذ خالد بن الوَليد إلى بني جُذيمَة
داعياً لهم إلى الإسلام ، ولم ينفْذه مُحارِباً ، فخالف أمرَه صلّى ّ الله عليه
واله ونَبَذَ عَهْدَه ، وعاند دينَه ، فقتل القومَ وهم على الإسلام ، وأخْفَرَ ذمّتهم
وهم أهلُ الإيمان ، وعَمِلَ في ذلك على حَمِيّة الجاهليّة وطريقةِ أهل الكفر
والعدوان، فشانَ فعالُه الإسلامَ ، ونَفَّرَ به عن نبيّه عليه وآله السلام من
كان يدعوه إلى الإيمان ، وكاد أن يَبْطلَ بفعله نظام التدبير في الدين .
ففَزِعَ رسولُ اللّه صلّى الله عليه وآله في تلافي فارطه ، وإصلاحِ ما
أفسده ، ودفعِ المَعَرّة عن شَرْعِه بذلك إلى أمير المؤمنين عليه السلام
فانفذه لعَطْف القوم وسَلِّ سخائمهم والرِفْق بهم ، في تثبيتهم على
الإيمان ، وأمَرَه أن يَدِيَ القتلى ، ويرضي بذلك أولياءَ دمائهم الأحياءَ .
فبَلَغ أميرُ المؤمنين عليه السلام من ذلك مبلغَ الرضا، وزاد على
الواجب بما تبرّع به عليهم من عَطِيّة ما كان بقي في يده من الأموال ،
وقال لهم : «قد اَدّيتُ (1) ديات القَتْلى ، وأعطيتُكم بعدَ ذلك من المال ما
تعودون به على مُخَلّفيهم (2) ليرضى اللّه عن رسوله صلّى اللّه عليه واله
وترضَوْن بفضله عليكم» وأظهر رسولُ الله صلّى اللّه عليه وآله بالمدينة ما
=
اصحابها وقضاء ما كان عليه من دين : طبقات ابن سعد 3 : 22 ، تاريخ مدينة دمشق 1 : 154 - 155 ، اُسد الغابة 4 : 19 .
وهذه منقبة يزيد شرفها على كلّ فضل يُدَّعى لغير أمير المؤمنين
عليه السلام ـ حقّاً كان ذلك أم باطلاً - وهي خاصة لأمير المؤمنين عليه
السلام لم يَشْركه فيها أحدٌ منهم ، ولا حَصَلَ لغيره عِدْلٌ لها من
الأعمال (1) .
ومن ذلك أنّ النبي صلّى الله عليه وآله لما أراد فتحَ مكّة ، سأل الله - جلّ
اسمه - أن يعَمِّيَ أخبارَه على قريش ليَدْخُلَها بغتةً ، وكان عليه وآله السلام
قد بنى الأمرَ في مسيره إليها على الأستسرار بذلك ، فكتب حاطِب بن أبي
بلتعة إلى أهل مَكّة يُخبِرهم بعزيمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله على
فتحها، وأعطَى الكتابَ امرأةً سَوْداء(2) كانت وَرَدت المدينةَ تستميح بها
فنزل الوحيُ على رسول الله صلى اللّه عليه وآله بذلك ، فاستدعى
أميرَ المؤمنين عليه السلام وقال له : «إنّ بعضَ أصحابي قد كتَبَ إلى أهل
مكّة يخُبرهم بخَبَرنا، وقد كنتُ سألتُ الله أن يُعَمِّيَ أخبارَنا عليهم ،
والكتابُ مع امرأةٍ سودْاء قد أخَذَتْ على غير الطريق ، فَخُذْ سيفَك
والحَقْها وانتزِعِ الكتابَ منها وخَلّها وصرْ به إليّ» ثمّ استدعى الزبير بن
العَوّام فقال له : «امض مع عليّ بن أبي طالب ، في هذه الوجه» فمضيا وأخذا
على غير الطريق فأدْركا المرأةَ، فسَبَق إليها الزُبيرُ فسألها عن الكتاب
الذي معها، فأنكرتْه وحَلَفَتْ أنّه لا شيءَ معها وبكت ، فقال الزُبير: ما
أرى- يا أبا الحسن - معها كتاباً ، فارجع بنا إلى رسول الله صلّى اللّه عليه
وآله لنخْبِره ببراءة ساحتها.
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : «يُخْبِرُني رسولُ الله صلّى اللّه
عليه وآله أنّ معها كتاباً ويأمُرُني بأخذه منها، وتقول أنت أنَّه لا كتاب
معها» ثمّ اخترط السيفَ وتَقَدَّمَ إليها فقال : «أما واللّه لئن لم تُخْرِجِي
الكتابَ لأكْشِفَنّك ، ثمّ لأَضرِبَنَّ عُنُقَك» فقالت له : إذا كان لا بُدَّ من
ذلك فاعْرِضْ يا ابنَ أبي طالب بوجهِك عنّي ، فاعْرَض عليه السلام
بوجهه عنها فكشفَتْ قِناعَها ، وأخرجت الكتاب من عَقِيصَتها(2).
فاخذه أميرالمؤمنين عليه السلام وصار به إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه
فقال عمر بن الخَطّاب : يا رسولَ اللّه مُرني بقتله فإنّه قد نافق .
فقال النبيّ صلّى اللّه عليه واله : «إنّه من أهل بدر، ولعلّ اللّه تعالى
اطّلع عليهم فغفرلهم . أخرِجُوه من المسجد».
قال : فجعل الناس يَدْفَعون في ظَهْره حتّى أخرجوه ، وهو
يَلتفِت (2) إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله ليرقّ عليه (3)، فامرالنبي صلّى اللّه عليه
وهذه المنقبة لاحقة بما سلف من مناقبه عليه السلام وفيها أنّ به
عليه السلام تَمَّ لرسول الله صلّى الله عليه وآله التدبيرُ في دخول مَكّة ،
وكُفِيَ مؤونة القوم وما كان يَكْرَهُهُ من معرفتهم بقَصْده إليهم حتى فجأهم
بَغْتةً ، ولم يَثِق في استخراج الكتاب من المرأة إلا بأميرالمؤمنين عليه السلام
ولا استنصح في ذلك سواه ، ولا عَوَّل على غيره ، فكان به عليه السلام
كفايتُه المهمّ ، وبلوغهُ المرادَ ، وانتظامُ تدبيره ، وصلاحُ أمر المسلمين ، وظهورُ
الدين .
ولم يكن في إنفاذ الزُبَير مع أمير المؤمنين عليه السلام فضل يُعْتدّ به ، لأنّه
لم يَكْفِ مهمّاً ، ولا أغنى بمُضيّه شيئاً، وإنمّا أنفذه رسول الله صلّى اللّه
عليه واله لأنّه في عِداد بني هاشم من جهة اُمّه صَفِيّة بنتِ عبد المطّلب ،
فأراد عليه السلام أن يَتَولّى العملَ ـ بما استسرّ به من تدبيره - خاص أهله ،
وكانت للزبير شَجاعةٌ وفيه إقدام ، مع النسب الذي بينه وبين أمير
المؤمنين عليه السلام فعَلِم أنّه يُساعده على ما بعثه له ، إذْ كان تمامُ
وفيما شرحناه من هذه القصّة بيانُ اختصاص أمير المؤمنين عليه
السلام من المنقبة والفضيلة بما لم يَشْرَكه فيه غيرُه ، ولا داناه سواه بفضل
يُقارِبُه فضلاً عن أن يُكافِئه ، والله المحمود.
ومن ذلك أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أعطَى الرايةَ (في يوم )(2) الفَتْح
سَعْدَ بنَ عُبادة ، وأمره أن يدْخُلَ بها مكّة أمامه ، فاخذها سعد وجعل يقول :
فقال بعضُ القوم للنبي صلّى اللّه عليه وآله : أما تَسْمَع ما يقول
سعدُ بن عُبادة ؟ واللّه إنّا نخاف أن يَكُون له اليوم صولة في قريش . فقال
عليه وآله السلام لأمير المؤمنين عليه السلام :«أدْرِكْ - يا علي - سَعْداً وخُذ
الرايةَ منه ، فكُنْ أنت الذي تَدْخُلُ بها» .
فاستدرك رسولُ الله صلّى الله عليه وآله بأمير المؤمنين صلوات اللّه
عليه ما كاد يَفوت من صواب التدبير، بتهجّم سعد وإقدامه على أهل
مكة، وعَلِمَ أن الأنصارَ لا تَرضى أن يَأخُذَ أحدٌ من الناس من سيدها
سعدٍ الراية، ويَعْزلَه عن ذلك اَلمقام ، إلاّ مَنْ كان في مثل حال النبيّ صلّى
الله عليه وآله من جَلالة القدر، ورفيع المكان ، وفَرْضِ الطاعة ، ومن لا
يَشيِنُ سَعْدَاَّ الأنصراف به عن تلك الولاية.
ولوكان بحَضرة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله من يَصْلَحُ لذلك سوى
أمير المؤمنين عليه السلام لعَدَلَ بالأمر إليه ، وكان مذكوراً هناك
بالصَلاح لمثل ما قام به أميرُ المؤمنين عليه السلام ، وإذا كانت الأحكامُ إنّما
تجب بالأفعالِ الواقعة ، وكان ما فعله النبيُ صلّى اللّه عليه واله بأمير
المؤمنين عليه السلام من التعظيم والإجلال ، والتأهيل لمِا أهَّلَه له من
إصلاح الأُمور، واستدراكِ ما كان يَفوُت بعمل غيره على ما ذكرناه ،
وجب القضاءُ في هذه المنقبة بما يَبينُ بها ممّن سواه ، ويَفْضُلُ بشرفها على
كافّة من عداه (1).
ومن ذلك ما أجمع عليه أهلُ السير(2):أنّ النبيَ صلّى اللّه عليه وآله
قال البراء : فكنتُ فيمن عَقَّبَ معه ، فلمّا انتهينا إلى أوائل أهل اليمن ، بَلَغَ
القوم الخبرُفتجمّعوا له ، فصلّى بنا عليُّ بن أبي طالب عليه السلام الفجرَ
ثمّ تقدّم بين أيدينا، فحَمِد اللّه وأثنى عليه ، ثمّ قرأ على القوم كتابَ
رسولِ اللّه صلّى اللّه عليه وآله فأسلمت هَمْدان كلُّها في يومٍ واحد،
(وكتب بذلك أمير المؤمنين عليه السلام إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه
وآله )(2) فلمّا قَرَأ كتابَه استبشر وابتهج ، وخَرَّ ساجداً شكراً للّه عزّ وجلّ
ثمّ رَفَعَ رأسَه فجلس وقال : «السلامُ على هَمْدان السلام على هَمْدان»
وتتابع بعد إسلام هَمْدان أهلُ اليمن على الإسلام(3).
وهذه أيضاً منقبة لأميرالمؤمنين عليه السلام ليس لأحد من الصحابة
مثلها ولا مقاربُها، وذلك أنّه لمّا وَقَفَ الأمر فيما بُعِث له خالد وخيف
الفسادُ به ، لم يوُجَدْ من يَتَلافى ذلك سوى أمير المؤمنين عليه السلام
فَنُدِبَ له فقام به أحسنُ قيام ، وجرَى على عادة اللّه عنده في التوفيق لما