فالعَجبُ من مُعاوية بنِ أبي سفيانَ ! يُنازعني الخلافةَ، ويجحدُني
الإمامةَ، ويَزعمُ أنّه أحقُّ بها منّي ، جرأةً منه على اللّهِ وعلى رسولهِ ،
بغيرِحقٍّ له فيها ولا حجّةٍ ، لم يبايعْه عليها المهاجرونَ ، ولا سلّمَ له
الأنصار والمسلمونَ .
يا معشرَ المهاجرينَ والأنصارِ، وجماعة من سَمعَ كلامي ، أما
أوجبتُم لي على أنفسِكمُ الطّاعةَ ، أما بايعتُموني على الرّغبةِ ، أما أخذتُ
عليكمُ العهدَ بالقبولِ لقولي ، أما كانتْ بَيعتي لكم يومئذٍ أوكدَ من بيعةِ
أبي بكرٍ وعُمَر فما بالُ من خالفني لم يَنقُضْ عليهما حتّى مَضَيا، ونَقَضَ
عَليَّ ولم يَفِ لي !؟ أما يَجبُ عليكم نصحي ويَلزمُكم أمري ؟ أما
فما بالُ مُعاويةَ وأصحابِه طاعِنينَ في بَيعتي ؟ ولِمَ لَمْ يَفُوا بها لي
وأنا في قَرابتي وسابقتي وصِهري أولى بالأمرِ ممّن تَقدَّمَني ؟ أما سَمِعْتم
قولَ رسول اللّهِ صَلّى اللّهُ عليهِ وآلهِ يومَ الغديرِ في وِلايتي ومُوالاتي !؟
فاتَّقوا اللّهَ - أَيّها المسلمونَ - وتَحاثُّوا على جهادِ مُعاويةَ القاسِطِ النّاكِثِ
وأصحابِه القاسِطينَ .
اسمعوا ما أتلو عليكم من كتاب اللهِ المنُزَل على نبيِّه المرُسَل
لِتَتَعِظوا، فإِنّه والله عظة لكم ، فانتفِعوَا بمَواعظِ اللّهِ ، وازدجِروا عن
مَعاصي اللهِ ، فقد وَعَظَكمُ الله بغيركِم فقالَ لنبيِّه صلّى اللهُ عليهِ والهِ
(المْ تَرَ إِلَى اْلمَلأ مِنْ بَنيْ إِسْرَائيْلَ مِنْ بَعْدِ مُوسًى إِذْ قَالوا لِنَبِيٍّ لَهُم
ابْعَثْ لَنَا مَلِكَاً نُقَاتِلْ في سَبيْل اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمً
الْقِتَال ألاّ تُقَاتِلوُا قَالوُاوَمَا لًنَا ألاَّ نُقَاتِلَ فِيْ سَبيْلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ
دِيَارِنَا وَابنَائِنَا فَلَمّاَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوا إلاّ قَلِيْلاً مِنْهُمِْ وَاللّهَ عَلِيْمٌ
بالظَّالمِيْنَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهمْ اِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوْتَ مَلِكَاَ قَالُوْا أنّى
يًكُوْنُ لَهُ اْلمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أحَقُّ باْلمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ
الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادًهُ بَسْطَةً في الْعِلْم وَالْجسْمِ وَاللّهُ
يُؤْتِيْ مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيْمٌ )(1).
أيُّها النَّاس ، إِنّ لكم في هذهِ الآياتِ عِبرةً ، لِتَعلموا أنّ اللّهَ تعالى
جَعلَ الخِلافةَ والإمرةَ من بعدِ الأنبياءِ في أعقابهم ، وأنه فَضَّلَ طَالُوتَ
اتَّقوا الله - عبادَ اللّهِ - وتَحاثُّوا على الجهادِ معَ إِمامِكم ، فلو كانَ لي منكم
عِصابةٌ بعددِ أهلِ بَدْرٍ ، إِذا أمرتُهم أطاعوني ، وِاذا استنهضتُهم نَهَضوا معي ،
لاستغنيتُ بهم عن كثيرٍ منكم ، وأسرعتُ النهوضَ إِلى حربِ مُعاويةَ وأصحابِه
فإنّه الجهادُ المفروضُ»(4).
«الحمدُ للّهِ ، قديماً وحديثاً ما عاداني الفاسقونَ فعاداهُمُ اللّهُ ، أَلم
تَعجَبوا، إِنّ هذا لَهو الخَطْبُ الجَليلُ ، انّ فُسَّاقاً غيرَ مَرضِيَينَ ، وعَنِ
الإسلام وأهلِه مُنحرِفينَ (1)، خَدَعوا بعضَ هذهِ الأمّةِ، وأَشْرِبوا قُلوبهم
حُبَّ الفِتنةِ، واستمالوا أهواءهم بالإفكِ والبُهتانِ (2)،قد نَصَبوا لنا
الحربَ ،وهَبُّوا(3) في إِطفاءِ نُورِ اللّهِ ، والله مُتمّ نوره ولوكَرِهَ الكافِرونَ .
اللّهمَّ فإنْ رَدُّوا الحقَّ فاقْصُصْ (4) جَذْمَتهم ْ(5)، وشَتِّتْ كلمتَهم ،
وأبسِلْهم (6) بخطاياهُم ، فإِنّه لا يَذِلُّ من واليتَ ، ولا يَعِزُّمن عاديتَ»(7).
«عبادَ الله ، اتَّقوا الله ، وغُضُّوا الأبصارَ، واخْفِضوا الأَصواتَ ،
وأَقِلُّوا الكلامَ ، ووَطِّنوا أَنفسَكم على المُنازَلةِ والمُجاوَلةِ والمُبارَزة والمُبالَطةِ»(1)
والمُبالَدةِ (2) والمُعانَقةِ والمُكادمة (3) ، واثبتُوا ، واذكُروا الله كثيراً لعلَّكم
تُفلِحونَ ، ولا تَنازَعُوا فتَفشَلوا وتَذهبَ رِيْحُكُم واصبروا إِنَّ الله معَ
الصّابِرينَ . اللّهمَّ ألهمْهُمُ الصَّبرَ، وأنزلْ عَليهمُ النَّصْرَ،َ وأعْظِمْ لَهُمُ
ا لأجْرَ»(4).ََ
«معشرَ المسلمينَ إِنّ اللهَ قد دَلَّكم على تجارةٍ تنُجِيْكم من عذابِ
أليمٍ ، وتُشْفي بكم على الخيرِ العظيمِ ، الإيمان باللهِ ورسولِ صلّى اللهَ
رَحِمَ اللّهُ امرَءاً منكم آسى أخاهُ بنفسِه ، ولمِ يَكِلْ قِرْنَه إِلى أخيهِ
فيجتمعَ عليهِ قِرْنُه وقِرْنُ أخيهِ ، فيَكتسِبَ بذلكَ لائمةَ وياتيَ به دَناءةً، فلا
تَعَرَّضُوا لِمَقْتِ اللّهِ ، ولا تَفِرُّوا مِنَ الموتِ فإنّ اللّهَ تعالى يَقولُ : (قُلْ لَنْ
يَنْفَعكُمُ الْفِرَارُإِنْ فَرَرتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أوِالْقَتْلِ وَإِذا لا تُمتّعون إِلاَّ قَلِيْلاً)(2) . وايمُ
اللّهِ لَئنْ فَرَرْتُم من سَيفِ العاجِلةِ لا تَسلَموا من سَيفِ الآخِرةِ،
فاستعينوا بالصّبرِوالصّلاةِ والصِّدقِ في النِّيّةِ ، فإِنَّ اللّهَ تعالى بعدَ الصّبر
يُنزلُ النّصرَ»(3).
فقالَ لأصحابهِ : «إِنْ هؤلاءِ لن يَزولوا عن مَواقفِهم دونَ طَعْنٍ دِراك يخرجُ
منه النَسيمُ ، وضربٍ يَفلِقُ الهامَ ويُطِيح العِظامَ وتَسقُطُ منه المَعاصِمُ
والأكُفُ ، وحتّى تُصْدعَ جباهُهم بعمُدِ الحَديدِ، وتَنتثِرَ حواجِبُهم على
الصُّدورِ والأذقانِ . أينَ أَهلُ الصّبرِ؟ أينَ طلاب الأجْرِ!؟» فثارَ
إِليهم حينئذٍ عِصابةٌ مِنَ المسلمينَ فكَشَفُوهم (1).
«إِنَّ هؤلاءِ القومَ لم يكونوا لِيُنِيبوا إِلى الحقِّ ، ولا لِيُجِيبوا إِلى كلمةِ
السّواءِ حتَّى يًرْمَوْا بالمنَاسِرِ(2) تَتبعُها العَساكِرُ، وحتّى يُرجمَوا(3) بالكَتائبِ
تَقفوها الجَلائبُ (4)، وحتّى يُجَرَّ ببلادِهِمُ الخَمِيسُ يَتلوهُ الخَميسُ ، وحتّى
=
واللهِ ، لقد كُنّا معَ النّبيِّ صلّى اللّهُ عليهِ والهِ يُقْتَلُ آباؤنا وأبناؤنا
وِاخوانُنا وأعمامُنا، ما يَزيدُنا ذلكَ إلاّ إِيماناً وتسليماً، ومُضِيّاً على
مَضِّ الألمِ ، وجُرأةً على جهادِ العدوِّ، واستقلالاً بمُبارزةِ الأقرانِ . ولقد
كانَ الرّجلُ منّا والاخرُ من عدوِّتا يَتصاولانِ تَصاوُلَ الفَحلَينِ ،
ويَتخالَسانِ أَنفسَهما أيُّهما يَسقي صاحبَه كأسَ المنيِّةِ، فمرّةً لنا من عدوِّنا،
ومرّةً لعدوِّنا منّا، فلمّا رآنا الله تعالى صُبُراً صُدقاً، أنزلَ بعدوِّنا الكَبْتَ ،
وأنزلَ علينا النّصر، ولَعمري لو كُنّا نأتي مثلَ ما أتيتم ما قامَ الدِّينُ ولا
عَزَّ الإسلامُ ، وايمُ اللهِ لَتَحتَلِبُنَّها دماً عَبيطاً، فاحفَظوا ما اقولُ»
(2).
«لقد فَعَلتُم فعلةً ضعْضَعَتْ مِنَ الإسلامِ قُواهُ ، وأسقطَتْ
=
المعركة بعد الكتائب الاولى .
«واللهِ ، ما رَضِيْتُ ولا أحببْتُ أن ترْضَوْا ، فإِذْ أبيَتْم إِلاّ أن تَرْضَوْا
فقد رَضِيْتُ ، واذا رَضِيْتُ فلا يَصلُحُ الرُّجوعُ بعدَ الرِّضا، ولا
التبّديلُ بعدَ الإقرارِ، إِلاّ أن يُعصى الله بنقضِ العهدِ، ويُتَعدّى كتابُه
بحلّ العقدِ، فقاتِلوا حينئذٍ من ترك أمر الله . وامّا الذي ذكرتُم عنِ
الأشترِ من تركهِ أمري بخطِّ يدِه في الكتاب وخلافِه ما أنا عليه ، فليسَ
من أُولئكَ ، ولا أخافُه على ذلكَ ، ولئتَ فيكَمِ مثلَه اثنينِ ، بل ليتَ
فيكم مثلَه واحداً يَرى في عدوِّكم ما يرى، إِذاَ لخفّت عليَّ مؤونتُكم ،
بعدَ حمدِ اللّهِ والثناءِ عليهِ : « اللّهمَّ هذا مَقامٌ من فَلَجَ
فيه كانَ أَولى بالفلْجِ يومَ القيامةِ ، ومن نَطِفَ (2) فيه أو غلّ
فهو في الآخرِة أعمى وأَضلُّ سبيلاً. نَشَدْتُكم ِبالله أتعلمونَ
أَنّهم حينَ رَفَعوا المَصاحِفَ فقلتم نُجيبهُم إلى كتاب الله ،
قُلت لكم : إِنّي أعلمُ بالقوم منكم ، إِنّهم لَيسوا بأصحاب دِين ولا قُرآنٍ ،
إِنّي صَحِبْتُهم وعَرَفْتُهيم أطَفالاً ورِجالاً فكانوا شًرَّ أَطفالٍ وشرَ
رِجالٍ ، امضوا على حقَكم وصدقِكم . إِنّما رَفَعَ القومُ لكم هذهِ
المصَاحِفَ خديعةً ووَهْناً ومَكيدةً، فرَدَدْتم عَليَّ رأيي ، وقُلتم : لا، بل
نَقبلُ منهم ، فقلتُ لكم : اذكُروا قولي لكم ومعصيتَكم إِيّايَ ، فلمّا
أبَيْتُم إلاّ الكِتابَ ، اشترطتُ على الحَكَمينِ أن يُحييا ما أحياهُ القُرآنُ وأن
يُميتا ما أماتَ القُرآنُ ، فإِن حَكَما بحكمِ القُرآنِ فليسَ لنا أن نُخالفَ
فقالَ عليهِ السّلامُ : «إِنّا لم نحكِّمِ الرِّجالَ ، إِنّما حكَّمنا القُرآنَ ،
وهذا القُرآنُ إِنّما هو خظ مسطورٌ بينَ دَفتين لا يَنطِقُ ، وإِنَما يَتكلَّمُ بهِ
الرَجالُ».
قالوا له : فخبِّرْنا عَنِ الأجَلِ ، لِمَ جَعَلتَه فيما بينَك وبينَهم .
قال : «لِيَتعلَّبَم الجاهلُ ، ويتثبَّتَ العالِمُ ، ولعلَّ اللّهَ أنْ يُصلِحَ في
هذهِ الهًدْنةِ هذهِ الامةَ . ادخلوا مِصْركم رَحِمَكُمُ اللّه» ودَخَلوا مِنْ عِندِ
آخِرِهم (1).
وبَعَثَ بالضّحّاكِ بنِ قَيْسٍ للغارةِ على أهلِ العِراقِ ، فلَقِيَ عَمْروَ
ابن عُمَيْسِ بن مَسعوِد ، فقَتلَهُ الضّحّاك وقَتَلَ ناساً من أصحابه ؛
وذلكَ بعدَ أنْ حَمِدَ اللهَ وأثنى عليهِ ثم قال : «يا أهلَ الكُوفةِ ، اخرُجَوا
إلى العبدِ الصّالحِ لمِ الى جيشٍ لكم قد أُصيبَ منه طَرَفٌ . اخرُجوا
فقاتِلوا عدوَّكم ، وامنعوا حَرِيمَكم إِن كُنتم فاعلينَ» .
قال : فردوا عليهِ ردّاً ضعيفاً، ورأى منهم عَجْزاً وفَشَلاً ،
فقالَ : «واللهِ ، لَوَدِدْتُ أَنّ لي بكلِّ ثمانيةٍ منكم رجلاً منهم . ويَحْكُم ،
اخرُجوا معي ثمَّ فِرُّوا عنّي إِن بدا لكم ، فوَاللّهِ ما أكرَهُ لقاءَ ربَي على
نيَّتي (1) ويَصيرتي ، وفي ذلكَ رَوْحٌ لي عظيمٌ ، وفَرَجٌ من مُناجالَكم ومُقاساتِكم
ومُداراتِكم مثلَ ما تُدارَى البِكارُ العَمِدة(2) اوِ الثِّيابُ المُتَهَتِّرةُ(3)، كلَّما خِيْطَتْ(4)من جانبٍ تَهتّكتْ من جانبٍ على صاحبِها»(5).
«أَمّا بعدُ: أَيُّها النّاسُ ، فإنّ أوّلَ رَفَثِكُم وبَدْء نَقْضِكم
ذهَابُ أُولي النُّهى وأَهلِ الرّأيِ منكم ، الَّذينَ كانوا
يلْقَؤنَ فيَصْدُقون ، ويَقولون فيَعدِلونَ ، ويُدْعَوْنَ فيُجيبونَ ،
واني واللّهِ قد دَعَوتُكم عَوْداً وبَدْءاً ، وسِرَّاً وجَهْراً ، وفي الليلِ والنّهارِ،
والغُدوِّ والآصالِ ، ما يَزيدُكم دُعائي إِلاّ فِراراً وإدباراً ، ما تَنفَعُكُمُ العِظَةُ
والدًّعاءُ إِلى الهُدى والحِكمةِ، وِانّي لَعالم بما يُصلِحُكم ويُقيمُ لي أوَدَكم ،
«أيًّها النّاسُ المجتمعةُ أبدانُهم ، المُختلِفةُ أهواؤهم ، كلامُكم
يُوهن(3) الصُّمَ الصِّلابَ ، وفعلُكم يُطْمعُ فيكُم عدوَّكمُ المُرتاب .
تَقولونَ في المجالسِ كَيْتَ وكَيْتَ ، فإِذا جاءَ القتالُ قُلتم : حِيْدِيْ
حَيَادِ(4)، ما عَزَتْ دَعوةُ مَنْ دَعاكم ، ولا استراحَ قَلْبُ مَنْ قاساكمِ ،
أعاليلَ أضاليلَ ، سألتُموني التاخيرَ دِفاعَ ذِي الدَّينِ المَطُولِ . لا يَمنعُ
الضيْمَ الذّليلُ ، ولا يدرَكُ الحقُّ إلاّ بالجِدِّ . أيَ دارٍ بعدَ دارِكم تَمنَعونَ ؟
بعدَ حمدِ اللهِ والثّناءِ عليهِ : «ما أظنُّ هؤلاءِ القومَ - يعنى أهلَ
الشّام - إِلاّ ظاهِرينَ عليكم» .
فقالوا له : بماذا يا أَميرَ المؤمنينَ ؟ .
قال : «أرى أُمورَهم قد عَلَتْ ، ونيرانُكم قد خَبَتْ ، وأراهم
جادِّينَ ، وأراكم وانِينَ ، وأراهم مجتمِعينَ ، وأراكم متفرِّقينَ ، وأراهم
لِصاحبهم مُطيعينَ ، وأراكم لي عاصِينَ . أمَ واللهِ لَئنْ ظَهَرُوا عليكم
لتجدُنَّهم اربابَ سوءِ من بعدي لكم ، لكأنّي أنظُرُ إِليهم وقد شاركوكم في
بلادِكم ، وحَمَلوا إِلى بلادِهم فيئَكم ، وكأنّي أنظُرُ إِليكم تَكِشُّونَ
فقالَ بعدَ حمد الله والثّناءِ عليه : «ما لِمعاويةَ قاتَلَهُ اللّهُ!؟ لقد أَرادني
على أمرٍ عظيمٍ ، أَرادَ أَن أَفعلَ كما يَفعلُ ، فأَكونَ قد هَتكْتُ ذِمًتي
ونَقَضْتُ عَهْدي ، فيتَخِذَها عَلَيَّ حجةً، فتكونَ عليَّ شيْناً إِلى يوم القيامةِ
كلَما ذُكِرْتُ . فإِنْ قيلَ له : أَنتَ بدأتَ ، قالَ : ما علمتُ ولاَ أَمَرتُ ،
فمن قائلٍ يقولُ : قد صَدَقَ ، ومن قائلٍ يقولُ : كَذَبَ . أمَ واللّه ، إِنّ
الله لَذو أناةٍ وحلمٍ عظيمٍ ، لقد حَلُمَ عن كثيرٍ من فَراعِنةِ الأَوّلينَ
«الحمدُ لله ، وسلامٌ على رسولِ اللّهِ .
أمّا بعدُ : فإِنّ رسولَ الله صلّىاللهُ عليهِ وآلهِ رَضِيَني لنفسِه أخاً،
واختصَني (2) له وَزيراً . أيُها النّاسُ ، أنا أنفُ الهُدى وعيناه ، فلا
تَستوحِشوا من طريقِ الهُدى لقلَةِ من يَغشاه ؛ من زَعَمَ أنّ قاتلي مؤمنٌ
فقد قَتَلَني ، ألا وِانَّ لكلِّ دمٍ ثائراً يوماً ما، وِانَّ الثائرَ في دمائنا والحاكِمَ
في حقِّ نفسِه وحقِّ ذوي القُربى واليتامى والمساكينِ وابنِ السّبيلِ الّذي لا
يُعجِزُه ما طَلَبَ ولا يَفوته من هَرَبَ (وَسَيَعلَمُ ألّذِيْنَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبِ يَنْقَلِبونَ )(3). فأُقسم باللّهِ الّذي فَلَقَ الحبّةَ وبَرَأ النَّسَمةَ، لَتَنْتَحِرُنَّ (4) عليهَا
يا بَني اُمية، ولَتَعرِفُنَّها في أيدي غيرِكم ودارِ عدوِّكم عمّا قليلِ ، وليَعَلَمُنَّ (5)
«يا أهلَ الكُوفةِ ، خُذوا أُهْبَتَكم لجهادِ عدؤِّكم مُعاويةَ وأشياعهِ».
قالوا : يا أميرَ المؤمنينَ ، أمهِلْنا يذَهبْ عنّا القًرُ.َ
فقالَ : «أمَ واللهِ الّذي فَلَقَ الحبّةَ وبَرَأ النَّسَمةَ ، لَيَظهَرَنَ هؤلاءِ
القومُ عليكم ، ليسَ بأنّهم أولى بالحقِّ منكم ، ولكنْ لطاعتِهم مُعاويةَ
ومَعصيتِكم لي . واللّهِ لقد اصبحَتِ الأممُ كلُّها تَخافُ ظُلْمَ رعاتِها،
وأصبحْتَ انا أخاف ظُلمَ رعييّتي . لقدِ استعملتُ منكم رجالاً فخانوا
وغَدَروا، ولقد جَمَعَ بعضُهم (2) ما ائتمنتُه عليه من َفيْءِ المسلمينَ فَحَمَلَه
إِلى مُعاويةَ ، واخرُ حَمَلَه إِلى منزلي ، تَهاوُناً بالقرانِ ، وجُرأةً على الرّحمنِ ، حتّى
لو أنَني ائتمنتُ أحدَكم على عِلاقةِ سَوْطٍ لَخانني (3)، ولقد أعييتُموني».َ
ثمّ رَفَعَ يدَه إِلى السّماءِ فقالَ : «اللّهمَّ إِني قد سَئمتُ الحَيَاةَ بينَ
ظَهْرانيْ هؤلاءِ القوم ، وتَبرَّمتُ الأمَلَ (4)فأتحْ لي صاحِبي حتى أستريحَ
منهم ويَستريحوا منّي ، وَلن يُفلحوا بَعدي»(5).َ
«أيُّها النّاسُ ، إِنّي استنفرتُكم لجهادِ هؤلاءِ القوم فلم تَنفِروا،
وأَسمعتُكم فلم تُجيبوا، ونَصَحتُ لكم فلم تَقْبَلوا، شُهودٌ كالغُيَّب ،
أتلو عليكُمُ الحِكمةَ فتُعرِضونَ عنها، وأعِظُكم بالموعظة(1) البالَغة
فَتَتفَرقونَ عنها، كأنّكم حُمُرٌ مُستنفِرةٌ فَرَّتْ من قَسْوَرةٍ ؛ وأحُثّكم على
جهادِ أَهلِ الجَوْرِ فما اتي على آخِر قولي حتَّى أراكم متفرِّقينَ أياديَ
سَبَأ، تَرجِعونَ إِلى مَجألِسِكم تتربّعونَ حَلَقاً ، تَضرِبونَ الأمثالَ ،
وتَناشَدونَ (2) الأشعارَ، وتَجَسَّسونَ الأخبارَ، حتّى إِذا تَفرَّقتُم تَسألونَ عَنِ
الأسعارِ، جَهلةً(3) من غيرِ عِلْمٍ ، وغَفلةً من غير وَرَع ، وتَتَبُّعاً(4) في غيرِخَوْفٍ ، نَسِيتُمُ الحربَ والاستعدادَ لها ، فأصبحَتْ قلوبكَم فارِغةً من ذكرِها ، شَغَلتُموها
بالأعاليلِ والأباطيلِ .فالعَجَب كُلَّ العَجَب وما لي لا أعجَبُ مِن اجتماعِ قومٍ
على باطلِهم ، وتخاذُلِكم عن حقِّكم ! .
يا أهلَ الكُوفةِ، أنتم كاُمِّ مُجالِدٍ ، حَملَتْ فأملَصَتْ ، فماتَ
قيِّمُها ، وطالَ تأيُّمُها ، ووَرِثَها أبْعَدُها .
والّذي فَلَقَ الحبّةَ وبَرَأ النّسَمةَ ، لَتَعْلَمنَّ نَبَأهُ (7) بعدَ حينٍ ، وذلكَ إِذا
صَيَّركم إِليها جهلُكم ، ولا يَنفَعُكم عندَها علمُكم ، فقبحاً لكم يا
أشباهَ الرِّجالِ ولا رجالَ ، حُلومُ الأطفالِ وعُقولُ رَبّاتِ الحِجالِ ، أمَ
والله أيُّها الشّاهدة أبدانُهم ، الغائبةُ عنهم عُقولُهم ، المختلفةُ أهواؤُهم ،
إِمامُكم يُطيعُ اللّهَ وأنتم تَعصُونَه ، وِامامُ أهلِ الشّامِ يَعصي الله
وهم يُطيعونَه ، واللّهِ لَوَدِدْتُ أنّ معُاويةَ صارَفَني بكم صرْفَ الدِّينارِ
بالدِّرْهَم ، فأخَذَ منّي عَشرةً منكم وأَعطاني واحداً منهم . واللهِ لَوَدِدْتُ
أنّي لم أعَرِفْكم ولم تَعرِفوني ، فإِنّها مَعرِفةُ جَرَّتْ نَدَماً. لقد وَريتُم
صَدْري غَيظاً، وأفسدتُم عليَّ أمري بالخِذلانِ والعِصيانِ ، حتّى لقد
قالتْ قُريشٌ : إِنَّ عليّاً رجلٌ شجاعٌ لكنْ لا علمَ له بالحروب ، للهِّ
دَرُّهمِ (2)، هل كانَ فيهم أحدٌ أطولَ لها مِرَاساً منّي ! وأ شدَّ لها مُقاَساةً!
لقد نهَضْتُ فيها وما بَلَغْتُ العِشرينَ ، ثَم ها أنا ذا قد ذَرَّفْتُ (3)على
السِّتِّينَ ، لكنْ لا أمْرَ لمن لا يُطاعُ . أمَ واللّهِ ،لَوَدِدْت أنّ ربِّي قد أخرجَني
من بينِ أظْهُرِكم إِلى رِضوانِه ، وإنَّ المنيّةَ لَتَرصُدُني فما يَمنَعُ أشقاها أن
يَخضبَها - وتَرَكَ يدَه على رأسِه ولحِيتِه - عهدٌ(4)عَهِدَه إِليَّ النّبيُّ الأمِّيًّ