وروَوْا :أن رجلاً حضرته الوفاة فوصّى بجُزء من ماله ولم يُعَيّنه ،
فاختلف الوُرّاث بعده في ذلك ، وترافعَوا إلى أمير المؤمنين عليه السَلام
فقضى عليهم بإخراج السُبع من ماله وتلا عليه السلام قولَه عزّ اسمه :
(لَهَا سَبْعَةُ اَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْء مَقْسُومٌ)(1) (2).
وقضى عليه السلام في رجل وَصّى عند الموت بسَهْم من ماله ولم
يُبَيّنه ، فلمّا مضى اختلف الوَرثة في معناه ، فقضى عليه السلام بإِخراج
الثًمن من ماله ، وتلا قولَه جلت عَظَمته : (اِنّما ألصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء
والمساكينِ وَالعَامِلينَ عَلَيْهَا)(3) إلى آخر الآية ، وهم ثمانيةُ أصناف لكل
صنفٍ منهم سَهْمٌ من الصدقات (4).
وقضى عليه السلام في رجل وَصّى فقال : اعتقوا عني كلّ عبد
قديم في ملْكي ، فلمّا مات لم يَعْرِف الوصيّ ما يَصْنَع ، فساله عن ذلك
فقال : «يعْتِقَ عنه كلَّ عبدٍ له في ملكه ستّة أشهُر» وتلا قوله تعالى :
(وَالْقَمَرَ قَدَرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَديم) (5) وقد ثبت أنّ
العُرْجون إنما ينتهي إلى الشبه بالهلال في تقوّسه وضؤولته بعد ستة
=
40 : 264 / ذح 33و 104 : 395 / ذح 34.
وقضى عليه السلام في رجل نذرأن يصوم حيناً ولم يُسَمّ
وقتاً بعينه ، أن يصوم ستّة أشهر ، وتلا قوله تعالى ذكره : (تُؤْتي أُكُلَهَا
كُلَّ حينٍ بإِذْنِ رَبِّهَا)(2) وذلك في كلّ ستة أشهر(3) .
وجاءه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّه كان بين
يدي تمر ، فبدرت زوجَتي فأخذت منه واحدةً فألقتها في فيها ، فحلفْتُ أنها لا
تأكلها ولا تَلْفِظها ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : «تأكل نصفها
وترمي نصفها ، وقد تخلّصْتَ من يمينك»(4) .
وقضى عليه السلام في رجل ضرب امرأة فألقت عَلَقَةً أنّ عليه
ديتها أربعين ديناراً ، وتلا قوله عزّ وجلّ (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأنْسَانَ مِنْ
لسُلالَةٍ مِنْ طينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِين * ثُمَّ خَلَقْنَا
ألنّطْفَةَ عَلَقَةً فخًلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فخلقنا المضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَلمَ لَحمَاً ثُمَّ أنْشأناه
خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَك اللهُ اَحْسَنُ الْخَالِقينَ )(1) ثمّ قال : «في النُطْفة عشرون
ديناراً ، وفي العَلَقَة أربعون ديناراً ، وفي المُضْغَة ستّون ديناراً ، وفي
العَظْم قَبْلَ أن يستوي خَلْقاً ثمانون ديناراً ، وفي الصورة قبل أن
فهذا طرف من ذكر قضاياه عليه السلام وأحكامه الغريبة
التي لم يَقْضِ بها أحدٌ قبله ، ولا عرفها من العامّة والخاصّة أحد إلاّ
عنه ، واتّفقت عترته على العمل بها ، ولو مُني غيره بالقول فيها لظهر
عجزه عن الحقّ في ذلك ، كما ظهر فيما هو أوضح منه ، وفيما أثبتناه
من قضاياه على الاختصار كفاية فيما قصدناه إن شاء الله.
فمن ذلك ما رواه أبو بكر الهُذَليّ ، عن الزهري وعيسى بن يزيد ،
عن صالح بن كيسان : أنّ أميرَ المؤمنين عليه السلام قال في الحَثّ على
معرفة الله تعالى والتوحيد له : «أوّلُ عبادةِ الله معرفتُه ، وأصلُ معرفته
توحيدُه ، ونظامُ تَوْحيدِه نفيُ التشبيه عنه ، جَلَّ عَنْ أنْ تَحلّه
الصفات ، لشهادة العقُول أنَّ كلَّ مَنْ حَلّته الصفات مصنوعٌ ، وشهادةِ
العقول أنّه - جَلّ جلالُه - صانع ليس بمصنوع ، بصُنْع الله يُسْتدَلّ
في كلام يطول بإِثباته الكتاب .
وممّا حفظ عنه عليه السلام في نفي التشبيه عن الله عز اسمه ، ما
رواه الشعبي قال : سمع أميرُ المؤمنين عليه السلام رجلاً يقول : والذي
احْتَجَب بسبع طباق ، فعلاه بالدرّة(2) ، ثمّ قال له : «يا ويلك ، إنّ الله
أجلّ من أن يحتجب عن شيء ، أويحتجب عنه شيء ، سبحان الذي
لا يَحْوِيه مكان ، ولا يَخْفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء» فقال
الرجل : أفأُكَفِّر عن يميني ، يا أميرَ المؤمنين ؟ قال : «لا لَمْ تحلف بالله
فتَلْزَمُك كفّارة ، وانّما حلفتَ بغيره»(3) .
وروى أهل السيرة وعلماء النقلة : انّ رجلاً جاء إِلى أميرالمؤمنين عليه
السلام فقال له : يا أميرالمؤمنين ، خبّرني عن الله تعالى ، أرأيته حين
وفي هذا الحديث دليل على أنّه عليه السلام كان ينفي عن الله
سبحانه رؤية الأبصار.
وروى الحسن بن أبي الحسن البصري قال : جاء رجل إِلى أمير
المؤمنين عليه السلام بعد انصرافه من حرب صِفّين فقال له : يا أمير
المؤمنين ، خَبِّرنا عمّا كان بيننا وبين هؤلاء القوم من الحرب ، أكان ذلك
بقضاء من الله تعالى وقَدَر؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : «ما
عَلَوْتم تَلْعَةً ولا هَبَطْتُم وادياً ، إلاّ وللهّ فيه قضاء وقَدَر» فقال الرجل :
فعند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين ، فقال له : «ولِمَ ؟» قال : إذا
كان القضاء والقدر ساقانا إلى العمل ، فما وجهُ الثواب لنا على
الطاعة؟ وما وجهُ العقاب لنا على المعصية؟ فقال له أمير المؤمنين عليه
السلام : «أوَظَنَنْت يا رجَلُ أنّه قضاء حَتْم ، وقدرٌ لازم ، لا تظُنَّ
ذلك فإِنّ القولَ به مقالُ عَبَدَةِ الأوثان ، وحِزْب الشيطان ، وخُصَماء
الرحمن ، وقَدَريَةِ هذه الأُمّةِ ومَجُوسِها ، إِنّ الله جلَّ جلاله أمَرَ تخييراً ،
ونهى تحذيراً ، وكلّف يَسيراً ، ولم يُطَع مُكْرهاً ، ولم يًعْصَ مغلوباً ،
وهذا الحديث موضح عن قول أمير المؤمنين عليه السلام في
معنى العدل ، ونفي الجبر ، وِاثبات الحكمة في أفعال الله تعالى ، ونفي
العبث عنها .
ما رواه أهل النقل عن كُمَيل بن زياد - رحمه الله -أنّه قال : أخذ
بيدي أميرُ المؤمنين عليه السلام ذاتَ يوم من المسجد حتّى أخْرَجَني
منه ، فلمّا أصْحَرَ تَنَفّس الصُعَداء ثمّ قال : «يا كميل ، إِنّ هذه
القلوب أوعِيَةٌ ، فخيرُها أوعاها ، احفَظْ عنّي ما أقولُ :
الناسُ ثلاثة : عالمٌ ربّاني ، ومُتعلِّم على سبيل نَجاة ، وهَمَج
رَعاع أَتباعُ كلِّ ناعقٍ ، يميلون مع كلِّ ريحٍ ، لم يَسْتضيؤوا
بنور العلم ، ولم يَلجؤوا إِلى رُكنٍ وَثيقٍ.
يا كميل ، العلم خيرٌ من المال ، العلمُ يَحْرسك ، وأنت
تَحْرس المال ، والمال تَنْقُصُه النفقة ، والعلم يَزْكو على الإنفاق .
يا كميل ، صُحْبَة العالم (1) دِينٌ يُدان به ، وبه تَكْمِلةُ
الطَاعَة في حَياته ، وجميلُ الأحدُوثَةِ بعد مَوْته ، والعلم حاكم والمال
محكوم عليه .
يا كميل ، مات خُزّان الأموال وهم أحياء ، والعلماءُ باقون ما
=
ما رواه العلماء بالأخبار في خُطبةٍ تركنا ذكرَ صدرِها إلى قوله : «والحمد للّه
الذي هدانا من الضَلالة ، وبصّرنا من العَمى ، ومَنَّ علينا
بالإسلام ، وجَعَل فينا النُبوّة ، وجعلنا النُجَباء ، وجعل أفراطَنا
أَفراط الأنبياء ، وجعلنا خيرَ أُمّة أُخْرِجَتْ للناس ، نأمُرُ بالمعروف ،
وتنهى عَنِ المنكر ، ونعبدُ الله ولانُشْرِكُ به شيئاً ، ولا نَتّخِذُ من دونِهِ
وَليّاً ، فنحن شهداءُ الله ، والرسولُ شهيدٌ (1) علينا ، نَشْفَعُ فنُشَفَّعُ
فيمن شَفَعْنا له ، وندعو فيستَجاب دعاؤنا ويُغْفَر لمن ندعو له
ذنوبه ، أخْلَصنا للهِّ فلم ندع من دونه وَليّاً.
أيّها الناس ، تعاوَنوا على البرّ والتقوى ، ولا تَعاوَنُوا على الاثم
والعُدوان ، واتّقوا الله إِنّ الله شديدُ العقاب .
أيّها الناسُ إنّي ابن عمِّ نبيّكم ، وأولاكم بالله ورسوله ،
فاسالوني ثمّ اسالوني ، فكانّكم بالعلم قد نَفِدَ ، وإِنّه لا يَهلِك
=
مناقب الخوارزمي :365 / 383 ، والتفسير الكبير للفخر الرازي 2 : 192 وفيهما الى قوله : والمال محكوم عليه . (1) في هامش «ش» : شاهد.
ما رواه الحارث الأعور قال : سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول :
«من حقّ العالم أن لا يُكْثَر عليه السؤالُ ،ولا يُعْنَت في الجواب ،ولا يُلَحّ
عليه إِذا كَسِل ، ولا يؤْخَذ بثوبه إذا نَهَض ، ولا يُشارَ إليه بيدٍ في حاجة ،
ولا يُفْشى له سرٌّ ، ولا يُغْتاب عنده أحدٌ ، ويُعَظَّم كما حَفِظَ أمرَ الله ، ولا
يَجْلسِ المتعلمُ أمامَه ، ولا يَغْرَضُ (2) من طولِ صحبته ، وِاذا جاءه
طالبُ العلم وغيره فوجَدَه في جماعةٍ عَمَّهم بالسلام وخَصّه بالتحيّة ،
وليحفِظَه شاهداً وغائباً ، وليَعْرِفَ له حَقَّه ، فإِنّ العالم أعظمُ أجراً من الصائم القائم
المجاهد في سبيل الله ، وإذا ماتِ العالم ثلم في الإِسلام ثلمة لا يسدّها إلاّ
ومن ذلكَ ما رواه إِسماعيلُ بنُ صَبِيْحٍ ، عن يَحيى بن المُساوِرِ
العابدِ ، عن إِسماعيل بن زيادٍ قالَ : إِنّ عليّاً عليهِ السّلامُ قالَ للبَراَءِ بنِ
عازبِ يوماً(3) : «يا بَرَاءُ ، يُقتَلُ ابني الحسينُ وانتَ حيٌّ لا تنصرُه»
فلمّا قُتِلً الحسينُ بنُ عليّ عليهما السّلامُ كانَ البَراءُ بنُ عازب يقولُ : صدقَ
- الله - عليُّ بنُ أبي طالبٍ ، قُتِلَ الحسينُ ولم أنصُرْه . ثمّ يُظهرُ الحسرة
على ذلكَ والنّدمَ (4) .
أيّها الناس : عليكم بالطاعة والمعرفة بمن لا تُعْذَرون بجهالته ، فإِنّ
العلم الذي هَبَط به آدم وجميعَ (ما فضلَتْ به )(4) النبيّون إلى خاتم النبيين ، في
عترة محمّد(5)صلى الله عليه وآله فأين يُتاهُ بكم ؟ بل أين تذهبون؟! يا من
«أمّا بعدُ : فإنَّما مَثَلُ الدُّنيا مَثْل الحَيَّةِ ، لَينٌّ مَسُّها ، شَديدٌ
نهسها ، فأعْرض عمّا يُعْجِبُكَ منها لِقِلَّةِ مايَصْحَبُكَ منها ، وكُنْ أسَرَّ
ما تَكونُ فيها ، أحذَرَ ما تَكونُ لها ، فإِنَّ صاحِبَها كُلَّما اطْمَأنَّ منها إِلى
سُرورٍ أسْخَطَهُ منها مَكروهٌ ، والسَّلام»(3) .
ما رَواهُ العُلَماءُ بالأَخبار ، ونَقَلَةُ السِّيْرة والآثار : أَنَّهُ كان عليهِ
السَّلامُ يُنادِي في كُلِّ لَيلةٍ حِينَ يَأْخُذُ النَّاسُ مَضاجِعَهمْ لِلْمَنامِ ،
بصوتٍ يَسْمَعُهُ كافَّةُ أَهْلِ المَسْجِدِ ومَنْ جاوَرَهُ مِنَ ألنَّاسِ : « تزودوا
- رَحمَكُمُ اللهُ - فقدْ نُودِي فيكُمْ بالرَّحيلِ ، وأَقِلوا العُرْجَةَ على الدُّنيا ،
وانْقَلِبوا بِصالحِ ما يَحضُرُكُمْ مِنَ الزَّادِ ، فإِنَّ أَمامَكُمْ عَقَبَةً كَؤُوداً ،
ومَنازِلَ مَهُولَةً ، لا بُدَّ مِنَ الممرِّ بها ، والوُقُوفِ عَليها ، فإِمّا برَحْمةٍ مِنَ اللهِ
نَجَوْتُمْ مِنْ فَظَاعَتِها ، وامّا هَلَكَة ليسَ بَعْدَها انجبار ، يا لَها حَسْرةً على
ذِيْ غَفْلَةٍ أنْ يَكونَ عُمرُهُ عَليهِ حُجّةً ، وتؤدِّيهِ أيّامُهُ إِلى شِقْوَةِ ،
جَعَلَنا اللهُ وِايّاكًمْ مِمَّنْ لا ِتًبطرُهُ نِعْمَةٌ ، ولا تَحُلُّ بهِ بَعْدَ الموتِ
نِقْمَةٌ ، فإِنّما نَحنُ بِهِ وله ، وبيدِهِ الخَيْرُ وهوَ على كُلِّ شيءٍ قَديرٌ»(1) .
«يا ابن آدمَ ، لا يَكُنْ أكبرَ همِّك يومُكَ الذي إِنْ فاتَكَ لم يَكُنْ
=
من أجلِكَ ، فإِنَّ كلَّ يومٍ تَحْضُرُهُ يَأْتي اللهُ فيهِ برزقِكَ ، واعْلَمْ أنَّكَ
لنْ تكتسِبَ شَيئاً فوقَ قُوْتكَ إلاّ كُنتَ فيهِ خازناً لغيرِكَ ، يَكْثُرُ في
الدُنيا بهِ نَصَبُكَ ، ويحظى بهِ وارِثكَ ، ويَطولُ مَعَهُ يومَ القِيامَةِ
حِسابُكَ ، فاسْعَدْ بمالِكَ في حَياتِكَ ، وقَدِّمْ لِيَوْمِ مَعَادِكَ زاداً
يَكونُ أمامَكَ ، فإِنَّ السَّفَرَ بَعيدٌ ، والمَوْعِد القيامةُ ، والمَوْرد الجَنَّةُ أَوِ
النار»(1) .
«أمّا بعد : أيّها الناسُ ، فإِنَّ الدُّنيا قد أدبرتْ وآذنتْ بوَداعٍ ،
وِانَّ الآخرةَ قدْ أظلَّتْ وأشرفتْ باطّلاع ، ألا وانّ المِضمارَ اليومَ وغداً
السباقُ ، والسبْقةُ الجنّةُ ، والغايةُ النارُ ، أَلا وِانّكمْ في أيامِ مَهَل من
ورائِهِ أجَلٌ يحثّهُ عَجَلٌ ، فمَنْ أخلصَ للّهِ عملَهُ لم يضره أملُهُ ،ومن
بطأ(2) به عملُهُ في أيامِ مَهَلِهِ قبلَ حضورِ أجَلهِ فقد خَسِرَعملُهُ
وضرّه أملُهُ .
ألا فاعملوا في الرغبةِ والرهبةِ ، فإِن نزلتْ بكمْ رغبةٌ فاشكروا الله
واجمعوا معَها رهبةً ، وإنْ نزلتْ بكمْ رهبةٌ فاذكروا َ الله واجمعوا معَها
=
209 / 199باختلاف في الفاظه ، ونقله العلامة المجلسي في البحار 73 : 106 / 102 .
ألا وإنّهُ من لا ينفعُهُ اليقينُ يضرُّهُ الشكُّ ، ومن لا ينفعُهُ حاضرُ لُبِّه
ورأيهِ فغائبهُ عنه أعجزُ. ألا وإنّكم قد أُمرتُمْ بالظَّعْنِ ودًلِلتمْ على
الزَادِ ، وإِنّ أخوفَ ما أتَخوّفُ عليكم اثنان : اتّباع الهوى ، وطولُ
الأملِ ، لأنّ اتّباعَ الهوى يصُدُّ عن الحقِّ ، وطول الأملِ ينسي
ا لآخرةَ.
ألا وإِنّ الدنيا قد ترحلتْ مُدبِرةً ، وإنَّ الآخرةَ قد ترحَّلت (1) مقبلةً ،
ولكلِّ واحدةٍ منهما بنونَ ، فكونوا إِنِ استطعتُمْ مِن ابناءِ الأخرةِ ، ولا
تكونوا من أبناءِ الدنيا ، فإِنّ اليومَ عملٌ ولا حسابَ ، وغداً حسابٌ
ولاعملَ»(2) .
ما رواهُ صَعْصَة بنُ صوْحانَ العبديّ ، قال : صلّى بنا أميرُ المؤمنينَ
=
ما رواهُ نَقَلةُ الاثارِ : أنّه خَرجَ ذاتَ ليلةٍ مِنَ المسجدِ ، وكانتْ ليلةً
قمراءَ ، فأمَ الجَبّانَة ولَحِقَهُ جماعةٌ يَقْفونَ أثَرَهُ ، فوقفَ ثُمَّ قالَ : «مَنْ
أنتم ؟» قالوا : نحنُ شيعتُك يا أميرَ المؤمنين ، َفتفرّس في وجوهِهِم َثم
قالَ : «فما لي لا أرى عليكُمْ سِيْماءَ الشيعةِ ؟ » قالوا : وما سِيْماءُ
الشيعةِ يا أميرَ المؤمنين ؟ فقال : «صُفْرُ الوجوهِ من ِ السهر ، عُمْشُ
العيونِ منَ البكاءِ ، حُدْبُ الظهورِ من القيام ، خُمْصُ البطونِ منَ
=
236 ، تذكرة الخواص : 116 .
ما استفاضَ عنه من قولهِ : « الموتُ طالبٌ ومطلوبٌ حَثِيثٌ ، لا
يُعجِزُهُ المُقيمُ ، ولا يَفوتُهُ الهاربُ ، فأقدموا ولا تَنْكُلوا ، فإِنّه ليسَ عنِ
الموتِ مَحيصٌ ، إِنّكم إِنْ لا تُقْتَلوا تَموتوا ، والذي نَفسُ عليٍّ بيدِهِ ، لألفُ
ضربةٍ بالسيفِ على الرأسِ ، أيسرُ منْ موتٍ على فِراش»(2).
ومن ذلكَ قولُهُ عليهِ السلامُ : «أيُّها الناسُ ، أَصبحتُمْ أغراضاً
تَنْتَضلُ فيكُمُ المنايا ، وأموالكُم نَهْبٌ للمصائبِ ، ما طَعِمتم في الدنيا
منْ طعام فَلَكُم فيهِ غَصَصٌ ، وما شَرِبتُم منْ شرابٍ فَلَكُم فيهِ
شَرَقٌ ، وأًشهدُ باللهِ ما تنالونَ مِنَ الدنيا نعمةً تَفرحونَ بها إلاّ بفراقِ
أُخرى تَكرهونَها ، أَيُّها الناسُ ، إِنّاخُلِقْنا وإِيّاكُم للبقاء لا للفناءِ ، لكنًكمِ من دارٍ
إِلى دارٍ تُنْقَلونَ ، فتزوَّدوا لمِاَ أنتم صائرونَ إِليهِ وخالدون فيهِ ،
وا لسلامُ» (3) .
ما رواه الخاصّةً والعامةُ عنه ، وذَكَرَ ذلكَ أبو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بنُ المُثنى
وغيرُهُ مِمَّنْ لا يَتَهمُه خُصوم الشيعةِ في روايتِهِ : أنّ أميرَالمؤمنينَ عليهِ السلامُ قالَ
في أوّلِ خُطبةٍ خَطَبها بعدَ بيعةِ الناسِ له على الأمر ، وذلك بعدَ قتل
عُثمان بن عَفّانَ :
«أمّا بعدُ : (فلا يُرْعِيَنَّ مُرْع )(1) إِلاّ على نفسِهِ ، شُغِلَ عَنِ الجنةِ
مَنِ النارُ أمامَهُ ، ساع مجتهِد ، وطالبٌ يَرجو ، ومقصِّرٌ في النارِ ،
ثلاثة ، واثنان : مَلَكٌ طارَ بجَناحَيهِ ، ونبي أخذَ اللهُ بضبْعَيْهِ (2) ، لا
سادسَ . هَلكَ مَنِ ادَّعى ، ورَدِي (3) مَنِ اقتحمَ . اليمينُ والشِّمالُ
مَضلَّةٌ ، والوُسْطى الجادّةُ ، مَنهجٌ عليهِ باقي (4) الكتاب والسنةِ وآثار
النبوةِ . إِن الله تعالى داوى هذِه الأًمّةَ بدواءين : السوطَ والسيف ،
لا هوادةَ عندَ الإمامَ ، فاستتروا ببيوتكم ، وأصلحوا فيما بينَكم ، والتوبة
قد كانتْ أُمورٌ لم تكونوا عندي فيها معذورِينَ ، أما إِنّي لوأشاءُ أن
أقولَ لَقلتُ ، عفا اللهُ عمّا سلفَ ، سَبقَ الرجلانِ ، وقامَ الثالثً
كالغُراب همّتُهُ بطنُهُ ، وَيلَهُ لو قُصَّ جَناحاهُ وقُطِعَ رأسُهُ لَكانَ
خيراً لهُ .َ انظُروا فإِنْ أَنكرتُمْ فأنكِروا ، وإنْ عَرفتُمْ فبادِروا(1) ، حق
وباطلٌ ولكلٍّ أهلٌ ، ولَئن أمِرَ(2) الباطلُ لَقديماً فَعلَ ، ولَئن قل الحقُّ
فلرُبَّما ولعلَّ ، ولَقل ما أدبرَ شيء فأقبلَ ، ولَئن رَجَعتْ إِليكم نُفوسُكُم
إِنّكم لَسُعَداءُ ، وإِنّي لأخشى أنْ تَكونوا في فَترةٍ ، وما عَلَيَّ إِلاّ الاجتهادُ .
ألا إِنّ أبرارَ عِترتي وأطايبَ أَرُومَتي (3) ، أَحلمُ (4) الناسِ
صِغاراً ، وأعلمُ الناسِ كِباراً ، أَلا وإِنّا أهل بيت
مِنْ عِلْمِ اللهِ علمنا ، وبحكمِ اللهِ حكمنا ، وبقولٍ صادقٍ
أخذنا ، فإِنْ تَتبعوا اثارنا تَهتدوا ببصائرنا ، وِان لم تفعلوا يُهلككُمُ اللهُ
بأيدينا ، مَعَنا رايةُ الحقِّ ، مَنْ تَبِعَها لَحِقَ ، ومَنْ تأخّر عنها غَرِقَ ، ألا
وِبِنا تُدْرَكُ تِرَةُ كلِّ مؤمنٍ ، وبنا تُخْلَعُ رقبَةُ الذلِّ مِن أعناقِكُم ، وبِنا
فُتِحَ لابِكُم ، وبِنا يُخْتَمُ لا بِكُم»(5) .