وجاءت ألروايةُ : أَنّ بعضَ أَحبار اليهود جاء إِلى أَبي بكر فقال :
أَنت خليفةُ نبيّ هذه الأمة ؟ فقال له : نعم ، فقال : فإِنّا نَجِدُ في التوراة
أَنّ خلفاءَ الأَنبياء أَعلمُ أُممهم ، فخبرني عن الله تعالى أَين هو في السماء
أَم في الأَرض ؟ فقال له ابو بكر: في الَسّماء على العرش ، فقال اليهودي :
فأَرَى الأَرضَ خاليةً منه ، وأَراه على هذا القول في مكان دون مكان . فقال
أَبو بكر: هذا كلامُ الزَنادقة، اُغرُبْ عنّي وإلاّ قتلتُك . فولّى الحَبْر متعجّباً
يستهزئ بالإسلام ، فاستقبله أَميرُ المؤمنين عليه السلام فقال له : «يا
يهودي ، قد عرفتُ ما سألتَ عنه ، وما أُجِبتَ به ، وانّا نقول : إنّ الله جلّ
وعزّ أيَّن الأَيْنَ فلا أين له ، وجلّ عن أن يحوِيَه مكان ، وهو في كلّ مكان
بغيرمماسّة ولا مُجاوَرة، يحُيط علماً بما فيها ولا يخلوشيءٌ منها من تدبيره ،
وإِنّي مُخبرك بما جاء في كتاب من كتبكم يُصَدِّق ما ذكرتُه لك ، فان عرفتَه
أتؤمِنُ به ؟» قال اليهوديُ : نعم ، قال : «ألستم تَجِدون في بعض كتبكم
أنَ موسى بن عِمران عليه السلام كان ذاتَ يوم جالساً إِذ جاءه مَلَكٌ
من المَشرق ، فقال له موسى : من أين أَقبلت ؟ قال : من عند الله عزّ
وأمثالُ هذه الأَخبار كثيرة .
فمن ذلك ما جاءت به العامّة والخاصّة في قصّة قُدامَة بن
مَظْعُون وقد شَرِب الخمرَ فأراد عمرُ أن يَحُدّه ، فقال له قُدامة : إِنّه
لا يجب عليَّ الحَدُّ، لأنَّ الله تعالى يقول : (لَيْسَ عَلَى ألَّذينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا ألصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فيما طَعِموا إِذَا مَا اتَّقَوا وَآمَنُوا وَعَمِلوا
وروَوْا: أنَّ مجنونة على عهد عمر فَجَر بها رجلٌ ،فقامت البيّنةُ عليها
بذلك ، فأمر عمر بجلدها الحَدّ، فمُرّ بها على أمير المؤمنين عليه السلام
لتُجْلَد فقال :«ما بالُ مجنونة آل فلان تعتل (3)؟» فقيل له :أنّ رجلاً َفجَر بها
وهَرَب ، وقامت البيّنةُ عليها، فأمر عمر بجلدها، فقال لهم : «رُدّوها
إليه وقولوا له : أما علمتُ أنّ هذه مجنونةُ آل فلان ! وأنّ النبيَّ صلّى الله
وروَوْا : أَنّه أتي بحاملٍ قد زنت فأَمر برجمها، فقال له أمير المؤمنين
عليه السلام : «هَبْ لك سبيلٌ عليها ، أيّ سبيل لك على ما في بطنها !؟
والله تعالى يقول :(وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ اُخْرى )(2)» فقال عمر: لا عِشْتُ
لمُعضلةٍ لا يكون لها أبو حسنِ ، ثمّ قال : فما أَصنع بها؟ قال :
«اِحتَطْ عليها حتّى تَلِد ، فإِذا وَلَدتْ ووَجَدتَ لولدِها من يكفلُه فأقِم
الحدَّ عليها» فسُرّي بذلك عن عمر وعوّل في الحكم به على أميرِ
المؤمنين عليه السلام (3).
وروَوْا : أنه استدعى امرأةً تتحدّثُ عندها الرجال ، فلمّا جاءها
رسلُه فزعت وارتاعت وخرجت معهم ، فأملصت (4) فوقع إِلى الأرض
ولدُها يَسْتهِلّ ثمّ مات ، فبلغ عمر ذلك فجمع أصحابَ رسول الله
وروَوْا : أنَّ امرأتين تنازعَتا على عهد عمر في طفلٍ ادّعته كلُ واحدة
منهما ولداً لها بغيربيّنة، ولم يُنازِعهما فيه غيرُهما، فالتبس الحكم في
ذلك على عمر وفَزِعَ فيه إِلى أمير المؤمنين عليه السلام ، فاستدعى
المرأتين ووعظهما وخوَّفهما فأقامتا على التنازع والاختلاف ، فقال عليه
السلام عند تماديهما في النزاع : «ايتوني بمنْشار» فقالت له المرأتان :
ما تصنع ؟ فقال : «أقُدّه نصفين ، لكَلّ واحدة منكما نصفه»
فسكتت احداهما وقالت الاخرى : الله الله يا أَبا الحسن ، إِن كان لا بُدَّ
من ذلك فقد سمحتُ به لها، فقال : «الله اكبر، هذا ابنك دونها،
ولو كان ابنها لرقَّت عليه وأشفقَتْ» فاعترفتِ المرأة الأخرى بأنَّ الحقّ
ورُوِي عن يونس ، عن الحسن : أن عمر أُتي بامرأةٍ قد وَلَدت لستة
أشهر فهمَّ برجمها، فقال له أميرُ المؤمنين عليه السلام : «إِنْ خاصمتك
بكتاب الله خَصَمْتُك ، إِنّ الله عزّ اسمه يقول : (وَحَمْلهُ وَفِصَالُهُ
ثَلاثُونَ شَهْراً)(2) ويقول تعالى : (وَاْلوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ اَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ
كَامِلَيْن لمِنْ اَرَادَ اَنْ يُتِمَّ آلرَّضَاعَةَ)(3) فإِذا تَمّمت المرأة الرَضاعة سنتين ،
وكان حَمله وفصاله ثلاثين شهراً ، كان الحمَل منها ستة أشهر» فخلّى عمر
سبيلَ المرأة وثبت الحكم بذلك ، يعمل به الصحابة والتابعون ومن أخذ
عنه إِلى يومنا هذا(4).
وروَوْا : أنَّ امراةً شَهِد عليها الشهودُ أَنّهم وجدوها في بعض مياه
العرب مع رجل يَطؤها ليس ببعلٍ لها، فأمر عمر برَجمها وكانت ذات
بَعْل ، فقالت : اللهم إِنّك تعلم أني بريئة، فغضب عمر وقال :
وتَجْرَح الشهودَ أَيضاً ، قال أميرُ المؤمنين عليه السلام : «رُدّوها واسألوها ،
فلعلّ لها عُذراً» فرُدَّت وسُئلت عن حالها فقالت : كان لأهلي إِبل
فخرجتُ في إِبل أَهلي وحَمَلْتُ معي ماء ولم يكن في إِبلي لَبنٌ ،وخرج معي
وِممَّا جَاءَ عَنْه عَلَيْهِ السَّلامُ في مَعنْى القَضَاءِ وصَوَاب الرَّأْي ،
وإِرْشَادِ القَوْمِ إِلى مَصَالِحِهِمْ وَتَدَارُكِ مَا كَادَ يَفْسُدْ بهِمْ (3) لَولاَ تَنْبيْهُهُ
عَلى وَجْهِ الرَّأْي فِيْه ؛ مَا حَدَثَ بِهِ شَبَابَةُ بْنً سَوَّار، عن أَبي بَكْر الهُذًليّ
قال : سَمِعْعتُ رِجَالاً مَنْ عُلَمَائنا يقولون : تَكاتَبَتِ الأعاجِمُ مِنْ أَهْلِ
هَمَذانَ وأهلِ الرَّيِّ وأهل أَصْفَهانَ وقوْمِسَ (4) ونَهَاوَنْدَ، وأرْسَلَ
بعضُهُمْ إلى بعضٍ :أَنَّ مَلِكَ العَرَب الذَّي جاءَ بدينِهِمْ وأخْرَجَ كِتابَهًمْ
قد هَلَكَ - يَعْنُوْنَ النبي صلّى الله علَيه واله - وانهُ مَلَكَهُمْ مِنْ بَعْدِهِ
فلمّا انتَهى الخَبَرُإِلى مَنْ بِالكُوْفَةِ مِنَ المُسْلمين أَنهوه إلى عمربن
الخَطّاب ، فلمّا انتهى إليه الخبر فزع عمر لذلك فزعاً شديداً ، ثمّ
أتى مسجد رسول الله صلّى الله عليه واله فصعد المنبر، فحمد الله
وأثنى عليه ثمّ قال : معاشر المهاجرين والأَنصار، إِنّ الشيطان قد
جمع لكم جُموعاً، وأقبل بها ليطفى نور الله ، أَلا إِن أهل همذان وأهل
اصفهان والري وقُومِس ونهاوند مختلفة أَلسنتُها وأَلوانها وأَديانُها ، قد تعاهَدوا
وتعاقدوا أن يُخرجوا من بلادهم إخوانكم من المسلمين ، ويخرجوا إِليكم
فيغزُوكم في بلادكمْ ، فأَشيروا عليَّ وأَوجِزوا ولا تُطنبوا في القول ، فإِنَّ
هذا يومٌ له ما بعده من الأيام.
فتكلّموا، فقام طلحة بن عبيدالله - وكان من خطباء قريش -
فحمد الله وأَثنى عليه ثمّ قال : يا أمير المؤمنين ، قد حَنَكَتْك الأُمور،
وجَرَّستك (1) الدهور، وعَجَمَتك البلايا ، وأَحكمتك التجارب ، وأَنت
مُبارَك الأَمر، ميمون النقيبة، قد وليت فخَبَرت واختبرت وخُبِرت ، فلم
تنكشف من عواقب قضاء الله إلاّعن خيار، فاحضر هذا الأَمر برأيك ولا تَغِب
عنه . ثمّ جلس .
فقاك عمر: تكلّموا ، فقام عثمان بن عَفّان فحمد الله وأَثنى عليه
فقال عمر: تكلّموا، فقال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه
السلام : «الحمد للّه - حتّى تم التحميد والثناء على الله والصلاهَ على
رسول الله صلى الله عليه وآله - ثمّ قال : أما بعد، فانَكَ إِن أشخَصْتَ
أهلَ الشام من شامهم ، سارىَ الروم إِلى ذَراريهم ؛ وإِن أشخصْتَ
أهل اليمن من يمنهم ، سارت الحبشة إِلى ذَراريهم ؛ وإِن أشخصتَ مَنْ
بهذين الحرمين ، انتقضتِ العُرْب عليك من أطرافها وأكنافها ، حتى
يكون ما تدع وراء ظهرك من عيالات العرب أهمّ إِليك ممّا بين
يديك . وأما ذكرُك كثرةَ العجم ورَهبتك من جُموعهم ، فإِنّا لم نكن
نُقاتل على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله بالكثرة ، وإنّما كُنّا نقاتل
بالنصر، وأمّا ما بلغك من اجتماعهم على المسير إِلى المسلمين ، فإِنّ الله
لمسيرهم أكره منك لذلك ، وهو أولى بتغيير ما يكره ، وِانّ الأعاجم
إِذا نظروا إِليك قالوا : هذا رجل العرب ، فإِن قطعتموه فقد قطعتم
العرب ، فكان أشدّ لكَلَبهم ، وكنت قد ألّبتهم على نفسك ، وأمدّهم
من لم يكن يُمدّهم . ولكنّي أرى أن تقر هؤلاء في أمصارهم ،
وتكتب إِلى أهل البصرة فليتفرّقوا على ثلاث فرق : فلتَقمْ فرقةٌ منهم
على ذراريهم حَرَساً لهم ، ولتَقمْ فرقةٌ في أهل عهدهم لئلا ينتقِضوا ، ولتسِرْ
قال الشيخ المفيد رضي الله عنه : فانظروا - أيّدكم الله - إلى
هذا الموقف الذي يُنبئ بفضل الرأي إِذ تنازعه أولو الألباب
والعلم ، وتأمّلوا التوفيقَ الذي قرن الله به أمير المؤمنين عليه السلام
في الأحوال كلّها، وفزع القوم إِليه في المعْضِل من الأمور، وأضيفوا
ذلك إِلى ما أثبتناه عنه من القضاء في الدين الذي أعجز متقدّمي
القوم حتّى اضطرّوا في علمه إِليه ، تجدوه من باب المعجز الذي
قدّمناه ، والله وليّ التوفيق .
فهذا طرف من موجز الأخبار فيما قضى به أمير المؤمنين عليه
السلام في إِمارة عمر بن الخَطّاب ، وله مثل ذلك في إمارة عثمان بن
عفان .
فمن ذلك ما رواه نقلة الآثارمن العامّة والخاصّة : أن امرأَة نكحها
شيخٌ كبيرفحملت ،فزعم الشيخ أنّه لم يصل إِليها وأنكر حملها،
فالتبس الأمر على عثمان ، وسأل المرأة هل اقتضّك الشيخ ؟ وكانت
وروَوْا : أنّ رجلاً كانت له سريّة فأولدها، ثمّ اعتزلها وأنكحها عبداً
له ، ثمّ توفّي السيد فَعُتِقَتْ بملك ابنها لها، فورث ولدُها زوجَها، ثمّ
توفّي الأبن فورثت من ولدها زوجَها، فارتفعا إلى عثمان يختصمان
تقول : هذا عبدي ، ويقول : هي امرأتي ولستُ مفرجاً عنها ، فقال
عثمان : هذه قضية مشكلة ، وأمير المؤمنين حاضر فقال : «سلوها
هل جامعها بعد ميراثها له ؟» فقالت : لا ، فقال : «لو أعلم أنّه فعل
ذلك لعذّبته ، إِذهبي فإِنه عبدك ليس له عليك سبيل ، إن شئت أن
تسترقيه أوتعتقيه أو تبيعيه فذاك لك»(1).
وروَوْا : أَنّ مكاتبة زنت على عهد عثمان وقد عُتِق منها ثلاثة أرباع ،
فسأل عثمان أمير المؤمنين عليه السلام فقال : «يُجْلَد منها بحساب
الحُريّة، ويجْلد منها بحساب الرِقّ» .
وكان من قضاياه عليه السلام بعد بيعة العامّة له ومضي عثمان
ابن عَفّان على ما رواه أهل النقل من حملة الآثار: أنّ امرأةً ولدت على
فراش زوجها ولداً له بدنان ورأسان على حَقْوٍ(2) واحد ، فالتبسر الأمر على
أهله أهو واحد أم اثنان ؟ فصاروا إِلى أمير المؤمنين عليه السلام يسألونه عن
ذلك ليعرفوا الحكم فيه ، فقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام : «اعتبروه
إِذا نام ثمّ أنبهوا أحد البدنين والرأسين ، فإِن انتبها جميعاً معاً في حالة
واحدة فهما إِنسان واحد ، وإن استيقظ أحدهما والاخر نائم ، فهما
وروى الحسن بن علي العبدي ، عن سعد بن طريف ، عن الأصبغ
ابن نُباتَة قال : بينا شرَيح في مجلس القضاء إِذ جاءه شخص فقال : يا
أبا أُميّة أخْلِني فإِنّ لي حاجة، قال فأمر من حوله أن يخِفّوا عنه ،
فانصرفوا وبقي خاصّةُ من حضر، فقال له : اذكر حاجتك ، فقال :
يا أبا أمية إِنّ لي ما للرجال وما للنساء، فما الَحكم عندك فيَّ أرجلٌ أنا أم
امرأة ؟ فقال له : قد سمعت من أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك
قضيةً أنا أذكرها، خبّرني عن البول من أيّ الفرجين يخرج ؟ قال
الشخص : من كليهما، قال : فمن أيّهما ينقطع؟ قال : منهما معاً، فتعجّب
شُرَيح ، فقال الشخص : سأُورد عليك من امري ما هو أعجب ، قال
شُرَيح : وما ذاك ؟ قال : زوّجني أبي على أنّني امرأة فحملت من الزوج ،
وابتعطَ جاريةً تخدمني فأفضيت إِليها فحملت منّي .
قال : فضرب شرَيح إِحدى يدَيْه على الاخرى متعجّباً وقال :
هذا أمر لا بد من إِنهائه إِلى أمير المؤمنين عليه السلام ، فلا علم لي
بالحكم فيه . فقام وتبعه الشخص ومن حضرمعه حتّى دخل على أمير
المؤمنين عليه السلام فقصّ عليه القصّة، فدعا أميرُ المؤمنين عليه
السلام بالشخص فساله عمّا حكاه شُرَيح فأقرّ به ، فقال له : «ومن
زوجك ؟» قال : فلان ابن فلان ، وهو حاضر في المصر، فدُعي وسئل عمّا
قال : فقال : صدق ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : «لأنت أجرأ من
صائد الأسد ، حين تقدم على هذا الحال» ثمّ دعا قنبراً مولاه فقال :
وروى بعض أهل النقل :انّه لمّا ادّعى الشخص ما ادّعاه من
الفرجين ، أمر أمير المؤمنين عليه السلام عدلين من المسلمين أن يَحْضرا
بيتا خالياً، وأحْضَرَ الشخصَ معهما، وأمر بنصب مِرآتين : أحدهما
مقابلة لفرج الشخص والأخرى مقابلة للمرآة الاُخرى، وأمر الشخصَ
بالكشف عن عورته في مقابلة المراة حيث لا يراه العدلان ، وأمر العدلين
بالنظر في المرآة المقابلة لها، فلمّا تحقّق العدلان صحّةَ ما ادّعاه
الشخص من الفرجين ، اعْتُبر حالُه بعدّ أضلاعه ، فلمّا ألحقه
بالرجال أهْمَلَ قولَه في ادعاء الحمل وألغاه ولم يَعْمَل به ، وجعل حمل
الجارية منه وألحقه به (4).=
فقال أَمير المؤمنين عليه السلام لقَنْبَر: «إِجمع القوم وادعُ لي
شُرَط الخميس»(1) ثمّ جلس ودعا النفروالحَدَث معهم ، فسأله عمّا قال ،
فأعاد الدعوى وجعل يَبْكي ويقول : أنا والله أتّهمهم على أبي يا أمير
المؤمنين ، فإِنّهم احتالوا عليه حتى أخرجوه معهم ، وطَمِعُوا في ماله. فسأل
أمير المؤمنين عليه السلام القوم ، فقالوا كما قالوا لشريح : مات
الرجل ولا نعرف له مالاً، فنظر في وجوههم ثمّ قال لهم : «ماذا ؟ أتظنّون أني
لا أعلم ما صنعتم بأبي هذا الفتى! إِنّي إذاً لقليل العلم» .
ثمّ أمربهم أن يُفَرَّقوا، فَفُرِّقوا في المسجد، وأُقيم كلُّ رجل منهم
إِلى جانب أُسطوانة من أساطين المسجد ، ثم دعا عُبَيْدالله بن أبي رافع
كاتبه يومئذ فقال له : «اجلس» ثمّ دعا واحداً منهم فقال له : «أخبرني
ولا تَرْفَع صوتَك ، في أيّ يوم خرجتم من منازلكم وأبو هذا الغلام
معكم ؟» فقال : في يوم كذا وكذا، فقال لعبيدالله : «أُكتب» ثم قال
=
354 / 2.
ودعا بآخر من القوم فأجلسه بالقرب منه ، ثُمّ سأله عمّا سأل الأول
عنه ، فأجاب بما خالف الأوّلَ في الكلام كلِّه . وعُبَيْدالله بن أبي رافع يكتب
ذلك ، فلمّا فرغ من سؤاله كبّرتكبيرةً سَمِعها أهلُ المسجد، ثمّ أمر بالرجلين
جميعاً أن يُخْرَجا عن المسجد نحو الحَبْس (1)، فيوقَفَ بهما على بابه .
ئمّ دعا بثالث فسأله عمّا سأل الرجلين فحكى خلافَ ما قالا ،
وأثبِتَ ذلك عنه ، ثمّ كبّر وأمر بإخراجه نحو صاحبَيْه .
ودعا برابع من القوم فاضطرب قولُه ولجلج ، فوعَظه وخَوَّفه
فاعترف أنّه وأصحابه قتلوا الرجل وأخذوا ماله ، وأنّهم دفنوه في
موضع كذا وكذا بالقُرب من الكوفة ، فكبّرأميرُ المؤمنين عليه السلام
وأمر به إِلى السِجْن .
واستدعى واحداً من القوم فقال له : «زَعَمْتَ أنّ الرجل مات
فقال شريح : يا أميرَ المؤمنين كيف هذا الحكم ؟ فقال له : «إِنّ
داود عليه السلام مَرّ بغلمان يلعبون وينادون بواحد منهم : يا ماتَ
الدين قال : والغلامُ يُجيبهم ، فدنا داودُ عليه السلام منهم فقال له :
يا غلامُ ما اسمك ؟ قال : اسمي ماتَ الدين ، قال له داود : ومن سمّاك
بهذا الاسم ؟ قال : أُمّي ، فقال له داود عليه السلام : وأين أُمّك ؟
قال : في منزلها، فقال داود عليه المسلام : اِنطلق بنا إلى أمّك ، فانطلق
به إليها فاستخرجها من منزلها فخرجت، فقال : يا أَمة الله ما اسم ابنك
هذا؟ قالت : اسمُه ماتَ الدين ، قال لها داود : من سمّاه بهذا الاسم ؟
قالت : أبوه قال : وما كان سبب ذلك ؟ قالت : إنّه خرج في سفر له
ومعه قوم ، وأنا حامل بهذا الغلام ، فانصرف القوم ولم ينصرف
زوجي معهم ، فسألتُهم عنه فقالوا : مات ، فسألتهم عن ماله فقالوا :
ما ترك مالاً، فقلت لهم : فهل وصّاكم بوصيةٍ ؟ قالوا: زعم أنّكِ
حُبلى ، فإن ولدتِ جاريةً أو غلاماً فسمّيه ماتَ الدين ، فسمّيته كما
ورووا :أن امرأة هَويت غلاماً فراوَدَتْه عن نفسه فامتنع الغلامُ ،
فمضت وأَخذت بيضةً فألقست بياضها على ثويها، ثمّ عَلِقَتْ بالغلام
ورَفعَتْه إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقالت : إِنّ هذا الغلام كابرني على
نفسي وقد فضحني ، ثمّ أخذت ثيابها فأرَت بياضَ البيض وقالت :
هذا ماؤه على ثوبي ، فجعل الغلام يبكي ويبرأ ممّا ادّعته وَيحلف ،
فقال أمير المؤمنين عليه السلام لقنبر: «مُرْ من يغلي ماءً حتى تشتدّ
حرارتُه ، ثمّ لتأتني به على حاله» فجِيء بالماء، فقال : «ألقوه على ثوب
المرأة» فألقوه عليه فاجتمع بياض البيض والتأم ، فأمر بأخذه ودفعه
إلى رجلين من أصحابه فقال : «تَطَعّماه والفظاه» فتطعّماه فوجداه
بيضاً، فأمر بتخلية الغلام وجلد المرأة عقوبةً على ادعائها
الباطل(2) .
وروى الحسن بن محبوب قال : حدّثني عبد الرحمن بن الحجاج
وروى علماءُ السيرة : أنّ أربعةَ نَفرٍ شَرِبوا المُسْكِر على عَهْد أمير
المؤمنين عليه السلام فسَكِروا فتباعجوا بالسَكاكين ، فنال الجِراحُ كلَّ
فكان ذلك هو الحكم الذي لا طريق إلى الحقّ في القضاء
سواه ، ألا ترى أنّه لأ بَيّنة على القاتل تُفْرِده من المقتول ، ولا بَيّنة على العَمْد
في القتل ، فلذلك كان القضاء فيه على حكم الخطأ في القتل ،
واللَّبس في القاتل دون المقتول .
وروَوْا : أنّ ستةَ نَفر نزلوا في الفرات فتغاطّوا فيها لَعِباً، فغَرِق واحد
منهم ، فشَهِد اثنان على ثلاثةٍ منهم أنّهم غرّقوه ، وشَهد الثلاثة على
الاثنين أنّهما غَرّقاه ، فقض عليه السلام بالدية أخماساً على الخمسة
النفر، ثلاثةٌ منها على الاثنين بحساب الشهادة عليهما، وخُمسان على
الثلاثة بحساب الشهادة أيضاً . ولم يكن في ذلك قضيّة أحقّ
بالصواب ممّا قضى به عليه السلام (2).=