وعنه ، عن ابن مهران ، عن محمد بن عليّ ، عن الضحّاك بن الاَشعث ، عن داود بن زربي قال : جئت إلى أبي إبراهيم عليه السلام بمال فأخذ بعضه وترك بعضه فقلت : أصلحك الله ، لاَيّ شيء تركته عندي؟
فقال : «إنّ صاحب هذا الاَمر يطلبه منك» .
فلمّا جاء نعيه عليه السلام بعث إلي أبو الحسن عليه السلام فسألني ذلك المال ، فدفعته إليه(1) .
وعنه ، عن محمد بن عليّ ، عن أبي الحكم ـ ورواه الشيخ أبو جعفر ابن بابويه ، عن أبيه وجماعة ، عن محمد بن يحيى العطّار ، عن محمد بن أحمد بن يحيى ، عن عبدالله بن محمد ، عن الحسن بن موسى الخشاب ، عن عليّ بن أسباط ، عن الحسين مولى أبي عبدالله ، عن أبي الحكم ـ عن عبدالله بن إبراهيم بن علي بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب ، عن يزيد بن سليط قال : لقيت أبا إبراهيم عليه السلام ـ ونحن نريد العمرة ـ في بعض الطريق فقلت : جعلت فداك هل تثبت هذا الموضع الذي نحن فيه .
قال : «نعم ، فهل تثبته أنت؟»
قلت : نعم ، إنّي أنا وأبي لقيناك هاهنا مع أبي عبدالله ومعه إخوتك ، فقال له أبي : بأبي أنت واُمّي أنتم كلّكم أئمّة مطهّرون ، والموت لايعرى منه أحد ، فأحدث إليّ شيئاً اُحدّث به من يخلفني من بعدي فلا يضلّوا .
فقال : «نعم يا أبا عمارة(2) هؤلاء ولدي ، وهذا سيّدهم ـ وأشار
فقال له أبي : و ماهي؟
فقال : «يخرج الله منه غوث هذه الاَمّة وغياثها وعلمها ونورها ، خيرمولود وخير ناشئ ، يحقن الله به الدماء ، ويصلح به ذات البين ، ويلمّ به الشعث ، ويشعب(1)به الصدع(2) ، ويكسو به العاري ، ويشبع به الجائع ، ويؤمن به الخائف ، وينزل الله به القطر ، ويرحم به العباد ، خير كهل ، وخير ناشئ ، قوله حكم ، وصمته علم ، يبّين للناس ما يختلفون فيه ، ويسود عشيرته من قبل أوان حلمه» .
فقال له أبي : بأبي أنت واُمّي ، هل يكون له ولد بعده؟
فقال : «نعم» ثمّ قطع الكلام .
قال يزيد : فقلت له : بأبي أنت واُمّي ، فأخبرني بمثل ما أخبرنا به أبوك فقال لي : «نعم ، إنّ أبي عليه السلام كان في زمان ليس هذا الزمان مثله» .
فقلت له : من يرضى بهذا منك فعليه لعنة الله .
قال : فضحك أبو إبراهيم عليه السلام ثمّ قال : «اُخبرك يا أبا عمارة ، إنّي خرجت من منزلي فأوصيت إلى ابني فلان وأشركت معه بنيّ في الظاهر ، وأوصيته في الباطن وأفردته وحده ، ولو كان الاَمر إليّ لجعلته في القاسم لحبّي إيّاه ورأفتي عليه ، ولكن ذاك إلى الله يجعله حيث يشاء ، ولقد جاءني بخبره رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ثمّ أرانيه وأراني من يكون بعده ، وكذلك
ثمّ قال أبو إبراهيم عليه السلام : «ورأيت ولدي جميعاً ـ الاَحياء منهم والاَموات ـ فقال لي أمير المؤمنين عليه السلام : هذا سيّدهم ، وأشار إلى إبني عليّ ، فهو منّي وأنا منه والله مع المحسنين» .
قال يزيد : ثمّ قال أبو إبراهيم عليه السلام : «يا يزيد ، إنّها وديعة عندك فلا تخبر بها إلاّ عاقلاً أو عبداً تعرفه صادقاً ، وإن سئلت عن الشهادة فاشهد بها ، وهو قول الله عزّ وجلّ لنا : ( إنّ الله يَأمُرُكُم أَن تُؤَدُّوا الاَماناتِ إِلى أهلها )(1) .
قال : وقال أبو إبراهيم عليه السلام : «فأقبلت على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقلت : قد اجتمعوا إليّ ـ بأبي أنت واُمّي ـ فأيّهم هو؟ فقال : هو الذي ينظر بنور الله ، ويسمع بتفهيمه ، وينطق بحكمته ، ويصيب فلا يخطئ ، ويعلم فلا يجهل ، هو هذا ـ وأخذ بيد علي ابني ـ ثمّ قال : ما أقلّ
ثمّ قال أبو إبراهيم عليه السلام : «إنّي أوخذ هذه السّنة ، والاَمر إلى إبني عليّ سمّي علي وعليّ ، فأمّا عليّ الاَول فعليّ بن أبي طالب عليه السلام وأمّا علي الآخر فعليّ بن الحسين عليهما السلام ، اُعطي فهم الاَول وحكمته وبصره وودّه ودينه ومحنته ، ومحنة الآخر وصبره على ما يكره ، وليس له أن يتكلّم إلاّ بعد موت هارون بأربع سنين» .
ثمّ قال : «يا يزيد ، فإذا مررت بهذا الموضع ولقيته ـ وستلقاه ـ فبشّره أنّه سيولد له غلامٌ أمين مأمون مبارك ، وسيعلمك أنّك لقيتني ، فأخبره عند ذلك أنّ الجارية التي يكون منها هذا الغلام جارية من أهل بيت مارية القبطيّة جارية رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وإن قدرت أن تبلّغها منّي السلام فافعل ذلك» .
قال يزيد : فلقيت بعد مضي أبي إبراهيم عليه السلام عليّاً عليه السلام فبدأني فقال لي : «يا يزيد ، ما تقول في العمرة؟»
فقلت : فداك أبي وأمّي ، ذاك إليك وما عندي نفقة .
فقال : «سبحان الله ، ما كنّا نكلّفك ولا نكفيك» .
فخرجنا حتى إنتهينا إلى ذلك الموضع إبتدأني فقال : «يا يزيد ، إنّ هذا الموضع لكثيراً ما لقيت فيه (خيراً لك من عمرتك)»(1) .
فقلت : نعم ، ثمّ قصصت عليه الخبر .
فقال لي : «أمّا الجارية فلم تجيء بعد فإذا (دخلت)(1)أبلغتها منك السّلام» .
فانطلقنا إلى مكّة ، واشتراها في تلك السنة ، فلم تلبث إلاّ قليلاً حتّى حملت فولدت ذلك الغلام .
قال يزيد : وكان إخوة علي يرجون أن يرثوه ، فعادوني من غير ذنب ، فقال لهم إسحاق بن جعفر : والله لقد رأيته وأنّه ليقعد من أبي إبراهيم عليه السلام المجلس الذي لا اجلس فيه انا(2)
وعنه ، عن محمد بن الحسن ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن علي وعبيدالله بن المرزبان ، عن ابن سنان قال : دخلت على أبي الحسن موسى عليه السلام قبل أن يقدم العراق بسنة وعليّ ابنه جالس بين يديه ، فنظر إليّ فقال : « يا محمد ، أما إنه ستكون في هذه السنة حركة ، فلا تجزع لذلك » .
قال : قلت : وما يكون جعلت فداك؟ فقد أقلقتني .
قال : «أصير إلى هذه الطاغية ، أما إنّه لا يبدأني منه سوء ولا من الذي يكون بعده» .
قال : قلت : وما يكون جعلت فداك؟
قال : ( يضلُّ اللهُ الظالمينَ وَيَفعلُ اللهُ ما يَشاء )(3)
قال : قلت : وما ذاك جعلت فداك .
قال : «من ظلم ابني هذا حقّه وجحد إمامته من بعدي كان كمن جحد
قال : قلت : والله لئن مدّ الله لي في العمر لاُسلّمنّ له حقّه ، ولاُ قرّنّ له بإمامته .
قال : «صدقت يا محمد ، يمدّ الله في عمرك وتقرّ بإمامته وإمامة من يكون بعده» .
قال : قلت : ومن ذاك؟
قال : «محمد ابنه» .
قال : قلت له : الرضا والتسليم(1)
والاَخبار في هذا الباب كثيرة ، وهذه جملة كافية في هذا الموضع .
قد نقلت الرواة من العامّة والخاصّة كثيراً من دلالاته وآياته في حياته وبعد وفاته ، ونحن نذكر منها ما يليق بكتابنا هذا ، فممّا روته العامّة :
ما أخبرني به الحاكم الموفّق بن عبدالله العارف النوقانيّ قال : أخبرنا الحسن بن أحمد بن محمد السمرقنديّ المحدّث ، قال : أخبرنا محمد بن أبيعلي الصفار ، قال : أخبرنا أبو سعد الزاهد ، قال : أخبرنا عبدالعزيز بن محمد بن عبد ربّه الشيرازيّ بمصر ، قال : حدّثنا عمر بن محمد بن عراك ، قال : حدّثنا عليّ عليّ بن محمد الشيروانيّ ، قال : حدّثنا عليّ بن أحمد الوشّاء الكوفيّ قال : خرجت من الكوفة إلى خراسان فقالت لي ابنتي : يا أبه ، خذ هذه الحلّة فبعها واشتر لي بثمنها فيروزجاً .
قال : فأخذتها وشددتها في بعض متاعي وقدمت مرو ، فنزلت في بعض الفنادق ، فإذا غلمان عليّ بن موسى ـ المعروف بالرضا ـ قد جاؤوني وقالوا : نريد حلّة نكفّن بها بعض علمائنا ، فقلت : ما عندي ، فمضوا ثمّ عادوا وقالوا : مولانا يقرأ عليك السلام ويقول لك : «معك حلّة في السفط الفلانيّ دفعتها إليك ابنتك وقالت : اشترلي بثمنها فيروزجاً ، وهده ثمنها» .
فدفعتها إليهم وقلت : والله لاَسألنّه عن مسائل فإن أجابني عنها فهو هو ، فكتبتها وعدوت إلى بابه فلم أصل إليه لكثرة إزدحام الناس ، فبينما أنا جالس إذ خرج إليّ خادم فقال لي : يا عليّ بن أحمد هذه جوابات مسائلك التي معك ، فأخذتها منه فإذا هي جوابات مسائلي بعينها(1)=
ومن ذلك : ما رواه الحاكم أبو عبدالله الحافظ بإسناده ، عن محمد بن عيسى ، عن أبي حبيب النباجي قال : رأيت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في المنام وقد وافى النباج(1) ونزل في المسجد الذي ينزله الحجّاج في كلّ سنة ، وكأنّي مضيت إليه وسلّمت عليه ووقفت بين يديه ، فوجدت عنده طبقاً من خوص نخل المدينة فيه تمر صيحاني ، وكأنّه قبض قبضة من ذلك التمر فناولني ، فعددته فكان ثماني عشرة ، فتأوّلت أنّي أعيش بعدد كلّ تمرة سنة .
فلمّا كان بعد عشرين يوماً كنت في أرض تُعمر بين يدي للزراعة إذ جاءني من أخبرني بقدوم أبي الحسن الرضا عليه السلام من المدينة ونزوله لك المسجد ، ورأيت الناس يسعون إليه فمضيت نحوه ، فإذا هو جالس في الموضع الذي كنت رأيت فيه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وتحته حصير مثل ما كان تحته وبين يديه طبق من خوص فيه تمر صيحاني ، فسلّمت عليه فردّ عليّ السلام ، واستدعاني فناولني قبضة من ذلك التمر ، فعددته فإذا عدده مثل ذلك العدد الذي ناولني رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقلت له : زدني منه يا ابن رسول الله .
فقال : «لو زادك رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لزدناك»(2) .=
497 | 406 ، كشف الغمة 2 : 312 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 49 : 69 | ذيل حديث 93 .
وقال غيره : النباج منزل لحجاج البصرة .
وقيل : النباج بين مكة والبصرة للكريزيين ، ونباج آخر بين البصرة واليمامة .=
ومن ذلك ما أورده الحاكم أيضاً ورواه بإسناده ، عن سعد بن سعد ، عنه عليه السلام : أنّه نظر إلى رجل فقال له : «يا عبدالله ، أوص بما تريد واستعدّ لما لا بدّ منه» .
فمات الرجل بعد ذلك بثلاثة أيّام(1) .
ومما روته الخاصة : ما رواه الشيخ أبو جعفر بن بابويه بإسناده ، عن يحيى بن محمد بن جعفر قال : مرض أبي مرضاً شديداً فأتاه الرضا عليه السلام يعوده وعمّي إسحاق جالس يبكي ، فالتفت إليّ وقال : «ما يُبكي عمّك؟»
قلت : يخاف عليه ما ترى .
قال : فقال لي : «لا تغتمنّ ، فإنّ إسحاق سيموت قبله» .
قال : فبرئ أبي محمد ومات إسحاق(2) .
وباسناده ، عن معمر بن خلاّد قال : قال لي الريّان بن الصلت : أُحبّ أن تستأذن لي ئعلى أبي الحسن الرضا عليه السلام فاُسلّم عليه ، واُحبّ أن يكسوني من ثيابه ، وأن يهب لي من الدراهم التي ضُربت باسمه .
فدخلت على الرضا عليه السلام فقال مبتدئاً : «إنّ الريّان بن الصلت =
483 | 412 ، واُنظر عيون اخبار الرضا عليه السلام 2 : 210 | 15 ، دلائل الإمامة : 189 ،ونقله ابن الصباغ في الفصول المهمة : 246 ، والمجلسي في بحار الانوار 49 : 35 | 15 .
فدخل وسلّم ، فأعطاه ثوبين ، وثلاثين درهماً من الدراهم المضروبة باسمه(1) .
وباسناده ، عن أحمد بن أبي عبدالله البرقي ، عن الحسين بن موسى ابن جعفر قال : كنّا حول أبي الحسن الرضا عليه السلام ونحن شبّان من بني هاشم إذ مرّ علينا جعفر بن عمر العلوي ، وهو رثّ الهيئة ، فنظر بعضنا إلى بعض وضحكنا من هيئته ، فقال الرضا عليه السلام : «سترونه عن قريب كثير المال كثير التبع» .
فما مضى إلاّ شهر أو نحوه حتّى ولي المدينة وحسنت حاله ، فكان يمرّ بنا ومعه الخصيان والحشم(2) .
وباسناده ، عن الحسين بن بشار قال : قال لي الرضا عليه السلام : «إنّ عبدالله يقتل محمداً .
فقلت : عبدالله بن هارون يقتل محمد بن هارون؟
فقال لي : «نعم ، عبدالله الذي بخراسان يقتل محمد بن زبيدة الذي هو ببغداد» فقتله(3) .
وباسناده ، عن موسى بن مهران قال : رأيت الرضا عليه السلام وقد نظر إلى هرثمة بالمدينة فقال : «كأنّي به وقد حُمل إلى مرو فضربت عنقه» .
فكان كما قال(1) .
وباسناده ، عن عبدالرحمن بن أبي نجران وصفوان بن يحيى قالا : جاءنا الحسين بن قياما الواسطي ـ وكان من رؤساء الواقفة ـ فسألنا أن نستأذن له على الرضا عليه السلام ففعلنا ، فلمّا صار بين يديه قال له : أنت إمام؟
قال : «نعم» .
قال : فإنّي اُشهد الله أنّك لست بإمام .
قال : فنكت طويلاً في الاَرض منكس الرأس ثمّ رفع رأسه إليه فقال له : «ما علمك أنّي لست بإمام؟» .
قال له : إنّا روينا عن أبي عبدالله عليه السلام أنّ الاِمام لا يكون عقيماً ، وأنت قد بلغت هذا السنّ وليس لك ولد .
قال : فنكس رأسه أطول من المرّة الاُولى ثمّ رفع رأسه وقال : «إنّي اُشهد الله انّه لا تمضي الاَيّام والليالي حتّى يرزقني الله ولداً منّي» .
قال عبدالرحمن : فعددنا الشهور من الوقت الذي قال ، فوهب الله له أبا جعفر في أقلّ من سنة(2) .
قال الشيخ : حدّثنا أحمد بن علي بن الحسين الثعالبيّ ، قال ، حدّثنا أبو أحمد عبدالله بن عبدالرحمن المعروف بالصفواني قال : خرجت قافلة من
قال : فرأيت كأنّي قد قصدته وشكوت إليه ما كنت دفعت إليه ، وأخبرته بعلّتي فقال لي : «خذ من الكمّون والسعتر والملح ودقّه وخذ منه في فمك مرّتين أو ثلاثاً ، فإنّك تعافى» .
فانتبه الرجل من منامه ولم يفكّر فيما كان رأى في منامه حتّى ورد باب نيسابور فقيل له : إنّ عليّ بن موسى الرضا عليهما السلام قد ارتحل من نيسابور وهو برباط سعد ، فوقع في نفسه أن يقصده ويصف له أمره ، فدخل إليه فقال له : يا ابن رسول الله ، كان من أمري كيت وكيت ، وقد انفسد عليّ فمي ولساني حتّى لا أقدر على الكلام إلا بجهد ، فعلّمني دواء أنتفع به .
فقال عليه السلام : «ألم أعلّمك ، اذهب فاستعمل ما وصفته لك في منامك» .
فقال الرجل : يا ابن رسول الله ، إن رأيت أن تعيده عليّ .
فقال لي : «خذ من الكمّون والسعتر والملح فدقّه وخذ منه في فمك مرّتين أو ثلاثاً فإنّك تعافى» .
قال الرجل : فاستعملت ما وصفه لي فعوفيت .
قال الثعالبي : سمعت الصفواني يقول : رأيت هذا الرجل وسمعت منه هذه الحكاية(1) .=
وباسناده ، عن جعفر بن محمد النوفليّ قال : أتيت الرضا عليه السلام وهو بقنطرة أربق(1) فسلّمت عليه ثمّ جلست وقلت : جعلت فداك ، إنّ اُناساً يزعمون أنّ أباك حيّ .
فقال : «كذبوا لعنهم الله ، لوكان حيّاً ما قُسّم ميراثه ولا نكح نساؤه ، ولكّنه والله ذاق الموت كما ذاقه عليّ بن أبي طالب عليه السلام» .
قال : فقلت له : فما تأمرني؟
قال : «عليك بابني محمد من بعدي ، وأمّا أنا فإنّي ذاهب في وجه لا أرجع منه ، بورك قبر بطوس وقبران ببغداد» .
قلت : جعلت فداك قد عرفنا واحداً فما الثاني؟
قال : «ستعرفونه» ثمّ قال : «قبري وقبر هارون هكذا» وضمّ اصبعيه(2) .
وعن حمزة بن جعفر الاَرجانيّ قال : خرج هارون من المسجد الحرام من باب وخرج الرضا عليه السلام من باب ، فقال الرضا عليه السلام ـ وهو يعني هارون :: «ما أبعد الدار وأقرب اللقاء يا طوس يا طوس ، ستجمعني وإيّاه»(3) .
وباسناده ، عن الحسن بن عليّ الوشّاء قال : قال لي الرضا عليه السلام : «إنّي حيث أرادوا الخروج بي من المدينة جمعت عيالي فامرتهم أن =
4 : 344 ، الثاقب في المناقب 484 | 413 ، كشف الغمة 2 : 314 ، مكارم الاخلاق 1 :416 | 1412 .
وعن الحسن الوشّاء أيضاً ، عن مسافر قال : كنت مع الرضا عليه السلام بمنى فمرّ يحيى بن خالد مع قوم من آل برمك فغطّى وجهه من الغبار فقال عليه السلام : «مساكين لا يدرون ما يحلّ بهم في هذه السنة» ثمّ قال : «وأعجب من هذا هارون وأنا كهاتين» وضمّ بين إصبعيه .
قال مسافر : فما عرفت معنى حديثه حتّى دفنّاه معه(2) .
وباسناده ، عن صفوان بن يحيى قال : لمّا مضى أبو الحسن موسى عليه السلام وتكلّم الرضا عليه السلام خفنا عليه من ذلك وقلنا له : إنّك قد أظهرت أمراً عظيماً ، وإنّا نخاف عليك هذا الطاغي .
فقال : « ليجتهد جهده ، فلا سبيل له عليّ » .
قال صفوان «فأخبرنا الثقة : أنّ يحيى بن خالد قال للطاغي : هذا عليّ ابنه قد قعد وادّعى الاَمر لنفسه ، فقال : ما يكفينا ما صنعنا بأبيه ، تريد أن نقتلهم جميعاً!(3) .
وباسناده ، عن عليّ بن جعفر ، عن أبي الحسن الطيب قال : لمّا توفّي أبو الحسن موسى عليه السلام دخل أبو الحسن الرضا عليه السلام السوق واشترى كلباً وكبشاً وديكاً ، فلمّا كتب صاحب الخبر بذلك إلى هارون قال : قد أمنّا جانبه .
وكتب الزبيري : أنّ عليّ بن موسى قد فتح بابه ودعا إلى نفسه ، فقال هارون : واعجبا إنّ عليّ بن موسى قد اشترى كلباً وكبشاً وديكاً ويُكتب فيه بما يُكتب!(1) .
وباسناده ، عن الحسن بن موسى قال : خرجنا مع أبي الحسن الرضا عليه السلام إلى بعض أملاكه في يوم لا سحاب فيه ، فلّما برزنا قال : «حملتم معكم المماطر؟»
قلنا : لا ، وما حاجتنا إلى المماطر وليس سحاب ولا نتخوّف المطر؟!
قال : «لكني حملته وستمطرون» .
قال : فما مضينا إلاّ يسيراً حتّى ارتفعت سحابة ومُطِرنا ، فما بقي منّا أحدٌ إلاّ ابتلٌ(2) .
وأسانيد هذه الاَحاديث مذكورة في كتاب عيون الاَخبار للشيخ أبي جعفر قدس الله روحه .
وروى محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله بإسناده ، عن إبراهيم بن موسى قال : ألححت على أبي الحسن الرضا عليه السلام في شيء أطلبه منه وكان يعدني ، فخرج ذات يوم يستقبل والي المدينة وأنا معه ، فجاء إلى قرب قصر فلان فنزل تحت شجرات ونزلت معه أنا وليس معنا ثالث ، فقلت : جعلت فداك ، هذا العيد قد أظلّنا ولا والله ما أملك درماً فما سواه .
فحكّ بسوطه الاَرض حكّاً شديداً ثمّ ضرب بيده فتناول منه سبيكة
وأما ما ظهر للناس بعد وفاته من بركة مشهده المقدّس وعلاماته ، والعجائب التي شاهدها الخلق فيه ، وأذعن العامّ والخاصّ له ، وأقرّ المخالف والمؤالف به إلى يومنا هذا ، فكثير خارج عن حدّ الاِحصاء والعدّ ، ولقد اُبرئ فيه الاَكمه والاَبرص ، واُستجيبت الدعوات ، وقضيت ببركته الحاجات ، وكُشفت الملّمات ، وشاهدنا كثيراً من ذلك وتيقّناه وعلمناه علماً لا يتخالج الشكّ والريب في معناه ، فلو ذهبنا نخوض في إيراد ذلك لخرجنا عن الغرض في هذا الكتاب .
محمد بن يحيى الصولي ، عن ابن ذكوان قال : سمعت إبراهيم بن العبّاس يقول : ما رأيت الرضا عليه السلام سئل عن شيء قطُّ إلاّ علمه ، ولا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان إلى وقته وعصره ، وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كلّ شيء فيجيب عنه ، وكان كلامه كلّه وجوابه وتمثّله إنتزاعات من القرآن ، وكان يختمه في كلّ ثلاث ويقول : «لو أنّي أردت أن أختمه في أقرب من ثلاث لختمت ، ولكنّي ما مررت بآية قطّ إلاّ فكّرت فيها وفي أي شيء اُنزلت وفي أي وقت ، فلذلك صرت أختمه في كلّ ثلاث»(1) .
وفي رواية اُخرى : عن إبراهيم بن هاشم ، عن إبراهيم بن العبّاس أنّه قال : ما رأيتولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضا ، وشاهدت منه ما لم أشاهده من أحد ، وما رأيته جفا أحداً بكلامه قط ، ولا رأيته قطع على أحد كلامه حتّى يفرغ منه ، وما ردّ أحداً عن حاجة يقدر عليها ، ولا مدّ رجليه بين يدي جليس له قطُّ ، ولا اتكئ بين يدي جليس له قط ، ولا رأيته يشتم أحداً من مواليه ومماليكه ، وما رأيته تفل قط ، ولا رأيته يقهقه في ضحكه بل كان ضحكه التبسّم ، وكان إذا خلا ونصبت مائدته أجلس على مائدته مماليكه ومواليه حتّى البوّاب والسائس ، وكان قليل النوم بالليل ، كثير السهر ، يحيي أكثر لياليه من أوّلها إلى الصبح ، وكان كثير الصوم ، ولا يفوته صيام
وعن محمد بن أبي عباد قال : كان جلوس الرضا عليه السلام على حصير في الصيف وعلى مسح في الشتاء ، ولبسه الغليظ من الثياب حتّى إذا برز للناس تزيّن لهم(2) .
وروى الحاكم أبو عبدالله الحافظ بإسناده ، عن الفضل بن العبّاس ، عن أبي الصلت عبدالسلام بن صالح الهرويّ قال : ما رأيت أعلم من عليّ ابن موسى الرضا عليهماالسلام ، ولا رآه عالم ألاّ شهد له بمثل شهادتي ، ولقد جمع المأمون في مجالس له ذوات عدد علماء الاَديان وفقهاء الشريعة والمتكلّمين فغلبهم عن آخرهم حتّى ما بقي أحد منهم إلاّ أقّرّله بالفضل وأقرّ على نفسه بالقصور ، ولقد سمعت عليّ بن موسى الرضا عليهما السلام يقول : «كنت أجلس في الروضة والعلماء بالمدينة متوافرون ، فإذا أعيا الواحد منهم عن مسألة أشاروا إليّ بأجمعهم وبعثوا إليّ بالمسائل فأجيب عنها»(3) .
قال أبو الصّلت : ولقد حدّثني محمد بن إسحاق بن موسى بن جعفر ، عن أبيه : أنّ موسى بن جعفر عليهما السلام كان يقول لبنيه : «هذا أخوكم عليّ بن موسى عالم آل محمد ، فاسألوه عن أديانكم واحفظوا ما يقول لكم ،
وروى عليّ بن إبراهيم بن هاشم ، عن أبيه ، عن محمد بن يحيى الفارسيّ قال : نظر أبو نؤاس إلى الرضا عليه السلام ذات يوم وقد خرج من عند المأمون على بغلة له ، فدنا منه وسلّم عليه وقال : ياابن رسول الله ، قد قلت فيك أبياتاً وأنا اُحبّ أن تسمعها منّي .
قال : «هات» فأنشأ يقول :| مـطهـّرونَ نقيّـــات ثــيابـــــهم | * | تجري الصلاةُ عليــــهم أين ما ذُكروا |
| مـن لـم يكن علويّاً حـين تنســــــبهُ | * | فمـا لهُ في قــــديمِ الدهــر مفتخرُ |
| فـالله لـمّا بـــــــرا خلــقاًفأ تقنـهُ | * | صــفّاكــم واصـطفاكم أيّها البشـرُ |
| فأنتـم المـلاَ الاَعلــى وعنــــــدكـم | * | علمُ الكتاب ومـا جـاءت به الـسـورُ |
فقال الرضا عليه السلام : «قد جئتنا بأبيات ما سبقك إليها أحدٌ ، يا غلام هل معك من نفقتنا شيء؟» .
فقال : ثلاثمائة دينار .
فقال : «أعطها إيّاه» ثم قال : «لعلّه استقلّها ، يا غلام سق إليه البغلة»(2) .
ولاَبي نؤاس فيه أيضاً :| قيل لي أنت أوحدُ الناسِ طرّاً | * | في فنونٍ من الكلام النبيهِ(3) |
| لك مـِن جَوهرِ الكـلامِ بديعٌ | * | يثمرُ الدرُ في يـدي مجتنيهِ |
| فعلامَ تركتَ مدحَ ابن موسى | * | والخصـالَ التي تجمّعنَ فيهِ |
| قلتُ لا أهـتدي لمدحِ إمـامٍ | * | كـان جبريلُ خادماً لاَبيه(1) |
علىُّ بن إبراهيم بن هاشم ، عن أبيه ، عن أبي الصلت الهرويّ قال : دخل دعبل بن عليّ الخزاعيّ على الرضا عليه السلام بمرو فقال له : يا ابن رسول الله ، إنّي قد قلت فيكم قصيدة ، وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحداً قبلك .
فقال عليه السلام : «هاتها» .
فأنشده :
فلما بلغ إلى قوله :
بكى أبو الحسن الرضا عليه السلام وقال له : «صدقت يا خزاعيّ» .
فلما بلغ إلى قوله :
جعل الرضا عليه السلام يقلّب كفّيه ويقول : «أجل والله منقبضات» .
فلما بلغ إلى قوله :
قال الرضا عليه السلام : «آمنك الله يوم الفزع الاَكبر» .
فلما انتهى إلى قوله :