ثمّ كانت غزوة بني النضير، وذلك أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مشى إلى كعب بن الأشرف يستقرضه فقال: مرحباً بك يا أبا القاسم وأهلاً . فجلس رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأصحابه وقام كأنّه يصنع لهم طعاماً، وحدّث نفسه أن يقتل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فنزل جبرئيل عليه السلام وأخبره بما همّ به القوم من الغدر، فقام صلّى الله عليه وآله وسلّم كأنّه يقضي حاجة، وعرف أنّهم لا يقتلون أصحابه وهو حيّ، فأخذ عليه السلام الطريق نحو المدينة، فاستقبله بعض أصحاب كعب الذين كان أرسل إليهم يستعين بهم على رسول الله، فأخبر كعباً بذلك، فسار المسلمون راجعين.
فقال عبدالله بن صورياـ وكان أعلم اليهود ـ: والله إنّ ربّه اطلعه على ما أردتموه من الغدر، ولا يأتيكم والله أوّل ما يأتيكم إلاّ رسول محمّد يأمركم عنه بالجلاء، فأطيعوني في خلصلتين لا خير في الثالثة: أن تسلموا فتأمنوا على دياركم وأموالكم، وإلاّ فإنّه يأتيكم من يقول لكم: اخرجوا من دياركم.
فقالوا: هذه أحبّ إلينا.
قال: أمّا إنّ الاُولى خيرٌ لكم منها، ولولا أنّي أفضحكم لأسلمت.
ثمّ بعث [صلّى الله عليه وآله وسلّم] محمّد بن مسلمة إليهم يأمرهم بالرحيل والجلاء عن ديارهم وأموالهم، وأمره أن يؤجّلهم في الجلاء ثلاث ليال (1).
ثمّ كانت غزوة بني لحيان، وهي الغزوة التي صلّى فيها صلاة الخوف بعسفان حين أتاه الخبر من السماء بما همّ به المشركون. وقيل: إنّ هذه
ثمّ كانت غزوة ذات الرقاع بعد غزوة بني النضير بشهرين. قال البخاري: إنّها كانت بعد خيبر، لقي بها جمعاً من غطفان، ولم يكن بينهما حرب، وقد خاف الناس بعضهم بعضاً حتّى صلّى رسول الله صلاة الخوف ثمّ انصرف بالناس (2).
وقيل: إنمّا سمّيت ذات الرقاع لاَنّه جبل فيه بقع حُمرةٍ وسوادٍ وبياضٍ فسمّي ذات الرقاع(3).
وقيل: إنّما سمّيت بذلك لاَنّ أقدامهم نقبت فيها، فكانوا يلفون على أرجلهم الخرق(4).
وكان صلّى الله عليه وآله وسلّم على شفير واد نزل أصحابه على الغدوة الاُخرى من الوادي، فهم كذلك إذ أقبل سيل، فحال بينه وبين أصحابه، فرآه رجل من المشركين يقال له: غورث، فقال لقومه: أنا أقتل لكم محمّداً. فأخذ سيفه ونحا نحوه وقال: من ينجيك منّي يا محمّد؟
قال: «ويلك، ينجيني ربّي».
فسقط على ظهره، فأخذ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم سيفه وجلس على صدره ثمّ قال: «من ينجيك منّي يا غورث؟».
قال: جودك وكرمك يا محمّد. فتركه، فقام وهو يقول: والله لأنت أكرم
ثمّ كانتغزوة بدر الأخيرة في شعبان. خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى بدر لميعاد أبي سفيان، فأقام عليها ثمان ليال، وخرج أبو سفيان في أهل تهامة، فلمّا نزل الظهران بدا له في الرجوع، ووافق رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأصحابه السوق فاشتروا وباعوا وأصابوا بها ربحاً حسناً(2).
ثمّ كانت غزوة الخندق ـ وهي الأحزاب ـ في شوّال من سنة أربع من الهجرة. أقبل حييٌ بن أخطب وكنانة بن الربيع وسلاّم بن ابي الحقيق وجماعة من اليهود بقريش وكنانة وغطفان، وذلك أنّهم قدموا مكّة فصاروا إلى أبي سفيان وغيره من قريش، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وقالوا لهم: أيدينا مع أيديكم، ونحن معكم حتّى نستأصله، ثم خرجوا إلى غطفان ودعوهم إلى حرب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأخبروهم باتّباع قريش إياهم، فاجتمعوا معهم.
وخرجت قريش وقائدها أبو سفيان، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف في بني مرّة، ومسعود بن رخيلة(3)=
منها: ما رواه جابر بن عبدالله، قال: اشتدّ عليهم في حفر الخندق كدية(2) فشكوا ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فدعا بإناء من ماء فتفل فيه، ثمّ دعا بما شاء الله أن يدعو، ثمّ نضح الماء على تلك الكدية فقال من حضرها: فوالذي بعثه بالحقّ لانثالت حتّى عادت كالكندر(3)ما تردّ فأساً ولا مسحاة(4).
ومنها: ما رواه جابر من إطعام الخلق الكثير من الطعام القليل. وقد ذكرناه فيما قبل(5).
ومنها: ما رواه سلمان الفارسي رضي الله عنه، قال: ضربت في ناحية من الخندق، فعطف عليّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو قريب منّي، فلما رآني أضرب ورأى شدّة المكان عليّ نزل فأخذ المعول من يدي فضرب به ضربة فلمعت تحت المعول برقة، ثمّ ضرب ضربة اُخرى فلمعت تحته برقة اُخرى، ثمّ ضرب به الثالثة فلمعت برقة اُخرى. فقلت: يا رسول الله بأبي أنت واُمّي ما هذا الذي رأيت؟
إلاّ أنّه في سيرة ابن هشام والكامل لابن الأثير: مسهر بن دخيلة.
فقال: «أمّا الأولى فإنّ الله تعالى فتح عليَّ بها اليمن، وأمّا الثانية فإنّ الله تعالى فتح عليَّ بها الشام والمغرب، وأمّا الثالثة فإنّ الله فتح عليّ بها المشرق»(1)
وأقبلت الأحزاب إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، فهال المسلمين أمرهم، فنزلوا ناحية من الخندق، وأقاموا بمكانهم بضعاً وعشرين ليلة، لم يكن بينهم حرب إلاّ الرمي بالنبل والحصى.
ثمّ انتدب فوارس قريش للبراز، منهم عمرو بن عبد ودّ، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب، وضرار بن الخطّاب، تهيؤوا للقتال، وأقبلوا على خيولهم حتّى وقفوا على الخندق، فلمّا تأمّلوه قالوا: والله إنّ هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها، ثمّ تيمّموا مكاناً من الخندق فيه ضيق فضربوا خيولهم فاقتحمته، فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسَلع(2) وخرج عليّ بن أبي طالب عليه السلام في نفر معه حتّى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموها، فتقدّم عمرو بن عبد ودّ وطلب البراز، فبرز إليه عليّ عليه السلام فقتله ـ وسنذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله ـ فلمّا رأى عكرمة وهبيرة عمراً صريعاً ولّوا منهزمين، وفي ذلك يقول أمير المؤمنين عليه السلام في أبيات شعر:
ورمى ابن العرقة بسهم فأصاب أكحل سعد بن معاذ وقال: خذها مني وأنا ابن العرقة، قال: عرّق الله وجهك في النار، وقال: اللهمّ إن كنت أبقيت من حرب في قريش شيئاً فأبقني لحربهم، فإنّه لا قوم أحبّ إليّ قتالاً من قوم كذّبوا رسولك وأخرجوه من حرمك، اللهمّ وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة ولا تمتني حتّى تقرّ عيني من بني قريظة. فأباته رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على فراشه وبات على الأرض(2).
قال أبان بن عثمان: حدّثني من سمع أبا عبدالله عليه السلام يقول: قام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على التلّ الذي عليه مسجد الفتح في ليلة ظلماء قرّة، قال: من يذهب فيأتينا بخبرهم وله الجنّة؟ فلم يقم أحد ثمّ عاد ثانية وثالثة فلم يقم أحد، فقام حذيفة فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: انطلق حتّى تسمع كلامهم وتأتيني بخبرهم.
فذهب فقال: اللّهم احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، حتّى تردّه إليّ، وقال: لا تحدث شيئاً حتّى تأتيني.
ولمّا توجّه حذيفة قام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يصلّي ثمّ نادى بأشجى صوت: يا صريخ المكروبين، يا مجيب دعوة المضطّرين، اكشف همّي وكربي، فقد ترى حالي وحال من معي.
فنزل جبرئيل فقال: يا رسول الله إنّ الله عزّ وجلّ سمع مقالتك
ثمّ قال جبرئيل عليه السلام: يا رسول الله، ان الله قد نصرك وبعث عليهم ريحاً من السماء الدنيا فيها الحصى، وريحاً من السماء الرابعة فيها الجنادل.
قال حذيفة: فخرجت فإذا أنا بنيران القوم قد طفئت وخمدت، وأقبل جند الله الأوّل ريح شديدة فيها الحصى، فما ترك لهم ناراً إلاّ أخمدها، ولا خباء إلاّ طرحها، ولا رمحاً إلاّ ألقاها، حتّى جعلوا يتترسون من الحصى، وكنت أسمع وقع الحصى في الترسة، وأقبل جند الله الأعظم، فقام أبو سفيان إلى راحلته ثمّ صاح في قريش: النجاء النجاء، ثمّ فعل عيينة بن حصن مثلها، وفعل الحارث بن عوف مثلها، وذهب الأحزاب.
ورجع حذيفة إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فأخبره الخبر، وأنزل الله على رسوله (اذكرُوا نعمة الله عَلَيكُم إذْ جاءَتْكُم جنودٌ فأرسَلْنا عَلَيهم رِيحاً وجُنوداً لَم تَروها)(1)إلى ما شاء الله تعالى من السورة(2).
وأصبح رسول الله بالمسلمين حتّى دخل المدينة، فضربت ابنته فاطمة غسولاً حتى تغسل رأسه، إذ أتاه جبرئيل على بغلة معتجراً(3)بعمامة بيضاء، عليه قطيفة من استبرق معلّق عليها الدرّ والياقوت، عليه الغبار، فقام رسول
فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم عليّاً عليه السلام فقال: «قدّم راية المهاجرين إلى بني قريضة، وقال: «عزمت عليكم أن لا تصلّوا العصر إلاّ في بني قريظة».
فأقبل عليّ عليه السلام ومعه المهاجرون وبنو عبد الأشهل وبنو النجّار كلّها، لم يتخلّف عنه منهم أحد، وجعل النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يسرّب إليه الرجال، فما صلّى بعضهم العصر إلاّ بعد العشاء.
فأشرفوا عليه وسبّوه، وقالوا: فعل الله بك وبابن عمّك، وهو واقف لا يجيبهم، فلمّا أقبل رسول الله عليه وآله وسلّم والمسلمون حوله تلقّاه أمير المؤمنين عليه السلام وقال: «لا تأتهم يا رسول الله جعلني الله فداك، فإنّ الله سيجزيهم». فعرف رسول الله أنّهم قد شتموه، فقال: «أما إنّهم لو رأوني ما قالوا شيئاً ممّا سمعت». وأقبل ثمّ قال: «يا إخوة القردة، إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، يا عباد الطاغوت اخسؤوا أخساكم الله». فصاحوا يميناً وشمالاً: يا أبا القاسم ما كنت فحّاشاً فما بدا لك(2).
قال الصادق عليه السلام: فسقطت العنزة من يده، وسقط رداءه من
فحاصرهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم خمساً وعشرين ليلة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم بقتل الرجال وسبي الذراري والنساء وقسمة الأموال، وأن يجعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار.
فقال له النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة.
فلمّا جيء بالاُسارى حبسوا في دار، وأمر بعشرة فاُخرجوا فضرب أمير المؤمنين أعناقهم، ثم أمر بعشرة فاُخرجوا فضرب الزبير أعناقهم، وقلَّ رجل من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلاّ قتل الرجل والرجلين.
قال: ثمّ انفجرت رمية سعد والدم ينفح حتّى قضى ، ونزع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم رداءه فمشى في جنازته بغير رداء. ثمّ بعث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عبدالله بن رواحة إلى خيبر، فقتل سيربن دارم اليهودي، وبعث عبدالله بن عتيك إلى خيبر فقتل أبا رافع بن أبي الحقيق»(1).
ثمّ كانت غزوة بني المصطلق من خزاعة، ورأسهم الحارث بن أبي الضرار، وقد تهيؤوا للمسير إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهي غزوة المُرَيسيع(2)، وهو ماء، وقعت في شعبان سنة خمس، وقيل: في شعبان سنة ست، والله أعلم(3).
قالت جويرية بنت الحارث ـ زوجة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ: أتانا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ونحن على المُرَيسيع،
قالت: ورأيت قبل قدوم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بثلاث ليال كأن القمر يسير من يثرب حتّى وقع في حجري، فكرهت أن أخبر بها أحداً من الناس، فلمّا سبينا رجوت الرؤيا، فأعتقني رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وتزوّجني(1).
وأمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أصحابه أن يحملوا عليهم حملة رجل واحد ، فما أفلت منهم إنسان ، وقتل عشرة منهم واُسر سائرهم ،وكان شعار المسلمين يومئذ «يا منصور أمت» .
وسبى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم الرجال والنساء والذراري والنعم والشياه، فلمّا بلغ الناس أنّ رسول الله تزوّج جويرية بنت الحارث قالوا: أصهار رسول الله. فأرسلوا ما كان في أيديهم من بني المصطلق، فما عُلم امرأة أعظم بركة على قومها منها(2).
وفي هذه الغزوة قال عبدالله بن اُبي (لَئن رجَعنا إلى المَدِينَةِ لَيُخرِجَنَّ الأعَزّ مِنها الأذَلّ)(3) ، واُنزلت الآيات.
وفيها كانت قصة إفك عائشة(4).=
ولعل الأمر ليس بعسير على أحد ادراكه من خلال استقراء الكثير من تلك الوقائع والأخبار وما تؤدي إليه بالتالي عند اعتقاد المسلمين بها، والتسليم بصحتها.
وإذا لم نكن هنا بمعرض التحدث عن هذا الموضوع الحساس والمهم، قدر ما أردنا منه الاشارة العرضية إلى حقيقة خطيرة كانت لها آثار وخيمة في صياغة وبناء الكثير من الآراء والمعتقدات التي يذهب إلى تبنيها البعض.
ولعل حديث الافك المشهور، والآيات النازلة فيه من تلك الوقائع التي تناولتها سياسة الأمويين بالتحريف والكذب بشكل مدروس انخدع فيه الكثيرون، وسلموا بحتمية ما قرأوه من تفصيلات متعددة تصب في غرض واحد.
والخبر كما يرويه أصحابنا وغيرهم هو أن المرأة التي رميت بهذا الافك كانت ماريه القبطية اُم ولد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وليست عائشة كما هو مشهور عند الكثرين الذين أخذوا بما سطرته السياسات المنحرفة التي كان يديرها الأمويون من أجل إضفاء صفة القدسية على عائشة التي نقلوا عنها أو نسبوا إليها من الأخبار المنحرفة عن أهل البيت عليهم السلام، مع ما عرف عنها من موفق حاد ومعارض لاَمير المؤمنين علي بن أبى طالب عليه السلام، كان أوضحه في خروجها عليه في وقعة الجمل المشهورة التي كانت من أعظم الفتن التي ابتليت بها الأمّة الاسلامية المذهولة بما تراه وتسمعه.
والحق يقال: إن استقراء تلك الروايات ـ التي جهد واضعوها ومروّجوها في إخراجها بشكل لا يدعون فيه منفذاً للطعن أو الشك ـ يبيِّن بوضوح جملة واسعة من المؤاخذات والردود التي تذهب إلى نفي صحة هذه النسبة، والقطع بها.
ولما كان التعرُّض لمناقشة هذا الموضوع يتطلب التوسع الكثير في إيراد تفاصيل تلك الواقعة، فإن ذلك لا يحول دون الاشارة العابرة إلى بعض تلك الحقائق المهمة.
فمن الحقائق المثيرة للاستغراب كون هذا الخبر إما منقولاً عن عائشة عينها، أو عن صحابي لم يكن حاضرأً في تلك الواقعة، أو أنه كان حين الواقعة صغيراً لا يعقل، أو غير ذلك من العلل المضعفة للحديث، والنافية لتواتره وصحته.
هذا مع تنافي العديد من الأخبار المنقولة عن هذا الأمر مع سياق الاحداث المصوّرة من=
ولعل هذا الفهم لا يكتمل دون التعرض لما رواه الشيعة في كتبهم ، ويعضدهم في ذلك بعض الآخرين ، من القول بأن الافك كان مختصاً بمارية القبطية وولدها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إبراهيم ، حيث طعن البعض في نسبته إلى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ،وذهب إلى القول بأنه من ابن جريح ، ابن عم مارية ، والذي اُهدي معها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
ورغم أن العديد من تلك المصادر تذكر بأن عائشة المشهورة بغيرتها من بعض زوجات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولا سيما مارية التي تذكر انها : ما غارت من امرأة دون ما غارت من مارية لجمالها ، وانجابها ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ كانت مصدر نشأة هذا الخبر (انظر : طبقات ابن سعد 1 : 137 ، مستدرك الحاكم مع تلخيصه للذهبي4 : 39 ، البداية والنهاية 3 : 305 ،الدر المنثور 6 : 240) ، إلاّ أنا نريد هنا الاستطراد في هذا الاتجاه عدا التلميح إلى ذلك .
وأي كان قائل ذلك الافك العظيم فإن ترتب جملة الوقائع اللاحقة للافك تتوافق بشكل صريح مع ما ذهبنا إليه من افترائه على مارية دون عائشة .
فالمصادر الحديثية والمتعددة التي تذكر إرسال رسول الله صلى الاله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام نحو ابن جريح ـ الرجل المتهم بهذا الأمر ـ وإظهار عجزه عن فعلا لقبيح لكونه ممسوحاً أو مجبوباً ، وليس له ما للرجال أمام الملأ ، جاء متوافقاً مع مزول الآيات القرآنية المباركة فسورة النور ، والتي برأت تلك المرأة الشريفة شرعياً من هذا البهتان العظيم ، فكان هنا براءتان لها : شرعية ، وواقعية ، وهذا لم يلتفت إليه ناسجو وهم حكاية عائشة.=
وبعث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في سنة ستّ في شهر ربيع الأول عكاشة بن محصن في أربعين رجلاً إلى الغمرة(1) ، وبكّر القوم فهربوا، وأصاب مائتي بعير لهم، فساقها إلى المدينة(2).
وفيها: بعث أبا عبيدة بن الجرّاح إلى القصّة(3)في أربعين رجلاً،
وإذا ذهبنا إلى أن مصدر التوبيخ يرتكز إلى وجوب الدفاع عن حريم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنه أصدق وأوضح في قصة مارية ، فتأمل .
وأخيراً نقول : ان اضفاء صفة القدسية المستوحاة من إشارة الباري عز وجل بكهارتها عفتها وبراءتها أمر لا تجد السياسة الاموية المنرفة خيراً منه لاستثمارها حالة الخلاف الحادة التي كانت تعرف بها عائشة قبال أهل البيت عليهم السلام كما ذكرنا سابقاً .
نعم ان اضفاء هذه الاعتبارات المهمة إلى شخصية عائشة يعني الكثير للامويين طالماأن لا أحد منهم يمتلك أي قدر من الاعتبار ، بل على العكس من ذلك فلم ينلهم من الله تعالى ورسوله الا التوهين والاستخفاف وتحذير الاُمة من خطرهم وعدائهم للاسلام وأهله .
ولذا فلا غرابة أن نجد لهاث الامويين وسعيه الدائب لشراء ضمائر بعض الصحابة المعروضة في سوق النخاسة ـ أمثال أبي هريرة الدوسي ، وسمرة بن جندب ـ لمنحهم طرفاً من الاعتبار قبال البناء المقدسس لأهل بيت العصمة عليهم السلام .
راجع ما كتب حول قصة الافك ، وبالاخص كتاب حديث الافك للسيد جعفر مرتضىالعاملي ، وانظر الروايات المحددة للواقعة بمارية في : صحيح مسلم 4: 2139 | 2771 ،طبقات ابن سعد 8 : 214 ، مستدرك الحاكم وتلخيصه للذهبي 4 : 39 و 40 ، الاصابة 3 :334 ، الاستيعاب بهامش الاصابة 4 : 411 ، مجمع الزوائد 9 : 116 ، اُسد الغابة 5 : 543 ، الكامل في التأريخ 2 : 313 ، السيرة الحلبية 3 : 312 .=
وفيها: بعث محمّد بن مسلمة إلى قوم من هوازن فكمن القوم لهم وافلت محمّد وقتل أصحابه(2).
وفيها: كانت سريّة زيد بن حارثة إلى الجموم من أرض بني سُليم، فأصابوا نعماً وشاء وأسرى(3).
وفيها: كانت سريّة زيد بن حارثة إلى العيص(4)(5).
وفيها: سريّة بن حارثة إلى الطرف إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلاً، فهربوا وأصاب منهم عشرين بعيراً(6).
وقيل: هو موضع بينه وبين المدينة أربعة وعشرون ميلاً «انظر: معجم البلدان 4: 366».
وفيها: كانت غزوة عليّ بن أبي طالب عليه السلام إلى بني عبدالله بن سعد من أهل فدك، وذلك أنه بلغ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّ لهم جمعاً يريدون أن يمدّوا يهود خيبر(1).
وفيها: سريّة عبد الرحمن بن عوف إلى دُومة الجندل(2)في شعبان، وقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «إن أطاعوا فتزوّج ابنة ملكهم» فأسلم القوم وتزوّج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ، وكان أبوها رأسهم وملكهم(3)
وفيها: بعث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ في قول الواقدي ـ إلى العرنيين الذين قتلوا راعي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم واستاقوا الاِبل عشرين فارساً، فاتي بهم ، فاُمر بقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، وتركوا بالحرّة حتّى ماتوا(4).
وقال الكلبي: دوماء بن إسماعيل، قال: ولما كثر ولد إسماعيل عليه السلام بتهامة خرج دوماء بن إسماعيل حتى نزل موضع دومة، وبنى به حصناً، فقيل: دوماء، ونسب الحصن إليه. وهي على سبع مراحل من دمشق بينها وبين مدينة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.
وقيل: سميت دومة الجندل لاَن حصنها مبني بالجندل « انظر: معجم البلدان 2: 487».=
وروي عن جابر بن عبدالله: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم دعا عليهم فقال: «اللهمّ عمّ عليهم الطريق» قال: فعمي عليهم الطريق(1)
وفيها: اُخذت أموال أبي العاص بن الربيع وقد خرج تاجراً إلى الشام ومعه بضائع لقريش، فلقيته سريّة لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم واستاقوا عيره وأفلت، وقدموا بذلك على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقسّمه بينهم، وأتى أبو العاص فاستجار بزينب بنت رسول الله صلّى عليه وآله وسلّم وسألها أن تطلب من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ردّ ماله عليه وما كان معه من أموال الناس، فدعا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم السريّة وقال: «إنّ هذا الرجل منّا بحيث قد علمتم، فإن رأيتم أن تردّوا عليه فافعلوا».
فردّوا عليه ما أصابوا، ثمّ خرج وقدم مكّة ورد على الناس بضائعهم، ثمّ قال: أما والله ما منعني أن أسلم قبل أن أقدم عليكم إلاّ توقّياً أن تظنّوا أنّي أسلمت لأذهب بأموالكم، وإنّي أشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمّداً عبده ورسوله(2).
وفيها: كانت غزوة الحديبية في ذي القعدة، خرج صلّى الله عليه وآله وسلّم في ناس كثير من أصحابه يريد العمرة وساق معه سبعين بدنة، وبلغ ذلك المشركين من قريش، فبعثوا خيلا ليصدّوه عن المسجد الحرم، وكان صلّى الله عليه وآله وسلّم يرى أنّهم لا يقاتلونه لاَنّه خرج في الشهر الحرام،
وأتى بدليل بن ورقاء إلى قريش فقال لهم: يا معشر قريش خفّضوا عليكم، فإنّه لم يأت يريد قتالكم وإنّما يريد زيارة هذا البيت.
فقالوا: والله ما نسمع منك ولا تحدّث العرب أنّه دخلها عنوة، ولا نقبل منه إلاّ أن يرجع عنّا، ثمّ بعثوا إليه بكر بن حفص وخالد بن الوليد وصدّوا الهدي.
وبعث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عثمان بن عفّان إلى أهل مكّة يستأذنهم في أن يدخل مكّة معتمراً، فأبوا أن يتركوه، واُحتبس عثمان، فظنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّهم قتلوه فقال لاَصحابه: «أتبايعونني على الموت؟» فبايعوه تحت الشجرة على أن لا يفرّوا عنه أبداً.
ثمّ إنّهم بعثوا سهيل بن عمرو فقال: يا أبا القاسم، إنّ مكّة حرمنا وعزّنا، وقد تسامعت العرب بك أنّك قد غزوتنا، ومتى ما تدخل علينا مكّة عنوة يطمع فينا فنتخطّف، وإنّا نذكرك الرحم، فإنّ مكّة بيضتك التي تفلّقت عن رأسك.
قال: «فما تريد؟».
قال: اُريد أن أكتب بيني وبينك هدنة على أن اُخلّيها لك في قابل فتدخلها ولا تدخلها بخوف ولا فزع ولا سلاح إلاّ سلاح الراكب، السيف في القراب والقوس.
فدعا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عليّ بن أبي طالب عليه السلام فأخذ أديماً احمراً فوضعه على فخذه ثمّ كتب: «بسم الله الرحمن الرحيم.» ـ وسنذكر تمام ذلك في مناقب أمير المؤمنين ـ:
هذا ما قاضى عليه محمّد بن عبدالله بن عبد المطلب ومن معه من
فجاء أبو جندل إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم حتّى جلس إلى جنبه، فقال أبوه سهيل: ردّه عليّ، فقال المسلمون: لا نردّه.
فقام صلّى الله عليه وآله وسلّم وأخذ بيده وقال: «اللّهم إن كنت تعلم أنّ أبا جندل لصادقٌ فاجعل له فرجاً ومخرجاً» ثمّ أقبل على الناس وقال: «إنّه ليس عليه بأس، إنّما يرجع إلى أبيه واُمه، وإنّي أريد أن اتمّ لقريش شرطها».
ورجع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى المدينة وأنزل الله في الطريق سورة الفتح (اِنّا فَتَحنا لَكَ فَتحاً مُبيناً)(1).
قال الصادق عليه السلام: «فما انقضت تلك المدّة حتّى كاد الاسلام يستولي على أهل مكّة».
ولمّا رجع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى المدينة انفلت أبو بصير بن اُسيد بن جارية(1)الثقفي من المشركين، وبعث الأخنس بن شريق في أثره رجلين فقتل أحدهما وأتى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مسلماً مهاجراً فقال [له صلّى الله عليه وآله وسلّم]: «مسعّر حرب لو كان معه احد» ثمّ قال: «شأنك بسلب صاحبك، واذهب حيث شئت».
فخرج أبو بصير ومعه خمسة نفر كانوا قدموا معه مسلمين، حتّى كانوا بين العيص وذي المروة من أرض جهينة على طريق عيرات قريش مما يلي سيف البحر، وانفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو في سبعين رجلاً راكباً اسلموا فلحق بأبي بصير، واجتمع إليهم ناس من غفار وأسلم وجهينة حتّى بلغوا ثلاثمائة مقاتل وهم مسلمون، لا تمرّ بهم عير لقريش إلاّ أخذوها وقتلوا أصحابها، فأرسلت قريش أبا سفيان بن حرب إلى رسول الله يسألونه ويتضرّعون إليه أن يبعث إلى أبي بصير وأبي جندل ومن معهم فيقدموا عليه، وقالوا: من خرج منّا إليك فأمسكه غير حرج أنت فيه. فعلم الذين كانوا أشاروا على رسول الله أن يمنع أبا جندل من أبيه بعد القضية(2)أنّ طاعة رسول الله خير لهم فيما أحبّوا وفيما كرهوا.
وكان أبو بصير وأبو جندل وأصحابهما هم الذين مرّ بهم أبو العاص بن الربيع من الشام في نفر من قريش فأسروهم وأخذوا ما معهم ولم يقتلوا منهم أحداً لصهر أبي العاص رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وخلّوا سبيل أبي العاص فقدم المدينة على امرأته وكان أذن لها حين خرج إلى الشام أن تقدم المدينة فتكون مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأبو العاص هو
ثمّ كانت غزوة خيبر في ذي الحجّة من سنة ستّ ـ وذكر الواقديّ: أنّها كانت أوّل سنة سبع من الهجرة(2)ـ وحاصرهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بضعاً وعشرين ليلة، وبخيبر أربعة عشر ألف يهوديّ في حصونهم، فجعل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يفتتحها حصناً حصناً، وكان من أشدّ حصونهم وأكثرها رجالاً القموص، فأخذ أبو بكر راية المهاجرين فقاتل بها ثمّ رجع منهزماً، ثمّ أخذها عمر بن الخطّاب من الغد فرجع منهزماً يجبّن الناس ويجبّنونه حتّى ساء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ذلك فقال: «لاعطيّن الراية غداً رجلاً كرّاراً غير فرّار، يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، ولا يرجع حتّى يفتح الله على يده».
فغدت قريش يقول بعضهم لبعض: أمّا عليّ فقد كفيتموه فإنّه أرمد لا يبصر موضع قدمه. وقال عليّ عليه السلام لمّا سمع مقالة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «اللّهم لا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت».
فأصبح رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم واجتمع إليه الناس. قال سعد: جلست نصب عينيه ثمّ جثوت على ركبتي ثمّ قمت على رجلي قائماً رجاء أن يدعوني، فقال: «ادعو لي عليّاً» فصاح الناس من كلّ جانب: إنّه أرمد رمداً لا يبصر موضع قدمه فقال: «أرسلوا إليه وادعوه».
فاُتي به يقاد، فوضع رأسه على فخذه ثمّ تفل في عينيه، فقام وكأنَّ عينيه جزعتان(3)، ثمّ أعطاه الراية ودعا له فخرج يهرول هرولة، فوالله ما بلغت=
قال جابر: فأعجلنا أن نلبس أسلحتنا، وصاح سعد: يا أبا الحسن أربع يلحق بك الناس، فأقبل حتّى ركزها قريباً من الحصن فخرج إليه مرحب في عادية اليهود(1) فبارزه فضرب رجله فقطعها وسقط، وحمل علي والمسلمون عليهم فانهزموا(2).
قال أبان: حدّثنى زرارة قال: قال الباقر عليه السلام: «انتهى إلى باب الحصن وقد اُغلق في وجهه فاجتذبه اجتذاباً وتترّس به، ثمّ حمله على ظهره واقتحم الحصن اقتحاماً، واقتحم المسلمون والباب على ظهره. قال: فوالله ما لقي عليّ عليه السلام من الناس تحت الباب أشدّ ممّا لقي من الباب، ثمّ رمى بالباب رمياً.
وخرج البشير إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: أنّ عليّاً دخل الحصن، فأقبل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فخرج عليّ يتلقّاه، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: قد بلغني نبأك المشكور وصنيعك المذكور، قد رضي الله عنك ورضيت أنا عنك. فبكى عليّ عليه السلام، فقال له: ما يبكيك يا علي؟ فقال: فرحاً بأنّ الله ورسوله عنّي راضيان.
قال: وأخذ عليّ فيمن أخذ صفيّة بنت حييّ، فدعا بلالاً فدفعها إليه
الأعين. «لسان العرب 8: 48».
قال: فلمّا فرغ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من خيبر عقد لواء ثمّ قال: «من يقوم إليه فيأخذه بحقّه؟» وهو يريد أن يبعث به إلى حوائط فدك، فقام الزبير إليه فقال: أنا، فقال له: «امط عنه» ثمّ قام إليه سعد، فقال: «امط عنه»، ثمّ قال: «يا عليّ قم إليه فخذه» فأخذه فبعث به إلى فدك فصالحهم على أن يحقن دماءهم، فكانت حوائط فدك لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم خاصّاً خالصاً. فنزل جبرئيل عليه السلام فقال: «إنّ الله عزّ وجلّ يأمرك تؤتي ذا القربى حقّه».
فقال: «يا جبرئيل ومن قرباي وما حقّها؟».
قال: «فاطمة فأعطها حوائط فدك، وما لله ولرسوله فيها».
فدعا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فاطمة عليها السلام وكتب لها كتاباً جاءت به بعد موت أبيها إلى أبي بكر وقالت: «هذا كتاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لي ولا بني»(1).
قال ولمّا افتتح رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم خيبر أتاه البشير بقدوم جعفر بن أبي طالب وأصحابه من الحبشة إلى المدينة، فقال: «ما
وعن سفيان الثوريّ، عن أبي الزّبير، عن جابر قال: لمّا قدم جعفر بن أبي طالب عليه السلام من أرض الحبشة تلقّاه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فلمّا نظر جعفر إلى رسول الله حجل ـ يعني مشى على رجل واحدة ـ إعظاماً لرسول الله، فقبّل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ما بين عينيه(2).
وروى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لمّا استقبل جعفراً التزمه ثمّ قبّل بين عينيه، قال: «وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بعث قبل أن يسير إلى خيبر عمرو بن اُميّة الضمري إلى النجاشي عظيم الحبشة ، ودعاه إلى الإسلام فأسلم ، وكان أمر عمراً أن يتقدم بجعفر وأصحابه، فجهّز النجاشي جعفراً وأصحابه بجهاز حسن، وأمر لهم بكسوة، وحملهم في سفينتين»(3).
ثمّ بعث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ فيما رواه الزهري ـ عبدالله بن رواحة في ثلاثين راكباً فيهم عبدالله بن أنيس إلى اليسير بن رزام اليهودي، لمّا بلغه أنّه يجمع غطفان ليغزو بهم. فأتوه فقالوا: أرسلنا إليك رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ليستعملك على خيبر، فلم يزالوا به حتّى تبعهم في ثلاثين رجلاً مع كلّ رجل منهم رديف من المسلمين.
فلمّا ساروا ستّة أميال ندم اليسير فأهوى بيده إلى سيف عبدالله بن
وبعث غالب بن عبدالله الكلبي إلى أرض بني مرّة فقتل وأسر(5).
وبعث عيينة بن حصن البدري إلى أرض بني العنبر فقتل وأسر(6).
ثمّ كانت عمرة القضاء سنة سبع اعتمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم والذين شهدوا معه الحديبية، ولمّا بلغ قريشاً ذلك خرجوا متبدّدين، فدخل مكّة وطاف بالبيت على بعيره بيده محجن(7)يستلم به الحجر، وعبدالله بن رواحة أخذ بخطامه وهو يقول:
وأقام بمكّة ثلاثة أيّام، وتزوّج بها ميمونة بنت الحارث الهلاليّة، ثمّ خرج فابتنى بها بسرف، ورجع إلى المدينة فأقام بها حتّى دخلت سنة ثمان(1).
وكانت غزوة مؤتة(2)في جمادى من سنة ثمان، بعث جيشاً عظمياً وأمّر عليه السلام على الجيش زيد بن حارثة ثمّ قال: «فإن اُصيب زيد فجعفر، فإن اُصيب جعفر فعبدالله بن رواحة، فإن اُصيب فليرتض المسلمون رجلاً فليجعلوه عليهم»(3).
وفي رواية أبان بن عثمان عن الصادق عليه السلام: أنّه استعمل عليهم جعفراً، فإن قتل فزيد، فإن قتل فابن رواحة.
ثمّ خرجوا حتّى نزلوا معان(4) ، فبلغهم أنّ هرقل قد نزل بمأرب في مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة(5).
وقيل : مؤتة من مشارف الشرف، وبها كانت تطبع السيوف، واليها تُنسب المشرفية من السيوف. «معجم البلدان 5: 220».=
وفي كتاب أبان بن عثمان: بلغهم كثرة عدد الكفّار من العرب والعجم من لخم وجذام وبلّي وقضاعة، وانحاز المشركون إلى أرض يقال لها: المشارف، وإنّما سمّيت السيوف المشرفيّة لاَنّها طبعت لسليمان بن داود بها، فأقوا بمعان يومين فقالوا: نبعث إلى رسول الله فنخبره بكثرة عدوّنا حتّى يرى في ذلك رأيه.
فقال عبدالله بن رواحة: يا هؤلاء إنّا والله ما نقاتل الناس بكثرة وإنّما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فقالوا: صدقت.
فتهيّؤوا ـ وهم ثلاثة آلاف ـ حتّى لقوا جموع الروم بقرية من قرى البلقاء يقال لها: شرف، ثمّ انحاز المسلمون إلى مؤتة، قرية فوق الأحساء(1).
وعن أنس بن مالك قال: نعى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم جعفراً وزيد بن حارثة وابن رواحة، نعاهم قبل أن يجيء خبرهم وعيناه تذرفان. رواه البخاري في الصحيح(2).
قال أبان: وحدّثني الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام قال: «اُصيب يومئذ جعفر وبه خمسون جراحة، خمس وعشرون منها في وجهه»(3).
قال عبدالله بن جعفر: أنا احفظ حين دخل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على اُمّي فنعى لها أبي، فأنظر إليه وهو يمسح على رأسي ورأس أخي وعيناه تهرقان الدموع حتّى تقطر على لحيته، ثمّ قال: «اللهم إنّ جعفراً
ثمّ قال: «يا أسماء ألا اُبشّرك؟».
قالت: بلى بأبي أنت واُمّي يا رسول الله.
قال: «إنّ الله جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنّة».
قالت: فاعلم الناس ذلك.
فقام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأخذ بيدي يمسح بيده رأسي حتّى رقى المنبر وأجلسني أمامه على الدرجة السفلى والحزن يعرف عليه، فقال: «إن المرء كثير بأخيه وابن عمّه، ألا إنّ جعفراً قد استشهد وجُعل له جناحان يطير بهما في الجنّة».
ثمّ نزل عليه السلام ودخل بيته وأدخلني معه، وأمر بطعام يصنع لأجلي، وأرسل إلى أخي فتغذينا عنده غذاء طيّباً مباركاً، وأقمنا ثلاثة أيّام في بيته ندور معه كلّما صار في بيت إحدى نسائه، ثمّ رجعنا إلى بيتنا، فأتانا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأنا اُساوم شاة أخ لي فقال: «اللّهم بارك له في صفقته» قال عبدالله: فما بعت شيئاً ولا اشتريت شيئاً إلاّ بورك لي فيه(1).
قال الصادق عليه السلام: «قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لفاطمة عليها السلام: إذهبي فابكي على ابن عمّك، ولا(2)تدعي بثكل فما قلت فقد صدقت»(3).
وذكر محمّد بن إسحاق عن عروة قال: لمّا أقبل أصحاب مؤتة تلقّاهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم والمسلمون معه، فجعلوا يحثون عليهم التراب ويقولون: يا فرّار، فررتم في سبيل الله، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «ليسوا بفرّار ولكنّهم الكرّار إن شاء الله»(1).
ثمّ كانت غزوة الفتح في شهر رمضان من سنة ثمان، وذلك أنّ رسول الله لمّا صالح قريشاً عام الحديبية دخلت خزاعة في حلف النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وعهده، ودخلت كنانة في حلف قريش، فلمّا مضت سنتان من القضيّة قعد رجل من كنانة يروي ههجاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقال له رجل من خزاعة: لا تذكر هذا، قال: وما أنت وذاك؟ فقال: لئن أعدت لأكسرنّ فاك.
فأعادها، فرفع الخزاعي يده فضرب بها فاه، فاستنصر الكناني قومه، والخزاعي قومه، وكانت كنانة أكثر فضربوهم حتّى أدخلوهم الحرم، وقتلوا منهم، وأعانتهم قريش بالكراع والسلاح، فركب عمرو بن سالم إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فخبّره الخبر وقال أبيات شعر، منها:
فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «حسبك يا عمرو» ثمّ قام فدخل دار ميمونة وقال: «اسكبوا لي ماء» فجعل يغتسل ويقول: «لا نصرت إن لم أنصر بني كعب».
ثمّ اجمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على المسير إلى مكّة، وقال: «اللّهمّ خذ العيون عن قريش حتّى نأتيها في بلادها».
فكتب حاطب بن أبي بلتعة مع سارة مولاة أبي لهب إلى قريش: أنّ رسول الله خارج إليكم يوم كذا وكذا. فخرجت وتركت الطريق ثمّ أخذت ذات اليسار في الحرّة، فنزل جبرئيل فأخبره، فدعا عليّاً عليه السلام والزبير فقال لهما: «أدركاها وخذا منها الكتاب».
فخرج عليّ عليه السلام والزبير لا يلقيان أحداً حتّى وردا ذا الحليفة، وكان النبي عليه السلام وضع حرساً على المدينة، وكان على الحرس حارثة بن النعمان، فأتيا الحرس فسألاهم فقالوا: ما مرّ بنا أحدٌ، ثمّ استقبلا حاطباً فسألاه، فقال: رأيت امرأة سوداء انحدرت من الحرّة. فأدركاها فأخذ عليّ عليه السلام منها الكتاب وردّها إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.
قال: فدعا [صلّى الله عليه وآله وسلّم ] حاطباً فقال له: «انظر ما صنعت».
قال: أما والله إنّي لمؤمن بالله ورسوله ما شككت، ولكنّي رجلٌ ليس لي بمكّة عشيرة ، ولي بها أهل فأردت أن أتّخذ عندهم يداً ليحفظوني فيهم.
فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فوالله لقد نافق.
فقال عليه السلام: «إنّه من أهل بدر، ولعل الله اطّلع عليهم فغفر لهم، أخرجوه من المسجد».
فجعل الناس يدفعون في ظهره وهو يلتفت إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ليرق عليه، فأمر بردّه وقال عليه السلام: «قد عفوت عن جرمك فاستغفر ربّك ولا تعد لمثل هذه ما حييت» فأنزل الله سبحانه (يا أيُّها الَّذَينَ
قال أبان : وحدثني عيسى بن عبدالله القمي ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : لما انتهى الخبر إلى أبي سفيان ـ وهو بالشام ـ بما صنعت قريش بخزاعة أقبل حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا محمد احقن دم قومك وأجر بين قريش وزدنا في المدة .
قال : «أغدرتم يا أبا سفيان ؟» .
قال : لا .
قال : «فنحن على ما كنا عليه» .
فخرج فلقي أبا بكر فقال : يا أبا بكر أجر بين قريش ، قال : ويحك وأحد يجير على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟!
ثم لقي عمر فقال له مثل ذلك .
ثم خرج فدخل على اُم حبيبة ، فذهب ليجلس على الفراش فأهوت إلى الفراش فطوته فقال : يا بنيّة أرغبةً بهذا الفراش عني ؟
قالت : نعم ، هذا فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ما كنت لتجلس عليه وأنت رجس مشرك .
ثم خرد فدخل على فاطمة فقال : يا بنت سيد العرب تجيرين بين قريش وتزيدين في المدة فتكونين أكرم سيدة في الناس ؟