| [5]هَل قُربَ قائِمِكَ الذِي بُوِّئتَهُ |
| ماء يُصابُ فَقالَ ما مِن مَشرَبِ |
| [6] إلاّ بِغايَةِ فَرسَخَينِ وَمَن لَنا |
| بالماء ِبَينَ نَقاً وَقيٍّ سَبسبِ |
| [7] فَثَنى الأعنَّةَ نَحوَ وَعثٍ فَاجتَلى |
| مَلساءَ تَرقُ كَاللُّجينِ المُذهبِ |
| [8] قالَ اقلبونا إنَّكُم إن تقلِبوا |
| تَرووُا وَلا تَروونَ إن لَم تُقلبِ |
| [9] فَاعصَوصَبوافِي قَلبِها فَتمنّعت |
| مِنهُم تَمنُّع صَعبَةٍ لَم تُركَبِ |
| [10] حَتّى إذا أعيَتهُمُ أهوى لَها |
| كَفّاً مَتى تَردِ المُغالبَ تَغلِبِ |
| [11] فكأنّها كرَةٌ بِكَفٍّ حَزوَّر |
| عَبلٍ الذراعِ دَحا بها في مَلعَبِ |
| [12] قالَ اشربُوا مِن تَحتها مُتسَلسِلاً |
| عَذباَ يَزيدُ عَلَى الألذًّ الأعذبِ |
| [13]حَتّى إذا شَرِبُوا جَميعاً رَدَّها |
| وَمَضى فَخِلتَ مَكانَها لَم يُقرَب |
| [14] أعنيِ ابنَ فاطِمَةَ الوَصيّ وَمن يَقُل |
| فِي فَضلِهِ وَفَعالِهِ لا يَكذِبِ (1) |
قال السيد المرتضى ـ رضي الله عنه ـ في شرح هذه القصيدة ـ وقد وزعناه على تسلسلالأبيات ـ :
[1] السري : سير الليل كله .
[2] والمتبتّل : الراهب ، والقائم : صومعته ، والقاع : الأرض الحرّة الطين التي لا حزونةفيها ولا انهباط ، والقاعدة : أساس الجدار وكلّ ما يبنى ، والجدب : ضدّ الخصب .
[3] ومعنى «يأتيه» : أي يأتي هذا الموضع الذي فيه الراهب ، ومعنى ]ليس بحيث يُلفي[«عامراً»: انه لا مقيم فيه سوى الوحوش ، ويمكن أن يكون ماخوذاً من العمرة التي هي الزيارة ، والأصلع الأشيب : هو الراهب .
[4] الماثل : المنتصب ، وشبَّه الراهب بالنسر لطول عمره والشظيّة : قطعة من الجبل مفردة، والمرقب : المكان العالي .
[6] والنقا : قطعة من الرمل تنقاد محدودبة، والقيّ : الصحراء الواسعة، والسبسب :القفر.
[7] والوعث : الرمل الذي لايسلك فيه ، ومعنى«اجتلى ملساء» نظر إلى صحراء ملساء فتجلًت لعينه ، ومعنى «تبرق» : تلمع ، ووصف اللجين بالمذهّب لأنّه اشدّ لبريقه ولمعانه .=
ومن ذلك : ما استفاضت به الأخبار ونظمت فيه الأشعار من رجوع الشمس له عليه السلام مرّتين : في حياة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم مرّة ، وبعد وفاته اُخرى، فالأولى قد روتها أسماء بنت عميس ، وأمّ سلمة زوج النبيّصلّى الله عليه وآله وسلّم ، وجابر بن عبدالله ، وأبو سعيد الخدريّ في جماعةمن الصحابة: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم كان ذات يوم في منزله وعليٌّ عليه السلام بين يديه إذ جاءه جبرئيل يناجيه عن الله عزّ وجلّ ، فلمّا تغشّاه الوحي توسّد فخذ أمير المؤمنين عليه السلام فلم يرفع رأسه عنه حتّى غابت الشمس وصلّى عليه السلام صلاة العصر جالساً بالإيماء ، فلمّا أفاق النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قال له : «ادع الله ليردّ عليك الشمس ، فإنّ الله يجيبك لطاعتك الله ورسوله» فسأل الله عزّ وجلّ أمير المؤمنين في ردّ الشمس ، فردّت عليه حتّى صارت في موضعها من السماء وقت العصر ، فصلّى أمير المؤمنين الصلاة في وقتها ثمّ غربت ، وقالت أسماء بنت عميس : أما والله لقد سمعنا لها عند غروبها صريراً كصرير المنشار في الخشب(1).
[9] ومعنى «اعصوصبوا»: اجتمعوا على قلعها وصاروا عصبة واحدة.
[10] ومعنى «اهوى لها» : مدّ إليها ، والمغالب : الرجل المغالب .
[11] والحزوّر: الغلام المترعرع ، والعبل : الغليظ الممتلئ .
[12] والمتسلسل : الماء السلسل في الحلق ، ويقال أنه البارد أيضاً .
[14] وابن فاطمة : هو أمير المؤمنين عليه السلام . انتهى كلامه ، رفع الله مقامه . نقله العلامة المجلسي في بحار الأنوار 41: 262 ـ 266 .=
وأما الثانية : أنّه لمّا أراد أن يعبر الفرات ببابل اشتغل كثير من أصحابه بتعبير دوابّهم ورحالهم ، وصلّى بنفسه في طائفة معه العصر، فلم يفرغ الناس من عبورهم حتّى غربت الشمس وفات كثيراً منهم الصلاة، وفات جمهورهم فضل الجماعة معه ، فتكلّموا في ذلك ، فلمّا سمع كلامهم فيه سأل الله عزّوجلّ ردّ الشمس عليه فاجابه بردّها عليه ، فكانت في الأفق على الحالة التي تكون وقت العصر، فلمّا سلّم بالقوم غابت فسمع لها وجيب شديد .
وفي ذلك يقول السيد الحميري :
ومن ذلك : ما رواه نقلة الأخبار من حديث الثعبان ، والأية فيه أنَّه كَان عليه السلام يخطب ذات يوم على منبر الكوفة إذ ظهر ثعبان من جانب المنبر ، فجعل يرقى حتى دنا من منبره ، فارتاع لذلك الناس وهمّوا بقصده ودفعه عنه ، فاومأ إليهم بالكفّ عنه ، فلمّا صار إلى المرقاة التي كان أمير المؤمنين عليه السلام قائماً عليها انحنى إلى الثعبان وتطاول الثعبان إليه حتّى التَقَمَ اُذنه ، وسكت الناس وتحيّروا لذلك ، فنقّ نقيقاً سمعه كثيرٌ منهم ، ثمّ إنّه زال عن مكانه وأمير المؤمنين عليه السلام يحرّك شفتيه والثعبان كالمصغي إليه ، ثمّ=
وتذكرة الخواص: 55، فتح الباري 6: 168، وانظر طرقه في تاريخ ابن عساكرـ ترجمة الامام علي (ع ) ـ 2 : 283 ـ 305، والغدير 3: 127 ـ 141.
ومن ذلك : حديث الحيتان وكلامهم له في فرات الكوفة، وذلك أنّ الماء طغى في الفرات حتّى أشفق أهل الكوفة من الغرق ، ففزعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، فركب بغلة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وخرج الناس معه حتّى أتى شاطىء الفرات فنزل عليه السلام وأسبغ الوضوء وصلّى ، والناس يرونه ، ودعا الله عزّ وجلّ بدعوات سمعها أكثرهم ، ثمّ تقدّم إلى الفرات متوكّئاً على قضيب بيده حتّى ضرب به صفحة الماء وقال :«انقص بإذن الله ومشيئته» فغاض الماء حتّى بدت الحيتان من قعره ، فنطق كثير منها بالسلام عليه بإمرة المؤمنين ولم ينطق منها اصناف من السمك وهي الجرّيّ والمارماهي ، فتعجّب الناس لذلك ، وسألوه عن علّة نطق ما نطق وصمت ما صمت ، فقال : «أنطق الله لي ما طهر من السمك ، وأصمت عنّي ما نجس وحرم»(2).
وهذا الخبر مستفيض أيضاً كاستفاضة كلام الذئب للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وتسبيح الحصى في كفّه وأمثال ذلك .
ومن ذلك : ما جاء في الآثار عن ابن عبّاس قال : لمّا خرج النبيّ
فتوجّه أمير المؤمنين عليه السلام إلى الوادي ، فلما قارب شفيره أمر المائة الذين صحبوه أن يقفوا بقرب الشفير ولا يحدثوا شيئاً حتّى يأذن لهم ، ثمّ تقدّم فوقف على شفير الوادي وتعوّذ باللهّ من أعدائه ، وسمّاه باحسن أسمائه ، وأومأ إلى القوم الذين تبعوه أن يقربوا منه ، فقربوا ، وكان بينه وبينهم فرجة مسافتها غلوة، ثمّ رام الهبوط إلى الوادي فاعترضت ريح عاصف كاد القوم يقعون على وجوههم لشدّتها، ولم تثبت أقدامهم على الأرض من هو لما لحقهم ، فصاح أمير المؤمنين عليه السلام : «أنا عليّ بن أبي طالب بن عبدالمطّلب وصيّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وابن عمّه، اثبتوا إنشئتم» فظهر للقوم أشخاص مثل الزط (1) تخيّل في أيديهم شعل النار، قد اطمانّوا وأطافوا بجنبات الوادي .
فتوغّل أمير المؤمنين عليه السلام بطن الوادي وهو يتلو القرآن ويومئ بسيفه يميناً وشمالاً، فما لبثت الأشخاص حتّى صارت كالدخان الأسود ، وكبّر أمير المؤمنين عليه السلام ثمّ صعد من حيث هبط ، فقام مع القوم الذين
وانصرف أمير المؤمنين عليه السلام بمن معه إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فاخبره الخبر فسرى عنه ودعا له بخير وقال له : «قد سبقكيا علي إليّ من أخافه الله بك فاسلم وقبلت إسلامه»(1).
ومن ذلك : ما أبانه الله تعالى به من القوّة الخارقة للعادة في قلعِ باب خيبر ودحوه به ، وكان من الثقل بحيث لا يحمله أقلّ من أربعين رجلاّ، ثمّ حمله إيّاه على ظهره فكان جسراً للناس يعبرون عليه إلى ذلك الجانب ، فكان ذلك علماً معجزاً(2).
ومن ذلك : إنقضاض الغراب على خفه وقد نزعه ليتوضّأ وضوء الصلاة ، فانساب فيه أسود، فحمله الغراب حتّى صار به في الجوّ ثمّ ألقاه فوقع منه الأسود ووقاه الله عزّ وجلّ من ذلك (3).
وفي ذلك يقول الرضي الموسوي رضي الله عنه :
ومن ذلك : ما رواه عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر الباقر عليهما السلام من قوله عليه السلام لجويرية بن مسهر وقد عزم علىالخروج : «أما إنّه سيعرض لك في طريقك الأسد» قال : فما الحيلة له ؟ قال :«تقرظ منّي السلام وتخبره أنّي أعطيتك منه الأمان» .
فخرج جويرية، فبينا هو كذلك يسير على دابّته إذ أقبل نحوه أسد لا يريد غيره ، فقال له جويرية : يا أبا الحارث ، إنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام يقرؤك السلام ، وانّه قد آمنني منك ، قال : فولّى الليث عنه مطرقاً برأسه يهمهم حتّى غاب في الأجمة، فهمهم خمساً ثمّ غاب ، ومضى جويرية في حاجته .
فلمّا انصرف إلى أمير المؤمنين عليه السلام وسلّم عليه وقال : كان من الأمر كذا وكذا فقال : «ما قلت للّيث وما قال لك ؟» .
فقال جويرية: قلت له ما أمرتني به وبذلك انصرف عنّي ، وأمّا ما قال الليث فالله ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم ووصيّ رسوله أعلم .
قال : «إنّه ولّى عنك يهمهم ، فاحصيت له خمس همهمات ثمّ انصرف عنك».
قال جويرية : صدقت يا أمير المؤمنين هكذا هو.
فقال عليه السلام : «فإنّه قال لك : فاقرأ وصيّ محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم منّي السلام» وعقد بيده خمساً(2).
ولو ذهبنا نجتهد في إيراد أمثال هذه من الأيات والمعجزات لطال به
*
*
إعلم : أنّ فضائل أمير المؤمنين عليه السلام ومناقبه وخصائصه كثيرة لايتّسع لها كتاب ولا يحويها خطاب ، وليست الشيعة مختصّة بروايتها وإن اختصّت بكثير منها، فقد روت العامّة والمخالفون من ذلك ما لا يحصى عدده ، ولا ينقطع مدده ، ولقد قال الأجلّ المرتضى علم الهدى قدّس الله روحه : سمعت شيخاً مقدّماً في الرواية من أصحاب الحديث يقال له :أبو حفص عمر بن شاهين (1)، يقول : إنّي جمعت من فضائل عليّ عليه السلام خاصّة ألف جزء .
وأمّا ما رواه أصحابنا من ذلك فلا تجتمع أطرافه ، ولا تعدّ آلافه ، وأنا اُورد من جملتها اُناسي العيون ونفوس الفصوص ومتخيِّر المتحيّر سالكاً طريقة منصور الفقيه في قوله :
ولد في صفر سنة سبع وتسعين ومائتين ، وأصله مروروذ من كورخراسان .
روي عنه أنه قال : أول ما كتبت الحديث في سنة ثمان وثلاثمائة وكان لي إحدى عشرة سنة ، وصنفت ثلاثمائة مصنّف ، أحدها : «التفسير الكبير» ألف جزء ، و«المسند» ألف وثلاثمائة جزء و«التاريخ» مائة وخمسين جزء و«الزهد» مائة جزء ، وأول ما حدّثت بالبصرة سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة .
سمع أبا بكرمحمد بن محمد الباغندي ، وأبا القاسم البغوي ، وأبا خُبيب العباس بن البرتي ، وأبا بكر بن أبي داود، وغيرهم .
وحدَث عنه : أبا بكر محمد بن إسماعيل الوراق رفيقه ، وأبو سعد المالني ، وأبو بكر البرقاني ، وأحمد بن محمد العتيقي .
وثقه أبو الفتح بن أبي الفوارس ، وأبو بكر الخطيب ، والأمير أبو نصر، وأبو الوليد الباجي ، وأبو القاسم الأزهري .
توفي في ذي الحجة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، ودفن بباب حرب عند قبر أحمد بن حنبل .
انظر: تاريخ بغداد 11: 265 ـ 268، سير أعلام النبلاء 16: 431.
وأثبتها محذوفة الأسانيد تعويلاً في ذلك على إشتهارها بين نقلة الآثار، واعتماداً على أنّ نقلها من كتب محكومة بالصحّة عند نقّاد الأخبار ، وجعلتها أربعة فصول :
وهي فنون كثيرة، وفوائدها جمّة غزيرة، وبينونته عليه السلام بها عن جميع البشر واضحة منيرة .
فمنها: سبقه كافّة الخلق إلى الايمان .
فقد صحّ عنه عليه السلام أنّه قال : «أنا عبدالله وأخو رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم ، وأنا الصدّيق الأكبر، لا يقولها بعدي إلاّ كذّاب مفتر، ولقد صلّيت قبل الناس سبع سنين »(1).
وعن أبي ذرّ: أنّه سمع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول في عليّ :«أنت أوّل من امن بي ، وأنت أوّل من يصافحني يوم القيامة ، وأنت الصدّيق الأكبر، وأنت الفاروق تفرّق بين الحقّ والباطل ، وأنت يعسوب المؤمنين ،والمال يعسوب الكافرين» .(2)=
وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم :«صلّت الملائكة عليّ وعلى علي سبع سنين ، وذلك أنّه لم يرفع إلى السماء شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله إلاّ منّي ومن علي» (1).
وعن أبي أيّوب الأنصاري قال : قال رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم : «لقد صلّت الملائكة عليّ وعلى علي سبع سنين ، وذلك أنّه لم يصلّ معي رجل غيره»(2).
وعن أبي رافع قال : صلّى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم غداة الاثنين ، وصلّت خديجة يوم الاثنين اخر النهار، وصلى علي يوم الثلاثاء صلاة الغداة(3).
وقال عليّ عليه السلام : «فكنت اُصلّي سبع سنين قبل الناس(4).
وفي ذلك يقول خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين :=
وفيه يقول ربيعة بن الحارث بن عبدالمطّلب :
ومنها: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم حمله حتى طرح الأصنام من الكعبة .
فروى عبد الله بن داود، عن نعيم بن أبي هند، عن أبي مريم ، عن عليّ عليه السلام قال : «قال لي رسول الله : احملني لنطرح الأصنام من الكعبة، فلم أطق حمله ، فحملني ، فلو شئت ان أتناول السماء فعلت» (4).=
وفي حديث آخر طويل قال عليّ : «فحملني النبيّ عليه السلام فعالجت ذلك حتّى قذفت به ونزلت - أو قال : نزوت - » الشكّ من الراوي(1).
ومنها : حديث المؤاخاة .
فقد اشتهرفي الرواية : انه صلّى الله عليه وآله وسلّم آخى بين أبي بكر وعمر، وبين طلحة والزبير، وبين عثمان وعبدالرحمن بن عوف ، وبين ابن مسعود وأبي ذرّ، وبين سلمان وحذيفة ، وبين المقداد وعمّار بن ياسر، وبين حمزة بن عبدالمطّلب وزيد بن حارثة، وضرب بيده على علي فقال : «أنا أخوك وأنت أخي»(2).
فكان عليّ إذا أعجبه الشيء قال : «أنا عبدالله وأخو رسوله ، لا يقولها بعدي إلاّ كذّاب»(3).
وعن أبي هريرة - في حديث طويل -: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم آخى بين أصحابه وبين الأنصار والمهاجرين ، فبدأ بعلي بن أبي طالب عليه السلام فاخذ بيده وقال : «هذا أخي (4) - وفي خبر آخر: أنت أخي (5) - في الدنيا والأخرة» فكان رسول الله وعلي أخوين .=
=
ومنها: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم تفل في عينيه يوم خيبر ودعا له بأن لا يصيبه حرّ ولا قرّ، فكان عليه السلام بعد ذلك لا يجد حرّاً ولا قرّاً ، ولا ترمد عينه ، ولا يصدع ، فكفى بهذه الخصلة شرفاً وفضلاً.
فروي عن عبدالرحمن بن أبي ليلى : أنّ الناس قالوا له : قد أنكرنا من أمير المؤمنين عليه السلام أنّه يخرج في البرد في الثوبين الخفيفين وفي الصيف في الثوب الثقيل والمحشوّ، فهل سمعت أباك يذكر أنّه سمع من أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك شيئاً ؟ قال : لا، قال : وكان أبي يسمر مع علي بالليل ، فسألته قال : فسأله عن ذلك فقال : يا أميرالمؤمنين إنّ الناس قد أنكروا ، وأخبره بالذي قالوا .
فقال : «أوما كنت معنا بخيبر؟» قال : بلى .
قال : «فإنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بعث أبا بكر وعقد له لواء، فرجع وقد انهزم هو وأصحابه . ثمّ عقد لعمر فرجع منهزماً بالناس .
فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : والذي نفسي بيده لاُعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله ، ليس بفرّار، يفتح الله على يده ، فارسل إليّ وأنا أرمد فتفل في عيني ، وقال : اللهمّ اكفه أذى الحرّ والبرد، فما وجدتُ حرّاً بعد ُولا برداً»(1).=
=
وفي رواية اُخرى : «فنفث في عيني فما اشتكيتها بعد، وهزّ لي الراية فدفعها إليّ ، فانطلقت ، ففتح لي ، ودعا لي أن لا يضرّني حرّ ولا قر»(1).
وفي ذلك يقول حسّان بن ثابت :
وروى حبيب بن أبي ثابت ، عن الجعد مولى سويد بن غفلة، عن سويد بن غفلة قال : لقينا عليّاً في ثوبين في شدّة الشتاء، فقلنا له : لا تغترب ارضنا هذه ، فإنّها أرض مقرّة ليست مثل أرضك .
قال : «أما إنّي قد كنت مقروراً ، فلمّا بعثني رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى خيبر قلت له : إنّي أرمد ، فتفل في عيني ودعا لي ، فما وجدت برداً ولا حرّاً بعد، ولا رمدت عيناي »(3).
ومنها: ما قاله فيه يوم خيبر، ممّا لم يقله في أحد غيره ، ولا يوازيه إنسان ، ولا يقارنه فيه ، فقد ذكر أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الثقفيّ في كتاب المعرفة : حدّثني الحسن بن الحسين العرفي -وكان صالحاً- قال : حدّثنا=
فخرّ عليّ عليه السلام لله ساجداً، ثمّ قال : «الحمد لله الذي منّ عليّ بالإسلام ، وعلّمني القرآن ، وحبّبني إلى خير البريّة خاتم النبيّين وسيّد المرسلين ، إحساناً منه إليّ ، وفضلاً منه عليّ» .
فقال له النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عند ذلك : «لولا أنت يا عليّ لم يعرف المؤمنون بعدي»(1).
وهذا الخبر بما تضمنه من مناقب أمير المؤمنين عليه السلام لو قسّم على الخلائق كلّهم من أوّل الدهر إلى آخره لاكتفوا به شرفاً ومكرمة وفخراً.
ومنها: أن شرّفه الله تعالى بطاعة النار له عليه السلام .
روى الأعمش ، عن خيثمة، عن عبد الله بن عمر قال : سمعت عليّاً عليه السلام يقول : «أنا قسيم النار، أقول : هذا لي وهذا لك »(2).
قال : وحدّثني موسى بن طريف ، عن عباية بن ربعي قال : سمعت عليّاً عليه السلام يقول : « والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة إنّي لقسيم النار ، أقول : هذا لي وهذا لك ».
قال : فذكرته لمحمّد بن أبي ليلى فقال : يعني : أنّ وليّي في الجنّة
ولعل من الاحاديث التي نالها بغض الامويين لاهل البيت عليهم السلام ، ولا سيماأمير المؤمنين عليه السلام حديث (قسيم النار) المشهور الذي حدث به الاعمش وغيره ، وحيث تجد إلى جانب ذلك الحديث كلام ممجوج يحاول الطعن بهذا الحديث دون حجة أو دليل .
نعم ، بل وتجد اشارات واضحة إلى محاولة ذلك البعض المنحرف لثني الاعمش عن رواية هذا الحديث أو تكذيبه ، على ما ذكر ذلك الذهبي في لسان الميزان (3: 347) حيث ذكر عن عيسى بن يونس انه قال : ما رأيت الاعمش خضع إلآ مرة واحدة ، فأنّه=
وروى جابر الجعفي قال : أخبرني وصيّ الأوصياء قال : «قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لعائشة : لا تؤذيني في عليّ ، فإنه أمير المؤمنين ، وسيّد المسلمين ، يقعده الله غداً يوم القيامة على الصراط فيدخل أولياءه الجنّة وأعداءه النار»(2).
ومنها : ما رواه عباد بن يعقوب ، ويحيى بن عبدالحميد الحماني قالا : حدّثنا عليّ بن هاشم ، عن محمّد بن عبيدالله ، عن أبيه عبيداللهّ بن أبيرافع ، عن جدّه ابي رافع قال : إنّ رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم كان إذا جلس ثمّ أراد أن يقوم لا يأخذ بيده غير عليّ عليه السلام ، وإنّ أصحاب=
قال : فرأيته خضع ذلك اليوم .
بل وروى القاضي ابن ابي يعلى في طبقات الحنابلة ما هذا لفظه : سمعت محمّد بن منصور يقول : كنّا عند احمد بن حنبل فقال رجل : يا أبا عبدالله، ما تقول في هذا الحديث الذي يروى ان علياً قال : «انا قسيم النار» .
فقال : وما تنكرون من ذا ؟ أليس قد روينا ان النبي صلّى الله عليه وآله قال لعلي : «لايحبك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ؟» قلنا: بلى .
قال : فاين المؤمن ؟ قلنا: في الجنة .
قال : واين المنافق ؟ قلنا : في النار.
قال : فعلي قسيم النار.