وأمّا الطريقة الاُخرى في الاستدلال بهذا الخبر فهي : أن لا نبني الكلام على المقدّمة ونستدلّ بقوله : « من كنت مولاه فعلي مولاه » من غيراعتبار لما قبله ، فنقول : معلومِ أنّ النبي صلّى الله عليه واله وسلّم أوجب لأميرالمؤمنين عليه السلام أمراً كان واجباً له لا محالة، فيجب أن يعتبر ما تحتمله لفظة (مولى) من الأقسام ، وما يصحّ كون النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم مختصاً به منها وما لا يصحّ ، وما يجوز أن توجبه لغيره في تلك الحال وما لا يجوز، وجميع ما تحتمله لفظه (مولى) ينقسم إلى أقسام :
منها : ما لم يكن ـ عليه واله السلام ـ عليه ، وهو المعتق والحليف لأنه لم يكن حاجفا لأحد ، والحليف الذي يحالف قبيلة وينتسب إليهم ليتعزز بهم .
ومنها: ما كان عليه ، ومعلوم لكلّ أحد أنّه لم يرده وهو المعتق والجار والصهر والحليف الإمام إذا عد من أقسام المولى وابن العمّ .
ومنها: ما كان عليه ، ومعلوم بالدليل أنَه لم يرده ، وهو ولاية الديات والنصرة فيه والمحبّة أو ولاء العتق . ومما يدلّ على أنّه لم يرده ذلك أنّ كلّ عاقل يعلم من دينه صلى الله عليه وآله وسلم وجوب موالاة المؤمنين بعضهم بعضاً ونطق القران بذلك ، وكيف يجوز أن يجمع عليه وآله السلام ذلك الجمع العظيم في مثل تلك الحال ويخطب على المنبر المعمول من الرحال ليعلم الناس من دينه ما يعلمونه هم ضرورة .
وكذلك ولاء العتق ، فإنهم يعلمون أن ولاء العتق لبني العمّ قبل الشريعة وبعدها .
ويبطل ذلك أيضاً ما جاء في الرواية من مقال عمر بن الخطاب له عليه
ومنها : ما كان حاصلاً له ويجب أن يريده ، وهو الأولى بتدبير الاُمّة وأمرهم ونهيهم ، لأنّا إذا أبطلنا جميع الأقسام وعلمنا أنّه يستحيل أن يخلو كلامه من معنى وفائدة ، ولم يبق إلاّ هذا القسم ، وجب أن يريده ، وقد بيّنا أنّ كلّمن كان بهذه الصفة فهو الإمام المفترض الطاعة، وأمّا استيفاء الكلام فيه ففي الكتب الكبار(2).
وقد وافقهم على ذلك جملة من علماء العامة ممن هداهم الله تعالى الى ادراك هذه الحقيقة الناصعة والثابتة، مثل الحافظ أبي الفرج يحيى بن السعيد الثقفي الاصبهاني في كتابه الموسوم بكتاب «مرج البحرين» والعلامة سبط ابن الجوزي في كتابه «تذكرة الخواص : 37» ، حيث ذكر سبل الاستدلال للوصول إلى ما ذهب إليه الشيعة الامامية من تفسيرهم لكلمة «المولى» ، سنحاول أن نورده مختصراً، قال :
اتفق علماء السير على أن قصة الغدير كانت بعد رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حجة الوداع في الثامن عشر من ذي الحجة حيث جمع الصحابة ـ وكانوا مائة وعشرين ألفاً ـ وقال : «من كنت مولاه فعلي مولاه . . . الحديث» حيث نص صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك بصريح العبارة دون الاشارة .
ثم ذكر بعد ذلك قصة الحرث بن النعمان الفهري عند سماعه الخبر حيث جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلمَ فقال له : هذا منك أو من الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقد احمرت عيناه ـ والله الذي لا إله إلا هو أنه من الله وليس مني». قالها ثلاثاً. وبعد ان ذكر ابن الجوزي هذه القصة عرج فذكر أقوال علماء العربية في تفسيرهم للفظة «المولى» وانها ترد على عشرة وجوه ، وناقش هذه الوجوه المذكورة وبيّن بطلان الذهاب الى تفسيرها بالوجوه التسعة الاولى ، والتي=
وأمّا الاستدلال بالخبر الآخر وهو قوله صلّى الله عليه واله وسلّم : «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لانبي بعدي»(1) فإنه يدل على النصّ من وجهين : أحدهما : أنّ هذا القول يقتضي حصول جميع منازل هارون من موسى لأمير المؤمنين من النبيّ عليه السلام إلآ ما خصّه الاستثناء المنطوق به في الخبر من النبوة، وما جرى مجرى الاستثناء وهو العرف من اُخوّة النسب ، وقد علمنا أن من منازل هارون من موسى عليهما السلام هي :الشركة في النبوّة، واُخوّة النسب ، والتقدّم عنده في الفضل والمحبّة والاختصاص على جميع قومه ، والخلافة له في حال غيبته على اُمّته ، وأنّه لو بقي بعده لخلفه فيهم . وإذا خرج الاستثناء بمنزلة النبوة، وخص العرف منزلة الاُخوّة - لأن كل من عرفهما علم أنهما لم يكونا ابني أب واحد - وجب القطع على ثبوت ما عدا هاتين المنزلتين من المنازل الاُخر. وإذا كان في جملة=
فتعين الوجه العاشر وهو «الاولى» ومعناه: من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به، وقد صرح بهذا المعنى الحافظ أبو الفرج يحيى بن السعيد الثقفي الاصبهاني في كتابه المسمى«مرج البحرين» ، فبعد ان ذكر الحديث قال .
فعلم ان جميع المعاني راجعة إلى الوجه العاشر ـ الأولى ـ ودل عليه أيضاً قوله عليه السلام «الست أولى بالمؤمنين من أنفسهم» وهذا نص صريح في إثبات امامته وقبول طاعته ، وكذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم «وأدر الحق معه حيث ما دار وكيف ما دار» فيه دليل على أنه ما جرى خلاف بين علي عليه السلام وبين أحد من الصحابة إلا والحق مع علي وهذا باجماع الاُمة الا ترى أن العلماء إنما استنبطوا أحكام البغاة من وقعة الجمل وصفين .
وأما الوجه الآخر من الاستدلال بالخبر على النص فهو: أن تقول : قد ثبت كون هارون عليه السلام خليفة لموسى عليه السلام على أمَته في حياته ومفترض الطاعة عليهم ، وإن هذه المنزلة من جملة منازله منه ، ووجدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم استثنى ما لم يرده من المنازل بعده بقوله : «إلآ أنَه لا نبيَ بعدي» فدل هذا الاستثناء على أن ما لم يستثنه حاصل لأمير المؤمنين عليه السلام بعده ، وإذا كان من جملة المنازل الخلافة في الحياة وثبتت بعده فقد تبين صحة النصّ عليه بالإمامة.
وإنما قلنا: إن الاستثناء في الخبر يدل على بقاء ما لم يستثن من المنازل بعده ؛ لأنّ الاستثناء كما أن من شأنه إذا كان مطلقاً أن يوجب ثبوت ما لم يستثن مطلقاً، فكذلك إذا قيد بحال أو وقت أن يوجب ثبوت ما لم
وأمّا ما تختصّ الشيعة بنقله من ألفاظ النصوص الصريحة علىأمير المؤمنين عليه السلام وعلى الأئمّة من أبنائه عليهم السلام بما لم يشاركها فيه مخالفوها فممّا لا يُحصى، أوَ يُحصى الحصى؟! ولا يمكن له الحصر والعدّ، أوَ يُحصر رملٌ عالج ويعد؟
ونحن نذكر جملة كافية من الأخبار في هذا الباب شافية في معناها لأولي الألباب إذا انتهينا إلى الركن الرابع من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى .
*
*
وهذا الباب يشتمل على فنّين من الايات الدلالات ، أحدهما ما يختصرّ بالإِخبار عن الغائبات ، والفنّ الاخر: غيرها من المعجزات الخارقة للعادات .
فأما الفن الأول : وهو إخباره بالغائبات والكائنات قبل كونها ، فيوافق الخبر المخبر عنه ، فإنه أحد معجزات المسيح عليه السلام الدالة على ثبوته كما نطق به التنزيل من قوله : ( وَاُنَبِّئُكُم بما تأكلون وما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُم) (1) وكان ذلك من آيات نبيّنا صلّى الله عليه وآله وسلّم أيضاً مثل ، ما جاء في القرآن من قوله تعالى : ( لَتَدخُلنَّ المَسجدَ الحَرامَ اِن شاءَ الله امِنِينَمُحَلّقِينَ رُؤُسكُم وَمُقَصِّرِينَ لأ تَخافُون)َ (2) وَقوله تعالى في يوم بدر قبل الواقعة : ( سَيُهزَمُ الجَمعُ وَيُوَلًّونَ الدُّبُر)(3) وقوله تعالى في غلبة فارس الروم :( الم غلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدنَى الأرض وَهُم مِن بَعدِ غَلَبهِم سَيَغلِبُونَ )(4) فيأمثال لذلك (لا نطوّل به )(5).
فكان جميع ذلك على ما قال .
وما كان من هذا الفنّ منقولاً عن أمير المؤمنين عليه السلام فهو أكثر من أن يحصى ولا يمكن إنكاره ، إذ ظهر للخلق اشتهاره ، فلا يخفى على العامّ والخاصّ ما حفظ عنه عليه السلام من الملاحم والحوادث في خطبه وكلامه وحديثه بالكائنات قبل كونها :
فمنه : قوله قبل قتاله الفرق الثلاثة بعد بيعته : «اُمرت بقتال الناكثين
فما مضت الأيّام حتّى قاتلهم .ومنه : قوله لطلحة والزبير لمّا استأذناه في الخروج إلى العمرة : «واللهما تريدان العمرة وإنّما تريدان البصرة»(2) .
فكان كما قال .
ومنه : قوله بذي قار وهو جالس لأخذ البيعة: «يأتيكم من قبل الكوفة ألف رجل لا يزيدون رجلاً ولا ينقصون رجلاً يبايعوني على الموت » .
قال ابن عبّاس : فجعلت اُحصيهم فاستوفيت عددهم تسعمائة رجل وتسعة وتسعين رجلاً ثمّ انقطع مجيء القوم فقلت : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ماذا حمله على ما قال ! فبينا أنا متفكّر في ذلك إذ رأيت شخصاً قد أقبل حتّى دنا، وإذا هو رجل عليه قباء صوف ، معه سيفه وترسه وأدواته ، فقرب من أمير المؤمنين عليه السلام فقال : امدد يدك أبايعك ، فقال عليه السلام : «وعلى متبايعني ؟» قال : على السمع والطاعة والقتال بين يديك حتّى أموت أو يفتح الله عليك ، فقال : «ما اسمك» قال : اُويس قال : «أنت اُويس القرني ؟» قال :نعم . قال : قال : «الله أكبر، أخبرني حبيبي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّي أدرك رجلاً من اُمّته يقال له : اُويس القرني يكون من حزب الله ورسوله ، يموت على الشهادة، يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر».
قال ابن عبّاس : فسرى عنّي (1).
ومنه : إخباره بالمُخْدَج (2) وقوله : «إنّ فيهم لرجلاً موذون اليد، له ثدي كثدي المرآة وهو شرّ الخلق والخليقة ، قاتلهم أقرب الخلق إلى الله وسيلة» .
ولم يكن المخدج معروفاً في القوم ، فلمّا قتل الخوارج جعل يطلبه في القتلى ويقول : «والله ما كذبت ولا كذبت» ويحض أصحابه على طلبه لمّا أجلت الوقعة، وكان يرفع رأسه إلى السماء تارة ويحطّه أخرى، حتى وجِدَ في القوم فشقً عن قميصه ، فكان على كتفه سلعة كثدي المرأة عليها شعرات إذا جذبت انجذب كتفه معها وإذا تركت رجع كتفه إلى موضعها، فلمّا وجده كبّر ثمّ قال : «إنّ في هذه لعبرة لمن استبصر»(3).
ومنه : قوله في الخوارج مخاطباً لأصحابه : «والله لا يفلت منهم عشرة
فكان كما قال .
ومنه : ما رواه جندب بن عبداللهّ الأزدي قال : شهدت مع عليّ عليه السلام الجمل وصفين لا أشكّ في قتال من قاتله ، حتّى نزلت النهروان فدخلني شكّ فقلت : قرّاؤنا وخيارنا نقتلهم ! إنّ هذا الأمر عظيم ، فخرجت غدوة أمشي ومعي أداوة ماء حتّى برزت من الصفوف ، فركزت رمحي ووضعت ترسي عليه واستترت من الشمس ، فإنّي لجالس إذ ورد عليّ أميرالمؤمنين عليه السلام فقال : «يا أخا الأزد أمعك طهور؟» قلت : نعم .
فناولته الأداوة، فمضى حتّى لم أره ، ثمّ أقبل فتطهّر فجلس في ظلّ الترس ، فإذا فارس يسأل عنه ، فقلت : يا أمير المؤمنين هذا فارس يريدك ،قال : «فأشر إليه» فأشرت إليه فجاء فقال : يا أمير المؤمنين قد عبر القوم وقطع النهر، فقال : « كلاّ ما عبروا » ، فقال : بلى والله لقد فعلوا ، قال : «كلاّ ما فعلوا» .
قال : فإنّه لكذلك إذ جاء رجلٌ آخر فقال : يا أمير المؤمنين قد عبر القوم ، قال : «كلاّ ما عبر القوم» قال : والله ما جئتك حتّى رأيت الرايات في ذلك الجانب والأثقال ، قال : « والله ما فعلوأ ، وإنّه لمصرعهم ومهراق دمائهم ».
ثمّ نهض ونهضت معه ، فقلت في نفسي : الحمد للهّ الذي بصّرني بهذا الرجل وعرّفني أمره ، هذا أحد رجلين : إمّا رجل كذّاب جريء ، أوعلى بيّنة من ربه وعهد من نبيّه ، اللهمّ إنّي أعطيك عهداً تسألني عنه يوم القيامة : إنأنا وجدت القوم قد عبروا أن أكون أوّل من يقاتله وأوّل من يطعن بالرمح فيعينه ، وإن كانوا لم يعبروا أن أقيم على المناجزة والقتال .
فدفعنا إلى الصفوف ، فوجدنا الرايات والأثقال كما هي ، قال: فأخذ بقفاي ودفعني ثم قال : «يا أخا الأزد، أتبيّن لك الأمر؟» فقلت : أجليا أمير المؤمنين ، قال : « فشأنّك بعدوّك » فقتلت رجلاً، ثمّ قتلت آخراَ ، ثمّ اختلفت أنا ورجل آخر أضربه ويضربني فوقعنا جميعاً ، فاحتملني أصحابي ، فأفقت حين أفقت وقد فرغ القوم (1).
فكان كما قال عليه السلام .
وأمّا إخباره عليه السلام بما يكون بعد وفاته من الحوادث والملاحم والوقائع ، وما ينزل بشيعته من الفجائع ، وما يحدث من الفتن في دولة بني اُميّة والدولة العبّاسيّة وغيرها فأكثر من أن تحصى :
فمن ذلك : قوله عليه السلام لأهل الكوفة: «أما إنّه سيظهر عليكم بعدي رجلٌ رحب البلعوم ، مندحق (2) البطن ، يأكل ما يجد، ويطلب ما لا يجد، فاقتلوه ولن تقتلوه ، ألا وإنّه سيأمركم بسبّي والبراءة منّي ، فأمّا السبّ فسبّوني فإنّه لي زكاة ولكم نجاة، وأمّا البراءة فلا تتبرّؤوا منّي ، فإنّي ولدت على الفطرة وسبقت إلى الإسلام والهجرة»(3).
فكان كما قال عليه السلام .
ومن ذلك : أنّه لمّا اخذ مروان بن الحكم أسيراً يوم الجمل فتكلّم فيه الحسن والحسين عليهما السلام فخلّى سبيله فقالا له : «يبايعك يا أمير المؤمنين» فقال : «ألم يبايعني بعد قتل عثمان ، لا حاجة لي في بيعته ،
فكان كما قال عليه السلام.
ومن ذلك : قوله عليه السلام : «أما إنّه سيليكم من بعدي ولاة لايرضون منكم بهذا، يعذبوكم بالسياط والحديد، إنّه من عذّب الناس في الدنيا عذّبه الله في الاخرة، وآية ذلك أنّه يأتيكم صاحب اليمن حتى يحلبين أظهركم ، فيأخذ العمّال ، وعمّال العمّال رجل يقال له : يوسف بن عمر»(2).
فكان كما قال عليه السلام .
ومن ذلك : قوله لجويرية بن مسهر: «ليقتلنّك العتلّ الزنيم ، وليقطعنّ يدك ورجلك ، ثمّ ليصلبنّك تحت جذع كافر» .
فلمّا ولي زياد في أيّام معاوية قطع يده ورجله ، وصلبه على جذع ابن معكبر(3).
ومن ذلك : حديث ميثم التمّار رحمه الله ، فقد روى نقلة الاثار: أنّه كان عند امرأة من بني أسد، فاشتراه أمير المؤمنين عليه السلام منها ، فأعتقه وقال له : « ما اسمك ؟ » فقال : سالم ، قال : « فأخبرني رسول الله أنّ اسمك الذى سمّاك به أبوك في العجم ميثم » قال: صدق الله ورسوله وصدقت يا أمّير المؤمنين ، قال : « فارجع إلى اسمك الذي سمّاك به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ودع سالماً » فرجع إلى ميثم واكتن بأبي سالم .
فقال له أميرالمؤمنين ذات يوم : «إنّك تؤخذ بعدي فتصلب وتطعن بحربة، فإذا كان اليوم الثالث ابتدر منخراك وفمك دماً فتخضّب لحيتك ، فانتظر ذلك الخضاب ، وتصلب على باب دار عمرو بن حريث ، أنت عاشر عشرة ، أنت اقصرهم خشبة وأقربهم من المطهرة».
وأراه النخلة التي يصلب على جذعها، وكان ميثم يأتيها فيصلّي عندها ويقول : بوركت من نخلة لك خلقت ولي غذّيت ، ولم يزل يتعاهدها حتى قطعت ، وكان يلقى عمرو بن حريث فيقول له : إنّي مجاورك فأحسن جواري . وهو لا يعلم ما يريد .
وحجّ في السنة التي قتل فيها، فدخل على اُمّ سلمة فقالت : من أنت ؟ قال : أنا ميثم . قالت : والله لربّما سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يوصي بك عليّاً في جوف الليل ، فسألها عن الحسين عليه السلام فقالت :هو في حائط له ، قال : فأخبريه إني قد أحببت السلام عليه ، ونحن ملتقون عند ربّ العالمين إن شاء الله تعالى . فدعت بطيب وطيّبت لحيته وقالت له :أما إنّها تخضب بدم .
فقدم الكوفة فاخذه عبيداللهّ بن زياد لعنه الله وقال له : ما أخبر كصاحبك أنّي فاعل بك ؟ قال : أخبرني أنّك تصلبني عاشر عشرة أنا أقصرهم خشبة وأقربهم إلى المطهرة ، قال : لنخالفنّه ،قال :كيف تخالفه و فوالله ما أخبرني إلاّ عن النبيّ صلّى اللهّ عليه واله وسلّم عن جبرئيل عليه السلام عن اللهّ عزّ تعالى ، فكيف تخالف هؤلاء ؟! ولقد عرفت الموضع الذي اُصلب عليه أين هو من الكوفة ، وأنا أوّل خلق الله ألجم في الإسلام .
فحبسه وحبس معه المختار بن أبي عبيد، فقال ميثم للمختار: إنّك تفلت وتخرج ثائراً بدم الحسين فتقتل هذا الذي يقتلنا .
فلمّا دعا عبيدالله بالمختار ليقتله طلع بريد بكتاب يزيد يأمره بتخلية
فكان أوّل خلق الله اُلجم في الإسلام .
وكان مقتل ميثم قبل قدوم الحسين بن علي عليهما السلام على العراق بعشرة أيّام ، فلمّا كان اليوم الثالث من صلبه طُعن ميثم بالحربة، فكبّر ثمّان بعث في آخر النهار أنفه وفمه دماً(1) .
ومن ذلك : ما رواه مجاهد ، عن الشعبي ، عن زياد بن النضر الحارثي قال : كنت عند زياد إذ اُتي برشيد الهجري فقال له : ما قال لك صاحبك ـ يعني عليّاً عليه السلام ـ إنّا فاعلون بك ؟ قال : تقطعون يدي ورجلي وتصلبوني ، فقال زياد : أما والله لاُكذّبنّ حديثه ، خلّوا سبيله .
فلمّا أراد أن يخرج قال زياد: والله ما نجد له شيئاً شرّاً ممّا قال له صاحبه ، اقطعوا يديه ورجليه واصلبوه .
فقال رشيد: هيهات ، قد بقي لكم عندي شيء أخبرني أمير المؤمنين عليه السلام به ، قال زياد : اقطعوا لسانه .
فقال رشيد : الآن والله جاء تصديق خبر أمير المؤمنين عليه السلام (2) .
ومن ذلك : اخباره مولاه قنبر وصاحبه كميل بن زياد بأن الحجاج بن يوسف يقتلهما(1)
فكان كما قال .
ومن ذلك : ما اشتهرت به الرواية أنّه عليه السلام خطب فقال فيخطبته : «سلوني قبل أن تفقدوني ، فوالله ما تسألونني عن فئة تضلّ مائة وتهدي مائة إلاّ أنبأتكم بناعقها وسائقها إلى يوم القيامة» فقام إليه رجل فقال :أخبرني كم في رأسي ولحيتي من طاقة شعر؟
فقال عليه السلام : «لقد حدّثني خليلي رسول اللهّ صلّى اللهّ عليه واله وسلّم بما سألت عنه ، وأنّ على كلّ طاقة شعر في رأسك ملكاً يلعنك ، وعلى كلّ طاقة شعرفي لحيتك شيطاناً يستفزّك ، وأنّ في بيتك لسخلاً يقتل ابن بنت رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم ، وآية ذلك مصداق ما أخبرتك به ، ولولاأنّ الذي سألت عنه يعسر برهانه لأخبرت به ، ولكن اية ذلك ما نبّأته عن سخلك الملعون »(2) .
وكان ابنه في ذلك الوقت صغيراً يحبو، فلمّا كان من أمر الحسين عليه السلام ما كان ، تولّى قتله ، فكان كما قال .
لقد صح عن أمير المؤمنين علي عليه السلام قوله « سلوني قبل أن تفقدوني » ونقلت ذلك الكثير من مصادر الفرقين ، بحيث يعسر علينا حصرها هنا . وللاطلاع على ذلك انظر : الغدير 6: 193 ـ 194 و 7: 107 ـ 108.
ومن ذلك : ما روي عن سويد بن غفلة: أنّ رجلاً جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام فأخبره أنّ خالد بن عرفطة قد مات فاستغفر له ، فقال : « إنّه لم يمت ولا يموت حتّى يقود جيش ضلالة صاحب لوائه حبيب ابن جمّاز» .
فقام رجل من تحت المنبر فقال : يا أمير المؤمنين ، والله إنّي لك شيعة، وإنّي لك محبّ ، وأنا حبيب بن جفّاز.
فقال : «إيّاك أن تحملها ، ولتحملنّها فتدخل من هذا الباب » وأومأ بيده إلى باب الفيل .
فلمّا كان من أمر الحسين عليه السلام ما كان بعث ابن زياد بعمر بن سعد إلى الحسين ، وجعل خالد بن عرفطة على مقدّمته ، وحبيب بن جمّاز صاحب رايته ، فسار بها حتّى دخل المسجد من باب الفيل (1). وهذا الخبر مستفيض في أهل العلم بالآثار من أهل الكوفة .
ومن ذلك : ما رواه إسماعيل بن زياد قال : إنّ عليّاً عليه السلام قال للبراء بن عازب : « يا براء ، يُقتل ابني الحسين وأنت حيّ لاتنصره ».
فلمّا قُتل الحسين عليه السلام كان البراء يقول : صدق والله عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، قُتل الحسين بن عليّ وأنا لم أنصره . ويظهر الندم على ذلك والحسرة(2).
وهذا الذي ذكرناه ـ من جملة إخباره بالغائبات وإعلامه بالكائنات قبلكونها ـ غيض من فيض ، ويسير من كثير، ولو لم تكن إلاّ خطبته القاصة ، وخطبة البصرة المستفيضة الشائعة، وما فيها من الملاحم والحوادث في العباد والبلاد، وأسامي ملوك بني اُميّة وبني العباس ، وما حلّ من عظائم بليّاتهم بالناس لكفى بهما اُعجوبة لا يعادلها سواها إلاّ ما ساواها في معناها ، وفيما ذكرناه كفاية ومقنع لذوي الألباب .
وأمّا الفن الآخر من المعجزات والايات الخارقة للعادات التي هي غير الإخبار بالغائبات فمما لا يدخل تحت الضبط والانحصار، ونحن نذكر طرفاً منها على شريطة الاختصار:
فمن ذلك : قصة عين راحوما والراهب بأرض كربلاء والصخرة ، والخبر بذلك مشهور بين الخاصّ والعامّ ، وحديثها :
أنّه عليه السلام لمّا توجّه إلى صفّين لحق أصحابه عطش ، فأخذوا يميناً وشمالاً يطلبون الماء فلم يجدوه ، فعدل بهم أمير المؤمنين عن الجادّة ، وسار قليلاً ، فلاح لهم دير فسار بهم نحوه ، وأمر من نادى ساكنه بالإطّلاع إليهم ، فنادوه فاطّلع ، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : «هل قرب قائمك ماء ؟» فقال : هيهات ، بينكم وبين الماء فرسخان ، وما بالقرب منّي شيء من الماء . فلوى عليه السلام عنق بغلته نحو القبلة وأشار بهم إلى مكان يقرب من الدير فقال : «اكشفوا الأرض في هذا المكان» فكشفوه بالمساحي فظهرت لهم صخرة عظيمة تلمع فقالوا: يا أمير المؤمنين ، ههنا صخرة لا تعمل فيها المساحي ، فقال عليه السلام : ،«إنّ هذه الصخرة على الماء ، فاجتهدوا في
ثمّ جاء إلى الصخرة فتناولها بيده ووضعها حيث كانت ، وأمر أن يعفى أثرها بالتراب ، والراهب ينظر من فوق ديره ، فلمّا علم ما جرى نادى : يا معشر الناس أنزلوني أنزلوني ، فانزلوه فوقف بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام فقال له : أنت نبيّ مرسل ؟ قال : «لا» ، قال : فملك مقرّب ؟ قال : «لا» ، قال : فمن أنت ؟ قال : «أنا وصيّ رسول اللهّ محمّد بن عبدالله صلّى الله عليه واله وسلّم خاتم النبيّين» قال : ابسط يدك اُسلم للّه على يدك . فبسط عليه السلام يده وقال له : «اشهد الشهادتين» فقال : أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأشِهد أنّ محمّداً رسول الله ، وأشهد أنّك وصيّ رسول اللهّ وأحقّ الناس بالأمر من بعده ، وقال : يا أمير المؤمنين إنّ هذا الدير بُني على طلب قالع هذه الصخرة ومُخرج الماء من تحتها، وقد مضى عالم كثير قبلي ولم يدركوا ذلك ، وقد رزقنيه الله عزّ وجل ،إنّا نجد في كتاب من كتبنا مآثرعن علمائنا إنّ في هذا الصقع عيناً عليها صخرة لا يعرف مكانها إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ ، وإنّه لا بدّ من وليّ للّه يدعو إلى الحقّ ، آيته معرفة مكان هذه الصخرة وقدرته على قلعها ، وإنّي لمّا رأيتك قد بلغت ذلك تحقّقت ما كنّا ننتظره ، وبلغت الاُمنية منه ، فانا اليوم مسلم على يدك ومؤمن بحقّك ومولاك .
فلمّا سمع بذلك أميرالمؤمنين بكى حتّى اخضلّت لحيته من الدموع وقال : « الحمد لله الذي كنت في كتبه مذكوراً ، الحمد لله الذي لم أك عنده منسيّاً ] ثمّ دعا الناس وقال : «اسمعوا ما يقوله أخوكم المسلم»[ (1) فسمع الناس مقال له وشكروا الله على ذلك ، وساروا والراهب بين يديه حتى لقي أهل الشام ، فكان الراهب في جملة من استشهد معه ، فتولّى الصلاة عليه ودفنه وأكثر من الاستغفار له ، وكان إذا ذكره يقول :«ذاك مولاي »(2).
وفي هذا الخبر ضروب من الأيات : أحدها : علم الغيب (3).
والآخر: القوّة الخارقة للعادة .
والثالث : ثبوت البشارة به في كتب الله الاُولى كما جاء في التنزيل :(ذلِكَ مَثَلُهُم فِي التّوَراة وَمَثَلُهُم فِي الإنجِيلِ »(4).
وفي ذلك يقول السيّد إسماعيل بن محمد الحميري :