وقبض ليلة الجمعة لتسع بقين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة قتيلاً شهيداً ، قتله عبدالرحمن بن ملجم المرادي لعنه الله - وقد خرج لصلاة الفجر ليلة تسعة عشر من شهر رمضان وهو ينادي «الصلاة الصلاة» - في المسجد الأعظم بالكوفة، فضربه بالسيف على أمّ رأسه ، وقد كان ارتصده من أول الليل لذلك ، وكان سيفه مسموماً . فمكث عليه السلام يوم التاسع عشر وليلة العشرين ويومها وليلة الحادي والعشرين إلى نحو الثلث من الليل ثمّ قضى نحبه عليه السلام (1) ،وقد كان يعلم ذلك قبل أوانه ويخبر به الناس قبل أيّانه .
فقد اشتهر في الرواية : أنّه عليه السلام كان لما دخل شهر رمضان يتعشّى ليلة عند الحسن عليه السلام ، وليلة عند الحسين عليه السلام ، وليلة عند عبداللهّ بن العبّاس ، والأصحّ عبدالله بن جعفر، وكان لا يزيد على ثلاث لقم ، فقيل له في ذلك فقال : «يأتيني أمر ربي وأنا خميص ، إنما هي ليلة أو ليلتان » ، فأصيب عليه السلام في آخر تلك الليلة (2) .
وروى أصبغ بن نباتة قال : خطبنا أمير المؤمنين عليه السلام في الشهر الذي قتل فيه فقال : «أتاكم شهر رمضان ، وهو سيّد الشهور وأوّل السنة ، وفيه تدور رحى السلطان ، ألا وإنّكم حاجّوا العام صفّاً واحداً ، واية ذلك أنّي لست فيكم » قال : فهو ينعى نفسه عليه السلام ونحن لا ندري (1) .
وروى عنه جماعة أنّه كان يقول على المنبر: « ما يمنع أشقاها أني خضبها من فوقها بدم » ويضع يده على شيبته عليه السلام .
وروي : أنه كان يقول : «واللهّ ليخضبنَ هذه من هذه » ويضع يده على رأسه ولحيته عليه السلام (2) .
وروي عن أبي صالح الحنفيّ قال : سمعت عليّاً عليه السلام يقول :«رأيت النبي صلّى اللهّ عليه وآله وسلّم في منامي فشكوت إليه ما لقيت منأمّته من الأود واللدد وبكيت فقال : «لا تبك يا عليّ ، والتفت فالتفتّ فإذا رجلان مصفدان ، وإذا جلاميد (3) ، ترضخ بها روسهما» .
قال أبو صالح : فغدوت إليه من الغد فلقيت الناس يقولون : قُتل أمير المؤمنين عليه السلام (4) .
وروى الحسن البصري قال : سهر أمير المؤمنين عليه السلام في الليلة التي قتل في صبيحتها ولم يخرج إلى المسجد لصلاة الليل على عادته ، فقالت له ابنته أمّ كلثوم : ما هذا الذي قد أسهرك ؟ فقال : «إنّي مقتول لو قد أصبحت ».
وأتاه ابن النباح فآذنه بالصلاة، فمشى غير بعيد ثمّ رجع فقالت له أمكلثوم : مر جعدة فليصلّ بالناس ،قال : «نعم مروا جعدة ليصلّي ، ثم قال :«لا مفرّ من الأجل » فخرج إلى المسجد، فإذا هو بالرجل قد سهر ليلته كلها يرصده ، فلقا برد السحر نام ، فحركه أميرالمؤمنين عليه السلام برجله وقالله : «الصلاة» ، فقام إليه فضربه (1) .
وروي في حديث آخر: أنه عليه السلام سهر في تلك الليلة، وكان يكثر الخروج والنظر إلى السماء وهو يقول : «والله ما كذبت ولا كذبت وإنها الليلة التي وعدت بها» ثمّ يعاود مضجعه ، فلما طلع الفجر شد إزاره وخرج وهو يقول :
فلما خرج إلى صحن الدار استقبلنه الإوزّ فصحن في وجهه ، فجعلوا يطردونهن ، فقال : «دعوهن فانهنَ صوائح تتبعها نوائح » ثمّ خرج فاُصيب عليه السلام (2) .
«وكان سنه يوم استشهد ثلاثاً وستّين سنة، وكان مقامه مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَم ثلاثاً وثلاثين سنة، عشر منها قبل البعثة، واسلم وهو ابن عشر سنين (3) ، فقد صحت الرواية عن حبة العرني عنه عليه السلام
الذي يجب تقديمه في هذا الباب أنّه قد ثبت بالدلالة القاطعة وجوب الإمامة في كلّ زمان لكونها لطفاً في فعل الواجبات والامتناع عن المقبّحات ، فإَنّا نعلم ضرورة ان عند وجود الرئيس المهيب يكثر الصلاح من الناس ويقلّ الفساد، وعند عدمه يكثر الفساد ويقلّ الصلاح منهم ، بل يجب ذلك عند ضعف أمره مع وجود هيبته .
وثبت أيضاً وجوب كونه معصوماً مقطوعاً على عصمته ، لأنّ جهة الحاجة إلى هذا الرئيس هي إرتفاع العصمة عن الناس وجواز فعل القبيح منهم ، فإن كان هو غير معصوم وجب أن يكون محتاجاً إلى رئيس آخر غيره ،لأنّ علّة الحاجة إليه قائمة فيه ، والكلام في رئيسه كالكلام فيه ، فيؤدّي إلى وجوب ما لا نهاية له من الأئمّة أو الانتهاء إلى إمام معصوم وهو المطلوب .
فإذا ثبت وجوب عصمة الإمام فالعصمة لا يمكن معرفتها إلاّ بإعلامالله سبحانه العالم بالسرائر والضمائر، ولا طريق إلى ذلك سواه ، فيجب النصّ من الله تعالى عليه على لسان نبيّ مؤيّد بالمعجزات ، أو إظهار معجز
فقالت الشيعة : الإمام بعده صلّى الله عليه وآله وسلّم أميرالمؤمنين عليه السلام ، بالنصّ على إمامته.
وقالت العبّاسيّة : الإمام بعده العبّاس ، بالنصّ أو الميراث.
وقال الباقون من الاُمّة : الإمام بعده أبو بكر.
وكلّ من قال بإمامة أبي بكر والعبّاس أجمعوا على أنّهما لم يكونا مقطوعاً على عصمتهما، فخرجا بذلك من الإمامة لما قدّمناه ، ووجب أن يكون الإمام بعده أمير المؤمنين علي عليه السلام بالنصّ الحاصل من جهة الله تعالى عليه والإشارة إليه ، وإلاّ كان الحقّ خارجاً عن أقوال جميع الاُمّة وذلك غير جائز بالاتّفاق بيننا وبين مخالفينا، فهذا هو الدليل العقلي على كونه منصوصاً عليه صلوات الله عليه .
وأما الأدلّة السمعيّة على ذلك فقد استوفاها أصحابنا ـ رضي الله عنهم ـ قديماً وحديثاً في كتبهم ، لا سيّما ما ذكره سيّدنا الأجلّ المرتضى علم الهدى ذو المجدين قدّس الله روحه في كتاب الشافي في الإمامة، فقد استولى على الأمد، وغار في ذلك وأنجد، وصوّب وصعّد، وبلغ غاية الاستيفاء والاسقصاء، وأجاب على شُبَه المخالفين التي عوّلوا على اعتمادها واجتهدوا في إيرادها ، أحسن اللهّ عن الدين وكافّة المؤمنين جزاءه ، ونحن نذكر الكلام في ذلك على سبيل الاختصار والإجمال دون البسط والإكمال .
فنقول : إنّ الذي يدل على أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم نصّ على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالإمامة بعده بلا فصل ،
فأمّا النصّ الدال على إمامته بالفعل والقول : فهو أفعال نبينا صلى الله عليه وآله وسلّم المبينة لأمير المؤمنين عليه السلام من جميع الاُمة، الدالةعلى استحقاقه التعظيم والإجلال والتقديم التي لم تحصل ولا بعضها لأحد سواه ، وذلك مثل إنكاحه ابنته الزهراء سيّدة نساء العالمين ، ومؤاخاته إيّاه بنفسه ، وأنّه لم يندبه لأمر مهمّ ولا بعثه في جيش قطَ إلى آخرعمره إلآ كان هو الوالي عليه ، المقذم فيه ، ولم يولّ عليه أحداً من أصحابه وأقربيه ، وأنّه لم ينقم عليه شيئاً من أمره مع طول صحبته إيّاه ، ولا أنكر منه فعلاً، ولا استبطأه ، ولا استزاده في صغير من الاُمور ولا كبير، هذا مع كثرة ما عاتب سواه من أصحابه إمّا تصريحاً وإمّا تلويحاً .
وأمّا ما يجري مجرى هذه الأفعال من الأقوال الصادرة عنه صلى الله عليه وآله وسلم الدالة على تميزه عمن سواه ، المنبئة عن كمال عصمته وعلوّ رتبته فكثيرة :
منها: قوله صلى الله عليه وآله وسلم يوم اُحد وقد انهزم الناس وبقي عليّ عليه السلام يقاتل القوم حتّى فض جمعهم وانهزموا فقال جبرئيل : «إن هذه لهي المواساة» فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم لجبرئيل : «عليّ مني وأنا منه » فقال جبرئيل : «وأنا منكما» (1) .=
فاجراه مجرى نفسه ، كما جعله الله سبحانه نفس النبيّ صلّى الله عليه واله وسلّم في اية المباهلة بقوله : (وأنفسنا) (1) .
ومنها : قوله عليه واله السلام لبريدة : «يا بريدة، لا تبغض عليّاً ، فإنهمنّي وأنا منه (2) ، إنّ الناس خلقوا من أشجار شتّى وخلقت أنا وعليّ من شجرة واحدة» (3) .
ومنها: قوله : «عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ يدور حيثما دار» (4) .
ومنها: ما اشتهرت به الرواية من حديث الطائر، وقوله عليه وآله السلام : «اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر» فجاء عليّ عليه السلام (5) .=
=
ومنها : قوله صلّى اللهّ عليه وآله وسلّم لابنته الزهراء عليها السلام لمّا عيّرتها نساء قريش بفقر عليّ عليه السلام : «أما ترضين يا فاطمة أنّي زوّجتك أقدمهم سلماً ، وأكثرهم علماً، إنّ اللهّ عزّ وجلّ اطّلع على أهل الأرض اطلاعة فاختار منهم أباك فجعله نبيّاً، واطّلع عليهم ثانية فاختار منهم بعلك فجعله وصيّاً، وأوحى إليّ أن اُنكحه ، أما علمت يا فاطمة أنّك بكرامة الله إيّاك زوجتك أعظمهم حلماً ، وأكثرهم علماً، وأقدمهم سلماً».
فضحكت فاطمة عليها السلام واستبشرت ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : «يا فاطمة إنّ لعليّ ثمانية أضراس قواطع لم تجعل لأحد من الأوّلين والآخرين ، هو أخي في الدنيا والآخرة، ليس ذلك لغيره من الناس ، وأنت يا فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة زوجته ، وسبطا الرحمة سبطا يولده ، وأخوه المزيّن بالجناحين في الجنّة يطير مع الملائكة حيث يشاء ، وعنده علم الأوّلين والآخرين ، وهو أوّل من آمن بي ، وآخر الناس عهداً بي ، وهو وصّي ووارث الوصيّين » (1) .
ومنها: قوله صلَى الله عليه وآله وسلّم فيه : «أنت مدينة العلم وعليّ=
وقد تواتر وروده بطرق شتى وأسانيد مختلفة، بالاضافة إلى أن الإمام علي عليه السلام احتج به في يوم الدار، فقال :
انشدكم بالله هل فيكم احد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم : اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير، فجاء أحد غيري ؟ فقالوا : اللهم لا، فقال : اللهم أشهد .
وقد روى هذا الحديث بضعة وتسعون نفساً كما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية 7 :452.
وما رواه عبدالله بن مسعود: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم استدعى عليّاً فخلا به ، فلمّا خرج إلينا سألناه : ما الذي عهد إليك ؟ فقال :«علّمني ألف باب من العلم ، فتح لي كلّ باب ألف باب » (2) .
ومنها: أنّه جعل محبّته علماً على الإيمان ، وبغضه علماً على النفاق بقوله فيه : «لايحبّك إلاّ مؤمن ، ولا يبغضك إلاّ منافق » (3) .
ومنها: أنّه عليه وآله السلام جعل ولايته عَلَماً على طيب المولد ، وعداوته عَلَماً على خبث المولد ، بقوله «بوروا (4) أولادكم بحبّ عليّ بن أبي طالب ، فمن أحبّه فاعلموا أنّه لرشدة ، ومن أبغضه فاعلموا أنّه لغيّة (5) . رواه جابر بن عبدالله الأنصاري عنه .
وروى عنه أبو جعفر الباقر عليهما السلام قال : «سمعت رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم يقول لعليّ عليه السلام : ألا أسرّك ، ألا أمنحك ،ألا آبشّرك ؟ فقال : بلى يا رسول الله قال : خلقت أنا وأنت من طينة واحدة ففضلت منها فضلة فخلق الله منها شيعتنا، فإذا كان يوم القيامة دعي الناس باسماء اُمّهاتهم ، سوى شيعتنا فإنهم يدعون بأسماء ابائهم لطيب مولدهم » (1) .
وروي عن جابر أنه كان يدور في سكك الأنصار ويقول : عليّ خير البشر فمن أبى فقد كفر، معاشر الأنصار بوروا أولادكم بحب عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، فمن أبى فانظروا في شأن اُمّه (2) .
ومنها: عن ابن عبَاس : أنَ النبي صلّى النبي عليه وآله وسلم قال : «إذاكان يوم القيامة دعي الناس كلّهم بأسمائهم ما خلا شيعتنا فإنهم يدعون بأسماء ابائهم لطيب مواليدهم » (3) .
ومنها: أنه جعله وشيعته الفائزون، رواه أنس بن مالك عنه صلّى الله عليه واله وسلم : «يدخل الجنة من اُمتي سبعون ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب »ثمّ التفت إلى علي عليه السلام فقال : «هم شيعتك وأنت إمامهم » (4) .
ومنها : أنه عليه السلام سد الأبواب في المسجد إلاّ بابه عليه السلام ،
فخرج حمزة يبكي وقال : يا رسول الله أخرجت عمّك وأسكنت ابنعمّك ! فقال : «ما أنا أخرجتك وأسكنته ، ولكنّ الله أسكنه » .
فقال بعض الصحابة ـ وقيل : هو أبو بكرـ: دع لي كوّة أنظر فيها،فقال : «لا ، رأس إبرة» (1) .
وروى زيد بن أرقم عن سعد بن أبي وقّاص قال : سدّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم الأبواب إلاّ باب عليّ (2) .
وإلى هذا أشار السيّد الحميري في قصيدته المذهّبة بقوله ؟
وأمثال ما ذكرناه من الأفعال والأقوال الظاهرة التي جاءت بها الأخَبار المتظاهرة ولا يخالف فيها ولن ولا عد ـ كثير- يطول هذا الكتاب بذكرها ، وإنّما شهدت هذه الأفعال والأقوال باستحقاقه عليه السلام الإمامة ، ودلّت
ولأنّ العادة قد جرت فيمن يرشّح لجليل الولايات ، ويؤهّل لعظيم الدرجات ، أن يصنع به بعض ما تقدّم ذكره ، يبيّن ذلك أنّ بعض الملوك لو تابع بين أفعال وأقوال في بعض أصحابه طول عمره وولايته يدل على فضل شديد ، وقرب منه في المودّة والمخالصة والاتحاد ، لكان عند أرباب العادات بهذه الأفعال مرشّحاً له لأفضل المنازل ، وأعلى المراتب بعده ، ودالاً على استحقاقه لذلك . وقد قال قوم من أصحابنا : إن دلالة العقل ربما كانت آكد من دلالة القول ؛ لأنها أبعد من الشبهة ، وأوضح في الحجة ، من حيث إنّ مايختصَ بالفعل لا يدخله المجاز ولا يتحمل التأويل ، وأمّا القول فيحتمل ضروباً من التأويل ويدخله المجاز وبالله التوفيق .
وأمّا النص المختص بالقول فينقسم قسمين : النص الجلي ، والنصّ الخفيّ . فالنص الجليّ: هو ما علم سامعوه من الرسول صلَى الله عليه وآله وسلّم مراده منه ضرورة وإن كنَا نعلم الآن ثبوته .
والمراد به إستدلالاً : وهو النصّ الذي فيه التصريح بالإمامة والخلافة مثل ،قوله صلى الله عليه وآله « سلّموا على عليً بإمرة المؤمنين » (1)
وقوله صلوات الله عليه وآله مشيرا إليه وآخذا بيده : « هذا خليفتي فيكم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوه » (2) .
وقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم لأمّ سلمة: «اسمعي واشهدي هذا علي أمير المؤمنين وسيّد المسلمين » (3) .
وقوله عليه وآله السلام حين جمع بني عبدالمطّلب في دار أبي طالبوهم أربعون رجلاً يومئذ يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً ـ فيما ذكره الرواة ـوقد صنع لهم فخذ شاة مع مدّ من البرّ، وأعدّ لهم صاعاً من اللبن ، وقد كان الرجال منهم يأكل الجذعة في مقام واحد ويشرب الفرق من الشراب ، ثمّ أمر بتقديمه لهم ، فأكلت الجماعة من ذلك اليسير حتّى تملّوا منه ولم يبيّن ما أكلوه وشربوه فيه .
ثمّ قال لهم بعدأن شبعوا ورووا: يابني عبد المطّلب ، إنّ الله قد بعثني إلى الخلق كافّة ، وبعثني إليكم خاصّة فقال : ( وَاَنذِر عَشِيرَتَكَ الأقرَبينَ ) (4) وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ، ثقيلتين في الميزان ، تَملكون بهما العرب والعجم ، وتنقاد لكم بهما الأمم ، وتدخلون بهما الجنَة ، وتنجون بهما من النار: شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّي رسول الله ، فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني على القيام به يكن أخي ووصيّي ووزيري ووارثي وخليفتي من
فقام عليّ عليه السلام فقال : « أنا يا رسول الله اُؤازرك على هذا الأمر» .
فقال : « اجلس » .
ثم أعاد القول على القوم ثانية فاصمتوا وقام علي فقال مثل مقالته الاُولى ، فقال : « اجلس » .
فاعاد القول ثالثة فلم ينطق أحد منهم بحرف ، فقام علي فقال : «أنا اُؤازرك يا رسول الله على هذا الأمر» . فقال : «اجلس فأنت أخي ووصيّي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي » .
فنهض القوم وهم يقولون لأبي طالب : ليهنك اليوم إن دخلت في دين ابن أخيك ، فقد جعل ابنك أميراً عليك (1) .
وقد أورد هذا الخبر الاُستاذ أبو سعيد الخركوشي إمام أصحابالحديث بنيشابور في تفسيره (2) .
وهذا الضرب من النص قد تفرّد بنقله الشيعة الإمامية خاصّة ، وإن كانبعض من لم يفطن لما عليه فيه من أصحاب الحديث قد روى شيئاً منه .
وأمّا الدلالة على تصحيح هذا النصّ فقد سطرها أصحابنا في كتبهم ، وذكروا من الكلام في إثباته وإبطال ما خرج المخالفون فيه ما ربّما بلغ حجم
وأمّا النصّ الذي يسمِّيه أصحابنا النصّ الخفيّ فهو ما لا يقطع علىأنِّ سامعيه علموا النصّ عليه بالإمامة منه ضرورة، وإن كان لا يمتنع أن يكونوا يعلمونه كذلك أو علموه استدلالاً، من حيث اعتبار دلالة اللفظ ، وأمّا نحن فلا نعلم ثبوته ، والمراد به إلاّ استدلالاً، وهذا الضرب سن النصّ على ضربين : قرانيٌّ ، وأخباريٌّ .
فأمّا النصّ من القرآن : فقوله سبحانه وتعالى : (إنّما وَلِيكم الله وَرَسوله وَالَّذِينَ آمَنوا الَذِينَ يُقِيمُونَ الصلوةَ وَيُؤتونَ الزَّكوةَ وَهْم راكِعونَ ) (1) .
ووجه الاستدلال من هذه الاية : أنه قد ثبت أن المراد بلفظة ( وليكم ) المذكورة في ألآية : من كان المتحقق بتدبيركم والقيام باُموركم وتجب طاعته عليكم ، بدلالة أنّهم يقولون في السلطان: أنَه ولي أمر الرعية، وفيمن ترشح للخلافة : أنه وليّ عهد المسلمين ، وفي من يملك تدبير انكاح المرأة : أنَة وليّها، وفي عصبة المقتول : أنّهم أولياء الدم، من حيث كانت إليهم المطالبة بالدم والعفو.
وقال المبرد في كتابه: الولي هو الأولى والأحق، ومثله المولى (2) .
فإذا كان حقيقته في اللغة ذلك فالذي يدل على أنّه المراد في الاية : أنَه قد ثبت أنّ المراد بـ ( الذين امنوا ) ليس هو جميعهم بل بعضهم، وهو منكانت له الصفة المخصوصة التي هي إيتاء الزكاة في حال الركوع .
منها : قد ورد الخبر في ذلك بنقل طائفتين مختلفتين ومن طريق العامّة والخاصة نزول الأية في أمير المؤمنين عند تصدقه بخاتمه في حال ركوعه ، والقصة في ذلك مشهورة (2) .
ومنها : أن الاُمة قد اجمعت على توجهها إليه عليه السلام ، لأنها بين قائلين : قائل يقول : ان المراد بها جميع المؤمنين الذين هو أحدهم ، وقائل يقول : إنه المختص بها .
ومنها : أن كلّ من ذهب إلى أن المراد بالأية ما ذكرناه من معنى الإمامة
وأما النص من طريق الأخبار: فمثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خمّ : «من كنت مولاه فعلي مولاه » (1) .
وقوله : «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى » (2) .=
فهذان الخبران ممّا رواهما الشيعي والناصبي ، وتلقّته الاُمّة بالقبول على اختلافها في النِحَل وتباينها في المذاهب ، وإن كانوا قد اختلفوا في تأويله واعتقاد المراد به .
فامّا وجه الاستدلال بخبر الغدير ففيه طريقتان: أحدهما : أن نقول : إنّ النبىّ صلى الله عليه وآله وسلّم قرّر اُمّته في ذلك المقام على فرض طاعته فقال : « ألست اولى بكم من أنفسكم » فلمّا أجابوه بالاعتراف وقالوا : بلى ، رفع بيد أمير المؤمنين عليّ عليه السلام وقال عاطفاً على ما تقدّم : «فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه (1) - وفي روايات اُخر: فعليّ مولاه - اللهمّ وال من=
وغير ذلك من مصادر العامة المختلفة التي يصعب حصرها هنا، حيت تتكفل في ذلك المراجع المختصة بهذا الباب، ولعل من أوضح التعليقات المؤيدة لهذا الأمر ما ذكره الحسكاني في كتابه شواهد التنزيل (1 : 52ا) عن أحد المشايخ وهو عمر بن أحمد بن إبراهيم العبدوي (ت 417 هـ) والذيَ يُترجم له بأنه كان صادقاً عارفاً حافظاً وغير ذلك من عبارات الثناء والتقدير كما يذكر ذلك الخطيب البغدادي في تاريخه (11: 272) والذهبي في تذكرة الحفاظ ( 4: 1272 | 1072 ).
فذكر الحسكاني عنه قوله : خرجته ـ أي حديث المنزلة ـ بخمسة آلاف إسناد .فتأمل .=
فأتى عليه الصلاة والسلام بجملة يحتمل لفظها معنى الجملة الأولى التي قدّمها ، وهو أنّ لفظة (مولى) تحتمل معنى أولى ، وإن كانت تحتمل غيره ، فيحب أن يكون أراد بها المعنى المتقدّم على مقتضى استعمال أهل اللغة ، وإذا كانت هذه اللّفظة تفيد معنى الإمامة بدلالة أنّهم يقولون : السلطان أولى بإقامة الحدود من الرعيّة ، والمولى أولى بعبده ، وولد الميّت أولى بميراثه منغيره ، وقوله سبحانه : ( النبي أولى بِالمُؤمِنِينَ مِن أنفُسِهِم ) (2) لا خلاف بين المفسّرين أنّ المراد به أنّه أولى بتدبير المؤمنين والأمر والنهي فيهم من كل أحد منهم . وإذا كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أولى بالخلق من أنفسهم من حيث كان مفترض الطاعة عليهم ، وأحق بتدبيرهم وأمرهم ونهيهم وتصريفهم بلا خلاف ، وجب أن يكون ما أوجبه لأمير المؤمنين عليه السلام فيكون أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، من حيث أنّ طاعته مفترضة عليهم ،=