واجعل لكل إنسان من خدمك عملاً تأخذه به، فإنه أحرى أن لا يتواكلوا في خدمتك، وأكرم عشيرتك، فإنهم جناحك الذي به تطير، وأصلك الذي إليه تصير، ويدك التي (1) بها تصول.
أستودع الله دينك ودنياك، وأسئله خير القضاء لك، في الآجلة والعاجلة والدنيا والاخرة»(2).
** وروي عن الحسن بن يقطين (3)، عن أبيه، عن جده قال: ولي علينا الأهواز رجل من كتاب يحيى بن خالد، وكان عليَّ من بقايا خراج كان فيها زوال نعمتي وخروج من ملكي، فقيل لي : إنه ينتحل هذا الأمر، فخشيت أن ألقاه مخافة ألا يكون ما بلغني حقاً، فيكون فيه خروجي من ملكي وزوال نعمتي، فهربت منه إلى الله تعالى، وأتيت الصادق (4) عليه السلام مستجيراً، فكتب إليه رقعة صغيرة فيها : بسم الله الرحمن الرحيم : إن لله في ظلّ عرشه ظلاً لا يسكنه إلا من نفّس عن أخيه كربة، أو أعانه بنفسه، أو صنع إليه معروفاً، ولو بشق تمرة. وهذا أخوك والسلام. ثم ختمها ودفعها إليَّ وأمرني أن اُوصلها إليه، فلما رجعت إلى بلدي، صرت إلى منزله فاستأذنت عليه، وقلت : رسول الصادق عليه السلام بالباب، فإذا أنا به وقد خرج إليَّ حافياً، فأبصرني وسلّم عليَّ وقبّل ما بين عينيّ، ثم قال لي : يا سيدي أنت رسول مولاي؟ فقلت : نعم، فقال : قد أعتقتني من النار إن كنت صادقاً، فأخذ بيدي وأدخلني منزله، وأجلسني في مجلسه، وقعد بين يديَّ، ثم قال : يا سيدي كيف خلّفت مولاي؟ فقلت : بخير، فقال : الله الله؟ قلت : الله، حتى أعادها ثلاثاً، ثم ناولته الرقعة فقرأها وقبّلها ووضعها على عينيه، ثم قال : يا أخي مُر بأمرك، فقلت : في جريدتك عليَّ كذا وكذا ألف ألف درهم، وفيه عطبي وهلاكي، فدعا الجريدة فمحا عنّي كل ما
____________
1 ـ في الأصل : الذي، وما أثبتناه من نهج البلاغة.
2 ـ نهج البلاغة 3 :55.
3 ـ في البحار 47 : 207 | 49 : الحسن بن علي بن يقطين.
4 ـ في قضاء حقوق المؤمنين : الصابر عليه السلام أي موسى بن جعفر، وقال المجلسي بعد ذكر الحديث عن كتاب قضاء الحقوق : رواه في عدة الداعي عن الحسن بن يقطين عن أبيه، عن جده وذكر فيه الصادق مكان الكاظم وما هنا أظهر.

(290)
كان فيها، وأعطاني براءة منها، ثم دعا بصناديق ماله فناصفني عليها، ثم دعا بدوابه فجعل يأخذ دابة ويعطيني دابة، ثم دعا بغلمان، فجعل يعطيني غلاماً ويأخذ غلاماً، ثم دعا بكسوته فجعل يأخذ ثوباً ويعطيني ثوباً، حتى شاطرني جميع ملكه ويقول : هل سررتك؟ فأقول : إي والله وزدت على السرور.
فلما كان في الموسم قلت: والله لا كان [جزاء] (1) هذا الفرح بشيء أحب الى الله ورسوله، من الخروج إلى الحج، والدعاء له، والمصير إلى مولاي وسيدي الصادق عليه السلام وشكره عنده، وأسأله الدعاء له، فخرجت إلى مكة وجعلت طريقي إلى مولاي عليه السلام، فلما دخلت عليه رأيته والسرور في وجهه، وقال لي : «يا فلان، ما كان من خبرك مع الرجل؟» فجعلت أورد عليه خبري، وجعل يتهلل وجهه ويسر السرور، فقلت :يا سيدي، هل سررت بما كان منه إليّ؟ سرّه الله تعالى في جميع اُموره، فقال : « إي والله سرني، والله لقد سرّ آبائي، والله لقد سر أمير المؤمنين، والله لقد سرّ رسول الله صلى الله عليه وآله، والله لقد سرّ الله في عرشه»(2).
تم الحديث والحمد لله رب العالمين.
روي أن رجلاً كتب إلى رجل من ولاة العراق، يشفع في الفرزدق وقد طلبه فهرب منه :
أما بعد، فإن هذا البطن من قريش، قد غرسوا شجرة الحلم فتفرعت أغصانها عن الكرم والعلم والصدق والوفاء، ثم اجتنى كل منهم من ذلك على عظم قدر وعلو همته، وإنك أطولهم باعاً، وأحسنهم عموداً، وأجزلهم وفوداً، ولو قلت : ان لك ثلثي ذلك الفضل لكان، بل لك ذلك كله، لأنك أهله ومعدنه، وفيه غرس أصلك، وعليه تفرع فرعك، وعليه تهدلت غصونه.
وبعد، فلولا عظم جرم الفرزدق لم يضق عنه حلمك على عظمه، وسعة صدرك، وكبر صبرك، وكظم غيظك، لكنّي حسبك أردت بإخافته تأديب رعيتك، كيما لا يجتروا على ارتكاب ذنب طمعاً في العفو، ولنعم مؤدب ألرعية وسائسها أنت، وإنما يذهب الغيظ الظفر، والحقد الحلم، ويطيب النفس الرغبة في ثواب ذلك، وقد
____________
1 - ما بين المعقوفين أثبتناه من البحار 47 : 207 | 49 4.
2 - رواه ابن فهد في عدة الداعي : 179 والصوري في قضاء حقوق المؤمنين : ح 24. وعنهما في البحار 48 : 174 | 16 و74 : | 313، وأخرجه المجلسي في البحار 47 : 207 | 49 عن أعلام الدين أيضاً.

(291)
قال الله سبحانه : (وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم) (1) وقال سبحانه : (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين)(2) وقد ظفرت به، وذل لك مطلبه، وأستخذى(3) إليك طمعاً في عفوك، ورجاءً لحلمك، والحلم والكرم والعفو والصفح خلق قرشي، وسجال هاشمي، وحلة يلبسها البر الكريم جميلة، وقد أوطأته ربعك الفسيح، وجنابك السميح، وضمنت له عليك الوفاء، حتى يرد كتابك بذلك إن شاء الله تعالى.
فلما قرأه كتب إليه : أما ما ذكرت حسن وخير وجميل، ووصفت من كرم، فأنعث ألمقدم فيه والسابق إليه، بل أنت أصله، وبك يصح معناه، وما ذكرت من أمر الرعية، فإنه كذلك لأنّ الليث لا يفرق إن لم يفترس، وبالمهابة يمكّن الجموح من عنانه، ولقد أحسن لنفسه الصنيعة إذ لجأ إليك، وإنما هرب ليعلم أنه خطر بالبال، وقد أردت أن يبين طريداً شريداً، لا يطعم الغمض، ولا يأمن من الخوف، حتى ورد كتابك شافعاً فيه، فأمانك أماني، وعفوك عفوي، وأمرك أمري، فإني لا اُخيف من آمنته، ولا أرهب من أجرته منتك في الطلب ألينا ألعفو عنه، أفضل وأعظم من منّتنا بإسعافك بالإجابة إلى ما سألت، أدام الله نعمتك وسلامتك.
وروي عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: يأتي على الناس زمان إذا سمعت باسم رجل خير من أن تلقاه، فإذا لقيته خير من أن تجربه، ولو جربته أظهر لك أحوالاً، دينهم دراهمهم، وهمتهم بطونهم، وقبلتهم نساؤهم، يركعون للرغيف، ويسجدون للدرهم، حيارى سكارى لا مسلمين ولا نصارى» (4).
من كلام العباس بن عبد المطلب رحمه الله وقد جاءه أبو سفيان والزبير، فعرضا عليه النصرة بعد موت النبي صلى الله عليه وآله فقال لهما: قد سمعنا مقالتكما، فلا لقلة نستعين بكما، ولا لظنة نترك رأيكما، لكن لالتماس الحق، فامهلانا نراجع الفكر، فإن
____________
1 ـ النور 24 : 22.
2 - آل عمران 3 : 134.
3 - استخذى : خضع. «الصحاح - خذا - 6 : 2326».
4 ـ أخرجه المجلسي في بحار الأنوار 74: 166 | 31 عن أعلام الدين.

(292)
يكن لنا من الأثم مخرج، يصّر بنا وبهم الأمر صرير الجندب (1)، ونمد أكفاً إلى المجد لا نقبضها أو تبلغ المدى، وإن تكن الاُخرى، فلا لقلة في العدد، ولا لوهن في العضد، والله لولا أن الإسلام قيد الفتك، لتدكدكت منا أليكم جنادل صخر يسمع اصطكاكها من محل الاُثيل (2).
من كلام أمير المؤمنين عليه السلام : «الكلمة أسيرة في وثاق صاحبها، فإذا تكلم بها صار أسيراً في وثاقها»
وقال عليه السلام : «من كمال المرء تركه ما لا يجمل به، ومن حيائه أن لا يلقي أحداً بما يكره، ومن عقله حسن رفقه، ومن أدبه علمه بما لا بدّله منه، ومن ورعه عفة بصره وعفة بطنه، ومن حسن خلقه كف أذاه، ومن سخائه بره بمن يجب حقه، ومن كرمه إيثاره على نفسه، ومن صبره قلة شكواه، ومن عدله إنصافه من نفسه، وتركه الغضب عند مخالفته، وقبوله للحق إذا بان له، ومن نصحه نهيه له عن غيبتك، ومن حفظه جواره ستره لعيوب جيرانه، وتركه توبيخهم عند إساءتهم إليه، ومن رفقه تركه المواقفة على الذنب بين يدي من يكبر المذنب وقوفه عليه، ومن حسن صحبته إسقاطه عن صاحبه مؤونة أذاه، ومن صداقته كثرة موافقته، ومن صلاحه شدة خوفه، ومن شكره معرفته بإحسان من أحسن إليه، ومن تواضعه معرفته بقدره، ومن حكمته معرفته بذاته، ومن مخافته ذكره الاخرة بقلبه ولسانه، ومن سلامته قلة تحفظه لعيوب غيره، وعنايته بإصلاح نفسه من عيوبه».
قال الصادق عليه السلام : «لا تتبع أخاك بعد القطيعة وقيعة فيه، فتسد عليه طريق الرجوع إليك، فلعل التجارب ترده عليك»(3).
من كلام الحسن بن علي عليهما السلام لأصحابه بعد وفاة أبيه، وقد خطب عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه [ثم قال] (4):
«أما والله ماثنانا عن قتال أهل الشام ذلّة ولا قلّة، ولكن كنّا نقاتلهم بالسلامة والصبر، فشيبت السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم تتوجهون معنا
____________
1 ـ الجندب: ضرب من الجراد، وقيل: ذكر الجراد، والجمع جنادب « حياة الحيوان 1: 203».
2 ـ الاُثيل: موضع قرب المدينة. « معجم البلدان 1: 94».
3 ـ أخرجه المجلسي في بحار الأنوار 74: 166 عن أعلام الدين.
4 ـ أثبتناه من البحار.

(293)
ودينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم ألآن ودنياكم أمام دينكَم، فكنا لكم وكنتم لنا، وقد صرتم اليوم علينا، ثم أصبحتم تعدون قتيلين : قتيلاً بصفين تبكون عليه، وقتيلاً بالنهروان تطلبون بثأره، فأما الباكي فخاذل، وأما الطالب فثائر.
وإن معاوية قد دعا إلى أمر ليس فيه عزّ ولا نصفة، فإن أردتم ألحياة قبلناه منه، واغضضنا على القذى، وإن أردتم الموت بذلناه في ذات الله وحاكمناه [إلى] (1) الله».
فنادى ألقوم بأجمعهم : بل البقية والحياة(2).
** وقال صلى الله عليه وسلم: «المجالس ثلاثة: غانم، وسالم، وشاحب، فأما الغانم فالذي يذكر الله تعالى فيه ، وأما السالم فالساكت، وأما الشاحب فالذي يخوض في الباطل».
وقال صلى الله عليه وآله : «الجليس الصالح خير من الوحدة، والوحدة خير من جليس السوء».
وقال عليه السلام: « أن الله تعالى يحب النظر النافذ عند مجيء الشبهات».
وقال عليه السلام : «المهاجر من هجر الخطايا والذنوب».
وقال عليه السلام: « من أخرجه الله تعالى من ذل المعاصي إلى عز التقوى، أغناه الله بلا مال، وأعزه بلا عشيرة، آنسه بلا شرف، ومن زهد في الدنيا أنبت الله تعالى الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه، وبصره داءها ودواءها وعيوبها».
وقال صلى الله عليه وآله: « لا تلتمسوا الرزق ممن أكتسبه من ألسنة الموازين ورؤوس المكاييل، ولكن من عند من فتحت عليه الدنيا» (3).
وقال عليه السلام: « لا عيش إلا لرجلين: عالم ناطق، ومتعلم واع».
وقال عليه السلام: « أن للقلوب صدءاً كصدأ النحاس، فاجلوها بالاستغفار، وتلاوة القرآن».
وقال عليه السلام: « الزهد ليس بتحريم الحلال، ولكن أن يكون بما في يدي الله أوثق منه بما في يديه».
____________
1 ـ أثبتناه من البحار.
2 ـ أخرجه المجلسي في بحار الأنوار 44: 21 | 5 عن أعلام الدين.
3 ـ أخرجه المجلسي في بحار الأنوار 103: 86 | 22 عن أعلام الدين.

(294)
وقال: « خلتان (1) لا تجتمعان في مؤمن: البخل، وسوء الظن بالرزق».
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: « من أكثر الاستغفار، جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب».
وقال عليه السلام: « كلمة الحكمة يسمعها المؤمن، خير من عبادة سنة»(2).
وقال:« خمس من أتى الله بهن ـ أو بواحدة منهن ـ وجبت له الجنة: من سقى هامة صادية، أو حمل قدماً حافية، أو أطعم كبداً جائعة، أو كسا جلدة عارية، أو أعتق رقبة عانية» (3).
وقال : «صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر، وتدفع ميتة السوء، وتنفي الفقر، وتزيد في العمر، ومن كفّ غضبه، وبسط رضاه، وبذل معروفه، ووصل رحمه، وأدّى أمانته، أدخله الله تعالى في النور الأعظم، ومن لم يتعزّ بعزاء الله، تقطعت نفسه حسرات،ومن لم ير أن لله عنده نعمة إلا في مطعم ومشرب، قلّ علمه وكثر(4) جهله، ومن نظر إلى ما في أيدي ألناس ، طال حزنه ودام أسفه».
وقال: «حسن الخلق، وصلة الأرحام، وبرّ القرابة، تزيد في الأعمار، وتعمر الديار، ولو كان القوم فجاراً».
وقال: «إن الله يحب الأتقياء الأخفياء، الذين إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفقدوا قلوبهم مصابيح الهدى، ينجون (5) من كل غبراء مظلمة».
وقال: الوحدة خير من قرين السوء، والحزم أن تستشير ذا الرأي وتطيع أمره».
وقال: « جاملوا الأشرار بأخلاقكم تسلموا من غوائلهم، وباينوهم بأعمالكم كيلا تكونوا منهم».
وقال: « ولو أن المؤمن أقوم من قدح، لكان له من الناس غامز، واعلموا أنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم».
____________
1 ـ في البحار: خصلتان .
2 ـ البحار 77: 182 | 8 عن أعلام الدين، من قوله(ص): «لا عيش إلا لرجلين... ».
3 ـ نقله المجلسي في البحار 74: 369 | 59 و104: 195 | 16.
4 ـ في البحار: وكبر.
5 ـ في البحار: منجون.

(295)
وقال: « ما من أحد ولي شيئاً من أمور المسلمين، فأراد الله به خيراً، إلا جعل الله له وزيراً صالحاً، إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه، وإن همَّ بشر كفّه وزجره».
وقال: « إن الله يبغض البخيل في حياته، والسخي بعد وفاته».
وقال: « ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يقبل دعاءً من قلب غافل».
وقال: « الأمل رحمة لأمتي، ولولا الأمل ما رضعت والدة ولدها، ولا غرس غارس شجراً».
وقال : «إذا أشار عليك العاقل (1) الناصح فاقبل، وإياك والخلاف عليهم فإنّ فيه الهلاك».
وعاد صلى الله عليه وآله رجلاً من الأنصار فقال : «جعل الله ما مضى كفارة وأجراً، وما بقي عافية وشكراً».
وقال : «خلتان لا تجتمعان (2) في مؤمن : الشح، وسوء الخلق».
وقال : «ويل للذين يجتلبون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضأن من لين ألسنتهم، كلامهم أحلى من العسل، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله تعالى :أبي يغترّون! أم علي يجترون! فوعزتي وجلالي، لأبعثن عليهم فتنة تذر الحليم منهم حيران».
وكتب صلى الله عليه وآله إلى بعض أصحابه يعزيه : «أما بعد، فعظم الله - جل اسمه - لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشكر، إن أنفسنا وأموالنا و أهلينا مواهب الله ألهنيئة وعواريه المستردّة، نمتع بها إلى أجل معدود، ويقبضها لوقت معلوم، وقد جعل الله تعالى علينا الشكر إذا أعطى، والصبر إذا ابتلى، وقد كان ابنك من مواهب الله تعالى، متعك به في غبطة وسرور، وقبضه منك بأجر مذخور، إن صبرت واحتسبت، فلا تجمعن (3) أن يحبط جزعك أجرك، وأن تندم غداً على ثواب مصيبتك، وإنك لو قدمت على ثوابها علمت أن المصيبة قد قصرت عنها، واعلم أن الجزع لا يرد فائتاً
____________
1 - في الأصل : الغافل، وما أثبتناه من البحار.
2 - في البحار: خلقان لا يجتمعان.
3 ـ في البحار: فلا تجزعن.

(296)
ولا يدفع الحزن قضاءً، فليذهب أسفك ما هو نازل بك مكان ابنك، والسلام» (1)
وقال عليه السلام : «الشهوة داء، وعصيانها دواء».
وقال عليه السلام : «من أحسن عبادة الله في شبيبته، لقاه الله الحكمة عند شيبته، قال الله تعالى: (ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما) ثم قال تعالى: (وكذلك نجزي المحسنين)(2) ».
وقال أمير المؤمنين عليه السلام يعزي قوماً: «عليكم بالصبر، فإن به يأخذ الحازم، وإليه يرجع الجازع».
وقال عليه السلام : «أفضل رداء تردى به الحلم، فإن لم تكن حليماً فتحلم، فإنه من تشبّه بقوم أوشك أن يكون منهم».
وقال عليه السلام : «الناس في الدنيا عاملان : عامل في الدنيا للدنيا، قد شغلته دنياه عن آخرته، يخشى على من يخلف الفقر، ويأمنه على نفسه، فيفني عمره في منفعة غيره. وآخر عمل في الدنيا لما بعدها، فجاءه الذي له من الدنيا بغير عمله، فأصبح ملكاً لا يسأل الله تعالى شيئاً فيمنعه ».
وقال عليه السلام : «عجبت للبخيل الذي استعجل الفقر الذي منه هرب، وفاته الغنى الذي إياه طلب، يعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء.
وعجبت للمتكبر الذي كان بالأمس نطفة وهو غداً جيفة، وعجبت لمن شك في الله وهو يرى خلق الله، وعجبت لمن نسي الموت وهو يرى من يموت، وعجبت لمن أنكر النشأة الاخرة وهو يرى النشأة الأولى، وعجبت لعامر الدنيا - دار الفناء- وهو نازل دار البقاء».
وقال عليه السلام : «الفقيه كل الفقيه الذي لا يقنط الناس من رحمة الله، ولا يؤمنهم من مكر الله، ولا يؤيسهم من روح الله، ولا يرخص لهم في معاصي الله».
____________
1 - البحار 77: 172 عن أعلام الدين، من : وقال صلى الله عليه وآله : «صنائع المعروف تقي مصارع السوء».
2 - القصص 28 : 14.

(297)
من كلام الامام الزكيّ أبي محمد الحسن علي عليهم السلام
قال : «المصائب مفاتيح الأجر».
وقال عليه السلام : «تجهل النعم ما أقامت، فإذا ولّت عرفت».
وقال : «إذا سمعت أحداً يتناول أعراض الناس، فاجهد أن لا يعرفك، فإن أشق الناس به معارفه».
وقال : «عليكم بالفكر، فإنه حياة قلب البصير، ومفاتيح أبواب الحكمة».
وقال : «أوسع ما يكون الكريم بالمغفرة إذا ضاقت بالمذنب المعذرة».
وقيل له عليه السلام : فيك عظمة، قال : «لا، بل فيَّ عزة، قال الله تعالى :(ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)(1)».
وقال : «صاحب الناس بمثل ما تحب أن يصاحبوك به».
وكان يقول : «ابن آدم، إنّك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن اُمك، فخذ ممّا في يديك لما بين يديك، فإن المؤمن يتزود، والكافر يتمتع، وكان يتلو(2) مع هذه الموعظة: (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى(3)(4).

***

____________
1 ـ المنافقون 63 : 8.
2 - في البحار: ينادي.
3 - البقرة 2 : 197.
4 ـ البحار 78: 115 | 12 عن أعلام الدين وفيه من قوله عليه السلام : «المصائب مفاتيح الأجر».

(298)
ومن كلام الحسين عليه السلام
قال عليه السلام : «اعلموا أن حوائج الناس إليكم، من نعم الله عليكم، فلا تملّوا النعم فتتحول إلى غيركم، واعلموا أن المعروف مكسب حمداً، ومعقب أجراً، فلو رأيتم المعروف رجلاً لرأيتموه حسناً جميلاً، يسر الناظرين ويفوق العالمين، ولو رأيتم اللؤم رأيتموه سمجاً(1) قبيحاً مشوماً(2)، تنفر منه القلوب، وتغضّ دونه الأبصار، ومن نفس كربة مؤمن فرّج الله تعالى عنه كرب الدنيا والاخرة، ومن أحسن أحسن الله إليه، والله يحب المحسنين».
وتذاكروا العقل عند معاوية، فقال الحسين عليه السلام : «لا يكل العقل إلا باتباع الحق».
فقال معاوية : ما في صدوركم إلا شيء واحد.
وقال عليه السلام : «لاتصفنّ لملك دواءً، فإن نفعه لم يحمدك، وإن ضره اتهمك».
وقال عليه السلام : «ربَّ ذنب أحسن من الاعتذار منه ».
وقال : «مالك إن يكن لك كنت له منفقاً، فلا تبقه بعدك فيكن ذخيرة لغيرك، وتكون أنت المطالب به المأخوذ بحسابه واعلم أنك لا تبقى له، ولا يبقى عليك، فكله قبل أن يأكلك».
وكان عليه السلام يرتجز يوم قُتل ويقول :
الموتُ خير من ركوب العارِ * والعارُ خيرٌ من دخولِ النارِ
وَالله ما هذا وهذا جاري

وقال : «العلم لقاح المعرفة، وطول التجارب زيادة في العقل، والشرف التقوى، والقنوع راحة اللأبدان، ومن أحبك نهاك، ومن أبغضك أغراك».
وقال : «من أحجم عن الرأي وعييت به الحيل، كان الرفق مفتاحه»(3).
____________
1 ـ في الأصل: شمخاً، وما أثبتناه من البحار، وسمج الشي سماجة: قبح « مجمع البحرين ـ سمج ـ 2: 310».
2 ـ في البحار: مشوهاً.
3 ـ البحار 78: 127 | 11 عن أعلام الدين، من قوله عليه السلام : « أعلموا أن حوائج الناس....».

(299)
من كلام علي بن الحسين عليه السلام
« لا يهلك مؤمن بين ثلاث خصال : شهادة ألاّ إله إلا الله وحده لا شْريك له، وِشفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله، وسعة رحمة الله».
وقال عليه السلام : «خف الله تعالى لقدرته عليك، واستحي منه لقربه منك»
وقال عليه السلام: «لا تعادين أحداً وإن ظننت بأنه لا يضرك، ولا تزهدن في صداقة أحد وإن ظننت أنه لا ينفعك، فإنه لا تدري متى تخاف عدوك، ومتى ترجو صديقك».
«وإذا صليت فصلّ صلاة مودع».
وقال عليه السلام [في] (1)جواب من قال : إن معاوية يسكته الحلم وينطقه العلم، فقال : «بل كان يسكته الحصر(2) وينطقه البطر».
وقال عليه السلام : «لكل شيء فاكهة، وفاكهة السمع الكلاَم الحسن».
وقال عليه السلام : «من رمى الناس بما فيهم، رموه بما ليس فيه، ومن لم يعرف دأءه أفسده دواءه».
وقال عليه السلام : «سبب الرفعة التواضع».
وقد قيل : التواضع مصائد الشرف.
وقال عليه السلام لولده محمد الباقر عليه السلام : «كفّ الأذى، وافض الندى (3)، واستعن على الكلام بالسكوت، فإنّ للقول حالات تضر، فاحذر الأحمق».
وقال : «لا تمتنع من ترك القبيح وإن كنت قد عرفت به، ولا تزهد في مراجعة الجميل (4) وإن كنت قد شهرت بخلافه، وإياك والرضا بالذنب، فإنه أعظم من ركوبه، والشرف في التواضع، والغنى في القناعة».
____________
1 ـ أثبتناه من البحار.
2 ـ الحصر: العي عن الكلام « الصحاح ـ حصر ـ 2: 631».
3 ـ في البحار: رفض البذاء.
4 ـ في البحار: الجهل.

(300)
وقال: « ما استغنى أحد بالله، إلا أفتقر الناس إليه».
وقال: « خير مفاتيح الاُمور الصدق، وخير خواتيمها الوفاء».
وقال: « كُل عين ساهرة يوم القيامة، ثلاث عيون: عين سهرت في سبيل الله ، وعين غضت عن محارم الله، وعين فاضت من خشية الله».
وقال صلى الله عليه وآله: « الكريم يبتهج بفضله، واللئيم يفخر بملكه».
وقال عليه السلام: « إياك والغيبة، فإنها إدام كلاب النار».
وقال عليه السلام: « من اتّكل على حسن اختيار الله عز وجل له، لم يتمنّ أنه في حال غير الحال التي اختارها الله له».
قيل: تشاجر هو وبعض الناس في مسألة من الفقه، فقال عليه السلام: «يا هذا، إنك لو صرت إلى منازلنا لأريناك آثار جبرئيل عليه السلام في رحالنا، أفيكون أحد أعلم بالسنة منّا!؟».
وكان عليه السلام إذا صلى تبرز إلى مكان خشن، يتخفى ويصلي فيه، وكان كثير البكاء.
قال: فخرج يوماً في حر شديد إلى الجبان(1) ليصلي فيه، فتبعه مولى له، وهو ساجد على الحجارة - وهي خشنة حارة - وهو يبكي، فجلس مولاه حتى فرغ، فرفع رأسه وكأنه قد غمس رأسه ووجهه في الماء من كثرة الدموع، فقال له مولاه : يا مولايَ، أما آن لحزنك أن ينقضي؟ فقال : «ويحك، إن يعقوب نبي ابن نبي كان له اثنا عشر ولداً، فغيب عنه واحد منهم، فبكى حتى ذهب بصره، واحدودب ظهره، وشاب رأسه من الغم، وكان ابنه حياً يرجو لقاءه، وأنا رأيت أبي وأخي وأعمامي وبني عمي ـ ثمانية عشر ـ مقتلين صرعى تسفي عليهم الريح، فكيف ينقضي حزني وترقأ عبرتي!؟»(2).
____________
1 ـ في البحار: الجبال.
3 ـ البحار 78: 160 | 21 عن أعلام الدين من قوله عليه السلام: « لا يهلك مؤمن بين ثلاث خصال...».

(301)
من كلام محمد بن علي الباقر عليه السلام
قال: « كن لما لا ترجو، أرجى منك لما ترجوا، فإنّ موسى عليه السلام خرج ليقتبس ناراً فرجع نبياً مرسلاً».
وقال لبعض شيعته : «إنا لا نغني عنكم من الله شيئاً إلا بالورع، وإنّ ولايتنا لا تدرك إلا بالعمل، وإن أشدّ الناس يوم القيامة حسرة من وصف عدلاً وأتى جوراً».
وقال عليه السلام : «إذا علم الله تعالى حسن نية من أحد، اكتنفه بالعصمة».
وقال عليه السلام : «صانع المنافق بلسانك، وأخلص ودك للمؤمنين، وإن جالسك يهوديّ فأحسن مجالسته ».
وقال عليه السلام : «الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، وتركك حديثاً لم تروه، خير من روايتك حديثاً لم تحصه، إن على كل حق نوراً، وما خالف كتاب الله فدعوه، إن أسرع الخير ثواباً البر، وإن أسرع الشر عقوبة البغي، وكفى بالمرء عيباً أن ينظر إلى ما يعمى عنه من نفسه، ويعيّر الناس بما لا يتقيه عن نفسه، أويتكلم بكلام لا يعنيه».
قال: « من عمل بما يعلم، علمه الله ما لا يعلم».
واجتمع عنده جماعة من بني هاشم وغيرهم، فقال لهم : «اتقوا الله - شيعة آل محمد ـ وكونوا الفرقة (1) الوسطى، يرجع اليكم الغالي، ويلحق بكم التالي».
قالوا له : وما الغالي؟.
قال: «الذي يقول فينا، ما لا نقوله في أنفسنا».
قالوا : وما التالي؟
قال : «الذي يطلب الخير فتزيدونه (2) خيراً، إنه والله ما بيننا وبين الله من قرابة، ولايتنا عليه حجة، ولا يتقرب إلى الله إلا بالطاعة، فمن كان منكم مطيعاً لله يعمل بطاعته، نفعته ولايتنا -أهل البيت - ومن كان منكم عاصياً لله يعمل بمعاصيه
____________
1 ـ في البحار: النمرقة.
2 - في البحار: فيزيد به.

(302)
لم تنفعه ولايتنا، ويحكم لا تغترّوا، ويحكم لا تغترّوا، ويحكم لا تغترّوا».
وقال لبعض شيعته، وقد أراد سفراً فقال له : أوصني.
فقال : «لا تسيرنّ شبراً وأنت حاف، ولا تنزلنّ عن دابتك ليلاً إلا ورجلاك في خف، ولا تبولنّ في نفق، ولا تذوقن بقلة ولا تشمها حتى تعلم ماهي، ولا تشرب من سقاء حتى تعرف ما فيه، ولا تسيرنّ إلا مع من تعرف، واحذر من [لا](1) تعرف ».
وقيل له : من أعظم الناس قدراً؟ فقال : «من لا يبالي في يد من كانت الدنيا ».
وقال عليه السلام : «تعلموا العلم، فإن تعلمه حسنة، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه صدقة، وبذله لأهله قربة، والعلم ثمار الجنة، واُنس في الوحشة، وصاحب في الغربة، ورفيق في الخلوة، ودليل على السرّاء، وعون على الضرّاء، ودين عند الأخلاّء، وسلاح عند الأعداء، يرفع الله به قوماً فيجعلهم في الخير سادة، وللناس أئمة، يقتدى بفعالهم، وتقتص آثارهم، ويصلّي عليهم كل رطب ويابس، وحيتان البحر وهوامّه ، وسباع البر وأنعامه»(2).

***

____________
1 - ما بين المعقوفين أثبتناه من البحار.
2 - البحار 78 : 188 | 39 عن أعلام الدين من قوله عليه السلام: « كن لمن لا ترجوا...».

(303)
ومن كلام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام
« المؤمن يداري ولا يماري».
وقال عليه السلام : «من اعتدل يوماه فهو مغبون، ومن كان في غده شراً من يومه فهو مفتون، ومن لم يتفقد النقصان في نفسه دام نقصه، ومن دام نقصه فالموت خير له، ومن أذنب من غير عمد كان للعفو أهلا».
وقال عليه السلام : «اطلبوا التعلم ولو بخوض اللجج وشق المهج».
وقال عليه السلام : لجاهل سخي، خير من ناسك بخيل ».
وسئل عليه السلام عن التواضع، فقال : «هو أن ترضى من المجلس بدون شرفك، وأن تسلم على من لقيت، وأن تترك المراء وإن كنت محقاً».
وقال عليه السلام: «إذا رق (1) العرض استصعب جمعه ».
وقال صلى الله عليه : «المؤمن إذا غضب لم يخرجه غضبه من حق، وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، والذي إذا قدر لم يأخذ أكثر من ممّا له (3) »
وقال عليه السلام : «كتاب الله عز وجل [على](3) أربعة أشياء على العبارة، والإشارة، واللطائف، والحقائق، فالعبارة للعوام، والإشارة للخواص، واللطائف للأولياء، والحقائق للأنبياء عليهم السلام ».
وقال عليه السلام : «من سأل فوق قدره استحق الحرمان ».
وقال عليه السلام : «من أكرمك فاكرمه، ومن استخفك فاكرم نفسك عنه ».
وقال عليه السلام : «من أخلاق الجاهل الإجابة قبل أن يسمع، والمعارضة قبل أن يفهم، والحكم بما لا يعلم ».
وقال عليه السلام : «سرك من دمك، فلا تجريه في غير أوداجك ».
وقال عليه السلام : «صدرك أوسع لسرك ».
وقال عليه السلام : «أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس
____________
1 - في البحار: دق.
2 - في الأصل والبحار: ماله، وما أثبتناه من كشف الغمة 2 : 208.
3 - أثبتناه من البحار.

(304)
عقلاً من ظلم من دونه ولم يصفح عمّن اعتذر إليه، والقادر على الشيء سلطان ».
وقال عليه السلام : «المستبد برأيه موقوف على مداحض الزلل ».
وقال عليه السلام: «لا تشر على المستبد برأيه ».
وقال عليه السلام : «إن القلب يحيا ويموت، فإذا حيي فأدبه بالتطوع، وإذا مات فاقصره على الفرائض ».
وقال عليه السلام : «لا تحدث من تخاف أن يكذّبك، ولا تسأل من تخاف أن يمنعك، ولا تثق في من تخاف أن يغدر بك، ومن لم يؤاخ إلاّ من لا عيب فيه قلّ صديقه، ومن لم يرض من صديقه إلاّ بإيثاره له على نفسه دام سخطه، ومن عاتب على كل ذنب كثر تعتبه »(1).
وقال عليه السلام : «من عذب لسانه زكا عقله، ومن حسنت نيته زيد في رزقه، ومن حسن برّه بأهله زيد في عمره ».
وقال عليه السلام : «إن الزهاد في الدنيا نور الجلال عليهم، وأثر الخدمة بين أعينهم، وكيف لا يكونون كذلك؟ وإن الرجل لينقطع إلى بعض ملوك الدنيا، فيرى عليه أثره، فكيف بمن ينقطع إلى الله تعالى، لا يرى اثره عليه!؟»
وقال عليه السلام : «صلة الرحم تهوّن الحساب يوم القيامة، قال الله تعالى: (والذين يصلون ما أمر الله به أن يُوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب)(2)»(3).

***

____________
1 ـ في البحار: تبعته.
2 - الرعد 13 : 21.
3 - البحار 78: 277 | 113 عن أعلام الدين وكتاب الأربعين في قضاء حقوق المؤمنين، من قوله عليه السلام : «المؤمن يداري ولا يماري ».

(305)
من كلام مولانا موسى بن جعفر عليه السلام
قال عليه السلام : «أولى العلم بك ما لا يصلح لك العمل إلاّ به (1)، وأوجب العمل عليك ما أنت مسؤول عن العمل به، وألزم العلم لك ما دلّك على صلاح قلبك، وأظهر لك فساده، وأحمد العلم عاقبة ما زاد في عملك العاجل، فلا تشتغلنَّ بعلم ما لا يضرّك جهله، ولا تغفلنَّ عن علم ما يزيد في جهلك تركه».
وقال عليه السلام : «لو ظهرت الآجال، افتضحت الآمال».
وقال عليه السلام : «من لم يكن له من نفسه واعظ، تمكّن منه عدوه » يعني السلطان.
وقال عليه السلام :«من أتى إلى أخيه مكروهاً فبنفسه بدأ».
وقال عليه السلام : «من لم يجد للإساءة مضضاً لم يكن عنده للإحسان موقع ».
وقال عبد المؤمن الأنصاري : دخلت على الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام، وعنده محمد بن عبد الله الجعفري، فتبسمت إليه، فقال : «أتحبه؟» فقلت : نعم، وما أحببته إلاّ لكم. فقال عليه السلام : «هو أخوك، والمؤمن أخو المؤمن لأمه ولأبيه وإن لم يلده أبوه، ملعون من اتّهم أخاه، ملعون من غش أخاه، ملعون من لم ينصح أخاه، ملعون من اغتاب أخاه».
وقال عليه السلام : «ما تساب اثنان إلا انحطّ الأعلى إلى مرتبة الأسفل».
وقدم على الرشيد رجل من الأنصار يقال له : (نفيع) وكان عريفاً، فحضر يوماً بباب الرشيد، وتبعه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وحضر موسى بن جعفر عليه السلام على حمار له، فتلقّاه الحاجب بالإكرام والإجلال، وأعظمه من كان هناك، وعجّل له الإذن، فقال نفيع لعبد العزيز: من هذا الشيخ؟ فقال له : أفما تعرفه؟ هذا شيخ آل أبي طالب، هذا موسى بن جعفر عليه السلام. فقال نفيع : ما رأيت اعجب من هؤلاء القوم! يفعلون هذا برجل لو يقدر على زوالهم عن السرير لفعل، أما إن خرج لأسوأنه، فقال له عبد العزيز: لا تفعل، فإنّ هؤلاء أهل بيت قلّ ما تعرض لهم
____________
1 - في الأصل : لأنه، وما أثبتناه من البحار.
(306)
أحد بخطاب، إلاّ وسموه في الجواب سمة يبقى عارها عليه مدى(1) الدهر.
وخرج موسى عليه السلام، فقام إليه نفيع فأخذ بلجام حماره، ثم قال له : من أنت؟ قال : «يا هذا، إن كنت تريد النسب، فأنا ابن محمد حبيب الله بن إسماعيل ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله، وإن كنت تريد البلد فهو الذي فرض الله عزّ وجلّ عليك وعلى المسلمين -إن كنت منهم - الحج إليه، وإن كنت تريد المفاخرة فو الله مارضي [مشركي](2) قومي مسلمي قومك أكفاء لهم، حتى قالوا: يا محمد أخرج لنا أكفاءنا من قريش. خلّ عن الحمار» فخلّى عنه ويده ترعد، وانصرف بخزي، فقال له عبد العزيز: ألم أقل لك؟
وقيل : حج الرشيد فلقيه موسى على بغلة له، فقال له الرشيد: مثلك في حسبك ونسبك وتقدّمك يلقاني على بغلة، فقال : «تطأطأت عن خيلاء الخيل، وارتفعت عن ذلة الحمير»(3).

***

____________
1 ـ في البحار: أبد.
2 - أثبتناه من البحار.
3 - البحار 78 : 333 | 9 عن أعلام الدين، من قوله عليه السلام : «أولى العلم بك...»