*
*
روي عن بعضهم قال : شكوت إلى الصادق عليه السلام ما ألقى من الضيقوالهم فقال : «ما ذنبي أنتم أخرتم هذا، إنه لما عرض الله عليكم ميثاق الدنيا والآخرةاخترتم الآخرة على الدنيا، واختار الكافر الدنيا على الآخرة، فأنتم اليوم تأكلون معهم وتشربون وتنكحون معهم ، وهم غداً إذا استسقوكم الماء قلتم لهم: ( إن الله حرمهما علىالكافرين)(2) » .
وروي عن الصادق عليه السلام : «إن الله تعالى ليعتذر الى المؤمن يوم القيامة،فيقول له : وعزتي وجلالي ، ما أفقرتك لهوان لك(3)عليّ ، ولكن ارفع هذا الستر فانظرماقد عوضتك عن الدنيا، فيرفعه فيرى من الملك مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولاخطر على قلب بشر، فيقول : يا إلهي ما ضرني ما منعتني بما قد عوضتني ».
عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآلهفقال « علّمني عملاً يحبني الله عليه ، ويحبني المخلوقون ، ويثري الله مالي ، ويصح بدني ، ويطيل عمري ، ويحشرني معك، فقال : هذه ست خصال ، تحتاج إلى ست خصال : إذاأردت أن يحبك الله فخفه واتقه ، وإذا أردت أن يحبك المخلوقون فأحسن إليهم وارفض مافي يديهم ، وإذا أردت أن يثري الله مالك فزكّه ، وإذا أردت أن يصح بدنك فاكثر منالصدقة، وإذا أردت أن يطيل الله عمرك فصل ذوي أرحامك ، وإذا أردت أن يحشركالله معي فأطل السجود بين يدي الله الواحد القهار».
وروى ابن عياش قال : قال لي الصادق عليه السلام : «يا ابن عياش ، يأتيعلى الناس زمان ، من سكت مات ومن تكلم عاش ، قال : فقلت : يا ابن رسول الله،إن أدركت ذلك الزمان ما أصنع ؟ قال : تساعدهم بمالك ، قال : قلت : فإن لم أجد،قال : فبجاهك » .
روى عيسى بن موسى قال : قال جعفر بن محمد عليه السلام : «يا عيسى،المال مال الله عز وجل، جعله ودائع عند خلقه ، وأمرهم أن يأكلوا منه قصداً، ويشربوامنه قصداً، ويلبسوا منه قصداً، وينكحوا منه قصداً، ويركبوا منه قصداً، ويعودوا(1)بماسوى ذلك على فقراء المؤمنين ، فمن تعدّىَ ذلك كان أكله منه حراماً، وما شرب منهحراماً، ومالبسه منه حراماً ، ومانكحه منه حراماً، وماركبه منه حراماً»(2).
وعنه عليه السلام قال : «من أتاه المؤمن في حاجة، وهو يقدرعلى قضائها فلميقضها له ، أقامه الله تعالى من قبره مسودّاً وجهه ، مزرقة عيناه ، مغلولة يداه إلى عنقه ،ينادى عليه : هذا الخائن الذي خان الله ورسوله ، فيؤمر به إلى النار».
وعنه عليه السلام : قال : «إذا أنعم الله تعالى على عبده بنعمة، صَيَّرَ حوائجالناس إليه ، فإن قضاها - من غير استخفاف بها- أسكنه الفردوس الأعلى، وإن لميقضها - وهو قادرعلى قضائها - نزع الله منه صالح ما أعطاه ، وأسكنه نار جهنموبئس المصير، ولم ينل شفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله ».
وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام ، أنه خطب في يوم جمعة خطبة بليغة، فقالفي آخرها :
«أيها الناس، سبع مصائب عظام ، نعوذ بالله منها: عالم زل ، وعابد مل ،ومؤمن خل ، ومؤتمن غل ، وغنيّ أقل ، وعزيز ذل ، وفقير اعتل » فقام إليه رجل فقال :صدقت يا أمير المؤمنين ، أنت القبلة إذا ما ضللنا ، والنور إذا ما أظلمنا، ولكن نسألك عنقول الله تعالى: ( ادعوني استجب لكم)(3) فما بالنا ندعو فلا نجاب ، قال : لأن قلوبكمخانت بثمان خصال :
**أولها: إنكم عرفتم الله ، فلم تؤدوا حقه كما أوجب عليكم ، فما أغنت عنكممعرفتكم شيئاً.
والثانية(4): إنكم امنتم برسوله ، ثم خالفتم سنّته ، وأمتم شريعته ، فأين ثمرةإيمانكم ؟
والثالثة : إنكم قرأتم كتابه المنزل عليكم فلم تعملوا به ، وقلتم : سمعناوأطعنا، ثم خالفتم .
والرابعة : إنكم قلتم انكم تخافون من النار، وأنتم في كل وقت تقدمونأجسامكم إليها بمعاصيكم ، فأين خوفكم؟
والخامسة : إنكم قلتم انكم ترغبون في الجنة، وأنتم في كل وقت تفعلون مايباعدكم منها، فأين رغبتكم فيها .
والسادسة: إنكم أكلتم نعمة المولى، ولم تشكروا عليها .
والسابعة : إن الله أمركم بعداوة الشيطان ، وقال : (إن الشيطان لكم عدوفاتخذوه عدواً)(1) فعاديتموه بلا قول (2)، وواليتموه بلا مخالفة .
والثامنة : إنكم جعلتم عيوب الناس نصب أعينكم ، وعيوبكم وراء ظهوركم ،تلومون من أنتم أحق باللوم منه ، فأي دعاء يستجاب لكم مع هذا؟ وقد سددتم أبوابهوطرقه، فاتقوا الله وأصلحوا أعمالكم ، وأخلصوا سرائركم ، وأمروا بالمعروف وانهوا عنالمنكر، فيستجيب الله لكم دعاؤكم».
روي هذا الحديث في كتاب (التنبيه)(3).
وما نقلته من كتاب (غرر الدرر في صفات سيد البشر محمد المصطفى خير منمضى ومن غبر) صلى الله عليه وآله الأنجم الزاهرة :ما رواه مرفوعاً بإسناده إلى أبي أيوب الأنصاري قال : سئل رسول الله صلى اللهعليه وآله ، عن الحوض فقال : «أما إذا سألتموني عنه ، سأخبركم : إن الحوض أكرمنيالله به وفضّلني على من كان قبلي من الأنبياء، فهو ما بين أيلة إلى صنعاء، فيه من الآنيةعدد نجوم السماء، يسيل فيه خليجان من الماء، ماؤه أشد بياضاً من اللبن ، وأحلى منالعسل ، حصباؤه الزمرد والياقوت ، وبطحاؤه مسك أذفر، شرط مشروط من ربي لا يردهأحد من اُمتي إلا النقية قلوبهم ، الصحيحة نيّاتهم ، الخالصة سرائرهم ، المُسلِّمون للوصيمن بعدي ، الذين يعطون ما عليهم في يسر، ولا يأخذون مالهم في عسر، يذود عنه من
أيلة بلدة كبيرة في المغرب (1) وصنعاء في اليمن.
**وروى محمد بن إسماعيل ، عن علي بن موسى الرضا عليه السلام قال : «إنلله بأبواب السلاطين مَن نور الله - سبحانه وتعالى - وجهه بالبرهان ، ومكّن له فيالبلاد، ليدفع به عن أوليائه ، ويصلح به امور المسلمين ، إليه يلجأ المؤمنون من الضرر ،ويفزع ذوالحاجة من شيعتنا، وبه يؤمن الله تعالى روعتهم في دار الظلمة، أولئك المؤمنونحقاً، واُولئك أمناء الله في أرضه ، أولئك نورهم يسعى بين أيديهم ، يزهر نورهم لأهلالسماوات كما تزهر الكواكب الدرية لأهل الأرض ، وأولئك من نورهم تضيءالقيامة، خلقوا والله للجنة وخلقت الجنة لهم ، فهنيئاً لهم ، ما على أحدكم إن شاء تعالىهذا كله ؟».
قال : قلت : بماذا؟ جعلني الله فداك ، قال : «يكون معهم فيسرنا بإدخالالسرور على المؤمنين من شيعتنا»(2) .
*
*
روى جابر بن عبد الله ، عنه صلى الله عليه واله أنه قال : «لا تجلسوا إلا عند كلعالم ، يدعوكم من خمس إلى خمس: من الشك إلى اليقين ، ومن الرياء إلى الإخلاص ،ومن الرغبة إلى الرهبة، ومن الكبر إلى التواضع ، ومن الغش إلى النصيحة» .
وقال الحواريون لعيسى عليه السلام : لمن نجالس ؟ فقال : من يذكركم اللهرؤيته، ويرغبكم في الآخرة عمله ، ويزيد في منطقكم علمه .
وقال لهم : تقربوا إلى الله بالبعد من أهل المعاصي ، وتحببوا إليه ببغضهم ،والتمسوا رضاه بسخطهم .
وقال لقمان لابنه : يا بني ، صاحب العلماء، واقرب منهم ، وجالسهم ،وزرهم في بيوتهم ، فلعلك تشبههم فتكون معهم ، واجلس مع صلحائهم ، فربما أصابهمالله برحمة فتدخل فيها وإن كنت طالحاً، وابعد من الأشرار والسفهاء، فربما أصابهم اللهبعذاب فيصيبك معهم وإن كنت صالحاً، وقد أفصح الله سبحانه وتعالى بقوله : (فلا تقعدبعد الذكرى مع القوم الظالمين)(1)، وبقوله تعالى: (إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره انكم إذن مثلهم)(2) يعني في الإثم ، وقالسبحانه : (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار)(3).
وروى معاذ بن جبل ، عن النبي صلى الله عليه وآله ، أنه قال : «إن من فتنةالمرء أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع ، ففي الكلام تمويه وزيادة، ولا يؤمنعلى صاحبه الخطأ، وفي الصمت سلامة وأجر.
ومن العلماء من يخزن علمه ولا يحب أن يوجد عند غيره ، فهوفي الدرك الأولمن النار.
ومنهم من يكون في علمه بمنزلة السلطان ، إن رد عليه في شيء من علمهغضب ، فهوفي الدرك الثاني من النار.
ومنهم من يجعل حديثه وغرائب علمه لأجل الشرف والبيان ، ولا يرى أهلالحاجة إليه أهلاً، فهوفي الدرك الثالث من النار.
ومنهم من ينصب نفسه للفتيا، فيفتي بالخطأ تكلفاً، والله يبغض المتكلفين ،وهوفي الدرك الرابع.
ومنهم من يتكلم بكلام اليهود والنصارى ليغزر علمه ، فهوفي الدرك الخامسمن النار .
ومنهم من يتخذ علمه تعمقاً ونبلاً وذكراً في الناس، فهوفي الدرك السادسمن النار.
ومنهم من يستفزه الرياء والعجب ، فإن وَعظ عنف وإن وُعظ أنف ، فهوفيالدرك السابع من النار.
فعليك بالصمت فبه تغلب الشيطان ، وتستوجب المغفرة والرضوان ، وإياك أنتضحك من غير عجب ، أوتمشي وتتكلم في غير أدب ».
وقال عليه السلام : «إذا اجتمع قوم يذكرون الله تعالى اعتزل الشيطان والدنياوعنهم، فيقول الشيطان للدنيا: الا ترين ما يصنعون ؟ فتقول الدنيا: دعهم فلوقد تفرقواأخذت باعناقهم» .
وقال صلى الله عليه وآله : «إن أفواهكم طرق القران فطيبوها بالسواك ، فإنصلاة على أثر السواك ، خير من خمس وسبعين صلاة بغير سواك »(1).
وقال صلى الله عليه وآله : «أصدق المؤمنين إيماناً أشدهم تفكراً في أمر الدنياوالآخرة، وأشد الناس فرحاً يوم القيامة، أشدهم حزناً في الدنيا» .
وقال صلى الله عليه وآله : «قال الله تعالى : وعزتي وجلالي ، لا أجمع لعبديالمؤمن بين خوفين وأمنين ، إذا خافني في الدنيا آمنته في الآخرة، وإذا أمني في الدنيا أخفته في الآخرة» .
ومن ألزم نفسه الفكر ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً وحكمة، وإن الفكر مفاتيحأقفال الحكمة والإعتبار، وإنهما ليخرجان من قلب المؤمن عجائب المنطق في الحكمة،فتسمع له أقوال ترضاها الحكماء، ويخضع لها العلماء، وتعجب منها الفقهاء.
ولو أن محزوناً بكى في أمة، لرحم الله تلك الاُمة ببكائه . ومع ذلك يجب بسطالرجاء في رحمة الله فإنها واسعة، وربما غلب الرجاء على الخوف ، وذاك ان مستقىالرجاء من بحر الرحمة، وقد سبق في قضائه وحكمته : ان رحمته سبقت غضبه .
**وقال النبي صلى الله عليه وأله : «ما من عبد مؤمن تخرج من عينيه دموع، ولومثلرؤوس الذباب من خشية الله ، إلا حرّمه الله على النار، وما من قطرة أحب إلى اللهتعالى من قطرة دمع من خشية الله ، وقطرة دم في سبيل الله».
وقال : «لا يدخل الجنة إلا رحيم» فقيل : كلنا نرحم يا رسول الله ، فقال :«ليس رحمة أحدكم في خويصة أهله حتى يرحم الناس عامة».
وقال صلى الله عليه وآله : «اطلبوا الحوائج عند رحماء أمتي تفلحوا -أوتنجحوا- فإن رحمة الله لهم ، ولا تطلبوا الحوائج عند القاسية قلوبهم فتذلوا فتندموا، فإنغضب الله عليهم ».
وقال أمير المؤمنين عليه السلام لولده الحسن عليه السلام : «يا بني ، إذا نزل بككلب الزمان (1) وقحط الدهر، فعليك بذوي الأصول الثابتة، والفروع النابتة، من أهلالرحمة والإيثار والشفقة، فإنهم أقضى للحاجات ، وأمضى لدفع الملمات ، وإياكوطلب الفضل واكتساب الطساسيج(2) والقراريط، من ذوي الأكف اليابسة والوجوهالعابسة، فإنهم إن أعطوا منّوا، وإن منعوا كدّوا، ثم أنشأ يقول :
وقال عليه السلام : «العلل زكاة البدن ، والمعروف زكاةَ النعم (4)، وكل نعمةاُنيل منها المعروف فمأمونة السلب ، محصنة من الغِيَر».
وقال عليه السلام : «البيوت التي يخرج منها المعروف ، تضيء لأهل السماء كمايضيء الكوكب الدري لأهل الأرض » .
وقال عليه السلام : «المعروف أزكى الزروع وأنما الفروع ، ولا يتم إلا بثلاثخصال : بتعجيله ، وتصغيره ، وستره ».
وقال النبي صلى الله عليه وآله : «اللهم من رأف باُمتي ورحمهم ، فاعطف عليهوارحمه» .
وقال صلى الله عليه وآله : «بذلاء أمتي لا يدخلون الجنة بكثرة صوم ولا صلاةولكن برحمة الله ، وسلامة الصدور، وسخاء النفوس ، والرحمة لجميع المسلمين».
وقال صلى الله عليه وآله : «ينبغي للمسلمين أن ينصح بعضهم بعضاً ،ويرحم بعضهم بعضاً، فإنما هم كمثل العضومن الجسد، إذا اشتكى تداعى الجسدبالسهر».
ورأى عليه السلام أعرابياً يتكلم فطوّل ، فقال له : «كم دون لسانك منحجاب ؟» فقال : شفتاي وأسناني ، فقال عليه السلام : «فتثبت واقتصر، فإنّ الله تعالىيكره الانبعاق (1) في الكلام ، فنظّر الله وجه امرئ أوجز في كلامه ، اقتصر علىحاجته ».
وقال بعض العلماء لرجل رآه يكثر الكلام ويقل السكوت : إنما خلق اللهتعالى لك اُذنين ولساناً واحداً، ليكون ما تسمعه ضعفي ما تقوله .
وروي أن النبي صلى الله عليه وآله خرج على أصحابه فقال : «ارتعوا فيرياض الجنة« قالوا: يا رسول الله ، وما رياض الجنة؟ فقال : «مجالس الذكر، اغدواوروحوا واذكروا » .
من كان يحب أن يعلم منزلته عند الله تعالى، فلينظر كيف منزلة الله عنده ، فإنّالله تعالى ينزل العبد منه حيث أنزل العبد الله من نفسه .
واعلموا أن خير أعمالكم عند مليككم أزكاها وأرفعها في درجاتكم ، وخيرما طلعت عليه الشمس ذكر الله سبحانه وتعالى، فإنه أخبر عن نفسه فقال : أنا جليسمن ذكرني .
**وقال سبحانه : أذكروني أذكركم بنعمتي ، اذكروني بالطاعة والعبادة،أذكركم بالنعم والإحسان والرحمة والرضوان .
وقال صلى الله عليه واله : «إذا أحب الله تعالى عبداً نصب في قلبه نائحه منالحزن ، فإن الله تعالى يجب كل قلب حزين، وإنه لا يدخل النار من بكى من خشيةالله ، حتى يعود اللبن إلى الضرع ، وإنه يجتمع غبار في سبيل إلله ودخان جهنم في منخريمؤمن أبداً، وإذا أبغض عبداً جعل، في قلبه مزماراً من الضحك ، وإن الضحك يميتالقلب ، والله لا يحب الفرحين» .
وقال صلى الله عليه وآله : «إن ملوك الجنة كل أشعث أغبر ذي طمرين (1)،إذا استأذنوا لم يؤذن لهم ، وإن خطبوا لم ينكحوا، وإذا قالوا لم ينصت لقولهم ، ولوقسمنور واحد منهم بين أهل الأرض لوسعهم ».
وقال صلى الله عليه وآله : «اطلبوا المعروف والفضل من رحماء اُمتي تعيشوا فيأكنافهم ، فالخلق كلهم عيال الله ، وإن أحبهم إليه أنفعهم لخلقه ، وأحسنهم صنيعاً إلىعياله ، وإن الخير كثير وقليل فاعله»(2).
وقال ابن عباس رضي الله عنه : العاقل صديق كل أحد إلا من ضَرّه ،والجاهل عدو كل أحد حتى من نفعه ، فإذا سلم الناس منك فلا عليك ألاّ تسلم منهم ،فإنه قل من اجتمع هاتان النعمتان له .
وقال النبي صلى الله عليه وآله : «إياكم والمعاذير، فإنها مفاخر (3)، ألا أدلكمعلى عمل يحبه الله ورسوله ؟ قالوا: بلى يا رسول الله ، قال : التغابن للضعيف ، والرحمةله ، والتلطف به ، ومن همّ بأمر فلينظر في عاقبته فإن كان رشداً فليمضه ، وإن كانغياً فلينته عنه».
وقال صلى الله عليه وآله لأبي سعيد الخدري : «لا تصحب إلا مؤمناً، ولاتجالس إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي ، وإنّ فقراء أمتي يدخلون الجنة قبلأغنيائهم بخمسمائة عام » .
وقال صلى الله عليه وآله : «سمعت رب العزة- سبحانه - يقول : منأحدث ولم يتوضاً فقد جفاني ، ومن أحدث وتوضاً ولم يصلّ ركعتين فقد جفاني ، ومنأحدث وتوضاً وصلّى ركعتين ودعاني لدينه ودنياه بما شاء ولم أجبه فقد جفوته ،ولست برب جاف ».
قال عليه السلام وآله : «إنه إذا كان آخر الليل يقول الله سبحانه وتعالى: هلمن داع فأجيبه ؟ هل من سائل فاُعطيه سؤله ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من تائبفأتوب عليه ؟ »
وفي الانجيل : يا ابن آدم ، كما تَرحم فكذلك تُرحم ، فكيف ترجوأن يرحمكالله ، وأنت لا ترحم عباده ؟
وقال النبي صلى الله عليه وآله : «إن في الجنةِ منازل لاينالها العباد بأعمالهم ،ليس لها علاقة من فوقها، ولا عماد من تحتها» قيل : يا رسول الله ، من أهلها؟ فقال :«أهل البلايا والهموم » .
وقال صلى الله عليه : «هبط إليّ جبرئيل في أحسن صورة فقال : يا محمد،الحقّ يقرئك السلام ويقول لك : إنّي أوحيت إلى الدنيا أن تمرّدي وتكدّري وتضيقيوتشدّدي على أوليائي حتي يحبوا لقائي ، وتيسري وتسهّلي وتطييي لأعدائي حتى يبغضوالقائي ، فإني جعلت الدنيا سجناً لأوليائي وجنّة لأعدائي».
**وقال صلى الله عليه وآله : «إن عظيم الجزاء يكافىء عظيم البلاء، فإذا أحبالله عبداً ابتلاه بعظيم البلاء، فإن رضي فله الرضى، وإن سخط فعليه السخط ، وإنّالله إذا أحب عبداً أتحفه بواحدة من ثلاث : امّا حمى أورمد أوصداع ، وإن الله ليغذيعبده المؤمن بالبلاء، كما تغذي الوالدة ولدها باللبن ، وإن البلاء إلى المؤمن أسرع منالسيل إلى الوهاد(1)، ومن ركض البراذين (2)، وإنه إذا نزل بلاء من السماء بدأًبالأنبياء، ثم الأوصياء ثم الأمثل فالأمثل ، وإنه سبحانه وتعالى يعطي الدنيا لمن يحبويبغض ولايعطي الآخرة إلا أهل صفوته ومحبته ، وإنه يقول سبحانه وتعالى : ليحذرعبدي الذي يستبطئ رزقي أن أغضب فافتح عليه باباً من الدنيا».
وروي : إنّ الله - سبحانه وتعالى- إذا لم يكن له في العبد حاجة، فتح عليهالدنيا.
وقال النبي صلى الله عليه : « قال الله تعالى: وعزتي وجلالي ، وعظمتيوارتفاعي ، لولا حيائي من عبدي المؤمن ، لما جعلت له خرقة ليواري بها جسده ، وإني إذاأكملت إيمانه ابتليته يفقر في ماله ، ومرض في بدنه ، فإن هو حرج (1) أضعفت عليه ،وإن هو صبر باهيت به ملائكتي ، وإني جعلت علياً علماً للايمان ، فن أحبه واتّبعه كانهادياً مهديّا ، ومن أبغضه وتركه كان ضالاً مضلاً، وإنه لا يحبه إلاّ مؤمن تقي ، ولا يبغضه إلامنافق شقي ».
وقال الصادق عليه السلام : «أربعة لم يخلُ منها الأنبياء ولا الأوصياء ولاأتباعهم : الفقر في المال ، والمرض في الجسم ، وكافر يطلب قتلهم ، ومنافق يقفوأثرهم».
وقال عليه السلام لأصحابه : «لا تتمنوا المستحيل ، قالوا: ومن يتمنىالمستحيل ؟
فقال : أنتم ، ألستم تمنّون الراحة في الدنيا؟ قالوا: بلى فقال : الراحة للمؤمنفي الدنيا مستحيلة».
وقال عليه السلام : «إذا أحب الله تعالى عبداً ألهمه الطاعة، وألزمه القناعة،وفقَهه في الدين ، وقواه باليقين ، فاكتفى بالكفاف ، واكتسى بالعفاف ، وإذا أبغضالله عبداً حبب إليه المال ، وبسط له الآمال ، وألهمه دنياه ، ووكله إلى هواه ، فركبالعناد، وبسط الفساد، وظلم العباد»(2).
وقال النبي صلى الله عليه وآله : «إفزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه فيملماتكم ، وتضرعوا إليه وأدعوه ، فإن الدعاء مخ العبادة، وما من مؤمن يدعو الله بدعاءإلا استجاب له ، فأما أن يكون يعجّل له في الدنيا، أو يؤجل له في الآخرة، وإما أنيكفر به عن ذنوبه بقدر ما دعا، ما لم يدع بمأثم » .
وقال عليه السلام : «إن في الجنة باباً يقال له : الرّيان ، لا يدخل به إلا
**وروي عن كعب الأحبارأنه قال : أوحى الله تعالى إلى بعض الأنبياء: إنأردت لقائي غداً في حظيرة القدس ، فكن في الدنيا غريباً وحيداً محزوناً مستوحشاً،كالطير الوحداني الذي يطير في الأرض المقفرة، ويأكل من رؤوس الأشجار المثمرة،فإذا كان الليل أوى إلى وكره - ولم يكن مع الطير-استئناساً بربه ، واستيحاشاً منالناس .
وقال صلى الله عليه وآله : «بدأ الإسلام غريباً، وسيعود كما بدأ، فطوبىللغرباء، فقيل : يا رسول الله، من الغرباء؟ فقال : النزاع (2) من القبائل ، وأناسصالحون قليل في ناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم».
وروى وهب بن منبه قال : أوحى الله سبحانه إلى داود: يا داود، من أحبّحبيباً صدّق قوله ، ومن أنس بحبيب رضي فعله ، ومن وثق بحبيب اعتمد عليه ، ومناشتاق إلى حبيب جدّ في السير إليه .
يا داود، ذكري للذاكرين ، وجنتي للمطيعين ، وزيارتي للمشتاقين وأناخاصة للمحبين.
وقال سبحانه : أهل طاعتي في ضيافتي ، وأهل شكري في زيارتي ، وأهلذكري في نعمتي ، وأهل معصيتي لا اُؤيسهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن دعوافأنا مجيبهم ، وإن مرضوا فأنا طبيبهم ، اُداويهم بالمحن والمصائب ، لاُطهّرهم من الذنوبوالمعايب .
وقال النبي صلى الله عليه وآله : «على كل قلب خاتم من الشيطان ، فإذا ذكراسم الله خنس وذاب ، وإذا ترك الذكر التقمه الشيطان فجذبه وأغواه ، فاستزّلهواطغاه».
وقال عيسى عليه السلام : تهاونوا بالدنيا تهن عليكم ، وأهينوها تكرم الآخرةإليكم ، ولا تكرّموا الدنيا فتهون الآخرة عليكم ، فليست الدنيا بأهل كرامة، في كل يومتدعو إلى فتنة وخسار، وما الدنيا إلا كحلم المنام ، والمرء بين أيقاظ ونيام .
وقال الحسن البصري : أهينوا الدنيا، فإنها أهنأ ما تكون لكم أهون ما تهون
وقال الكاظم عليه السلام : «أهينوا الدنيا وتهاونوا بها، فإنها ما أهانها قوم إلاهنأهم الله العيش ، وما أعزْها قوم إلا تعبوا وذلّوا» .
وروى أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله دخل على شاب - وهويجود بنفسه - فقال: «كيف تجدك؟ فقال : أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال :لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن ، إلا بلغه الله ما يرجوا، وأمنه مما يخاف».
وقال أنس: إن النبي صلى الله عليه وآله كان يقول : «ما أحدث الله تعالىإخاءً بين المؤمنين ، إلا أحدث لكل واحد منهما درجة».
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «إني لأعرف أقواماً هم عند الله تعالىبمنزلتي يوم القيامة، ما هم بأنبياء ولا شهداء، تغبطهم الأنبياء والشهداء بمنزلتهم ، فقيل:من هم يا رسول الله ؟ فيقول: ناس تآخوا في روح الله ، على غير مال ولا سبب قريب ،والذي نفسي بيده إن لوجوههم نوراً، وإنهم لعلى نور، لا يحزنون إذا حزن الناس ، ولايفزعون إذا فزعوا، ثم تلا قوله تعالى:(ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)(1).
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : «إن الملائكة يمرون على حلق الذكر،فيقفون على رؤوسهم ، ويبكون لبكائهم ، ويؤمّنون على دعائهم ، فإذا صعدوا إلى السماءيقول الله تعالى : يا ملائكتي ، أين كنتم ؟ وهو أعلم بهم ، فيقولون : يا ربنا، حضرنامجلساً من مجالس الذكر، فرأينا أقواماً يسبحونك ويمجّدونك ويقدّسونك ، فيقول اللهسبحانه: يا ملائكتي ، ما يريدون ؟ فيقولون : يخافون نارك ، فيقول سبحانه : ازووهاعنهم ، واُشهدكم اني قد غفرت لهم ، وآمنتهم مما يخافون ، فيقولون : ربنا، إن فيهم فلاناًوإنه لم يذكرك ، فيقول الله سبحانه : يا ملائكتي ، قد غفرت له بمجالسته لهم ، فإنالذاكرين لا يشقى بهم جليسهم ».
وروى ابن عباس رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وآله ، أنه قال :«إن لله تعالى أرضاً بيضاء، مسيرة الشمس فيها ثلاثون يوماً، هي مثل أيام الدنياثلاثون مرة، مشحونة خلقاً لا يعلمون أن الله عزّ وجل يعصى في الأرض ، ولا يعلمون أنالله تعالى خلق آدم وإبليس ».
وروي عن بعض الصالحين أنه قال: نمت ليلة فسمعت هاتفاً يقول: أتنام عنحضرة الرحمان؟ وهو يقسم جوائز الرضوان ، بين الأحبة والخلان! فمن أراد منا المزيد،فلا ينامن من ليله الطويل ، ولا يقنع من نفسه بالقليل .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : «يجيء يوم القيامة أطفال ألمؤمنين ،عند عرضالخلائق للحساب ، فيقول الله تعالى لجبرئيل عليه السلام : إذهب بهؤلاء إلى الجنة،فيقفون على أبواب الجنة ويسألون عن آبائهم وأمهاتهم ، فيقول لهم الخزنة : آباؤكموأمهاتكم ليسوا كأمثالكم ، لهم ذنوب وسيئات يطالبون بها، فيصيحون صيحهّ باكين ،فيقول الله تعالى: ياجبرئيل ، ما هذه الصيحة؟ فيقول اللهم أنت أعلم،هؤلاء أطفال المؤمنين يقولون : لا ندخل الجنة حتى يدخل آباؤنا واُمهاتنا، فقول اللهسبحانه وتعالى : يا جبرئيل، تخلل الجمع وخذ بيد آبائهم واُمهاتهم فأدخلهم معهمالجنة برحمتي»(1).
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه : « ينادي مناد يوم القيامة تحتالعرش : يا اُمة محمد، ما كان لي قبلكم فقد وهبته لكم ، وقد بقيت التبعات بينكم،فتواهبوا وادخلوا الجنة برحمتي».
وقال بعض الصالحين : إذا لقيت الله تعالى بسبعين ذنباً فيما بينك وبينه ، كانأهون من أن تلقاه بذنب واحد فيما بينك وبين العباد.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «لا تزال هذه الاُمة بخير تحت يد الله وفيكفه (2)، ما لم يمالئ(3) قراؤها أمراءها، ولم يزل صلحاؤها فجارها، ولم يمالئ أخيارهاأشرارها، فإذا فعلوا ذلك رفع الله تعالى يده عنهم ، ثم سلط عليهم جبابرتهم فساموهمسوء العذاب ، وضربهم بالفاقة والفقر، وملأ قلوبكم رعباً» .
قال ابن شهاب (4): بعث سليمان بن داود عليه السلام بعض عفاريته ، وبعث=
**ثم ردوه إلى سليمان فأخبروه بما رأوا منه ، فسأله سليمان : أرأيت إذ مروا بك فيالسوق ، لم رفعت رأسك إلى السماء ونظرت إلى الأرض والناس؟ قال : عجبت منالملائكة على رؤوس الناس ، ما أسرع ما يكتبون! ومن الناس ما أسرع ما يملون!
قال : ومررت على أهل بيت يبكون على ميت لهم ، وقد أدخله الله الجنة،فضحكت.
قال : ومررت على الثوم يكال كيلاً ومنه الترياق ، وعلى الفلفلِ يوزن وزناًوهو الداء، فتعجبت . ونظرت إلى قوم يذكرون الله ، وآخرين في باطل ، فتعجبتوضحكت (1).
وروي أن عمر بن عبد العزيز كان يوماً في المسجد، فدخل عليه رجل فأسمعهمكروهاً ونال منه ، فقيل له : ما يمنعك من الانتصار منه ؟ قال : التقيُّ مُلْجَم .
ودخل على امرأته فقال لها: عندك درهم نشتري به عنباً، فقالت : لا، فقال :فثمنه من الفلوس نشتري به ، قالت : لا، أنت خليفة المسلمين ، يجبى إليك فيؤها، ولاتقدر على درهم ! فقال : هذا أهون علينا من معالجة أغلال نار جهنم .
وقال بعضهم لآخر: لا تطلبن حاجتك عند من لا يحب نجاحها، ولا تتهاونبالخلق فيهلكك الله ، ولا تصحبنّ فاجراً فتتعلم من فجوره ، واعتزل عدوك ، واحذرصديقك ، ولا تأمن إلاّ من خشي الله ، واخشع عند القبور، وذل عند المعصية، واعتصمبالله منها، وسارع في الطاعات ، واستشر في أمرك النصيح ، وآخ في الله أهل التقوى،ولا تجعل كلامك في غير الله ، ولا تقله إلا عند من يشتهيه ويتخذه غنيمة .
وكان قيس بن سعد يقول : اللهم ارزقني حمداً ومجداً، فإنه لا حمد إلا بفعل ،ولا مجد إلا بمال .
وقال النبي صلى الله عليه وآله : «من سره أن ينفس الله كربته فَلْيُيَسِّر علىمؤمن معسر وليدعُ له ، فإن الله تعالى يحب إغاثة الملهوف ».
وقال صلى الله عليه وآله : «استكثروا من الشيء الذي لاتسمه النار، قالوا:وما هو؟ يا نبي الله ، قال : المعروف ».
وتقول العرب : كل شيء إذا كثر رخص إلا العقل إذا كثر غلا.
وقيل لتميم الداري (1): ما السؤود؟ قال : العقل، وقد سألت رسول الله صلى اللهعليه وآله فقال : «سألت جبرئيل عليه السلام : ما السؤود في الناس ؟ فقال : العقل ».
وروى وهب بن منبه أن موسى عليه السلام قال : يا رب ، أخبرني عن آيةرضاك عن عبدك . فأوحى الله تعالى إليه : إذا رأيتني اُهيئ عبدي لطاعتي ، وأصرفهعن معصيتي فذلك آية رضاي .
وفي رواية أخرى : إذا رأيت نفسك تحب المساكين ، وتبغض الجبارين ، فذلكآية رضاي (3).
وقال المفضل بن عمرو للصادق عليه السلام : أحب أن أعرف علامة قبوليعند الله ، فقال له : «علامه قبول العبد عند الله أن يصيب بمعروفه مواضعه ، فإن لم يكنكذلك فليس كذلك » .
وروي أن حرقة ابنة النعمان استدعاها سعد بن أبي وقاص لما كان أميراً فيالعراق ، فحضرت في لمة من نسائها كلهن عليهن زيّها فقال : أيتكن حرقة ابنة النعمان ؟فقالت : وما استنكارك إياي يا سعد، والله لقد أمسينا دواءً فأصبحنا داءً، ولقد كنا نملكهذا المصر، يطيعنا أهله ، ويجبى إلينا دخله .
ثم بكت ، فبكى لبكائها وقال :
ثم قال : اذكري حاجتك يا سيدة العرب .
فقالت : بنو النعمان وأهله أجرهم على عوائدهم .
فقال لها : اذكري حاجتك لنفسك .
فقالت : خدم النعمان وعبيده وجواريه أجرِهم على عوائدهم .
فقال لها: اذكري حاجتك لنفسك خاصة.
فقالت له : يد الأمير بالعطية أطلق من لساني بالمسألة .
فأعطاها وأجزل ، فقالت له : شكرتك يد افتقرت بعد غنى، ولا ملكتك يداستغنت بعد فقر، ولا جعل الله لك إلى لئيم حاجة، وأصاب الله بمعروفك مواضعه ، ولاأخذ الله من كريم نعمة إلا وجعلك السبب في ردّها إليه.
فقال : اكتبوها في ديوان الحكمة .
فقالت: اكتبوها في ديوان الحكمة، فإني رأيت قطع الأواخر يمنع شكر الأوائل.
وقال الصادق عليه السلام : «ما توسل أحد اليّ بوسيلة، أحب إليّ منإذكاري بنعمة سلفت مني إليه أعيدها إليه».
ولقد صدق عليه السلام ، فإن من أحسن خصال المعروف تربيته بإعادةالإفضال به ، وأعلم بأن أهل الفضل والشرف والرئاسة، يرون أن معروفهم ديناً عليهم ،تتقاضاهم أبداً نفوسهم الشريفة الزكية بإعادته. وأهل الرذالة والنذالة والخساسة،يرون معروفهم ديناً لهم ، تتقاضاهم نفوسهم الخبيثة بإعادته . وذاك أن أفعال الناسعلى قدر جواهرهم ، ولقد أحسن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في قوله :
**وفي قوله تعالى : (كل يعمل على شاكلته)(1) كفاية .وروي أنه لما نزل قوله تعالى : (كل يعمل على شاكلته)(2) بان السرور بين عينيأبي الدرداء، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : «ما هذا السرور يا أباالدرداء؟» فقال : نجونا ورب العزة يا رسول الله. قال : «وكيف ذلك يا أبا الدرداء؟»قال : إذا كان كل يعمل على شاكلته ، فشاكلتنا الذنب والعصيان ، وشاكلتهالعفوِ والغفران ، فسر المسلمون حينئذ سروراً عظيماً .
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : «يأتي على أمتي زمان ، يكونأمراؤهم على الجور، وعلماؤهم على الطمع وقلة الورع ، وعبّادهم على الرياء، وتجّارهمعلى أكل الربا وكتمان العيب في البيع والشرا، ونساؤهم على زينة الدنيا ، فعند ذلكيسلّط عليهم أشرارهم ، فيدعو خيارهم فلا يستجاب لهم »(3).
وقال الصادق صلى الله عليه : عن أمير المؤمنين عليه السلام : «إن الله تعالىيبتلي عباده عند ظهور الأعمال السيئة، بنقص الثمرات ، وحبس البركات ، وإغلاقخزائن الخيرات ، ليتوب تائب ، ويقلع مقلع ، ويتذكر متذكر، ويزدجر مزدجر، وقدجعل الله تعالى الاستغفار سبباً لدرور الرزق ، ورحمة الخلق ، فقال سبحانه : (استغفرواربكم إنه كان غفاراً * يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين ويجعللكم جنات ويجعل لكم أنهاراً)(4).
فرحم الله عبداً قدّم توبته ، واستقال عثرته ، وذكر خطيئته ، وحذر منيّته ، فإنأجله مستور عنه ، وأمله خادع له ، والشيطان موكّل به يزيّن له المعصية ليركبها، ويمنيهالتوبة ليسوفها(5)، حتى تهجم عليه منيّته أغفل ما يكون عنها، فيالها حسرة على ذيغفلة، أن يكون عمره عليه حجة، وأن تؤدّيه أيامه إلى شقوة، نسأل الله سبحانه أنيجعلنا وإيّاكم ممن لا تبطره نعمة، ولا تحلّ به بعد الموت ندامة ولا نقمة»(6).
**وقال عليه السلام في وصيته لابنه الحسن عليه السلام : «واحذر أن يدرككالموت وأنت على(1) حال سيئة، قد كنت تحدث نفسك منها بالتوبة، فيحول بينك وبينذلك فإذا(2) أنت قد أهلكت نفسك .
يا بني ، أكثر من ذكر الموت ، وما تهجم عليه وتصير إليه بعد الموت ، حتى يأتيكوقد أخذت منه حذرك ، وشددت له أزرك ، ولا يأتيك بغتة فيبهرك ، وإياك أن تغتر بماترى من إخلاد أهل الدنيا إليها، وتكالبهم عليها، فقد نبأك الله عنها، ونعت هي نفسهالك ، وتكشفت على مساوئها، فإنما أهلها كلاب عاوية وسباع ضارية، يهرّ بعضها علىبعض ، يأكل عزيزها ذليلها، ويقهر كبيرها صغيرها، نعم مُعقَّلَة(3) وأُخرى مهملة،قد أضلّت عقولها، وركبت مجهولها، ليس لها راع يقيمها، ولا مسيم يسيمها، ركبت بهمسبيل العمى، وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى، فتاهوا في حيرتها، وغرقوا في نعمتها،واتخذوها رباً، فلعبت بهم ولعبوا بها، رويداً يسفر الظلام فكأن قد وردت الأظعان ،يوشك من أسرع أن يَلْحق .
واعلم أن من كانت مطيته الليل والنهار، فإنه يُسار به وإن كان واقفاً،ويقطع المسافة وإن كان مقيماً وادعاً .
واعلم يقيناً أنك لن تبلغ أملك ، ولن تعدو أجلك ، وأنك في سبيل من كانقبلك ، فَخَفِّض في الطلب ، وأجمل في المكتسب ، فرب طلب قد جرّ إلى حَرَب (4)، فماكل طالب بمرزوق ، ولا كل مجمل بمحروم ، فأكرم نفسك عن كل دنية، وإن ساقتكإلى الرغائب ، ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً، وما خيرُ خير لا يوجد إلا بشرّ،ويسر لا ينال إلا بعسر.
وإياك أن توجف بك مطايا الطمع ، فتوردك موارد الهلكة، وإن استطعت أنلا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل ، فإنك مدرك قسمك ، وآخذ سهمك ، وإناليسير من الله ، أكبر وأعظم من الكثير من خلقه ، وإن كان كل منه .
وتلافيك ما فرط من صمتك ، أيسرمن إدراكك ما فات من منطقك ، وحِفْظ
وإياك والإتكال على المنى، فإنها بضائع النوكى(1). والعقل حفظ التجارب.وخير ما جربت ما وعضك. بادر الفرصة قبل أن تكون غصة. ليس كل طالب يصيب،ولا كل غائب يؤوب، ومن الفساد إضاعة الزاد ومفسدة المعاد، ولكل أمر عاقبة،سوف يأتيك ما قُدّر لك، التاجر مخاطر، ورب يسير أنمى من كثير، لا خير في معين مهين، ولا فيصديق ظنين. ساهل الدهر ما ذل لك قعوده (2)، ولا تخاطر بشيء رجاءَ اكثر منه، وإياكأن تجمح بك مطية اللجاج.
احمل نفسك من أخيك عند صرمه على(3) الصلة، وعند صدوده على اللطفوالمقاربة، وعند جموده على البذل، وعند تباعده على الدنو، وعند شدته على اللين، وعندجرمه على العذر، حتى كأنك له عبد وكأنه ذو نعمة عليك، وإياك أن تضع ذلك في غيرموضعه، أو أن تفعله بغير أهله. لا تتخذن عدو صديقك صديقاً فتعادي صديقك،وامحض أخاك النصيحة حسنة كانت أم قبيحة، وتجرّع الغيظ، فإني لم أر جرعة أحلىمنها عاقبة ولا ألذّ مغبّة، ولنْ لمن غالظك، فإنه يوشك أن يلين لك، وخذ على عدوكبالفضل فإنه أحلى الظفرين، وإن أردت قطيعة أخيك، فاستبق له من نفسك بقيةً يرجعاليها إن بدا له ذلك يوماً ما، ومن ظنّ بك خيراً فصدّق ظنه، ولا تضيعنّ حق أخيكاتكالاً على ما بينك وبينه، فإنه ليس لك بأخ من (4) أضعت حقه، ولا يكن أهلك أشقىالخلق بك، ولا ترغبنّ فيمن زهد فيك، ولا يكونن أخوك على قطيعتك أقوى منك علىصلته، ولا يكونن على الإساءة أقوى منك على الإحسان، ولا يكبرنّ عليك ظلم من
واعلم - يا بني -«أنّ الرزق رزقان : رزق تطلبه، ورزق يطلبك، فإن أنت لمتأته أتاك. ما أقبح الخضوع عند الحاجة، والجفاء عند الغنى! إنما لك من دنياك، ماأصلحت به مثواك، وإن جزعت على ما تفلّت من يدك، فاجزع [على](1) كل مالميصل إليك. استدل على مالم يكن بما قد كان، فإن الامور أشباه، ولا تكونن ممنلا تنفعه (2) العظة، إلا إذا بالغت في إيلامه، فإن العاقل يتعظ بالأدب، والبهائم لا تتعظإلا بالضرب. إطرح عنك واردات الأُمور(3) بعزائم الصبر وحسن اليقين. من ترك ألقصدجار. الصاحب مناسب، والصديق من صدق غيبه، والهوى شريك العمى. ربّ بعيدأقرب من قريب، وقريب أبعد من بعيد، والغريب من لم يكن له حبيب. من تعدىالحق ضاق مذهبه، ومن أقتصر على قدره كان أبقى له، وأوثق سبب أخذت به سبببينك وبين الله سبحانه، ومن لم يبالك فهو عدوك. قد يكون اليأس إدراكاً، إذا كانالطمع هلاكاً. ليس كل عورة تظهر، ولا كل فرصة تصاب، وربما أخطأ البصير قصده،وأصاب الأعمى رشده.
أخِّر الشر، فإنك إذا شئت تعجّلته. وقطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل.
منأمن الزمان خانه، ومن أعظمه أهانه. ليس كل من رمى أصاب. إذا تغير السلطان تغيرالزمان. سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار. إياك أن تذكر من الكلامماكان مضحكاً، وإن حكيت ذلك عن غيرك.
وإياك ومشاورة النساء، فإن رأيهن إلى أفن، وعزمهن إلى وهن، واكففعليهن من أبصارهن بحجابك إياهن، فإنّ شدة الحجاب أبقى عليهن، وليس خروجهنأشد من إدخالك من لا يوثق به عليهن، وإن استطعت أن لا يعرفن غيرك فافعل، ولاتُملّك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها، فإن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، ولا تعدبكرامتها نفسها، ولا تطمعها أن تشفع لغيرها، وإياك والتغاير في غير موضع غيرة، فإنذلك يدعو الصحيحة إلى السقم، والبريئة إلى الريب.