ذلك(1).
**وكان أمير- المؤمنين عليه السلام إذا أخذ في الوضوء يتغير وجهه من خيفة اللهتعالى، وكانت سيدتنا فاطمة عليها السلام تنهج (2) في صلاتها من خشية الله تعالى (3)وروي عن النبي صلى الله عليه وآله قرأ عليه أُبيّ سورة النساء، فلما وصل إلىقوله تعالى: ( فكيف إذا جئنا من كل اُمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً) (4) فبكىالنبي صلى الله عليه وآله.
فأنظروا أيها الناس إلى الشهيد كيف يبكي، والمشهود عليهم يضحكون!؟وأنظروا الى الخليل والحبيب والصفيّ والصديقة الطاهرة، كيف يخافون هذا الخوفالعظيم، وهم الشهداء والشفعاء!؟ ومن يستشفع بهم ويرجو النجاة غداً بحبهم كيف هوآمن لاهٍ! كأنه لم يسمع الله تعالى يقول (أفمن هذا الحديث تعجبون * وتضحكون ولا تبكون * وأنتم سامدون) (5) وقال أهل التفسير: السامد هو اللاهي، وقيل: الضاحك،وقيل: الساكت.
فتيقظوا - عباد الله ـ من الغفلة، وحاسبوا أنفسكم على الصغيرة والكبيرة،كما قال أمير المؤمنين عليه السلام:إن الله تعالى يسائلكم - معشر عباده - عن الصغيرة من أعمالكم والكبيرة،والظاهرة والمستورة، فإن يعذب فأنتم أظلم، وإن يعفو فهو أكرم.
وأعلموا ـ عباد الله ـ أن المتقين ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة، فشاركواأهل الدنيا في دنياهم ، ولم يشاركهم أهل الدنيا، في آخرتهم ، سكنوا الدنيا بأفضل ماسُكنت، وأكلوها بأفضل ما اُكلت، فحفظوا في الدنيا بما حظي المترفون، وأخذوا ماأخذه الجبابرة المتكبرون، ثم انقلبوا عنها بالزاد المبلغ، والمتجر الرابح، اصابوا لذة زهدالدنيا في دنياهم، وتيقنوا أنهم جيران الله غداً في آخرتهم، لا ترد لهم دعوة، ولا ينقصلهم نصيب من لذة.
____________
1 ـ عدة الداعي: 138.
2 ـ النهيج: تتابع النفس، اُنظر « لسان العرب ـ نهج ـ 2: 383».
3 ـ عدة الداعي 138.
4 ـ النساء 4: 41.
5 ـ النجم 53: 59 ـ 61.

(248)
فاحذروا ـ عباد الله ـ الموت وقربه، وأعدّوا له عدته، فإنه يأتي بأمر عظيم،وخطب جليل، يأتي بخير لا شر بعده أبداً، وبشر لا خير بعده أبداً، فمن أقرب من الجنة منعامليها!؟ ومن أقرب من النار من عامليها!؟ وأنتم طرد الموت الذي إن أقمتم لهأخذكم، وإن فررتم منه أدرككم، وهو ألزم لكم من ظلكم، الموت معقود بنواصيكم،والدنيا تطوى من خلفكم، فاحذروا ناراً قعرها بعيد، وحرها شديد، وعذابها جديد،وحليتها حديد، دار ليس فيها رحمة، ولا تسمع فيها دعوة، ولا تفرج فيها كربة (1)،فاتقوا الله، ولا تسخطوه برضى أحد من خلقه، فإن في الله خلفاً من خلقه، وليس في غيرهخلف منه .
**فانتبه أيها الإنسان لنفسك، واعلم أنك مسؤول عن ألقليل والكثير، والنقيروالقطمير، والفتيل والذرة والحرف، وما تضمر في نفسك، وزمرات (2) عينك وخيانتها،وتمثل في نفسك -إن أردت أن يخشع قلبك ، وتقشعر جوارحك ، وتجري دمعتك -أهول يوم القيامة، وكربها وفرقها، وشدة عظائمها، وخروجك من قبرك عرياناًحافياً، شاحباً لونك ، شاخصاً بصرك ، تنظر مرة عن يمينك ، ومرة عن يسارك ، إذالخلائق كلهم في شأن غير شأنك ، ومعك ملائكة موكّلون بك غلاظ شداد، منهم سائقوشهيد، سائق يسوقك إلى محشرك ، وشهيد يشهد عليك ، بعملك ، فحينئذ تنزل الملائكةمن أرجاء السماوات ، جسام عظام ، وأشخاص ضخام شداد، اُمروا أن يأخذوابنواصي المجرمين إلى موقف العرض ، مهول خلقهم .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «إن لله ملكا ما بين شفري عينيه مسيرةمائة عام» .
وقال أمير المؤمنين عليه السلام : «إن لله ملائكة لو أن ملكاً هبط إلى الأرض لمتسعه ، لعظم خلقه ، وكثرة أجنحته ، ومنهم من لو كلفت الجن والأنس أن يصفوه ماقدروا على وصفه ، لبعد ما بين مفاصله ، وحسن تركيب صورته ، وكيف يوصف منما بين منكبه وشحمة اذنه مسيرة سبعمائة عام !؟ ومنهم من يسد الأفق بجناح منأجنحته دون عظم بدنه
____________
1 - نهج البلاغة 3 : 31 | 27 .
2 - كذا في الأصل ، والظاهر أنه تصحيف ، صحته : ورمزات ، والرمز: الإشارة والإيماء بالحاجب .
«الصحاح - رمز- 3 : 880».

(249)
ومنهم من السماوات إلى حجزته (1)، ومنهم من قدماه على غير قرار في جوالهواء الأسفل ، والأرضون إلى ركبته، ومنهم لو اُلقي في نقرة إبهامه جميع المياه لوسعتها،ومنهم من لو اُلقيت السفن في دموع عينيه لجرت دهر الداهرين .فتبارك الله أحسنالخالقين » .
روى هذا الحديث مسنداً الشيخ أبو جعفر ابن بابويه الفقيه رحمه الله ، في كتابهكتاب (الخصال)(2) .
**فانتبه لنفسك -أيها الأنسان - كيف تكون حالك إذا شاهدت مثل هؤلاءالملائكة العظيمي الخلق ، ليأخذوك إلى مقام العرض ، وتراهم على عظم أشخاصهممنكسرين ، لشدة خوف يوم المحشر، مما يرون من غضب الجبار على عباده ، وعند نزولهملا يبق نبي ولا صدّيق ولا صالح إلاّ ويخرون لأذقانهم خوفاً من الله ، كأنهم همالمأخوذون ، فهذا حال المقربين ، فما ظنك بالعصاة المجرمين !
وعند ذلك تقوم الملائكة صفاً محدقين بالخلائق من الجوانب ، وعلى جميعهمشعار الذل والخضوع ، وهيبة الخوف والمهابة لشدة ذلك اليوم .
ثم تقبل الملائكة فينادون وأحداً واحداً يافلان بن فلانة، هلمّ إلى موقفالعرض ، فعند ذلك ترتعد الفرائص، وتضطرب الجوارح ، وتبهت العقول ، ويتمنى أقوامأن يذهب بهم إلى النار، ولا تعرض قبائح، أعمالهم على الجبار، ولا يكشف سرهم علىملأ الخلائق . فعند ذلك يخرج النداء: يا جبرئيل ، إئت النار، فجاءها جبرئيل وقاللها: يا جهنم ، أجيبي خالقك ومليكك. فقادها جبرئيل على غيظها وغضبها، فلم تلبثبعد النداء أن فارت وزفرت إلى الخلائق وشهقت ، وسمع الخلائق شهيقها وزفيرها،وانتهضت خزانها متنكرة على الخلائق ، غضباً على من عصى الله وخالف أمره .
فأخطر ببالك حال قلوب العباد وقد امتلأت فزعاً ورعباً، فتساقطوا وجثوا علىالركب ، وولوا مدبرين ، وسقط بعضهم على الوجوه، وينادي الظالمون والعصاة بالويلوالثبور، ونادى كل واحد من الصديقين : نفسي نفسي . فبينا هم كذلك إذ زفرت النارزفرة ثانية، فتساقط الخلائق على وجوههم ، وشخصوا بأبصارهم ينظرون من طرف
____________
1 - في الأصل : حرته ، وما أثبتناه من المصدر.
2 ـ الخصال : 400 | 109 .

(250)
خاشع خفي ، واُنهضت قلوب الظالمين فبلغت الحناجر كاظمين ، فعند ذلك يقال: يا ابنآدم ، ألم أكرمك وأسوّدك (1) وأزوجك ، وأسخر لك الخيل والابل والأنعام ، وأنعمعليك بالشباب ؟ ففي ماذا أبليته ؟ وأمهل لك في العمر، ففي ماذا أفنيته ؟ وأرزقك المال ،ففي ماذا أنفقته ؟ ألم أكرمك بالعلم ، فماذا عملت فيه؟فانظر خجلك وحياءك عند تعداده عليك إنعامه وأياديه ، ومقابلته بمساوئك ،وأنت قائم بين يديه بقلب محزون خافق وجل ، وطرف خاشع ذليل منكسر، ثمأُعصيت كتابك الذي لايغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
أوما علمت أن جوارحك شهوده، وأعضاءك جنوده، وضمائرك عيونه ،وخلواتك عيانه، فكم من فاحشة نسيتها! وكم من طاعة غفلت عنها! وكم من ذنوبكشف لك عن مساوئها! فخجلت منها حيث لاينفع الخجل ، ووجلت حيث لاينفعالوجل، فليت شعريَ بأي قدم تقف بين يديه! وبأي لسان تجيب عندالعرض عليه !وبأي قلب تعقل! فتفكر في عظم جنايتك وذنوبك ، إذ يقول لك : يا عبديَ أما استحيتمني! بارزتنى بالقبيح ، واستحيت من خلقي، فأظهرت لهم الجميل ، وبارزتنى بالقبيح ،أكنت أهون عليك من عبادي ، استخففت بنظري إليك، واستعظمت خلقي .
يا أبن آدم ، ما غرك بي، فاذا عملت؟ وبماذا أجبت الرسل ؟ ألم أكن رقيباًعليك ، وأنت تنظر بعينك إلى مالا يحل لك ! ألم أكن رقيباً على أذنيك ،و أنت تسمع بهمامالا يحل لك ! وكذا يعدد عليه جميع جوارحه وأعضائه .
فانظر لنفسك ، فإنك بين أن يقال لك : قد تفضلت عليك بالغفران ، فيعظمسرورك وفرحك ، ويغبطك الأولون والآخرون . وأما أن يقال للملائكة : خذوه فغلٌوهثم الجحيم صلّوه ، فعند ذلك لوبكت عليك السمماوات والأرض لكان ذلك جديراً بك ،لعظيم مصيبتك ، وشدّة حسرتك على ما فرطت من طاعة الله ، وعلى ما بعت من آخرتكمن دنيا دنيئة لم تبق لك .
واعلم أنه لن ينجومن هول ذلك اليوم إلا من حاسب في الدنيا نفسه ، ووزنفيها بميزان الشرع أعماله وأقواله وخطراته (2)، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
____________
1 ـ سَوّده: جعله سيداً، يعني سيادة الإنسان على المخلوقات الاُخرى اُنظر « الصحاح ـ سود ـ 2:490».
2 ـ في تنبيه الخواطر: وخطواته.

(251)
صلوات الله عليه واله : «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا» وإنماحسابه لنفسه أن يتوب عن كل معصية قبل الموت توبة نصوحاً، ويتدارك ما فرط منتقصير في فرائض الله، ورد المظالم حبة بعد حبة، ويستحل كل من تعرض له بلسانه ويدهويطيب قلوبهم، حتى يتوب (1) ولم تبق عليه مظلومة ولا فريضة، فهذا يدخل الجنة بلاحساب .
وإن مات قبل ذلك كان على أمر خطر من أهوال ذلك اليوم، فنعوذ بالله منشر ذلك الموقف، حين تتذكر ما أنذرك الله على لسان رسوله صلى الله عليه وآله حينقال: ( ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار *مهطعين مقنعي رؤسهم لا يرتد إليهم طرفهم وافئدتكم هواء) (2) فما أشد فرحك اليومبتمضمضك بأعراض الناس وتناولك أموالهم، وما أشد حسرتك في ذلك اليوم إذا وقفبك على بساط العدل، وقوبلت بميزان السياسة والعدل، وأنت مفلس فقير عاجز مهين،لا تقدر على أن ترد حقاً أو تقيم عذراًفدع التفكر فيما أنت مرتحل عنه ، واصرفه إلى مورده واحذره ، واجتهد فيماينججك منه ، واستمع إلى قوله تعالى : (وان منكم إلأ واردها كان على ربك حتمآَ مقضياً*ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً) (3) فإن كنت تعلم من نفسك التقوى، فأنتمن الناجين، وإن لم تكن كذلك، فأنت من الظالمين فيها جثياً، فأشعر قلبك هول ذلك المورد، فعساك تستعد للنجاة(4) منه .
وتأمل في حال الخلائق ، وقد قاسوا من دواهي القيامة ما قاسوا، فبيناهم فيكربها وأهوالها واقفون ينظرون حقيقة آياتها، إذ أحاطت بالمجرمين ظلمات، وأظلتعليهم بادرات، وسمعوا لها زفيراً وجرجرة تفصح عن شدة الغيظ، فعند ذلك أيقنالمجرمون بالعقاب، وجثت الاُمم على الركب، حتى أشفق البراء من سوء المنقلب.
وخرج ملك من الزبانية ينادي: يافلان بن فلان، المسوف نفسه في الدنيابطول الأمل ، المضيع عمره في سوء العمل. فيبادرونه بمقامع حديد، ويستقلبونه بعظائم
____________
1 - في تنبيه الخواطر: يموت .
2 ـ إبراهيم 14: 42، 43.
3 ـ مريم 19: 71، 72.
4 ـ في الأصل: بالنجاة، وما أثبتناه من تنبيه الخواطر.

(252)
التهديد، ويسكنونه في دار ضيقة الأرجاء، مظلمة المسالك ، مبهمة المهالك ، فعند ذلكيندمون على ما فرطوا في جنب الله فلا ينجيهم الندم ، ولا ينفعهم الأسف ، بل يكبونعلى وجوههم من فوق النار، فهم بين مقطعات النار وسرابيل القطران ، يتحطمون فيدركاتها ، ويضطربون بين غواشيها ، تغلي بهم النار كغلي القدور، وينادون بالويلوالعويل ، ومهما دعوا بالثبور صب فوق رؤوسهم الحميم ، يصهر به ما في بطونهم والجلود،فمن كان من أهل الشفاعة أدركته ، لقوله صلى الله عليه : «ادخرت شفاعتي لأهلالكبائرمن أمتي» .
و قوله عليه السلام : «يخرجون من النار بعد ما يصيرون حمماً(1) وفحماً» ومنكان من أهل الخلود، فالويل له بالعذاب الدائم المقيم ، نعوذ بالله من ذلك .
**واعلم أن تلك الدار التي عرفت غمومها وهمومها، يقابلها دار اُخرى وهيالجنة، فإن من بعد منها استقر لا محالة في جهنم ، فاستشعرالخوف في قلبك بطول الذكر فيأهوال الجحيم ، واستثر الرجاء بطول الفكر في النعيم المقيم ، الموعود لأهل الاحسان ،وسق نفسك بسوط الخوف، وقدها بزمام الرجاء إلى الصراط المستقيم ، فبذلك تنال الملكالعظيم ، وتسلم من ألعذاب الأليم .
فتفكر في أهل الجنة، في وجوههم نظرة النعيم ، يسقون من رحيق مختوم ختامهمسك ، جالسين على منابر من الياقوت الأحمر، في خيام من اللؤلؤ الرطب الأبيض ، فيهابسط من العبقري الأخضر، متكئين على أرائك منصوبة على أطراف أنهار مطردة بالخمروالعسل ، محفوفة بالغلمان والولدان ، مزينة بالحورالعين من الخيرات الحسان ، كأنّهنّالياقوت والمرجان ، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ، يمسون (2) في درجات الجنان . إذااختالت في مشيها، حمل أعطافها سبعون ألفاً من الولدان ، عليها من طرائف الحريرالأبيض ما تتحير فيه الأبصار، مكلّلاً بالتيجان المرصّعة باللؤلؤ والمرجان ، كَحلاتغنجات(3) عطرات آمنات من الهرم البؤس، ومقصورات في قصور من الياقوت،نبتت وسط روضات الجنات ، قاصرات الطرف عين ، ثم يطاف عليهم وعليهن بأكوابوأباريق وكأس من معين ، بيضاء لذة للشاربين .
____________
1 ـ الحمم: الرماد والفحم وكل ما احترق في النار « الصحاح ـ حمم ـ 5: 1905».
2 - في تنبيه الخواطر: يمشين .
3 ـ إمرأة غَنجة : حسنة الدل ، وقيل : الغنج ملاحة العينين «لسان العرب - غنج - 2 : 337».


(253)
وقيل : إن في الجنة حوراء يقال لها: العيناء، إذا مشت يمشي عن يمينهاويسارها سبعون ألف وصيفة، وهي تقول : أين الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر؟وقال آخر: ترك الدنيا شديد، وفوت الجنة أشد، وترك الدنيا مهرالاخرة.
وقال أيضاً: في طلب الدنيا ذلّ النفوس ، وفي طلب الجنة عز النفوس ، فياعجباً لمن يطلب الدنيا بذلّ النفوس والتعب ، ولا يطلب الاخرة بعز النفوس والراحة(1).
ابن بابويه ، عن محمد بن [ أبي](2) القاسم ، عن محمد بن علي الكوفي ، عن محمدأبن خالد، عن بعض رجاله ، عن داود الرقي ، عن أبي حمزة الثمالي ، عن أبي جعفرعليه السلام قال: « قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ألا أخبركم بالفقيه حقاً؟ قالوا: بلىيا أميرالمؤمنين ، قال : من لم يقنّط الناس من رحمة الله ، ولم يؤمنهم من عذاب الله ، ولميرخص لهم في معاصي الله ، ولم يترك القرآن رغبة(3). ألا، لا خير في علم ليس فيهتفهم، الا، لا خير في قراءة ليس فيها تدبر، الا، لا خير في عبادة ليس فيها تفقه» (4).

* * *

____________
1 ـ الكلام الآنف الذكر المنسوب للمؤلف ورد في تنبيه الخواطر:296 ـ 300، بتصرف في عباراته،فتأمل.
2 ـ أثبتناه من معاني الأخبار، وهو محمد بن أبي القاسم عبيد الله بن عمران الجنابي البرقي، أبو عبد اللهالملقب ماجيلويه، وأبو القاسم يلقب بندار، ثقة عالم فقيه عارف بالأدب والشعر والغريب، وهوه صهر أحمد بن أبي عبد الله البرقي على أبنته، وابنه علي بن محمد منها. « رجال النجاشي:250، معجم رجال الحديث14:296».
3 ـ في معاني الأخبار زيادة: عنه إلى غيره
4 ـ معاني الأخبار: 226 | 1 ، تنبيه الخواطر: 300.

(254)
فصل في ذكر حقوق الإخوان
قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «إن من أفضل الأعمال بعد الفرائض،إدخال السرور على المؤمن» .
وقال أميرالمؤمنين عليه السلام : «من سرَ لنا ولياً، فقد وصل لنا رحماً».
وقال عليه السلام : «فقراء شيعتنا حجة على أغنيائهم».
وروي عن الصادق عليه السلام ، أنه قال : «من رفع أخاه رفع الله قدره - ثمقال : - من أحوج أخاه إلى عدوه ، أحوجه الله تعالى عز وجل إلى شرارخلقه ، وضيقعليه في رزقه».
وقال عليه السلام : «من ترك حاجة لأخيه المؤمن ، ولم يقضها له من مالهوجاهه ويده ورجله ولسانه ، أوجب الله عز وجل عليه ثلاث حوائج لرجل منافق ،يكيده فيها ولا يأجره الله عليها».
وقال : «من سأله أخوه المؤمن حاجة، وعنده قضاؤها ولم يقضها بأنعم اللهعنده ، فقد كفر بها، وباء بغضب ، ومأواه جهنم وبئس المصير».
وقال : «من سر مّؤمناً فقد سرّني ، ومن سرّني فقد سر رسول الله صلى الله عليهوآله ، ومن سرّ رسول الله فقد سر الله عز وجل ، ومن سرّ الله أدخله الجنة».
وعن المعلى بن خنيس قال : قلت لأبي عبدالله عليه السلام : ما حق المؤمن علىالمؤمن ؟ قال : «سبعة حقوق واجبات ، ما فيها حق إلا وهوعليه واجب ، إن خالفه خرجمن ولاية الله وترك طاعته ، ولم يكن لله عز وجل فيه نصيب ».
قال : قلت : جعلت فداك ، حدثني ماهي ؟ قال : «يا معلى إني شفيق عليك ،أخشى أن تضيع ولا تحفظ ، وتعلم ولا تعمل».
قلت : لاقوة إلاّ بالله . قال : «أيسر حق منها، أن تحب له ما تحب لنفسك ،وتكره له ما تكره لنفسك .
والحق الثاني : أن تمشي في حاجته ، وتبتغي رضاه ، ولا تخالف قوله .
والحق الثالث : أن تصله بنفسك ، ومالك ، ويدك ، ورجلك ، ولسانك .
والحق الرابع : أن تكون عينه ووليه ومرآته وقميصه .
(255)
والحق الخامس : أن لا تشبع ويجوع، ولا تلبس ويعرى، ولا تروى ويظمأ.
والحق السادس : أن تكون لك امرأة وخادم ، وليس لأخيك امرأة ولا خادم ،أن تبعث خادمك فتغسل ثيابه ، وتصنع طعامه ، تمهد فراشه، فإن ذلك كله إنما جعلبينك وبينه .
والحق السابع : أن تبر قسمه ، وتجيب دعوته ، وتشهد جنازته ، وتعوده فيمرضه ، وتشخص بدنك في قضاء حاجته ، ولا تحوجه إلى أن يسألك ، ولكن تبادر إلىقضاء حوائجه ، فإذا فعلت ذلك به وصلت ولايتك بولايته ، وولايته بولاية اللهعز وجل»(1).
عن علي عليه السلام : ان النبي صلى الله عليه واله قال في وصيته :«يا علي،سبعة من كن فيه فقد استكمل حقيقة الإيمان ، وأبواب الجنة مفتحة له : من أسبغوضوءه، وأحسن صلاته، وأدى زكاة ماله ، وكفّ غضبه ، وسجن لسانه ، واستغفرلذنبه ، وأدى النصيحة لأهل بيت نبيه»(2).
وقال رسول الله صلى الله عليه واله : «ما من مؤمن يصوم شهر رمضان ، إلاأوجب الله - تبارك وتعالى - له سبع خصال :أولها: يذوب الحرام في جسده .
والثانية: يقرب من رحمة الله عز وجل .
والثالثة: قد كفي خطيئة أبيه آدم .
والرابعة : يهون الله عليه سكرات الموت .
والخامسة: أمان من الجوع والعطش يوم القيامة .
والسادسة : يطعمه الله عز وجل من طيبات الجنة.
والسابعة: يعطيه الله عز وجل براءة من النار» قال : صدقت يا محمد(3).
وروي عن العالم أنه قال : «والله ، ما اُعطي مؤمن قط خيرالدنيا والاخرة، إلابحسن ظنه بالله -عز وجل - ورجائه له ، وحسن خلقه ، والكف عن اغتياب المؤمنين .
____________
1 - الخصال : 350 | 26 .
2 - الخصال : 345 | 13 .
3 - الخصال 346 | 14 ، والحديث المذكور قطعة من الحديث الطويل لليهود الذين جاءوا يسألون رسولالله صلى الله عليه واله عن عدة مسائل ، فعبارة «صدقت يا محمد» هي لليهودي السائل .

(256)
**والله - تبارك وتعالى - لايعذب عبداً بعد التوبة والإستغفار إلا بسوء ظنه ، وتقصيرهفي رجائه لله عز وجل ، وسوء خلقه ، واغتيابه للمؤمنين . وليس يحسن ظن عبد مؤمنبالله عز وجل إلا كان عند ظنه به ، لأن الله تعالى كريم يستحي أن يخلف ظن عبدهورجاءه ، فأحسنوا الظن بالله، وارغبوا إليه ، فإن الله تعالى يقول :(الظانين بالله ظنّ السوءعليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعدّ لهم جهنم وساءت مصيرا)(1)و(2).
وقد روي : ان الله تعالى قال : «أنا عند ظن عبدي بي، فلا يظن بي إلاخيراً»(3) وقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه : «الثقة بالله حصن لايتحصن به إلا مؤمن ،والتوكل عليه نجاة من كل سوء وحرزمن كل عدو».
وروي أن الله تعالى إذا حاسب الخلق ، يبقى رجل قد فضلت سيئاته علىحسناته ، فتأخذه الملائكة إلى النار- وهو يتلفت - فيأمر الله بردّه ، فيقول له : لمتتلفت؟ - وهو أعلم به - فيقول : يا رب ، ما كان هذا حسن ظني بك ، فيقول اللهتعالى : ملائكتي ، وعزتي وجلالي ، ما أحسن هذا عبدي ظنه بي يوماً، ولكن انطلقوا بهإلى الجنة لادّعائه حسن الظن (4).
وروي أن الله تعالى يقول - حين يجمع بين الناس ، ولبعضهم على بعضحقوق ، وله قبله تبعات -: عبادي ما كان لي قبلكم فقد وهبته لكم ، فهبوا لبعضكمتبعات بعض ، وادخلوا الجنة جميعاً برحمتي (5).
وبالجملة ان الله سبحانه وتعالى أمر بمكارم الأخلاق ، من العفو والحلم والكرموالتجاوز والعطف والرحمة والإغضاء ، ورغب في ذلك وأحب فاعله ، ومقت تاركه ،فهو سبحانه أحق بأن يعمل بما أمر به واحبه، أفيأمر بهذه الخصال الحميدة الجميلة، ولا يعمل بها؟ حوشي من ذلك، وجل وعلا.
____________
1 ـ الفتح 6:48.
2 ـ فقه الرضا (ع): 360، عدة الداعي: 135.
3 ـ عدة الداعي: 132.
4 ـ عدة الداعي: 135.
5 ـ عدة الداعي 136.

(257)
ولقد أحسن من قال هذه الأبيات في هذا المعنى :
أيا رب هب أني أسأتُ وأذنبتُ * ألم يكفني قولي فعلتُ وأخطأتُ
أما جاز في شرع السموّ بأنكم * تعفون عني إذ عرفتُ وأقررتُ
فقد قلت هذا القول مني لدونكم * فغضّ عن الذنب الجموح بما قلتُ
وليس كريم من رضى إذ منحته * وفائي ولكن من تغاضى وقد خنتُ
فما زال حسن العفو منكم سجية * على سفه التكرار منّي وإن تُبتُ
إذا جاءك العبد المطيع لخشية * من النارأو بخل تَقَضّى به الوقتُ
عمدت إلى درع من الحلم صاغه * رجائي بعفو منكم فتدرّعتُ
فأطفأت نارالخوف ثَمَّ ببرد ما * ظننت بكم فيما رجوتُ وأمَّلت
ُإذا كانت الذات القديمة عفوها * قديم وماصرت وكان وقد صرت
فسوف ارجّيهِ وإن بَعُدَ المدى * عليّ وإن حلت ذنوبي إذا متُ
ولو لم يكن من ذاتك العفو شاهداً * أمرت به بين الورى كنت قد خفتُ
ولكن وزنت العفو منكم بأخذكم * على الجُرم فاسترجحتُه فترجّحتُ
فلي الفخر في الدنيا وإن كنت ابقاً * إذاكنتَ لي مولىَ سعدتُ وأسعدتُ
وكيف أرى ناراً وقد ظفرت يدي * بمن قال :كن، من غير ما لم يكن، كنتُ
وشيمته عفو وحلم ونائل * ولطف وإحسان رأيتُ وشاهدتُ
فأنت غنائي إن قضمت من الحصا * شِقاً في اختيارٍ منكم أوتنعّمتُ

وقال آخر:
يارب إن عظمت ذنوبي كثرة * فلقد علمت بأن عفوك أعظم
أدعوك ربّ كما أمرت تضرّعاً * فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
إن كان لا يرجوك إلاّ محسن * فبمن يلوذ ويستجير المجرمُ!؟
ما لي إليك وسيلة إلا الرجا * وجميل عفوك ثم إني مسلمُ

وقال آخر :
من لي سواك فأدعوه وآمله * وغير نعماك أرجوها وأرتقب
أو ليتني نعماً جَلَّت مواهبها * أضاء لي عندها المعروف والحسب
أخرجتني بعظيم اللطف من عدم * معرّضاً لثواب منك يكتسب
رفعتني بعد ماقد كنتُ منخفضاً * فصرت بين الورى تسمو بي الرتب

(258)
فلا أطيق لما أوليت من نعم * شكراً ولكنني أبكي وأنتحب
ذلاً وخوفاً من التقصير ياملكي * فهب ، وشيمة أهل الفضل أن يهبوا
لكنّ قلبي بما أجريتَ معترف * فرضاًعليه يراه لازماً يجب
فاصفح إلهي، فهذا الظن فيك على * حسناك حتى يزول الهم والكرب

وقال اخريخاطب الله تعالى:
أجلُكَ عن تعذيب مثلي على ذني * ولا ناصر لي غيرنصرك ياربي
أنَا عبدك المحقور في عظم شأنكم * من الماء قد أنشأت أصلي ومن ترب
ونقلتني من ظهرآدم نطفة * أجدّ وفي قعرحريج (1) من الصلب
وألقيتني من ضيقِ قعر بِمَنِّكُمْ * وإحسانكم أهوي إلى الواسع الرحب
فحاشاك في تعظيم شأنك والعلى * تعذب محقوراً بإحسانكم ربي
لأنا رأينا في الأنام معظّماً * تجلى عن المحقورفي القتل والضرب
وأرفده مالاً ولوشاء قتله * لقطعه بالسيف إرباً على إرب
وأيضاً إذا عذبت مثلي وطائعاً * تُنَعِّمَه فالعفوفيكم لمن تحبي
فإني متى مازنته بعقابكم * وأخذِكُمُ بالجرِم مِنّيَ يَرجُح بي
فما هو إلا لي فمنذ رأيته * لكم شيمة أعددته المحوَ للذنب
وأطمعتني لما رأيتك غافراً * ووهاب قد سميتَ نفسك في الكَتب
فإن كان شيطاني أعان جوارحي * عصتكم ، فمن توحيدكم ماخلا قلبي
فتوحيد كم فيه وآل محمد * سكنتم به في حبّة القلب واللب
وجيرانكم هذي الجوارح كلها * وأنتم فقد أوصيت بالجار ذي الجنب
وأنصار أبنا العُرب تحمي نزيلها * وجيرانها والتابعين من الخطب
فلم لا ارجّي فيك ياغاية المنى * حمىً مانعاً، إذ صح هذا من العرب

يقول العبد الفقير إلى رحمة ربه ورضوانه الحسن بن أبي الحسن الديلمي -أعانه الله على طاعته وتغمده الله برأفته ورحمته - إني حيث ذكرت ما ذكرت منالتخويف والترهيب ، اقتضت الحال ذكر أسباب الترغيب ، وماجاء، في ذلك من سعةرحمة الله ، وعظيم كرمه، وواسع حلمه وعفوه ، ونتيجة الظن به، لينبسط الرجاء
____________
1 ـ الحريج : من الحرج وهو الضيق «الصحاح - حرج - 1 : 305».
(259)
بذلك ، كما اشتد الخوف .
والذي امركم به - أيها الاخوان - أن يشتد خوفكم ، ويعظم حذركم ، فإنذلك أدعى للنجاة. وأضرب لكم مثل رجلين توجها في طريق فسألا عنها، فقال لهماقوم : إنها كثيرة المرعى والكلأ، غزيزة الماء، عظيمة الأمن ، وقال آخرون : بل هيطريق موحش ، قليل الماء والكلأ والمرعى، مخوف شديد الخطر، فأخذ أحدهما بقول منشهد بالمخافة، فتزوّد وأكثرمن الزاد والماء والعدد، وما يؤنسه ، وكل ما تحصل بهالسلامة والأمن . وسكن الآخر واطمأن إلى قول من أخبره بسلامة الطريق وأمنها،وكثرة كلئها ومرعاها . فلما سارا فيها، وجدها الذي تزود على ما حذرها ، ففاز بالنجاةوالسلامة بكثرة الأزواد، وهلك وعطب الذي لم يتزود، وندم حيث لم تنفعه الندامة .
ولو قدرنا أنهما لووجدا الطريق على ما وصفها الواصفون لها، بالأمن وكثرةالماء والمرعى، اكان يضر الذي عمل بالحزم واحتاط لنفسه بالزاد؟
فتيقظوا - رحمكم الله - وتفكروا في المثل ، وانظروا فيه ، فإنه عبرة لأوليالألباب ، وتبصرة لمن أناب وعرف الصواب .
وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال رسول الله صلى الله عليه واله :«غضوا أبصاركم ، واحفظوا ألسنتكم ، وحصنوا فروجكم ، وكفوا أيديكم ، واعلمواأن الأيام صحائف أعمالكم ، فلا تخلدوا إلى الأيام ونعيمها، ورب مستدرجبالإحسان إليه ، مفتون بحسن القول فيه ، مغرور بالسترعليه » .
واعلموا -أيدكم الله - أن العقل لوترك من هوى صادٍّ ، ومألفٍ معتادٍ،وأنفة من إنقياد، لساق المرء إلى الرشاد، وهجم به على الصلاح والسداد، ولكَن تعوقعن إدراك الحق أمور يجب أن يحذرها العاقل النحرير:
منها: ترك التعلم ، وتقليد الاباء والمربّين ، واتباع السادة المنعمين .
ومنها : النشوء بين أهل بلدتهم ، واتباعهم في فاسد معتقدهم .
ومنها: محبة العز والقدرة، واتباع عالي الكلمة والامرة، وهذا مما تميل إليهالطباع ، وتشتهيه النفوس ، وقد يكون هذا من وجهين :
أحدهما : الانضمام إلى ذي سلطان لعزّه ، والأخذ بمذهبه لعلو أمره وشأنه .
والاخر: تقدم يحصل للأنسان في مذهب باطل ، يتّبعه عليه من الضعفة قوم
(260)
لابصيرة لهم ، فيصير رئيساً عليهم ، ويصعب عليه مفارقة عز التقدم عليه(1).
ومنها : محبة أسهل المذاهب ، ذي الرُخَّص في ارتكاب الفواحش واللذات ،استصعاباً للعلم ، واستنثّقالاً للعمل ، وميلاً إلى الراحة، ورغبة في الاباحة، ولهذا يسرعكثير من الناس إلى مذاهب الغلاة والمسقطين للتكليف والأعمال ، وقد جذبهم إلى ذلكانضمامهم في المَوَدّات والمخالطات ، فبادر نحوهم الراغب في هذا الشأن ، وانضم إليهمكل فقيرمحتاج ، قليل الدين .
ومنها : اتباع الأكثر، والكون ، في جملة السواد الأعظم ، استيحاشاً من القلة، وهذامما ضلت به الحشوية .
ومنها : الإشتغال باُمور الدنيا عن الدين ، والإنقطاع إلى مخالطة التجاروالمتكسبين ، حتى تلهي الإنسان دنياه عن النظرفي الآخرة، فلا يجعل لنفسه وقتاً منزمانه يهتم فيه لأمر دينه .
ومنها: عدم مجالسة العلماء، وترك الإطلاع في الدلائل العقليات ، واستماعأقوال الجاهلية الأغنياء، والإقتصار على الحكايات والخرافات .
ومنها: إن الجاهل يرى التقليد في الدين ، أروح له من طلب العلوم والبحثفيها، وهذا يورث العمى والصمم .
ومنها: قبول قول احاد أخبار السمع ، التي لاتوجب علماً ولا عملاً، حتى تألفهالنفس ، ويميل إليه الطبع ، فلا يكاد الإنسان يرتاح إلا إليه ، ولا يعتمد إلا عليه .
ومنها: محبة المذهب الغريب .
ومنها: الأخذ بالقول المستطرف العجيب ، لاسيما إذا كان مصوناً بين أهله ،مكتوماً عندالعاملين به ، حتى يظن المعتمد عليه أنه قد ظفر بالبغية، ووجد الدرةالمكنونة، وهذا يحول بين المرء والرشاد، ويسوقه إلى الضلال والفساد، فإن اجتمع لهمع هذا الجهل سببان أو اسباب ، عظمت به المحنة والرزية، وتعذرعليه الصواب . ثم إنالعادة هي الآفة الكبرى، والداهية العظمى ، وهي الطبع الثاني ، والخلق الثابت .
فاحترز- يا أخي - من هذه الأخطار، وفقك الله وسددك ، وهداكوأرشدك ، ولا تأنس بشيء منها عن ادراك الحقائق ، وكن فطناً متيقظاً حذراً متحفظاً
____________
1 ـ كذا ولعلها زائدة .
(261)
ناظراً متأملاً حاكماً عادلاً، متفطناً للمحبة والبغضة، هاجراً للهوى والعصبية، باحثاًعن الحق ، غير مراع لأحد من الخلق ، ناصحاً لنفسك في الإجتهاد، سائلاً الله تعالى فيالتوفيق للسداد، فإنك متى فعلت ذلك اتضحت لك سبل رشادك ، وسهل عليك صعبمرادك ، وانفتحت لك الأبواب ، وظهر لك الحق والصواب ، ففزت بمنزلة العارفين،وعملت حينئذ عمل المحقين ، فإن الله تعالى يقول في الذكرالمسطور: (إنما يخشى الله منعباده العلماء إن الله عزيزغفور). (1)

***

____________
1 ـ فاطر35 : 28 .
(262)
فصل : في فضل قيام الليل والترغيب فيه
قال الله تعالى لنبيه عليه واله السلام : (ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أنيبعثك ربك مقاماً محموداًً)(1)
وقال :(يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلاً * نصفه أوانقص منه قليلا * أو زد عليهورتّل القران ترتيلا)(2) ولم يمن الله تعالى ليدعو نبيه صلى الله عليه وآله إلاّ إلى أمر جليل وفضل جزيل.
فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : «شرف المؤمن قيامالليل ، وعزه استغناؤه عن الناس».
وقال صلى الله عليه واله : «إذا قام العبد من لذيذ مضجعه والنعاس في عينيه ،ليرضي ربه جل وعز، لصلاة ليله ، باهى الله تعالى به ملائكته فقال : أما ترون عبديهذا، قد قام من لذيذ مضجعه إلى صلاة لم أفرضها عليه ، اشهدوا أني قد غفرت له »(3).
وقال عليه وآله السلام : «إن البيوت التي يصلى فيها بالليل بتلاوة القران ،لتضيء لأهل السماء كما تضيء نجوم أهل السماءِ لأهل الأرض».
وقال في وصيته لأمير المؤمنين صلوات الله عليهما: «وعليك يا عليُّ بصلاةالليل » وكرر ذلك ثلاث دفعات (4).
وسئل أبوجعفر الباقرعليه السلام ، عن وقت صلاة الليل فقال : «الوقت الذيجاء عن جدي رسول الله صلى الله عليه واله ، أنه قال : فيه ينادي منادي الله عز وجل :هل من داع فأجيبه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ قال السائل : وما هو؟ قال : الوقتالذي وعد يعقوب فيه بنيه بقوله :(أستغفر لكم ربي)(5) قال : ماهو؟ قال : الوقتالذي قال الله فيه : (والمستغفرين بالأسحار)(6) إن صلاة الليل في اخره أفضل منها قبل
____________
1 - الاسراء 17 : 79 .
2 - المزمل 73 : 1- 4 .
3 - أخرجه المجلسي في البحار 87 : 156 / 40 عن اعلام الدين .
4 - أخرجه المجلسي في البحار 87 : 42/157 عن اعلام الدين .
5 - يوسف 12 : 98 .
6 - آل عمران 3 : 17.

(263)
ذلك ، وهو وقت الإجابة، وهي هدية المؤمن إلى ربه ، فأحسنوا هداياكم إلى ربكم ،يحسن الله جوائزكم ، فإنه لايواظب عليها إلا مؤمن أوصديق».
واعلم -أيدك الله - أنه ندب إلى صلاة الليل في آخره إذا لم يؤثر المصليالتطويل ، فإذا اثر الاطالة ففي أوله أفضل ، وأول وقتها زوال النصف ألأول.
وقال الصادق عليه السلام : «لا تعطوا العين حظها، فإنها أقلّ شيءشكراً»(1).
وروي : إن الرجل يكذب الكذبة فيحرم بها صلاة الليل ، فإذا حرم صلاةالليل حرم بذلك الرزق .
وقال عليه السلام : «كذب من زعم أنه يصلي الليل ويجوع بالنهار»(2).
ومن خاف فوات صلاة الليل ، فليقرأ عند نومه آخر سورة الكهف (قل لو كانالبحر مداداً لكلمات ربي)إلى قوله تعالى:(فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً)(3)، فمن قرأهما أيقظه الله لصلاة ليلته ، وليسأل الله عقيبهما إيقاظهلعبادته .
وجاء في الحديث عن الامام الصادق عن أبيه الإمام الباقرعليهم السلام ، أنهقال : «كان فيما أوحى الله إلى موسى بن عمران عليه السلام :يا موسى، كذب من زعم أنه يحبني ، فإذا جنّه الليل نام عني .
يا ابن عمران ، هذا بهذا.
يا ابن عمران ، لورأيت الذين يصلون لي في الدياجي ، وقد مثلت نفسي بينأعينهم ، يخاطبوني وقد خليت عن المشاهدة، ويكلّموني وقد عززت عن الحضور.
يا ابن عمران ، هب لي من عينك الدموع ، ومن قلبك الخشوع ، ومن بدنكالخضوع ، ثم ادعني في ظلم الليل تجدني قريباً مجيباً».
**وروي أن الصادق عليه السلام قال يوماً للمفضل بن صالح : «يا مفضل ، إنلله عباداً عاملوه بخالص من سره ، فقابلهم بخالص من بره ، فهم الذين تمر صحفهم يومالقيامة فرغاً، فاذا اُوقفوا بين يديه ملأها من سر ما أسروا إليه» فقلت : يا مولاي ، ولم
____________
1 ـ أخرجه المجلسي في البحار 87: 156 | 39 عن اعلام الدين .
2 - أخرجه المجلسي في البحار 87: 157 عن اعلام الدين ، وفيه : وقال الصادق عليه السلام .
3 - الكهف 18: 109، 110.

(264)
ذاك؟ فقال : «أجلهم أن تطلع الحفظه على ما بينه وبينهم ».
وذكر أن رجلاً صالحاً قال : لئن أبيت نائماً وأصبح نادماً، أحب إليّ من أنأبيت قائماً وأصبح معجباً».
وقرب رجل من بني اسرائيل قرباناً فلم يتقبل منه ، فرجع وهويقول » يا نفسمن قبلك أتيت ، فنودي : إن مقتك نفسك خير من عبادة مائة سنة .

***

(265)
من الأخبار في العظات والآداب
جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : «ما من امرئ مسلم- غني ولا فقير-إلا ودّ يوم إلقيامة أنه كان أوتي من الدنيا قوتاً».
وقال عليه واله السلام : «من آثرمحامد الله على محامد الناس ، كفاه الله مؤونةالناس» .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : «المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم ،والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب ، والمجاهدمن جاهد نفسه في طاعة الله».
وقال صلى الله عليه وآله : «من اُلهم الصدقَ في كلامه ، والانصاف من نفسه ،و بر والديه ، ووصل رحمه ، اُنسىء له في أجله ، ووسع عليه في رزقه ، ومتع بعقله ، ولقنحجته وقت مساءلته».
وعن حفص بن البختري قال : سمعت أبا عبدالله جعفر بن محمد عليه السلاميقول : «حدثني أبي عن آبائه أن أمير المؤمنين صلى الله عليه وسلم قال لكميل بن زيادالنخعي : تبذل ولا تشهر، ووار شخصك لا تذكر، وتعلّم فاعمل ،واسكت تسلم ، تسرّالأبرار، وتغيظ الفجار، ولا عليك .إذا عرّفك الله دينه أن لا تعرف الناس ولايعرفونك».
وجاء في الحديث عن الإمام الصادق ، عن أبيه الامام الباقرعليهما السلام ، أنهقال : «إن الله تعالى أوحى إلى داود: يا داود، إن العبد من عبيدي ليأتيني بالحسنةفاُحكِّمُهُ بها في الجنة، فقال داود: يا رب ، وماتلك الحسنة؟ قال : عبد مؤمن سعى فيحاجة أخيه المؤمن أحب قضاءها، قضيت له أم لم تقض».

* * *

(266)
خبر طريف رواه جابر بن عبدالله
قال : خرجنا مع النبي صلى الله عليه واله وسلم من مكة نريد العمرة فلقيتناامرأة من قريش ، فاستوقفت النبي صلى الله عليه وآله ثم قالت له : يا ابن الخضارمالأكارم ، والأوتاد والدعائم ، إني امرأة من قريش قصدتك وَلهى حَرّى مشدوهة عَبرى،لي بُني ولدته سوياً وسميته علياً، وأبوه مات وماله فات، ولي سبع بنات ، لم أغده قطبالأصنام ، ولم أقسم عليه بالأزلام ، وأصابه لمم في عقله ، قد كسر هبل فلا هبل، وقدقيل لي : إنّك ذو أدوية وأشفية(1)، فأعطني من أدويتك وأشفيتك ما أشفي به وَلَدِيَهْ وفلذكَبِديَهْ .
فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «أيتها المرأة، إن أدوى الأدويةوأشفى الأشفية، أن توحّدي الله عز وجل ، وتخلّفي هبل وغيره ، فإنك إذا فعلت ذلكوجدتِ إبنك سوياً يكلّمك » .
فقالت : إني أشهد الله ثم أشهدك اني امنت بك يا رسول الله ، وصدقت ، ثمعادت من وقتها فوجدت ابنها سوياً وكلّمها، فلما ان كان من الغد صنعت خزيرة(2) ثمغدت إلى النبي صلى الله عليه وآله ، لتهديها إليه ، فوجدته في بيت أم هانئ بنت أبيطالب ، فاستأذنت بالدخول إليه صلى الله عليه وعلى آله فأذن لها، فجعلت الخزيرة بينيديه ثم قالت : السلام عليك يا رسول الله ، إني وجدتك أرقى الرقاة وأشفى الشفاة ،وأنشأت تقول:

دواؤك يشفي من المرمريس (3) * ومن الشصائب (4) والهركه (5)

____________
1 ـ أشفية: جمع شفاء، وهوالدواء الذي يشفى منه المريض انظر «القاموس المحيط - شفي - 4 :349» .
2 - الخزيرة : شبه عصيدة بلحم ، وبلا لحم عصيدة او مرقة من بلالة النخالة . «القاموس المحيط - خزر - 2 : 19» .
3 - المرمريس : الداهية الشديدة « الصحاح - مرس - 3 : 978 » .
4 - الشصائب : الشدائد «الصحاح - شصب - 1 : 155 » .
5 - كذا، ولعلها الهوكة من التهوك ، وهوالسقوط في حفرة «القاموس المحيط - هوك - 3: 325»» .