**وعن أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، عن أبيه أنه قال: «فيخطبة أبي ذر رحمة الله عليه: يا مبتغي العلم، (لايشغلك الجهل والآمال)(1)عن نفسك،أنت يوم تفارقهم كضيف بت فيهم ثم غدوت إلى غيرهم، الدنيا والاخرة كمنزلك تحولتمنه إلى غيره، وما بين البعث والموت إلاّ كنومة نمتها ثم استيقظت منها.
يا جاهل، تعلم العلم، فإن قلباً ليس فيه شرف العلم كالبيت الخراب الذيلاعامر له » (2).
عن أبي جعفرعليه السلام، عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: يا باغي العلم،قدم لمقامك بين يدي الله، فإنك مرتهن بعملك، كما تدين تدان.
يا باغي العلم، صلِّ قبل أن لاتقدرعلى ليل ولانهار تصلي فيه، إنما مثلالصلاة لصاحبها، كمثل رجل دخل على ذي سلطان فأنصت له حتى فرغ من حاجته،فكذلك المرء المسلم بين يدي الله عز وجل، مادام في الصلاة لم يزل الله عز وجل ينظر إليهحتى يفرغ من صلاته.
يا باغي العلم، تصدق من قبل أن لاتعطي شيئاً ولا تمنعه (3)، إنما مثلالصدقة وصاحبها، مثل رجل طلبه قوم بدم فقال لهم: لاتقتلوني، اضربوا [لي](4) أجلاًاسعى في رجالكم، كذلك الرجل المسلم، بإذن الله تعالى، كلما تصدق بصدقة حل بهاعقدة من رقبته، حتى يتوفى الله عز وجل أقواماً وهوعنهم راض، من رضى الله عنهم فقدأمنوا من النار.
يا باغي العلم، إن هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شر، فاختم على فمك كما تختمعلى ذهبك وعلى ورقك (5).
يا باغي العلم، إن هذه الأمثال يضربها الله عز وجل للناس، وما يعقلها إلاّ
**محمد بن عمار بن ياسر قال: سمعت أباذر- جندب بن جنادة - يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وآله أخذ بيد علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له: «ياعلي، أنت أخي، ووصيي، ووزيري في أمتي، مكانك مني في حياتي وبعد موتي،كمكان هارون من موسى، إلا أنه لانبي بعدي. من مات وهو يحبك ختم الله لهعز وجل بالأمن والايمان، ومن مات وهو يبغضك لم يكن له في الاسلام نصيب (2).
العلم إمام العمل والعمل تابعه، يلهمه الله السعداء، ويحرمه الأشقياء، وطوبىلمن لايحرمه الله من حظه،
تعلموا العلم فإن تعليمه لله حسنة.
التوحيد ثمن، والحمد لله وفاء شكر كل نعمة، وخشية الله مفتاح كل حكمة،والاخلاص ملاك كل طاعة.
ما اختلج عرق ولا عثرت قدم إلاّ بما قدمت أيديكم، وما يعفو الله عنه أكثر(3).
وعنه صلوات الله عليه وآله قال: «يقول الله عز وجل: يا ابن آدم، ماتنصفني! أتحبب إليك بالنعم، وتتمقت إليّ بالمعاصي، خيري إليك منزل، وشرّك إليصاعد، ولا يزال ملك كريم يعرج إلي عنك - في كل يوم وليلة - بعمل قبيح.
يابن ادم، لوسمعت وصفك من غيرك، وأنت لا تدري من الموصوف، إذاًلسارعت إلى مقته)(4).
وعنه عليه السلام قال: « الناس إثنان: رجل أراح، وآخر استراح، فأمّا الذياستراح فالمؤمن استراح من الدنيا ونصبها، وأفضى إلى رحمة الله وكريم ثوابه، وأمّاالذي أراح فالفاجر استراح منه الناس والشجر والدواب، وأفضى إلى ما قدّم»(5).
وعنه عليه السلام: «لولا أن الذنب خير للمؤمن من العجب، ما خلّى الله بينعبده المؤمن وبين ذنب ابداً» (6)
وعنه عليه السلام قال: «يوحي الله عز وجل إلى الحفظة الكرام البررة: لاتكتبوا على عبدي المؤمن عند ضجره شيئاً»(1).
وعنه عليه السلام: «المجالس بالأمانة، ولا يحل لمؤمن أن يأثر(2)عن أخيه المؤمنقبيحاً»(3).
نوف بن عبدالله البكالي قال: قال لي علي عليه السلام: «يا نوف، خلقنا منطينة طيبة: وخلقت شيعتنا من طينتنا، فإذا [كان يوم القيامة](4)الحقوا بنا».
قال نوف: فقلت: صف لي شيعتك يا أمير المؤمنين. فبكى لذكري شيعته، ثمقال: «يا نوف، شيعتي - والله - الحكماء، الحلماء، العلماء بالله وبدينه، العاملونبطاعته وأمره، المهتدون بحبه، أنضاء عبادة، أحلاس زهادة، صفر الوجوه من التهجد،عمش العيون من البكاء، ذبل الشفاه من الذكر، خمص البطون من الطوى، تعرفالزهادة في وجوههم، والرهبانية في سيمتهم، مصابيح كل ظلمة، وريحان كل قبيل،لايسبون من المسلمين سلفاً، ولايقتفون لهم خلفاً- قال أبوالفضل: من قول الله: (ولاتقف ماليس لك به علم)(5)- شرورهم مأمونة، وقلوبهم محزونة وأنفسهم عفيفة،وحوائجهم خفيفة،أنفسهم منهم في عناء، والناس منهم في راحة، فهم الأكايس الألباء،والخالصة النجباء، وهم الظماء الرواغون فراراً بدينهم، إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لميفتقدوا، اُولئك شيعتي الأطيبون، وإخواني الاكرمون، ألا، ها! شوقاً إليهم»(6).
وعنه عليه السلام قال: «من اُعطي أربع خصال فقد اُعطي خيرالدنياوالاخرة، وفاز بحظه منها: ورع يعصمه عن محارم الله، وحسن خلق يعيش به فيالناس، وحلم يدفع به جهل الجاهل، وزوجة صالحة تعينه على، أمرالدنيا والاخرة»(7).
وعنه عليه السلام: «سيد الأعمال ثلاثة: إنصاف الناس من نفسك،
**[عبدالله بن محمد بن عبيد بن ياسين بن] محمد بن عجلان (2)- مولى الباقرعليه السلام - قال: سمعت مولاي أبا الحسن علي بن محمد بن الرضا عليه السلام، يذكرعن ابائه، عن جعفر بن محمد قال: «قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه (3): ما أنعم اللهعلى عبد بنعمة فشكرها بقلبه، إلا استوجب المزيد فيها قبل أن يظهر شكرها علىلسانه».
قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: «من أصبح والآخرة همه، استغنى بغيرمال، واستأنس بغير أهل، وعَزَّ بغيرعشيرة».
قال: وقال أمير المؤمنين عليه السلام: «المؤمن لايحيف على من يبغض، ولا يأثمفيمن يحب، وإن بغي عليه صبر حتى يكون الله عز وجل هوالمنتصرله ».
قال: وقال أمير المؤمنين عليه السلام: «إن من الغرة بالله، أن يصر العبد علىالمعصية، ويتمنى على الله المغفرة».
قال: وسمع أمير المؤمنين عليه السلام رجلاً يقول: اللهم إني أعوذ بك منالفتنة، فقال: «أراك تتعوذ من مالك وولدك، يقول الله تعالى: (انما أموالكم وأولادكمفتنة)(4) ولكن قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من مظلات الفتن»(5)
ابن السكيت قال: سمعت أبا الحسن علي بن محمد بن الرضا عليه السلاميقول: «قال أمير المؤمنين عليه السلام (6): اياكم والالطاط (7) بالمنى، فإنها من بضائع
الحسن البصري: حادثوا هذه القلوب فإنها لسريعة الدبور، واقدعوا(2)هذهالأنفس فإنها طلقة، فإنكم إن لا تقدعوها تنزع بكم إلى شرغاي(3).
وقال بعضهم:
ابن السكيت النحوي قال: سألت أبا الحسن علي بن محمد بن الرضا عليهمالسلام، قلت: مابال القران لايزداد على الدرس والنشرإلاغضاضة؟ قال: «لأن اللهتعالى لم يجعله لزمان دون زمان، ولالناس دون ناس، فهو في كل زمان جديد، وعندكل قوم غض إلى يوم القيامة»(5).
حفص بن غياث القاضي قال: كنت عند سيد الجعافرة- جعفر بن محمدعليه السلام - لما أقدمه المنصور، فأتاه ابن أبي العوجاء - وكان ملحداً- فقال: ماتقول في هذه الآية: (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها)(6) هب هذه الجلودعصت فعذبت، فما بال الغيرية!
فقال أبوعبدالله: «ويحك، هي هي وهي غيرها».
فقال: أعقلني هذا القول.
فقال له: «أرأيت لو أن رجلاً عمد إلى لبنة فكسرها، ثم صب عليها الماءوجبلها ثم ردها إلى هيئتها الاُولى، ألم تكن هي هي وهي غيرها!»
قال: بلى، أمتع الله بك (7).
سفيان بن عيينة قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام يقول: «وجدت علوم الناس كلها في أربع خلال: أولها أن تعرف ربك، والثانية أن تعرف ماصنع بك، والثالثة أن تعرف ما أراد منك، والرابعة أن تعرف ما يخرجك من دينك »(1).
محمد بن عجلان قال: أصابتني فاقة شديدة وإضاقة، ولا صديق لمضيق،ولزمني دين ثقيل، وغريم ملح في اقتضائه، فتوجهت نحو دار الحسن بن زيد - وهو يومئذأميرالمدينة - لمعرفة كانت بيني وبينه، وشعر بذلك من حالي محمد بن عبدالله بن عليابن الحسين، وكانت بيني وبينه قديم معرفة، ولقيني في الطريق فأخذ بيدي وقال: قدبلغني ما أنت بسبيله، فمن تؤمل لكشف ما نزل بك ؟
قلت: الحسن بن زيد.
فقال: إذاً لاتنقضي حاجتك ولا تسعف بطلبتك، فعليك بمن يقدرعلىذلك، وهوأجود الأجودين، فالتمس ما تؤمله من قبله، فاني سمعت ابن عمي - جعفرابن محمد - يحدث عن أبيه، عن جده، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبيطالب عليهم السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: «أوحى الله إلى بعض أنبيائه في بعض وحيه إليه: وعزتي وجلالي، لأقطعن أمل كل مؤمل أمّل غيري بالأياس،وللأكسونّه ثوب المذلة في النار(2)، ولأبعدنّه من فرجي وفضلي، أيؤمل عبدي فيالشدائد غيري، والشدائد بيدي! أو يرجو سواي، وأنا الغني الجواد! بيدي مفاتيح الأبوابوهي مغلقة، وبابي لآملي مفتوح لمن دعاني.
ألم يعلموا إن من دهته نائبة لم يملك كشفها عنه غيري، فمالي أراه بأمله معرضاًعني! وقد أعطيته بجودي وكرمي مالم يسألني، فأعرض عني ولم يسألني، وسأل في نائبتهغيري، وأنا الله ابتدئ بالعطية قبل المسألة، أفأسأل فلا أجود! كلا، أوليس الجودوالكرم لي! أوليس الدنيا والاخرة بيدي! فلو أن سبع سماوات وأرضين سألوني جميعاً،فأعطيت كل واحد منه مسألته! ما نقص ذلك من ملكي مثل جناح بعوضة، وكيفينقص ملك أنا قيّمه! فيابؤس لمن عصاني ولم يراقبني ».
فقلت له: يا ابن رسول الله، أعد عليّ هذا الحديث، فأعاده ثلاثاً، فقلت: لا
أمير المؤمنين عليه السلام، عن النبي عليه السلام وآله: «النساء عيّ وعورات،فداووا عيّهن بالسكوت، وعوراتهن بالبيوت »(2).
إسحاق بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عنآبائه، عن علي عليهم السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: «يقول الله عز وجل: مامن مخلوق يعتصم بمخلوق دوني، إلاّ قطعت أسباب السماوات وأسباب الأرض مندونه، فإن سألني لم أعطه، وإن دعاني لم اُجبه، وما من مخلوق يعتصم بي دون خلقي، إلاضمنت السماوات والأرض رزقه، فإن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته، وإناستغفرني غفرت له »(3).
الحسين عليه السلام قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وآله يرفع يديه إذاابتهل ودعا، كما يستطعم (4) المسكين »(5).
الحسين عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: «من أجرى الله علىيديه فرجاً لمؤمن، فرج الله عنه كرب الدنيا والآخرة»(6).
وعنه عليه السلام، إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «من عال أهل بيتمن المسلمين - يومهم وليلتهم - غفر الله ذنوبه »(7).
أمير المؤمنين عليه السلام قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: انما ابنآدم ليومه، فمن أصبح آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنماحيزت له الدنيا(8)».
أبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي (1) قال: كنت مع الرضا عليه السلاملما وصل الى نيسابور، وهو راكب بغلة شهباء، وقد خرج علماء نيسابور في استقباله،فلما صار في المربعة تعلقوا بلجام بغلته فقالوا: يا ابن رسول الله، حدثنا بحق آبائكالطاهرين حديثاً عن آبائك صلوات الله عليهم أجمعين فأخرج رأسه من الهودج - وعليهمطرف خز-
وقال:
**«حدثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمدابن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي - سيد شباب أهل الجنة -عن أمير المؤمنين، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: قال: أخبرني جبريل الروحالأمين، عن الله ـ تقدست أسماؤه وجلّ وجهه - انه يقول: إني أنا الله لا إله إلاّ أناوحدي، عبادي فاعبدوني، وليعلم من لقيني منكم بشهادة ألاّ إله إلاّ الله - مخلصاً بها ـأنه قد دخل حصني، ومن دخل حصني أمن من عذابي ».
قالوا: يا ابن رسول الله، وما إخلاص الشهادة لله ؟
قال: «طاعة الله ورسوله، وولاية أهل بيته عليهم السلام »(2).
أميرالمؤمنين عليه السلام قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اثنتان: كلمة حكمة من سفيه فاقبلوها، وكلمة سفه من حكيم فاغفروها، فإنه لاحكيم إلا ذوعثرة ولاسفيه إلا ذو تجربة»(3).
عن أبي بردة الأسلمي (4) قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: =
قال معاوية لخالد بن معمر: على ما أحببت علياً؟
قال: على ثلاث خصال: على حلمه إذاً غضب، وعلى صدقه إذا قال، وعلى عدله إذا ولي(2).
لما احتضرأمير المؤمنين عليه السلام جمع بنيه - حسناً، وحسيناً، ومحمد بنالحنفية، والأصاغرمن ولده - فوصاهم وقال في آخر وصيته: «يا بني، عاشروا الناسعشرة إن غبتم حنّوا إليكم، وإن فقدتم بكوا عليكم. يا بني، إن القلوب جنود مجندةتتلاحظ بالمودة وتتناجى بها، وكذلك هي في البغض، فإذا أبغضتم الرجل - من غيرخير سبق منه إليكم - فاحذروه»(3).
الإمام موسى بن جعفر بن محمد عليهم السلام قال : «أحسن من الصدق قائله،وخير من الخيرفاعله»(4).
أمير المؤمنين عليه السلام عن النبي عليه السلام وآله، أنه «لقي ملك رجلاً علىباب دار كان ربها غائباً، فقال له الملك: ماجاء بك إلى هذه الدار؟ فقال: أخ أردت زيارته .
قال: ألرحمٍ ماسة بينك وبينه، أم نزعتك إليه حاجة؟
قال: ما بيننا رحم ماسة أقرب من رحم الاسلام، وما نزعتني إليه حاجة،قال (5): وما بيننا رحم، ولكن زرته في الله تعالى رب العالمين.
قال: فابشر، فإني رسول الله إليك، وهو يقرؤك السلام، ويقول لك: إيايقصدت، وما عندي أردت بصنيعك، فقد أوجبت لك الجنة، وعافيتك من غضبي والنار
وعنه عليه وآله السلام أنه قال: «من أدى فريضة، فله عندالله دعوةمستجابة»(2).
وعنه عليه وآله السلام قال: «في ابن ادم ثلاث مائة وستون عرقاً، منها مائةوثمانون ساكنة، فلو سكن المتحرك لم يبق الانسان، ولوتحرك الساكن لهلكالانسان ».
وكان صلى الله عليه واله في كل يوم إذا أصبح وطلعت الشمسِ يقول: الحمد لله رب العالمين كثيراً طيباً على كل حال. يقولها ثلاثمائة وستين مرة شكراً(3).
وعنه صلوات الله عليه وآله أنه قال: «من أفضل الأعمال عند الله عز وجلإبراد الاكباد الحارة، وإشباع الأكباد الجائعة، والذي نفس محمد بيده، لايؤمن بي عبديبيت وأخوه -أوقال: جاره - المسلم جائع »(4).
وعنه عليه السلام قال: «ثلاث خصال من كن فيه استكمل خصائل الايمان: الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، وإذا غضب لم يخرجه الغضب من الحق، وإذاقدر لم يتعاط ماليس له »(5).
**محمد بن سلام الجمحي قال: حدثني يونس بن حبيب النحوي - وكانعثمانياً - قال: قلت للخليل بن أحمد: اُريد أن أسألك عن مسألة تكتمها عليّ.
قال: قولك يدل على أن الجواب أغلظ من السؤال، فتكتمه أنت أيضاً.
قال: قلت: نعم، أيام حياتك.
قال: سل.
قلت: مابال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ورحمهم، كأنهم كلهم بنوأم واحدة، وعلي بن أبي طالب عليه السلام من بينهم كأنه ابن علة؟قال: من أين لك هذا السؤال ؟
قال: قلت: قد وعدتني الجواب.
قال: وقد ضمنت لي الكتمان.
قال: قلت: أيام حياتك.
فقال: إن علياً عليه السلام تقدمهم إسلاماً، وفاقهم علماً وبذهم شرفاً،ورجحهم زهداً، وطالهم جهاداً، وتقدمهم هجرة فحسدوه، والناس إلى أشكالهموأشباههم أميل ممن بان منهم وفاقهم (1).
عن اُم سلمة - زوج النبي صلى الله عليه وآله - قالت: إذا أراد الله عز وجلبعبده خيراً، جعل له واعظاً من نفسه، يأمره وينهاه (2).
وكان النبي صلى الله عليه وآله إذا ودع رجلاً من المسلمين قال له: «زودكالله التقوى، وغفر ذنبك، ووجهك إلى الخير حيث توجهت»(3).
عن جعفر بن محمد أنه قال لبعض أصحابه: «إذا رأيت السلطان يحتكرالطعام، ورأيت أموال ذي القربى واليتامى والمساكين، تقسم في الزور، ويشرب بهاالخمور، ورأيت الخمر يتداولونها، وتوصف للمريض يستشفي بها، ورأيت الناس قداستووا في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترك التدين به، ورأيت المنابر يؤمرعليها بالتقوى ولا يعمل القائل بما يأمر به، ورأيت الصلاة قد استخف بأوقاتها، ورأيتالصدقة بالشفاعة -لايراد بها وجه الله - وتعطى لطلب الناس، ورأيت الناس همّتهمبطونهم وفروجهم، لايبالون بما أكلوا ولا مانكحوا، ورأيت الدنيا مقبلة عليهم، ورأيتأعلام الحق والهدى قد درست، فكن على حذر، واطلب إلى الله تعالى النجاة.
واعلم أن الناس في سخط الله وإنما يمهلهم لأمر يراد بهم، فكن متوقياً واجتهدليراك الله تعالى على خلاف ماهم عليه، وإن نزل بهم العذاب وكنت فيهم عجلت الىرحمة الله، وإن بقيت كنت قد خرجت مما هم فيه من الجرأة، وسلمت من عذاب الله،واعلم أن الله تعالى لايضيع أجرالمحسنين »(4).
**وروى علي بن عيسى - يرفعه - قال: إن موسى صلى الله عليه ناجاه اللهتبارك وتعالى، فقال له في مناجاته: يا موسى، لاتطوّل في الدنيا أملك فيقسو قلبك،وقاسي القلب مني بعيد، وأمت قلبك بالخشية، وكن خَلِق الثياب جديد القلب، تخفىعلى أهل الأرضين وتعرف في أهل السماء، جليس البيوت، مصباح الليل، واقنت بينيدي قنوت الصابرين، وضج إلي من كثرة الذنوب ضجيج الهارب من عدوه، واستعنبي على ذلك، فإني نعم العون ونعم المستعان.
يا موسى، إني [أنا](1) الله فوق العباد والعباد دوني، وكل لي داخرون، فاتّهمنفسك على نفسك، ولاتأمنن ولدك على دينك، إلاّ أن يكون مثلك يحب الله تعالىيا موسى، واقترب من عبادي الصالحين.
اُوصيك - يا موسى - وصية الشفيق المشفق بابن البتول عيسى بن مريم،صاحب الأتان (2) والبرنس، والزيت والزيتون، والمحراب. ومن بعده بصاحب الجملالأحمر، الطيب الطاهر، فمثَله في كتابك أنه مؤمن مهيمن على الكتب كلها، وأنه راكعساجد راغب راهب، إخوانه المساكين، وأنصاره قوم اخرون، ويكون في زمانه أزْل (3)وزلزال وقمّل، وقلة من المال، وكذلك اسمه أحمد ومحمد الأمين من الباقين، من ثلةالأولين والماضين، يؤمن بالكتب كلها، ويصدق جميع المرسلين، ويشهد بالإخلاصلجميع المؤمنين، اُمته مرحومة مباركة مابقوا في الدين على حقائقه، لهم ساعات مؤنساتيؤدون فيها الصلوات أداء العبد إلى سيده نافلته، فَصَدِقْه ومنهاجَه فاتبع، فإنه أخوك.
يا موسى، إنه اُميّ، وهوعبد صدق، يبارك له فيما وضع يده ويبارك عليه،كذلك كان في علمي، وكذلك خلقته، به أفتح (4) الساعة، وبأمته أختم مفاتيح الدنيا،فمر بني اسرائيل، أن لايدرسوا اسمه، وأن لايخذلوه، وإنهم لفاعلون! وحسبه فيحسبه،(5) وأنا معه، وأنا من حزبه وهو من حزبي، وحزبي هم الغالبون، فتمّتكلماتي لاُظهرنّ دينه على الأديان كلها، ولأعبدنّ بكل مكان، ولانُزلن عليه فرقاناً
يا موسى، أنت عبدي، وأنا إلهك، لا تستذل الحقير الفقير، ولا تغبط الغنيبشيء يسير، وكن عند ذكري خاشعاً، وعند تلاوته برحمتي طامعاً(1)، وأسمعني لذاذةالتوراة بصوت خاشع حزين، وتطهّرعند ذكري، وذكر بي من يطئن إليّ، واعبدنيولا تشرك بي شيئاً، وتحرَّ مسرتي، إنّي أنا السيد الكبير، إنّي خلقتك من نطفة من ماءمهين، من طينة أخرجتها من أرض ذليلة ممشوجة فكانت بشراً، فأنا صانعها خلقاًفتبارك وجهي وتقدس صنعي، ليس كمثلي شيء، وأنا الدائم لا أزول.
يا موسى، كن إذا دعوتني خائفاً مشفقاً وجلاً، عفّر وجهك في التراب، واسجدلي بمكارم بدنك(2)، واقنت بين يدي في القيام، وناجني حين تناجيني بخشية من قلبوجل، فاحي بتوراتي أيام الحياة، وعلم الجهال محامدي، وذكّرهم آلائي ونعمتي، وقللهم: لايتمادون في غيّهم، فإنّ أخذي أليم شديد.
ياموسى، إن انقطع حبلك مني لم يتصل بحبل غيري، فاعبدني وقم بين يديمقام العبد الحقير، ذمَّ نفسك فهي أولى بالذم، ولا تتطاول بآياتي على بني اسرائيل، فكفىبهذا واعظاً لقلبك ومنيراً، وهوكلام رب العالمين جل وتعالى.
يا موسى، منى ما دعوتني ورجوتني، فإني سأغفر لك ما كان منك، فعليكبالصلاة الصلاة، فإنها منّي بمكان، ولها عندي عهد وثيق، فألحق بها ما هومنها، زكاةالقربان من طيب المال والطعام، فإني لا أقبل إلاّ الطيّب يراد به وجهي، واقرن مع ذلكصلة الأرحام، فإنّي أنا الرحمن الرحيم، أنا خلقتها فضلاً من رحمتي، ليتعاطف بها العباد،ولها عندي سلطان في معاد الآخرة، فأنا قاطع من قطعها، واصل من وصلها، وكذلكأفعل بمن ضيّع أمري.
يا موسى، أكرم السائل إذا أتاك - برد جميل أوعطاء يسير- فإنه يأتيك منليس بإنس ولا جان، ملائكة الرحمن، يبلونك كيف أنت صانع فيما وليتك ؟ وكيفمواساتك فيما خوّلتك ؟ فاخشع لي بالتضرع، واهتف لي بولولة الكتاب، واعلم أني
يا موسى، لاتنسني على كل حال، ولا تفرح بكثرة المال، فإن نسياني يقسيالقلب، ومع كثرة المال كثرة الذنوب.
ياموسى، اجعلني حرزك، وضع عندي كنزك من الصالحات، وخفني ولاتخف غيري، إليّ المصير.
يا موسى، إرحم من هو أسفل منك في الخلق، ولا تحسد من هو فوقك، فإنالحسد يأكل الحسنات كما تأكل النارالحطب.
يا موسى، ضع الكبر، ودع الفخر، واذكرأنك ساكن القبور، فليمنعك ذلك منالشهوات.
يا موسى، عجل التوبة، واخر الذنب، وتأنَّ في المكعث بين يديّ في الصلاة،ولا ترج غيري، اتخذني جُنّة للشدائد، وحصناً لملمات الاُمور.
ياموسى، نافس في الخيرأهله، فإن الخير كاسمه، ودع الشر لكل مفتون.
يا موسى، اجعل لسانك وراء قلبك تسلم، واكثر ذكري بالليل والنهار تغنم،ولا تتبع الخطايا فتندم، فإن الخطايا موعدها النار.
يا موسى، أطب الكلام لأهل الترك للذنوب، وكن لهم جليساً، واتخذهملغيبك إخواناً، وجدّ معهم يجدّون معك.
ياموسى، الموت لاقيك لامحالة، فتزود زاد من هو على أن يتزود قادر.
ياموسى، ما اُريد به وجهي فكثير قليله، وما اُريد [به](1) غيري فقليل كثيره،وإن أصلح أيامك (2) الذي هو(3) أمامك، فانظر أي يوم هو ، فأعدّ له الجواب، فإنكموقوف ومسؤول، وخذ موعظتك من الدهر وأهله، فإن الدهر طويله قصير وقصيرهطويل، وكل شيء فانٍِ، فاعمل كأنك ترى ثواب عملك، لكي يكون أطمع لك فيالآخرة لامحالة، فإن ما بقي من الدنيا كما ولى منها، وكل عامل يعمل على بصيرةومثال، فكن مرتاداً لنفسك - يا ابن عمران - لعلك تفوزغداً يوم السؤال، فهنالك
ياموسى، ألق كفّيك ذلاً بين يدي كفعل العبد المستصرخ إلى سيده، فإنك إذافعلت ذلك رُحمت، وأنا أكرم القادرين العائذين.
يا موسى، سلني من فضلي ورحمتي، فإنهما بيدي لايملكهما غيري، وانظر حينتسألني كيف رغبتك فيما عندي، لكل عامل جزاء، وقد يجزى الكفور بما سعى.
يا موسى، طب نفساً عن الدنيا وانطو عنها فإنها ليست لك ولست لها، مالكولدار الظالمين! إلا العامل فيها بالخير، فإنها لنعمت الدار.
يا موسى، ما امرك به فاسمع، ومهما أراه فاصنع، خذ حقائق التوراة إلىصدرك، وتيقظ بها في ساعات الليل والنهار، ولاتمكّن أبناء الدنيا من صدرك،فيجعلونه وكراً كوكر الطير.
يا موسى، الدنيا وأهلها فتن - بعضهم لبعض - فكل مزيّن له ما هو فيه،والمؤمن زينت له الآخرة فهو ينظر إليها فما يفتر، قد حالت شهوتها بينه وبين لذة العيش،فأدلجته بالأسحار، كفعل السابق إلى غايته يظل كئيباً ويمسي حزيناً، فطوبى له، لوقدكشف الغطاء، ماذا يعاين من السرور!
يا موسى، الدنيا لعقة ليست بثواب للمؤمنين ولاجزاء فاجر، فالويل الطويللمن باع ثواب معاده بلعقة لم تبق ولعقة لم تدم، فكذلك فكن - كما أمرتك - فلكل أمررشاد.
يا موسى، إذا رأيت الغنى مقبلاً فقل: ذنب عجلت عقوبته، وإذا رأيتالفقرمقبلاً فقل: مرحباً بشعار الصالحين، ولاتكن جباراً ظلوماً، ولا تكن للظالمينقريباً.
ياموسى، صرخ الكتاب إليك صراخاً بما أنت إليه صائر،فكيف ترقد على هذاالعيون ؟
أم كيف يجد قوم لذة العيش؟ لولا التمادي في الغفلة، والتتابع في الشهوة،ومن دون هذا يجزع الصديقون، فادعني بالقلب النقي، واللسان الصادق التقي، وكن كماأمرتك، وأطع أمري، ولا تستطل على عبادي بما ليس منك مبتدأه، وتقرّب إلي فإنيمنك قريب، فإني لم أسألك ما يؤذيك ثقله ولاحمله، إنما سألتك أن تدعوني فاُجيبك، وأنتسألني فأعطيك، وأن تقرب إلي بما منّي أخذت تأويله وعلي تمام تنزيله.
يا موسى، انظرإلى الأرض فإنها عن قريب قبرك، وارفع رأسك إلى السماءفإن فوقك ملكاً عظيماً، وابك على نفسك ما كنت في الدنيا، وتخوّف العطب والمهالك،ولا تغرنِّك زينة الدنيا وزهرتها، ولا ترض بالظلم، ولاتكن ظالماً فإني للظالمين رصيدحتى آخذ منهم للمظلوم.
يا موسى، إن للحسنة عشرة أضعاف، ومن السيئة الواحدة الهلاك، لاتشركبي، لايحل لك أن تشرك بي، قارب وسدّد، وادع دعاء الطامع الراغب فيما عندي،النادم على ما قدمت يداه، فإن سواد الليل يمحوه النهار، وكذلك السيئة تمحوهاالحسنة، وغشوة الليل تأتي على ضوء النار، وكذلك السيئة تأتي على الحسنة الجليلةفتسوّدها(1).
أحمد بن الحسن الميثمي، عن رجل من أصحابه قال: قرأت جواباً من أبيعبدالله إلى رجل من أصحابه: «أما بعد، فإني اُوصيك بتقوى الله - عز وجل - فإن اللهقد ضمن لمن اتقاه، أن يحوله عما يكره إلى ما يحب، ويرزقه من حيث لايحتسب [فإياكأن تكون ممن يخاف على العباد من ذنوبهم ويأمن العقوبة من ذنبه، فإنّ ](2) الله جلوعز لايخدع عن دينه (3)، ولا ينال ما عنده إلاّ بطاعته، إن شاء الله»(4).
عن أبي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين - صلوات الله عليهما ـ قال: كانيقول: «إن أحبكم إلى الله - جل وعز- أحسنكم عملاً، وإن أعظمكم عند الله عملاًأعظمكم فيما عنده رغبة، وإن أنجاكم من عذاب الله أشدكم خشية لله، وإن أقربكممن الله أوسعكم خلقاً، وإن أرضاكم عند الله أشبعكم على عياله، وإن أكرمكم علىالله جل وعز أتقاكم لله»(5).
عبد الله بن سليمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «قال (6) أمير المؤمنينصلوات الله عليه: ليأتين على الناس زمان يظرف فيه الفاجر، ويقرب فيه الماجن،
**عن سعيد بن المسيب قال: كان علي بن الحسين - صلوات الله عليه - يعظالناس ويزهدهم في الدنيا ويرغبهم في الاخرة- بهذا الكلام - في كل جمعة، في مسجدالرسول - صلى الله عليه وآله - وحفظ عنه وكُتب، كان يقول:
«ايّها الناس، اتقوا الله، واعلموا أنكم إليه ترجعون، فتجد كل نفس ماعملت في هذه الدنيا من خير محضراً، وما عملت من سوء تود لوأن بينها وبينه أمداًبعيداً، ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد.
ويحك، يا ابن آدم الغافل، وليس بمغفول عنه، ابن آدم، إن أجلك أسرعشيء إليك، قد أقبل نحوك حثيثاً يطلبك، ويوشك أن يدركك، وكأن قد أوفيتأجلك، وقبض الملك روحك، وصيرت إلى قبرك وحيداً، فردّ إليك فيه روحك،واقتحم عليك فيه ملكان - ناكر ونكير- لمساءلتك وشديد امتحانك، ألا وإن أول مايسألانك عن ربك الذي كنت تعبد، وعن نبيك الذي أُرسل إليك، وعن دينك الذيكنت تدين به، وعن كتابك الذي كنت [تتلوه، وعن إمامك الذي كنت](2)تتولاه، ثمعن عمرك فيما أفنيته، ومالك من أين اكتسبته وفيما أنفقته، فخذ حذرك وانظر لنفسك،وأعدّ الجواب قبل الإمتحان والمسألة والاختبار، فإن تكن مؤمناً عارفاً بدينك، متّبعاًللصادقين، موالياً لأولياء الله، لقّاك الله حجتك، وأنطق لسانك بالصواب، وأحسنتالجواب، وبشرت بالجنة والرضوان من الله - جل وعز- واستقبلتك الملائكة بالروحوالريحان. وإن لم تكن كذلك تلجلج لسانك، ودحضت حجتك، وعييت عن الجواب،وبشرت بالنار، فاستقبلتك ملائكة العذاب بنزل من حميم (3) وتصلية جحيم.
واعلم - ابن ادم - أن من وراء هذا أعظم وأفظع وأوجع للقلوب يومالقيامة، ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود، يجمع الله تعالى فيه الأولين
فاحذروا ـ أيها الناس - من الذنوب والمعاصي ما قد نهاكم الله عز وجل عنها،وحذركموها في كتابه الصادق والبيان الناطق، ولا تأمنوا مكر الله وتحذيره، عندمايدعوكم الشيطان الرجيم اللعين إليه، من عاجل الشهوات واللذات في هذه الدنيا، فإنالله جل وعز يقول: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هممبصرون)(2).
فأشعروا قلوبكم (3) خوف الله عز وجل، وتذكروا بما قد وعدكم الله عز وجل فيمرجعكم إليه، من حسن ثوابه، كما خوفكم شديد العقاب، فإنه من خاف شيئاً حذره،ومن حذر شيئاً تركه، ولا تكونوا من الغافلين المائلين إلى زهرة الحياة الدنيا [الذينمكروا السيئات فإن الله عز وجل يقول في محكم كتابه :](4)(أفأمن الذين مكروا السيئات أنيخسف الله بهم الأرض أويأتيهم العذاب من حيث لايشعرون * أويأخذهم في تقلبهم فما همبمعجزين * أويأخذهم على تخوّف فإن ربكم لرؤوف رحيم)(5).
فاحذروا ما حذركم الله، بما فعل بالظلمة في كتابه، ولا تأمنوا أن ينزل بكمبعض ما تواعد به القوم الظالمين في الكتاب، تالله لقد وعظكم الله بغيركم، فإن السعيدمن وعظ بغيره، ولقد أسمعكم الله - جل وعز- في كتابه، بما فعل بالقوم الظالمين منأهل القرى قبلكم، حيث قال تبارك وتعالى: (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة)(6) وإنماعنى بالقرية أهلها، حيث قال: (وأنشأنا بعدها قوما اخرين)(7)وقال عز وجل (فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون)(8) يعني يرهبون، قال: (لاتركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه
ثم رجع القول من الله - عز وجل - في الكتاب على أهل المعاصي والذنوب،فقال عز وجل: (ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنّا كنّا ظالمين)(3) فإن قلتم - أيها الناس - : إن الله عز وجل إنما عنى بهذا أهل الشرك، فكيف ذلك ؟ وهو يقول: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة منخردل أتينا بها وكفا بنا حاسبين)(4)
واعلموا ـ عباد الله - أن أهل الشرك لا تنصب لهم الموازين، وانما تنصبلأهل الاسلام، فاتقوا الله -عباد الله - إن الله عز وجل لم يحب هذه الدنيا وعاجلهالأحد من أوليائه، ولم يرغبهم فيها وفي عاجل زهرتها وظاهر بهجتها، وإنما خلق اللهالدنيا وخلق أهلها ليبلوهم فيها أيهم أحسن عملاً لآخرته، وأيم الله، لقد ضرب لكمالأمثال، وصرف الآيات لقوم يعقلون، ولا قوة إلا بالله.
فازهدوا فيما زهدكم الله -عز وجل - فيه من عاجل الحياة الدنيا، فإن الله- تبارك وتعالى- يقول وقوله الحق: (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماءفاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازّيّنتوظنّ أهلها أفهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أونهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمسكذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون)(5).
وكونوا ـ عباد الله - من القوم الذين يتفكرون، ولا تركنوا إلى الدنيا، فإنالله - جل وعز- قال لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم (ولاتركنوا إلى الذين ظلَموافتمسكم النار)(6).
ولا تركنوا إلى زهرة الدنيا وما فيها، ركون من اتخذها دار قرار ومنزل
*
*