|
عائشة بنت أبي بكر |
الإسناد
قال النسائي في المجتبى (1) ومثله في السنن الكبرى (2) : اخبرنا
الحسين بن حريث ، قال : حدثنا (3) الفضل بن موسى (4) عن جُعيد بن عبد الرحمن (5) ،
قال اخبرني عبد الملك بن مروان بن الحارث بن أبي ذباب (6) ، قال أخبرني ابو عبد الله
سالم ـ يعني سبلان (7) ، قال وكانت عائشة تستعجب
قال سالم : كنت آتيها مكاتباً (2) ما تختفئ مني فتجلس بين يديّ وتتحدث معي
حتى جئتها ذات يوم ، فقلت : ادعي لي بالبركة يا أمّ المؤمنين ، قالت : وما ذاك ، قلت :
أعتقني الله ، قالت : بارك الله لك ، وأرخت الحجاب دوني فلم أرها بعد ذلك اليوم.
المناقشة
وبيان حال رجال هذا الطريق كالاتي :
1 ـ فأمّا الحسين بن حرث ، فهو ممن وثقه النسائي (3) وممن ذكره ابن حبّان في
كتاب الثقات (4) ولم نعثر على توثيق رجالي له غيرهما.
2 ـ وأمّا الفضل بن موسى فهو ممن وثقه يحيى بن معين (5) وابن سعد (6)
وغيرهما ، وقال ابو حاتم : صدوق صالح (7).
وقال ابن حجر في التقريب : ثقة ، ثبت ، ربما اغرب (8).
وقال الذهبي في الميزان : ما علمت فيه ليناً إلاّ ما روى عبد الله
3 ـ وأمّا جعيد ، الذي هو الجعد بن عبد الرحمن بن أوس في كتب الرجال ، فهو
ثقة على ما صرح بن يحيى بن معين (2) والنسائي (3) ، ولم نعثر على من طعن في
وثاقته.
4 ـ وأمّا عبد الملك بن مروان بن الحرث ، فهو مجهول الحال ، لم نعثر على توثيق
أو مدح رجالي له سوى ابن حبان فقد ذكره في كتاب الثقات (4) ، وذكر ابن حبّان
لراوٍ في كتابه لا يساوي شيئاً عند ائمة الجرح والتعديل لما عُرف عنه من التساهل في
التعديل حتى أنه ذكر في كتابه من لا يعرفهم على ما هو صريح البعض من الائمة.
5 ـ وأمّا سالم سبلان فهو الاخر لم نعثر فيه على شيء سوى أنّ ابا حاتم قال :
شيخ (5) ، وأن ابن حبّان ذكره في الثقات وفي موضعين ، وهذا يعنى تعددهما كما
لايخفى (6).
وأنت بصير بأنّ(شيخ) لا دلالة لها على التوثيق سوى أنها تدل على مرتبة من
مراتب التعديل ـ وهي الثالثة ـ على ما هو صريح العراقي (7) والسيوطي (8)
والصنعاني (9).
وكلمة (شيخ) إذا قيلت في راوٍ ، فان مروياته تعد حينئذ حسنة تحتاج إلى تابع
يصححها على ما قد وضحناه سابقاً.
ومهما يكن فهذا الطريق محتمل الجهالة لعدم عثورنا على توثيق أو مدح
لعبد الملك بن مروان سوى ادراج ابن حبّان له في كتاب الثقات ، وقبله الحال بالنسبة
إلى سالم سبلان فلم نعثرفيه سوى قول أبي حاتم عنه (شيخ) ، وقد اتضح لك سابقاً أنّ
ذكر ابن حبّان شخصاً في كتابه لا يساوي شيئاً ؛ لذكره من لا يعرفهم في كتابه وأنّ
(شيخ) ليس من الفاظ التعديل !
لم يستدل أحد بهذا الخبر في بيان صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله ، بل كلما فيه هو
بيان لكيفية تمسح المرأة رأسها ، وأنّ عائشة لم تبين حكم الارجل فيه ، وقد يكون
المبارك فورى (1) ترك التمسك بهذا الخبر لعدم تماميته ، أو لامر آخر كان يلحضه.
قد مر عليك سابقاً مخالفة عائشة بنت أبي بكر لأخيها عبد الرحمن في الوضوء ـ
يوم وفاة سعد بن أبي وقاص المتوفي سنة 55 ه ـ ـ وقولها له : يا عبد الرحمن اسبغ
الوضوء فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : ويل للاعقاب من النار (2) ، وقد قلنا بأنّها
لو أرادت ـ على فرض صحة النسبة إليها ـ الإستفادة من كلمة(الاسباغ) و (ويل
للاعقاب) للدلالة على لزوم غسل القدمين ، لاجبناها بان لا دلالة لهاتين الكلمتين
على مطلوبها... ، بل في كلامها تنويه إلى ثبوت المسح عندها عن رسول الله صلى الله عليه وآله ،
لأنّها لو كانت قد رأت رسول الله صلى الله عليه وآله غسل رجليه للزمها القول : يا عبد الرحمن اغسل
رجليك فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يغسلهما. لا أن تستدل بقوله صلى الله عليه وآله (ويل للاعقاب من
النار) وحيث أنّها لم تر رسول الله صلى الله عليه وآله قد غسل رجليه فقد استدلت على وجوب
الغسل انتزاعاً من قوله (ويل للاعقاب) ودلالة هذا على لزوم الغسل.
وإنّ تشكيك أمثال المباركفوري في صحة انتساب الوضوء الغسلي إلى عائشة ،
قد يأتي للامور التالية :
الأولى
: عدم صحة الطرق إليها
الثانية
: الثابت عن الأمويين أنّهم كانوا يدعون الناس إلى الأخذ بفقه عثمان
الثالثة
: استفادة النهج الحاكم أمويين وعباسيين (3) من هذا الوضوء للتعرف
على الطالبيين.
الرابعة
: نسبة النهج الحاكم ما يريدونه إلى اعيان الصحابة ، فقد يكون أنّهم
أرادو بهذه النسبة إلى عائشة تقوية الوضوء العثماني.
الخامسة
: عدم وجود نص يشير إلى تبنّي عائشة للوضوء الغسلي قبل وفاة سعد
بن أبي وقاص ؟ وهو يوحي إلى عدم ثبوت ذلك عنها في الصدر الاول.
السادسة
: إنّ نسبة الاقوال إلى أعيان الصحابة كان من المنهج المرسوم ، وقد
وقفت سابقاً على نسبة المسح على الخفّين وغيره إلى عائشة (4) في حين أنّ المعروف
عنها هو غير ذلك ، فقد يكون الوضوء الغسلي من تلك الموارد.
السابعة
: عدم وجود وضوء بياني عن الشيخين بل وجود المسح عن
عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ، وكذا عن محمد بن أبي بكر وعبد الرحمن بن أبي بكر ـ
والذي انتزعناه من مفهوم خبر مسلم ـ وهذا يشير إلى استقرارهم على الوضوء وأنّ
الخلاف نشأ لاحقاً لملابسات ذكرناها ، فقد تكون عائشة لم تقل بهذا الوضوء ، وأنّ
الأمويين نسبوا لها ذلك ، وقد يكونوا اقنعوها بأنّ قوله صلى الله عليه وآله : « ويل للأعقاب » لها
الدلالة على الغسل.
وعلى ذلك : فالخبر الغسلي عن عائشة إمّا صحيح وإمّا خطأ ، فلو كان صحيحاً
وثابتاً عنها فتلك ملابساته ، وإن لم يصح فهذه وجوهه ؟!
| عبد الله بن أنيس سنداً ودلالةً ونسبةً |
الإسناد
قال الطبراني : حدثنا علي (1) ، قال : حدثنا ابو كريب (2) ، قال : حدثنا
زيد بن الحباب (3) ، قال : حدثني حسين بن عبد الله (4) ، قال : حدثني عبد الرحمن
ابن عباد بن يحيى بن خلاد الزرقي (5) ، قال : دخلنا على عبد الله بن انيس (6) ، فقال :
إلاّ أريكم كيف توضأ رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وكيف صلّى ؟
قلنا : بلى
فغسل يديه ثلاثاً ثلاثاً ، ومضمض واستنشق ثلاثاً وغسل وجهه وذراعيه
إلى المرفقين ثلاثاً ثلاثاً ، ومسح برأسه مقبلاً ومدبراً ، وأمس أذنيه ، وغسل رجليه
ثلاثاً ثلاثاً ، ثمّ أعد ثوباً فاشتمل به وصلى ، وقال : هكذا رأيت حبيبي
المناقشة
يخدش هذا الطريق من عدة جهات :
الاولى : من جهة شيخ الطبراني علي بن سعيد المتكلم فيه.
قال الدارقطني : لم يكن بذاك في حديثه ، سمعت بمصر أنه كان والي قرية ، وكان
يطالبهم بالخراج ، فما كانوا يعطونه ، قال : فجمع الخنازير في المسجد ، قلت : فكيف هو
في الحديث ؟
قال : حدّث بأحاديث لم يتابع عليها ، وتكلم فيه أصحابنا بمصر (2).
وقال ابن يونس : كان يفهم ويحفظ (3).
وواضح أنّ جُرح الدار قطني هو جُرح مفسر ، أضف إليه أنّه حدّث بأحاديث
لم يتابع عليها أحد من محدّثي أهل السنة.
الثانية : من جهة زيد بن الحباب ، فهو وإن قيل بوثاقته ـ على ما هو صريح
ابن معين وغيره (4) ـ إلاّ أنّه أخذ عليه سوء حفظه وتقليبه لأحاديث الثوري ، فقد
قال ابن معين : كان يقلب حديث الثوري ولم يكن به بأس (5).
وقال أحمد بن حنبل : كان كثير الخطأ (6).
وقال ابن حبّان : كان يخطيء ، يعتبر بحديثه إذا روى عن المشاهير ، وأمّا روايته
عن المجاهيل ففيها المناكير (7).
الثالثة : من جهة الحسين بن عبد الله ، وهو مردد بين عدة أشخاص والاقرب إلى
طبقته أن يكون ابو عبد الله المدني ، وهو ضعيف. قال أحمدبن حنبل : له أشياء
منكرة (8) وقال يحيى بن معين : ضعيف (9)
، وعنه أيضاً : ليس به بأس يكتب
وقال البخاري : قال علي تركت حديثه ، وتركه أحمد أيضاً (2).
وقال أبو زرعة : ليس بالقوي (3).
وقال أبو حاتم : ضعيف ، وهو أحب إلى من حسين بن قيس ، يكتب حديثه
ولايحتج به (4).
وقال الجوزجاني : لا يشتغل بحديثه (5).
وقال النسائي : متروك (6) ، وقال في موضع آخر : ليس بثقة (7).
وقال أبو جعفر العقيلي : له غير حديث لا يتابع عليه (8).
وقال أبو أحمد بن عدي : أحاديثه يشبه بعضها بعضاً ، وهو ممن يكتب حديثه ،
فاني لم أجد في أحاديثه حديثاً منكراً قد جاوز المقدار والحد (9).
وقال محمد بن سعد : كان كثير العلم ، ولم أرهم يحتجون بحديثه (10).
وعليه ، فان لم يكن هذا الحسين بضعيف ، فهو مجهول.
الرابعة : من جهة عبد الرحمن بن عباد الذي لم نعثر على ترجمةٍ له في الكتب
الموجودة عندنا.
وعليه فلا يمكن التشكيك في ضعف هذا الطريق ، بل يمكن الاستظهار بأن
لاأصل له عن عبد الله بن أنيس ، وأنّ الطبراني ـ عندما أخرج هذا الحديث ـ قال :
لايروي عن عبد الله بن أنيس إلاّ بهذا الاسناد. تفرد به زيد بن الحباب (11).
وقد عرفت بان زيداً كان كثير الخطاء و ممن لا يعتمد على حديثه.
لم يستدل أحد من الاعلام بخبر عبد الله بن اُنيس في الوضوء الغسلي ، وإن كان
الترمذي ذكره فيمن روى ذلك (1). لكن المباركفوري قال في كتابه تحفة الاحوذي
لشرح الترمذي : وأمّا حديث عبد الله بن أنيس فلينظر من أخرجه (2).
ونحن تركنا التعليق على هذا الخبر لعدم تمسك الاعلام به ، بل تركهم له.
كنا نأتى غالباً بهذه النسبة فيما لو تعارض النقلان عن الصحابي الراوي ، أمّا لو
لم يكن هناك نقلان عنه ، أو لم يثبت عنه نقل واحد ، كما هو صريح المباركفوري في
مقامنا ، فلا نرى ضرورة لذكر النسبة إليه.