|
|
اختلفت دلالة الروايات عن عبد الله بن عمرو بن العاص في الوضوء الغسلي
فبعضها مجملة وأخرى مبينة ، وثالثة دالة على الوضوء بالمفهوم لا بالمنطوق ،
على ماقيل.
وهذا الاختلاف روي عن عبد الله بعدة أسانيد مرجعها إلى طريقين ، أحدهما :
برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه ، والأخرى برواية مصدع عن
عبد الله بن عمرو بن العاص.
وهي على نحوين :
أ ـ ما رواه في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وآله
ب ـ ما رواه في الوضوء ثلاثاً ثلاثاً
فأمّا ما رواه في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وآله
الإسناد
قال أبو داود : حدثنا مسدد (1) ، حدثنا أبو عوانة (2) ، عن
موسى بن أبي عايشة (3) ، عن عمرو بن شعيب (4) ، عن
=
المناقشة
تقدم الكلام عن مسدد وأبي عوانة في مرويات علي بن أبي طالب.
أمّا موسى بن أبي عايشة فهو ثقة على ما هو صريح غير واحد من أئمّة الرجال ،
قال الحميدي ، عن سفيان بن عيينة : حدثنا موسى بن أبي عايشة وكان من
الثقات. (4)
ونقل إسحاق بن منصور وعباس الدوري ، عن يحى بن معين : ثقة (5)
وقال يعقوب بن سفيان : كوفي ثقة (6) وذكره ابن حبان في الثقات (7).
وقد مدحه آخرون ، قال علي بن المديني : سمعت يحي بن سعيد ، قال : كان
=
له مسلم ، و قد روى له البخاري في القراءة خلف الامام ، و روى له ايضاً اصحاب السنن الاربعة (انظر تهذيب الكمال 22 : 64 ، سير أعلام النبلاء 5 : 165 تهذيب التهذيب 8 : 48) وغيرها من المصادر.
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم سمعت أبي يقول تريبني رواية
موسى بن أبي عائشه (حديث عبيد الله بن عبد الله في مرض النبي صلى الله عليه وآله) ، قلت :
ماتقول فيه ؟ قال : صالح الحديث. قلت : يحتج بحديثه ؟ قال يكتب حديثه (2).
ويراد بقوله (يكتب حديثه) أنّ حديثه لايحتج به هو فيما إذا تفرد به ، أمّا لو كان
له تابع صحيح فيحتج به ، وقد ردّ ابن حجر على استرابة أبي حاتم بقوله : عنى
ابو حاتم أنّه اضطرب فيه ، وهذا من تعنته ، وإلاّ فهو حديث صحيح (3)
وأمّا عمرو بن شعيب ، فهو ممن اختلفت الأقوال فيه ، وإليك بعضها :
قال يحيى بن سعيد القطان : إذا روى عنه الثقات فهو ثقة يحتج به (4).
وقال سفيان بن عيينة : كان إنّما يحدث عن أبيه عن جده ، وكان حديثه عند
الناس فيه شيء (5) وعن معتمر بن سليمان : سمعت : أبا عمرو بن العلا يقول : كان
لايعاب على قتادة ، وعمرو بن شعيب إلاّ أنّهما كانا لايسمعان شيئاً إلاّ حدّثا به (6).
وقال محمد بن عبد الله الرازي عن معمر ، عن أبى عمرو بن العلاء : كان قتادة
وعمرو بن شعيب لا يفوت عليهما شيء يأخذان عن كل أحد (7).
وقال أبو الحسن الميموني : سمعت أحمد بن حنبل يقول : عمرو بن شعيب له
أشياء مناكير وإنّما يكتب حديثه ، يعتبر به ، فأمّا أن يكون حجة فلا (8).
وقال محمد بن على الجوزجاني الورّاق : قلت لاحمد بن حنبل : عمرو بن
شعيب سمع من أبيه شيئاً ؟ قال : يقول حدثني أبي ، قلت : فابوه سمع من عبد الله بن
عمرو ؟
وقال ابو بكر الأثرم : سئل أبو عبد الله عن عمرو بن شعيب ، قال : أنا اكتب
حديثه وربما احتججنا به ، وربما وجس في القلب منه شيء ، ومالك يروي عن
رجل عنه (2).
وقال علي بن المديني ، عن يحيى بن سعيد : حديثه ، عندنا واه (3).
وذكره البخاري في الضعفاء الصغير (4).
وعن البخاري : رأيت أحمد بن حنبل ، وعلي بن المديني ، وإسحاق بن
راهوية ، وأبا عبيد ، وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده ، ما تركه أحد من المسلمين (5).
قال البخاري : مَنْ الناس بعدهم ؟
وقد تعقب الذهبي قول البخاري هذا مستنكراً صدوره عنه فقال في الميزان :
ومع هذا القول فما احتج به البخاري في جامعه (6) !
وقال في سير أعلام النبلاء : استبعد صدور هذه الألفاظ عن البخاري ، أخاف
أن يكون أبو عيسى وهم (7) ، وإلاّ فالبخاري لا يعرج على عمرو افتراءه يقول :
(فمن الناس بعدهم) ؟ ثم لا يحتج به أصلاً ولا متابعة (8).
وروى أبو داود عن أحمد بن حنبل قال : أصحاب الحديث إذا شاؤوا احتجوا
بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وإذا شاؤوا تركوه.
وعلّق الذهبي على هذا القول بقوله : هذا محمول على أنّهم يترددون في
الاحتجاج به لا أنّهم يفعلون ذلك على سبيل التشهى (1).
وقال ابو عبيد الآجري : قيل لأبي داود : عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ،
عندك حجه ؟
قال : لا ، ولا نصف حجة ، ورجّح بهز بن حكيم عليه (2).
قال ابن أبي شيبة : سألت علي بن المديني عن عمرو بن شعيب ، فقال : ما روى
عنه أيوب وابن جريح فذلك كله صحيح ، وما روى عمرو عن أبيه عن جده ، فإنّما
هو كتاب وجده ، فهو ضعيف (3).
وروى عباس ومعاوية بن صالح عن يحيى : ثقة (4).
وروى الكوسج عن يحيى : قال : يكتب حديثه (5).
وروى عباس أيضاً عن يحيى قال : إذا حدّث عن أبيه عن جده فهو كتاب ،
ويقول : أبي عن جدي فمن هنا جاء ضعفه أو نحو هذا القول ، فإذا حدث عن
ابن المسيب أو سليمان بن يسار أو عروة فهو ثقة عنهم أو قريب من هذا (6).
وقال أبو حاتم : سألت يحيى عنه ، فغضب وقال : ما أقول ؟ روى عنه الأئمّة (7) !
وروى زهير عن يحيى : ليس بذلك (8).
وهذه الأقوال المتناقضة ظاهراً عن يحيى يحتمل فيها ثلاثة وجوه :
فإمّا أن تكون بعضها مكذوبة منسوبة إليه ،
وإمّا أن يكون هناك وجه للجمع بينهما ،
وإما أن يكون ابن معين قد اضطرب في الحكم على عمرو بن شعيب. ويؤيد
الاحتمال الأخير ما حكاه عباس الدوري عنه فتارة وثّقة وأخرى ضعّفه.
وقال الذهبي ـ وبعد نقله الأقوال السابقه عن يحيى بن معين ـ : فهذا أمّام الصنعة
ابو زكريا قد تلجلج قوله في عمرو ، فدل على أنّه ليس حجة عنده مطلقا ،
وأنّ غيره أقوى منه (9).
ومع ذلك فإنّه يمكننا أن نجمع بين أقوال ابن معين لأنّه كما في رواية
عباس الدوري عنه لم يضعّف روايات عمرو عموماً ، إلاّ خصوص ما رواه عن
أبيه عن جده مع بقاء كونه ثقة في الرواية عن غير أبيه.
ومثله يمكننا أن نجمع بين قولي يحيى بن سعيد القطان المتقدمين ، لأنّ قوله
(إذا روى عنه الثقات فهو ثقة يحتج به) يعني به روايته عن غير أبيه عن جده ، وأمّا
قوله (حديثه عندنا واه) فلروايته عن عمرو بن شعيب عن عبد الله بن عمرو بن
العاص.
قال أبو زرعة : روى عنه الثقات وإنما انكروا عليه كثرة روايته عن أبيه عن
جده ،
وقالوا : إنّما سمع أحاديث يسيرة وأخذ صحيفة كانت عنده ، فرواها وما أقل
مانصيب عنه مما روى عن غير أبيه عن جده المنكر ، وعامة هذه المناكير التي
تروى عنه إنّما هي عن المثنى بن الصباح ، وابن لهيعة والضعفاء ، وهو ثقة في
نفسه ، إنّما تكلّم فيه بسبب كتاب عنده (1).
وكلام ابن زرعة ـ هنا ـ يؤيد ما استظهرناه من أنّ اختلاف كلام ابن معين
وابن القطان إنّما هو لكثرة روايته عن أبيه عن جدّه وبسبب كتابه أيضاً ، إلاّ أنّ
كلامه أيضا ليس تاماً فقوله (وعامة هذه المناكير التي تروى عنه إنما هي...) غير
مطّرد ، لان له مناكير رواها عنه الثقات أيضاً ، وصرح بذلك الذهبي حين قال :
ويأتى الثقات عنه بما ينكر أيضاً (2).
وقال ابن عدي : حدثنا محمد بن أحمد بن حمدان ، قال : حدثنا علي بن عثمان
ابن نفيل ، حدثنا أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز قال : كان الزهري يلعن من
يحدث بهذا الحديث (ويعنى به : نهيناكم عن النبيذ فانتبذوا).
فقلت لسعيد : هو يذكرهُ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، قال : إيّاه
أعني (3).
وقال أيضاً : حدثنا الفضل بن الحباب ، قال : حدثنا مسدد عن يزيد بن زريع ،
حدثنا أيوب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال (لا
يحل سلف ولا بيع وشرطان في بيع ، ولا بيع في ما لا يضمن ، ولا بيع ما ليس
عندك).
سمعت أبا يعلى يقول : قال أبو عبد الرحمن الأذرمي ، يقال : ليس يصح من
حديث عمرو بن شعيب إلاّ هذا أصحها (1).
وقال أيضاً حدّثنا ابن حماد ، حدثني عبد العزيز بن منيب المروزي وحدثنا
محمد بن جعفر بن يزيد ، حدثنا محمد بن الهيتم ، قالا : حدثنا نعيم بن حماد ،
حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر عن أيوب ، قال : كنت إذا أتيت عمرو بن شعيب
غطيت رأسي حياءاً من الناس (2) وقال : حدثنا محمد بن جعفر الإمام وبشر بن
موسى ، قالا : حدثنا مؤمل بن إهاب ، قال : حدثنا عبد الرزاق عن معمر قال : كان
أيوب إذا قعد إلى عمرو بن شعيب غطى رأسه (3).
وقال جرير بن عبد الحميد عن مغيرة : كان لا يعبأ بحديث سالم بن أبي الجعد ،
وفلاس بن عمرو ، وأبي الطفيل ، وبصحيفة عبد الله بن عمرو ، ثم قال مغيرة :
ما يسرنى أنّ صحيفة عبد الله بن عمرو عندي بتمرتين أو بفلسين (4).
قال الحافظ : اعتبرت حديثه ، فوجدت أنّ بعض الرواة يسمي عبد الله ،
وبعضهم يروي ذلك الحديث بعينه فلا يسميه ، ورأيت في بعضها قد روى عمرو
بن شعيب عن أبيه عن جده محمد عن عبد الله ، (وفي بعضها عمرو عن جده
محمد) (5).
وعلّق الذهبي على هذا بقوله : جاء هذا في حديث واحد مختلف ، وعمرو لم
يلق جده محمداً أبداً (6).
وقال أبو حاتم البستي في كتاب الضعفاء والمجروحين : إذا روى عن طاووس
وابن المسيب وغيرهما من الثقات غير أبيه فهو ثقة ، يجوز الاحتجاج به ، وإذا روى
وقال أيضاً : ليس الحكم عندي في عمرو بن شعيب إلا مجانبة ما روى عن أبيه
عن جده ، والاحتجاج بما روى عن الثقات غير أبيه ، ولولا كراهية التطويل لذكرت
من مناكير أخباره التي رواها عن أبيه عن جده أشياء يستدل على وهن هذا
الإسناد (2).
وقال أيضاً : إذا روى عن أبيه عن جده ، فإنّ شعيباً لم يلق عبد الله فيكون الخبر
منقطعاً ، وإذا أراد به جده الأدنى ، فهو محمد و لا صحبه له ، فيكون مرسلاً (3).
قال ابن عدي في الكامل : وعمرو بن شعيب في نفسه ثقة إلاّ إذا روى عن أبيه ،
عن جده فانّه يكون مرسلاً ، لأنّ جده عنده هو محمد بن عبد الله بن عمرو وليس
له صحبه (4).
وقال العقيلي : حدثنا محمد ، و قال : حدثنا عباس ، قال : سمعت يحيى يقول :
عمرو بن شعيب كذاب ، إنّما هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو
ابن العاص ، وهو يقول : أبي عن جدي ، عن النبي صلى الله عليه وآله فمن هنا ضعّف (5).
وذكره الذهبي في ديوان الضعفاء فقال : اختلف فيه وحديثه صحيح أو
حسن (6).
وعبارة الذهبي هنا مجملة وموهمة إذ أنّه لم يبين هل أنّ صحة حديثه أو حسنه
هو في روايته عن غير أبيه عن جده فقط ، أم مطلقاً ؟
وقد بيّن الذهبي هذا الإجمال في السير حيث قال :
فهذا يوضح لك أنّ الآخر من الأمرين عند ابن حبان أنّ عمراً ثقة في نفسه ،
وأنّ روايته عن أبيه عن جده ، إمّا منقطعة أو مرسلة ، ولا ريب أنّ بعضها من قبيل
المسند المتصل ، وبعضها يجوز أن تكون روايتهُ وجادة أو سماعاً ، فهذا محل نظر
واحتمال ، ولسنا ممن نعدّ نسخة عمرو عن أبيه عن جده من أقسام الصحيح الذي
لانزاع فيه من أجل الوجادة ، ومن أجل أنّ فيها مناكير ، فينبغي أن يتأمل فيحديثه ،
وذكره أيضاً في المغني ، فقال : اختلف فيه وحديثه حسن أو فوق الحسن (2)
وقال أبو الفتح الأزدي : سمعت عدة من أهل العلم بالحديث يذكرون أنّ
عمرو بن شعيب فيما رواه عن سعيد بن المسيب وغيره فهو صدوق ، وما رواه عن
أبيه عن جده ، يجب التوقف فيه (3).
وقال ابن الجوزي : قلت : وإنّما توقفوا فيه ، لأنّه إذا قال عن جده احتمل أن
يكون صحيحاً (4).
وقال ابن حجر : ضعّفه ناس مطلقاً ووثقه الجمهور ، و ضعّف بعضهم روايته
عن أبيه عن جده حسب ، ومَنْ ضعّفه مطلقا فمحمول على روايته عن جده ، فأمّا
روايته عن أبيه فربما دلّس ما في الصحيفة بلفظ عن... (5)).
وقال أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع : (... وأمّا إذا قال « أخبرني
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده » ، فإنّه ينظر فيه ، فإن عيّن الجد وسماه فلا
إشكال ، لأنّه سمى الجد الأدنى وهو محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص
فيكون مرسلاً ، لأنّه مالقي النبي صلى الله عليه وآله ، وإن سمى الجد الأعلى وهو عبد الله بن عمرو
بن العاص فيكون مسنداً ، وأمّا إذا لم يسمه واطلق ذلك ، فيحتمل أن يكون جده
الأدنى فيكون مرسلاً ، ويحتمل أن يكون عن جده الأعلى فيكون مسنداً ، ولا نعلم
ذلك فيجب التوقف فيه ولا يجب العمل به (6).
وقال الزيلعي في نصب الراية : قال ابن القطان : إنّما روت أحاديث
عمرو بن شعيب ، لأنّ الهاء عن جده ، يحتمل أن تعود على عمرو ، فيكون الجد
محمداً
هذه هي أهم الأقوال في عمرو بن شعيب ، وقد اتضح لك أنّ طائفة من أساطين
العلم كابن القطان وابن حبان وأبي إسحاق الشيرازي وغيرهم أنكروا أن يكون
السند تاماً من جميع الوجوه إلى النبي صلى الله عليه وآله ـ أعني عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده ـ ، وذلك لأنّ الجّد هنا غير معين ، فلعله يكون محمد بن عبد الله بن عمرو ،
وهذا يعني أنّ السند منقطع ، ولعله يكون عبد الله بن عمرو بن العاص ، وأنت تعلم
بأنّ مجىء الإحتمال يبطل الاستدلال ، على أنّ البعض كابن حبان وغيره صرحوا :
بأنّ شعيب لا يصح له سماع من عبد الله بن عمرو بن العاص ، وهذا يعني أنّ هذا
السند ضعيف على كلا الاحتمالين سواء احتمل أن يكون الجد هو
عبد اللهبنعمرو ابنالعاص ، أو أنّه يكون محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص ،
هذا شيء.
والشيء الآخر الذي يقال هنا هو ما صرح به ابن حبان وغيره : من أنّ في رواية عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده مناكير كثيرة رواها عنه ثقات لا ضعفاء فقط ، وهذا مما يجعل الاعتماد
على مروياته مشكل جداً.
وللنووي قول قد تعنّت فيه ، وإليك نصه : فإذا عرفت هذا فقد اختلف العلماء في الاحتجاج
بروايته هكذا (2) فمنعه طائفة من المحدثين كما منعه المصنّف وغيره من أصحابنا ، وذهب أكثر
المحدثين إلى صحة الاحتجاج به وهو الصحيح المختار (3).
ومختار النووي هذا جاء لما روي عن البخاري قوله : رأيت أحمد بن حنبل ، وعلي بن
المديني... يحتجون بعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، ما تركه أحد من المسلمين.
وكذا قول البخاري : مَنْ الناس بعدهم ؟.
ونحن قد وضّحنا سابقاً أنّ الذهبي توقف في صحة هذه النسبة إلى البخاري ،
باعتبار أنّ البخاري لم يحتج به في جامعه الصحيح.
ولو تفحصت صحيح البخاري لما رأيته يروي عن عمرو بن شعيب فضلاً عن
أنْ يكون قد احتج به ، فعدم احتجاج البخاري به دراية وأمر محسوس لكل متتبع
لجامعه الصحيح ، وقوله السابق رواية ، والدراية والقول عن حسٍ مقدم على
الرواية والظن عند جميع العقلاء.
وما أحوج البخاري وجامعه الصحيح إلى هذه الرواية التي تحكي الوضوء
البياني برواية صحابي آخر ، فالبخاري ما روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص
إلاّ « ويل للأعقاب من النار » ، وهي تدل على الوضوء بالمفهوم لا بالمنطوق ، فلو
كان الخبر الآنف ـ رواية شعيب عن أبيه عن جده ـ صحيحاً لما توانى عن إدراجها
في جامعه الصحيح ، فتأمل جيداً !!
وربّما يقال : إنّ ما صرح به ابن حبّان من عدم سماع شعيب من
عبد الله بن عمرو بن العاص يخالفه ما اثبته الدارقطني ـ من خلال أكثر من رواية ـ
من سماع شعيب لجدّه عبد الله.
ويجاب على ذلك : بأنّ الروايات التي صرح شعيب فيها بالسماع عن جده قد
تكون معلولة لاستبعاد أن يكون مثل ابن حبان (الرجالي المحدث) لم يقف عليها
بل يمكن أن يكون فيها أشياء قد خفيت على الدارقطني هذا أولاً.
وثانياً : إنّ الدارقطني حينما أثبت سماع شعيب عن جده عبد الله بن عمرو
لايريد أن يحدد الجدّ به ؛ لكونه مشترك بين ثلاثة حسب قوله : « لعمرو بن شعيب
ثلاثة أجداد الأدني منهم محمد ، والأوسط عبد الله ، والأعلى عمرو ، وقد سمع ـ
يعنى شعيباًـ من الأدني محمد ، ومحمد لم يدرك النبي صلى الله عليه وآله وسمع جده عبد الله ،
فإذا بيّنه وكشفه فهو صحيح حينئذ... (1). »
فقوله « فإذا بيّنه وكشفه فهو صحيح حينئذ » يرشدنا إلى أنّه لو لم يبيّنه ويكشفه فحديثه غير
صحيح أو ممّا يتوقف فيه ، فتأمل جيداً في قوله فلن تجد غير ما ذكرنا.
وخلاصة القول : إنّ روايته عن أبيه عن جده مع إجمال الجد وتردده بين
وهذا الكلام ـ الذي قدمناه إليك ـ إنما هو في خصوص روايته عن أبيه عن
جده ، وأمّا إذا أردنا أن نتحدث حول مطلق مروياته التي رواها عن أبيه وعن غير
أبيه فانّ الكلام سينحو منحىً آخر ، ذلك لأنّ القول بوثاقته مع ما عرف عنه من
تحريضه عمر بن عبد العزيز على لعن الإمام علي دونه خرط القتاد ، فقد جاء في
الأمالي الخميسة :
(... إنّ عمرو بن شعيب لمّا أسقط عمر بن عبد العزيز ـ من الخطب على
المنابرـ لعن أمير المؤمنين ، قام إليه عمرو بن شعيب وقد بلغ إلى الموضوع الذي
كانت بنو أميه تلعن فيه علياً ، فقرأ مكانه (إنّ اللهَ يأمُرُ بالعدلِ وَالإحسانِ وإيتاء ذي
القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر) فقام إليه عمرو بن شعيب فقال : يا أمير
المؤمنين السنّة السنّة ، يحرّضه على لعن علي بن أبي طالب).
فقال عمر بن عبد العزيز : اسكت قبّحك الله ، تلك البدعة لا السنّة (1).
ومن المعلوم أنّ الناصبي لا يحتج به إجماعاً.
وتلخص مما سبق : أنّ هذا الطريق ضعيف بعمرو بن شعيب الناصبي ، حسبما
تقدم عليك تفصيله ، و كذا بأبي عوانة على ما تقدم توضيحه في مرويات علي
الغسلية.
الإسناد
قال النسائي : أخبرنا محمود بن غيان (2) قال حدثنا يعلى (3) قال ، حدثنا
المناقشة
في هذا الطريق محمود بن غيلان وهو ثقة على ما هو صريح النسائي (3)
وابو حاتم (4) وابن حجر في موضعين (5) وأحمد بن حنبل (6) وغيرهم.
وأمّا يعلى بن عبيد الطنافسي فهو متكلم فيه ، فقد وثقه جماعة وليّنه آخرون ،
وإليك بيان ذلك : قال صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه : كان صحيح الحديث ،
وكان صالحاً في نفسه (7).
وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين : ثقة (8).
وقال أبو حاتم : صدوق ، وهو أثبت أولاد أبيه في الحديث (9).
وذكره ابن حبّان في كتاب الثقات (10).
فمهما يكن من شيء فإنّ الاحتجاج بيعلى في مقامنا غير ممكن ؛ وذلك لأنّ يعلى هذا
ضعيف في سفيان على ما هو صريح غير واحد ، وقد ذكره الذهبى في المغني من أجل ذلك
وقال : إن عثمان بن سعيد الدارمي قال : قال يحيى بن معين : يعلى ضعيف في
قال ابن حجر في التقريب : ثقة إلاّ في حديثه عن الثوري ، ففيه لين (2).
وقول ابن حجر هذا موهم ـ فضلاً عن كونه غير دقيق ـ ذلك لأنّ حديث يعلى
عن سفيان ضعيف لا أنّه فيه ضعف أو فيه لين ، وبين المعنيين فرق شاسع لا
يخفى على أهل العلم والإختصاص.
فلأجل ذلك لا يمكن الاحتجاج به في مقامنا ، لأنّ السند ضعيف به ،
وبعمرو بن شعيب كما عرفت.
وروى ابن ماجه : حدثنا خالى يعلى ، عن سفيان ، عن موسى بن أبي عايشة (3)
بنفس السندين المتقدمين وبنفس متن الإسناد الثاني.
الإسناد الاول
قال مسلم : وحدثني زهير بن حرب (4) ، حدثنا جرير (5) ، ح.
وحدثنا إسحاق (6) ، اخبرنا جرير عن منصور (7) عن هلال بن يساف (8) ، عن
المناقشة
إنّ بعض رجال هذا الإسناد متكلم فيهم وبعضهم قد وثقوا.
فأمّا جرير فقد وردت فيه عدة أقوال ، أهمها :
ما قاله محمد بن سعد : كان ثقة كثير العلم ، يرحل إليه (3).
وقال يعقوب بن شيبة : حدثني عبد الرحمن بن محمد ، قال : سمعت
سليمان بن حرب يقول : كان جرير بن عبد الحميد وأبو عوانه يتشابهان في رأى
العين ، ما كانا يصلحان إلاّ أن يكونا راعي غنم (4).
وقال عبد الرحمن بن محمد : سمعت إبراهيم بن هاشم يقول : ما قال لنا جرير
قط ببغداد « حدثنا » ولا في كلمة واحدة ، قال إبراهيم : فقلت : تراه لا يغلط مرة ،
فكان ربّما نعس ثم ينتبه ، فيقرأ من الموضع الذي انتهى إليه (5).
وقال علي بن المديني : كان جرير بن عبد الحميد الرازي ، صاحب ليل ، وكان
له رَسَن ، يقولون : إذا أعيى ، تعلق به ـ يريد أنّه كان يصلي (6).
وقال أحمد بن حنبل : لم يكن بالذكي في الحديث ، اختلط عليه حديث أشعث
قال عبد الرحمن بن محمد : كان عثمان بن أبي شيبة يقول لأصحابنا : إنّما كتبنا
عن جرير من كتبه ، فأتيته (المتكلم هو عبد الرحمن) فقلت : يا أبا الحسن كتبتم
عن جرير من كتبه ؟ قال : فمن أين ؟! قال : وجعل يروغ ، قال : قلت له : من أصوله ،
أو من نسخ ؟
قال : فجعل يحيد ويقول : من كتب ، قلت : نعم ، كتبتم على الأمانة من النسخ ؟
فقال : كان أمره على الصدق ، وإنّما حدثنا أصحابنا أنّ جريراً قال لهم حين قدموا
إليه ، وكانت كتبه تُلِفت : هذه نسخ أحدّث بها على الأمانة ، ولست أدري ، لعل لفظاً
يخالف لفظاً ، وإنّما هي على الأمانة (2).
وقال حنبل بن إسحاق : سئل أبو عبد الله : من أحب إليك جرير أو شريك ؟
فقال : جرير أقل سقطاً من شريك ، وشريك كان يخطيء (3).
وقال النسائي : ثقة (4).
وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش : صدوق (5).
وقال أبو القاسم اللالكائي : مجمع على ثقته (6).
وقال عثمان بن سعيد الدارمي : قلت ليحيى بن معين : جرير أحب إليك من
منصور أو شريك ؟ فقال : شريك أعلم به (7).
ولأجل هذه الأقوال ذكره ابن حجر ضمن المطعونين من رجال صحيح
البخاري (8).
وهذه الأقوال التي عرضناها تقتضي ـ في نفسها ـ عدم إمكان الاحتجاج به لعدة
اشياء :
الأول : لقول سليمان حرب ـ بعد أن قرنه بأبي عوانة السيىء الحفظ ـ :
(ما كانا يصلحان إلاّ أن يكونا راعي غنم) وهذه العبارة تشير إلى عدم اتقانهما
وضبطهما وأنّهما ليسا من الضابطين في الحديث.
الثاني : إنّ الخطأ في القراءة لقوي جداً فيه ، لأنّه كان ينعس وينتبه وهو في حال
الأداء ، فالأخذ عن شخص كهذا مشكل جداً.
الثالث : إنّ جريراً لم يكن بالذكي في الحديث ، فكان ممّن يختلط عليه حديث
شيخ بشيخ آخر فيضيع عليه الواقع ، وقد قدمنا إليك أنه اختلط عليه حديث
اشعث وعاصم الأحول حتى ميز بهز بن أسد له ذلك.
الرابع : إنّ كتبه قد تلفت ، فكان يحدث من نسخ ما على الأمانة ، مع أنّه لا يدري
هل أنّها مطابقة للواقع أم لا ؟ ، والذي دفعه للرواية منها هو الأمانة لا غير حتى مع
كونه غير متثبت بما يؤدي.
وأمّا توثيقات البعض له فهي لا تعارض هذه الأقوال فيه ، لأنّهم لا يعنون من
توثيقهم له سوى أنّه ثقة في نفسه ، صادق غير كاذب ، وهذا كما لا يخفى يجامع
كونه ليس ذكياً ، وأنّه مخلطا وغير ذلك.
والحاصل : فإنّ الاحتجاج بجرير مشكل جداً ، خاصة لو لاحظنا أنّ بعض
الأقوال فيه هي من الجروح التي يمكن عدّها مفسرة ، وعليه فيكون حديثه مما
يتأمّل فيه.
وأمّا منصور بن المعتمر فهو ثقة على ما هو صريح أبي حاتم (1) والعجلي (2)
وابنحجر (3) والذهبي (4) ، وقد أشاد الرجاليون بحفظه واتقانه وتظلعه في هذه
الصناعة فراجع.
وأمّا هلال بن يساف فقد وثقه يحيى بن معين بقوله : ثقة (5) وقال العجلي :
كوفي تابعي ثقة (6).
وذكرة ابن حبّان في الثقات (1) ووثقه ابن سعد في طبقاته (2) ، وابن حجر في
تقريبه (3) وغيرهما.
وأمّا أبو يحيى الأعرج ، فظاهر حاله أنّه مما لايمكن الاحتجاج والوثوق
بمروياته ، وإليك أهم الأقوال فيه :
قال الذهبي في ديوان الضعفاء : صدوق تكلم فيه ابن حبّان بلا دليل
كعادته (4).
وقول ابن حبّان هو : « كان ممّن يخالف الأثبات في الروايات ، وينفرد عن
الثقات بألفاظ الزيادات ممّا يوجب ترك ما انفرد منهما ، والاعتبار بما وافقهم
فيها (5) » .
فاتهام الذهبي لابن حبّان باطل من جهتين
الاُولى : أنّ ابن حبّان هو الأقدم في هذه الصنعة منه ، والأقرب عهداً إلى الرواة
من الذهبي وأنّ الاتهام يتوجه بالأولويه له لا لابن حبان.
الثانيه : إنّ المتكلم في أبي يحيى الاعرج ليس ابن حبّان فقط ـ كما سيأتي ـ وأن
الذهبي لم يحط علماً بمن جرحه أو لينه ، وإلا بأي شيء نفسر عدم تعديله لأبي
يحيى في المغني ؟! فهو لم يدافع عنه بأي شيء سوى قوله « تكلم فيه (6) ».
وقد ذكره في ميزان الاعتدال وحكى قول السعدي فيه « زائغ جائر عن
الطريق (7) » . بعد أن قال : صدوق قد تكلم فيه ، وهذا يدل على اضطراب الذهبي
فيه.
وقال ابن الجنيد : سأل ابن الغلابي يحيى بن معين وأنا أسمع عن مصدع
(أبي يحيى) ، فقال : لا أعرفه (8).
وقال الجوزجاني : كان زائغاً حائداً عن الطريق (9).
وردّ ابن حجر قول الجوزجاني بقوله : والجوزجاني مشهور بالنصب
والانحراف فلا يقدح فيه قوله (1).
نعم ذكره العقيلي في الضعفاء وقال : حدّث علي بن أحمد ، قال : حدثنا صالح ،
حدثنا علي ، قال سمعت سفيان ، قال : قال عمرو بن دينار ، اسم أبي يحيى ،
مصدع ، قال سفيان : وقال أهل الكوفه : قطع بشر بن مروان عرقوبيه ، قيل لسفيان :
في أي شيء قطع عرقوبيه ؟ قال : في التشيع (2).
وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب :.... ومصدع هو الذي مرّ به ابن أبي طالب
وهو يقص ، فقال : تعرف الناسخ من المنسوخ ؟
قال : لا.
قال : هلكت وأهلكت (3).
وقال ابن حجر أيضاً في تقريب التهذيب : مقبول (4).
وقال العجلي : كوفي تابعي ثقة (5).
وحاصل الأمر في مصدع : إنّ الاحتجاج به لا يخلو من تأمل ، وأحسن ما يقال
فيه هو قول ابن حبّان وابن حجر.
وخلاصه القول في هذا الطريق : أنّه ضعيف في نفسه ، مقبول منظور فيه
باعتبار غيره ، بشرط ألاّ ينفرد ويخالف الثقات !!
أسانيد اُخرى
1 ـ قال مسلم : وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (6) ، حدثنا وكيع (7)
2 ـ وأسند ابن جرير عن منصور بن المعتمر بالأسانيد المتقدمه أنّ النبي أبصر
قوما يتوضأون لم يتموا الوضوء فقال : اسبغوا الوضوء ويل للعراقيب أو الأعقاب
من النار (9)
3 ـ وروي عن أبي كريب قال : حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن منصور
بالإسناد المتقدم ، وفيه : فتوضؤوا فجاء رسول الله فرأى أقدامهم بيضاء من أثر
الوضوء فقال : ويل للعراقيب من النار أسبغوا الوضوء (10)
4 ـ وقال الطبري : حدثنا ابن بشار ، قال حدثنا عبد الرحمن قال : حدثنا سفيان
عن منصور بنفس الأسانيد المتقدمة نحو ما تقدم (11)
وفي هذه الطرق سفيان الثوري وهو من الأئمة الحفاظ ، المشهورين في صناعة
الحديث حتى لقب بأمير المؤمنين في الحديث (1) ، ولم نعثر على من طعن فيه
بشيء.
قال وكيع عن شعبة : سفيان أحفظ مني (2).
وقال عبد الرحمن بن مهدي : كان وهيب يقدم سفيان في الحفظ على
مالك (3).
وقال يحيى بن سعيد القطان : ليس أحد أحب اليّ من شعبة ولا يعدله أحد
عندي ، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان (4).
وقال سفيان بن عيينة : أصحاب الحديث ثلاثة : ابن عباس في زمانه ، والشعبي
في زمانه ، والثوري في زمانه (5).
وقال بشر بن الحارث ، عن عبد الله بن داود : ما رأيت أفقه من سفيان (6) ، وقال
الخطيب في تاريخ بغداد : كان إماماً من ائمة المسلمين وعلماً من أعلام الدين ،
مجمعاً على أمانته بحيث يستغني عن تزكيته ، مع الإتقان والحفظ والمعرفة
والضبط والورع والزهد .(7)
وأمّا محمد بن بشار العبدي فهو ممن تُكلّم فيه ، وإليك أهم أقوالهم :
قال أبو عبيد الاجري : سمعت أبا داود يقول : كتبت عن بندار نحواً من
خمسين الف حديث ، وكتبت عن أبي موسى شيئاً ، وهو أثبت من بندار ، ثم قال :
لو لاسلامة ، في بندار ترك حديثه (8)
أقول : وكلام الآجري هنا يشعر أنّ الأخذ منه متوشح بالاحتياط ، فتأمل في
عبارته.
وقال عبد الله بن محمد بن يسار : سمعت ابا حفص عمرو بن علي يحلف أنّ
بنداراً يكذب فيما يروي عن يحيى (1).
وعلّق الذهبي على هذا القول بقوله (... كذّبه الفلاس (2) ، فما أصغى أحد إلى
تكذيبه أحد) ؛ لتيقنهم أنّ بنداراً صادق أمين (3).
وهذا خلط وخبط من الذهبي ، إذ متى كان تيقن الآخرين من العلماء بصدق
راوٍ ما حجة على من كذّبه منهم ، فلو كان الأمر كذلك لما جاز لعالمٍ أن يبدي برأيه
أمام الآخرين ، فالمسألة ليست تصويب في المجالس الپرلمانيه ، بل المسألة مسألة
اجتهاد ـ تحت ضوابط القرآن والسنّة ـ مباح لكل من يقدر عليه ، هذا من جهة.
ومن جهة اُخرى فانه لا حق للذهبي ـ وهو لم يعاصر الفلاس أو غيره ممن وثّق
بنداراً ـ أن ينتصر لأحد بلا دليل ملموس ، فغاية ما استند إليه الذهبي في انتصاره
لمن وثّق هو عدم إصغاء الآخرين للفلاس ، وهو كماترى.
وقال عبيد الله الدورقي : كنا عند يحيى بن معين فجرى ذِكرُ بندار ، فرأيت
يحيى لايعبأ به ويستضعفهُ ، ورأيت القواريرى لا يرضاه ، وكان صاحب
حمام (4).
وقال عبد الله بن المديني : سمعت أبي وسألته عن حديث رواه بندار عن
ابن مهدي عن أبي بكر بن عياش عن عاصم عن زر عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله قال :
« تسحروا فان السحور بركة » فقال : هذا كذب ، حدثني أبو داود موقوفاً وأنكره أشد
الإنكار (5).
وقال أبو حاتم : صدوق (6).
وقال النسائي : صالح لاباس به (7).
وقال أبو الفتح الأزدي : بندار قد كتب الناس عنه وقبلوه ، وليس قول
أقول : إذا كان التكذيب بهذه الصورة لا يجرحه فأي شيء يجرحه في الدنيا ؟
وحاصل القول في بندار هو عدم إمكان الاحتجاج به لأنّ الجرح والتكذيب ـ
بالشكل المتقدم ـ يُقدم على التعديل.
وخلاصة القول : في هذا الطريق ، أنّه يطعن فيه من عدة جهات :
الاولى : من جهة ابن المثنى الذي قال النسائي عنه : لابأس به ، كان يغير في
كتابه ، وقول صالح بن محمد الحافظ : صدوق اللهجة ، وإنّ في عقله شيء ، وقول
أبي حاتم : صالح الحديث ، صدوق.
وهذه الأقوال المتقدمة ـ فى مرويات علي بن أبي طالب ـ تقتضي فى نفسها
عدم إمكان الاحتجاج به من دون متابعة.
الثانية : من جهة ابن بشار ـ بندار ـ المارة ترجمته قبل قليل.
الثالثة : من جهة محمد بن جعفر المعروف بغندر كما وضحناه سابقاً.
وهذه الطعون ـ وإن كانت طعون ـ لكنّها لم تكن الأساسية فيه ؛ لوجود تابع
صحيح إلى منصور بن المعتمر من رواية مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع
عن سفيان عن منصور ، وحق الطعن فيه بما بعد منصور ، فقد قدمنا إليك سابقاً أنّ
ابا يحيى الأعرج مما لا يمكن الاحتجاج بمروياته من دون تابع صحيح ؛ لأنّه قد
تُكلّم فيه ، وأحسن شيء قيل فيه ما قاله ابن حجر من أنّه مقبول.
وعلى أي حال فإنّ القول بأَنّ الطريق الأول حسن غير بعيد ، ولكن لا يمكن
الاحتجاج به من دون تابع يجعله يرتقى إلى تلك المرتبة. هذا من جهة السند ؛
إلاّ أنّ الالتزام به من جهة الدلالة لمن أشكل المشكلات : إذ لا دلالة فيه على الغسل
لامن قريب ولا من بعيد ، بل يمكن أن يقال أنّه ينفع دليلاً على المسح ، على ما
سيأتي توضيحه لاحقاً.
الإسناد الاول
قال البخاري : حدثنا موسى (1) ، قال : حدثنا ابو عوانة (2) ، عن أبي بشر (3) ،
عن يوسف بن ماهك (4) ، عن عبد الله بن عمرو قال : تخلف النبي عنا في سفرة
سافرناها فادركنا وقد أرهقنا العصر فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا فنادى
بأعلى صوته
ويل للأعقاب من النار مرّتين أو ثلاثة (5).
المناقشة
ذكر الذهبي موسى بن إسماعيل في ميزان الاعتدال ونقل قول ابن خراش فيه :
(صدوق وتكلم فيه الناس) (6) ، وكلام ابن خراش فضلاً عن كونه مبهم فهو
مجمل لاينهض لمقاومة توثيقات الأعلام.
أمّا أبو عوانه فقد مر عليك (في مرويات علي ابن أبي طالب الغسلية) الكلام
فيه.
أمّا ابو بشر فهو ثقة على ما هو صريح يحيى بن معين ، وابو زرعة ، وابو حاتم ،
وقال ابن سعد : ثقة كثير الحديث (2).
وضعّف شعبة حديث أبي بشر عن حبيب ومجاهد ، قال صالح بن أحمد بن
حنبل عن علي بن المديني : سمعت يحيى بن سعيد يقول كان شعبة يضعّف
أحاديث أبي بشر عن حبيب بن سالم (3).
وقال المفضل بن غسان الغلابي ، عن أحمد بن حنبل : كان شعبة يقول : لم
يسمع ابو بشر من حبيب بن سالم ، وكان شعبة يضعّف حديث أبي بشر عن
مجاهد (4).
وقال حنبل بن إسحاق ، عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل ، قال يحيى : قال
شعبة : لم يسمع ابو بشر من حبيب بن سالم ، وكان شعبة يضعّف حديث أبي بشر
عن مجاهد (5).
وقال ابن عدي في الكامل : حدّث عنه شعبة وهشيم وغيرهما بأحاديث
مشاهير وغرائب وأرجو أنه لا بأس به (6).
وقد نقل ابن حجر في هدى الساري بعض تلك الاقوال ، وختمه بقوله : احتج
به الجماعة لكن لم يخرج له الشيخان من حديثه عن مجاهد ولا عن حبيب بن
سالم (7).
وأمّا يوسف بن ماهك فهو ثقة على ما هو صريح يحيى بن معين برواية
إسحاق بن منصور وعثمان بن سعيد الدارمي عنه (8).
وقال النسائي : ثقة (9).
وقال ابن خراش : ثقة عدل (10).
وذكره ابن حبّان في كتاب الثقات (1).
والحاصل : إنّ هذا السند مخدوش بأبي عوانة.
الإسناد الثاني
قال البخاري : حدثنا ابو النعمان ـ عارم بن الفضل ـ (2) ، قال : حدثنا ابو عوانة
عن أبي بشر ، عن يوسف بن ماهك ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : تخلف عنّا
النبي صلى الله عليه وآله في سفرةٍ سافرناها فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ فجعلنا
نمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته : ويل للأعقاب من النار مرتين أو
ثلاثاً (3).
المناقشة
ويخدش هذا الطريق بأبي عوانة كذلك ،
أمّا ابو النعمان فهو ثقة على ما هو صريح الذهلي (4) وابو حاتم (5)
والعجلي (6) وغيرهم.
إلاّ أنّ عارم مع ذلك قد خلّط بأخرة على ما هو صريح كثير من أهل العلم ، كابن
حبان (7) والدار قطني (8) وابن حجر (9) وابو داود (10) والبخاري (11) وغيرهم ،
والحق إنّ اختلاطه لا يضر بما رواه في مقامنا ؛ وذلك لأنّه يروى هنا عن
أبي عوانة ؛ وروايته عنه قبل اختلاطه قطعاً ، لأنّه اختلط بعد سنة عشرين ومئتين
على ما هو صريح أبي حاتم (1) ، وابو عوانة مات سنة سبع وأربعين ومئة على ما
هو صريح دحيم ويحيى بن معين وغيرهما (2).
وهذا يعنى أنّه سمع منه قبل اختلاطه بسنين عدة.
ومهما يكن فإنّ هذا الطريق ، مخدوش بأبي عوانة وبأبي بشر ، حسبما قدمنا.
الإسناد الثالث
قال مسلم : حدثنا شيبان بن فرّوخ (3) وابو كامل الجحدري (4) ، جميعاً عن
أبي عوانة ، قال ابو كامل : حدثنا ابو عوانة عن أبي بشر ، عن يوسف بن ماهك عن
عبد الله بن عمرو ، قال : تخلف عنّا النبي صلى الله عليه وآله في سفر سافرناه فأدركنا وقد حضرت
صلاة العصر فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى « ويل للأعقاب من النار » (5)
المناقشة
شيبان بن فروح ممن تُكلم فيه ، فقد قال فيه ابو زرعة : صدوق (6).
وقال ابو حاتم : كان يرى القدر واضطر الناس إليه بأخرة (7).
وقال ابن حجر : صدوق يهم ، رمي بالقدر (1).
وعلى هذا فالاحتجاج به مشكل في هذا الطريق من هذه الجهة ، إلاّ أنّ ابو كامل
الجحدري تابع هذا الطريق وهو ثقة فلا يضر إذن كلام من تكلم فيه مع وجود تابع
ثقة كهذا في هذا الطريق.
وابو كامل وثقه غير واحد من ائمة أهل العلم.
قال ابو حاتم ، قال علي بن المديني : ابو كامل ثقة (2).
وقال ابن حجر في التقريب : ثقة (3).
وقال أحمد بن حنبل : ابو كامل بصير بالحديث ، متقن ، يشبه الناس وله عقل
سديد لا يتكلم إلاّ أن يسأل (4).
وذكره ابن حبّان في كتاب الثقات (5).
ومع ذلك فهذا الطريق يخدش بأبي عوانة ويُعَلُّ بأبي بشر.