الإسناد الثاني :
قال ابو داود : حدثنا عثمان بن أبي شيبة (1) ، حدثنا محمد بن بشر (2) ، حدّثنا
هشام بن سعد (3) ، حدثنا زيد [ بن أسلم ] ، عن عطاء بن يسار ، قال : قال لنا ابن
عباس : أتحبون أن أريكم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتوضأ ؟ فدعا بإناء فيه ماء ؛
فاغترف غرفة بيده اليمنى ، فتمضمض واستنشق ، ثمّ أخذ أخرى فجمع بها يديه ،
ثمّ غسل وجهه ، ثمّ أخذ أخرى فغسل بها يده اليمنى ، ثمّ أخذ أخرى فغسل بها
يده اليسرى ، ثمّ قبض قبضة من الماء ثمّ نفض يده ثمّ مسح بها رأسه وأُذُنيه ، ثمّ
قبض قبضة أُخرى من الماء فرشَّ على رجله اليمنى وفيها النعل ثمّ مسحها بيديه ؛
يد فوق القدم ويد تحت النعل ، ثمّ صنع باليسرى مثل ذلك (4).
المناقشة
في هذا الطريق عثمان بن أبي شيبة ، وهو وإن وثّقه غير واحد من أهل العلم إلاّ
أنّ البعض الآخر منهم ليّنوه ، ويبدو أنّ علّة تليينِهِ هو ما حكي عنه من التصحيف
في القرآن الكريم.
والإنصاف أن علّة هذا التليين غير معقولة ، إذ من البعيد جداً أن يصحِّف إمام
حافظ تصحيفاً لا يصدر عن صبيان المكاتب (1).
وهل يعقل أن يقرأ ابن أبي شيبة وأمثاله (أَلَمْ) الاستفهامية من سورة الفيل
(ألف ، لام ، ميم) مقطّعة كما تقرأ في أوّل سورة البقرة ؟
فمما يحتمل ـ وهو ما قاله الذهبي عنه ـ أنّه كان مزّاحاً حتّى فيما يتصحّف من
القرآن (2).
وعلى أسوأ تقدير فإنّه يمكن الاحتجاج بهِ في المتابعات والشواهد ، فتأمل !
لكنّ التحقيق هو أنّ هذا الطريق مخدوش من جهتين أُخريين :
الأولى : وجود هشام بن سعد فيه ، حيث لم يوثّقه أحدٌ من الرجاليين ، وفي
نفس الوقت لم نعثر على من جرحه بما يوجب ترك حديثه مطلقاً ـ حتى مع
النظرـ وأكثر أهل العلم مدحوه بما هو دون الوثاقة ، وقليل منهم لينهُ ليناً يتدارك
بالاعتبار.
قال العجلي : جائز الحديث ، حسن الحديث (3).
وقال ابو زرعة : شيخ محلّه الصدق (4).
وقال ابو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتجّ به (5).
وقال يحيى بن معين : صالح ليس بمتروك الحديث (1).
وقال ابن عدي : مع ضعفه يكتب حديثه (2).
وقال يحيى بن معين في موضع آخر : ليس بالقوي (3).
وقال النسائي تارة : ليس بالقوي (4) ، وتارة أخرى : ضعيف (5).
والمتحصل من مجموع هذه الكلمات :
إن هشاماً لايحتج بهِ من دون نظر ومتابعة ، وإلى هذا أومأ ابن حجر في فتح
الباري ، فراجع (6).
الثانية : وجود زيد بن أسلم فيه ، وقد مرّ عليك أنّه قد عنعن عن عطاء ، وهو
ممن يدلّس. وبذلك يكون السند محكوم عليه بالانقطاع من هذه الجهة.
الإسناد الثالث
قال النسائي : أخبرنا مجاهد بن موسى (7) ، قال : حدثنا عبد الله بن إدريس (8) ،
قال : حدثنا ابن عجلان (9) ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ،
=
المناقشة
ويخدش هذا السند من جهتين :
الأولى : من جهة محمد بن عجلان ، الذي ورد فيه ما يورث عدم الاحتجاج به ؛
لأنّ مالكاً أجاب مَن سأله عنه بقوله : لم يكن ابن عجلان يعرف هذه الأشياء ـ
يعني به الحديث والرواية ـ ولم يكن عالماً (2).
وقال ابن يونس : قدم ـ ابن عجلان ـ مصر وصار إلى الإسكندرية ، فتزوّج بها
امرأة فأتاها في دبرها ، فشكته إلى أهلها ، فشاع ذلك ، فصاحوا به فخرج منها (3).
قال الحاكم : أخرج له مسلم في كتابه ثلاثة عشر حديثاً كلها شواهد ، وقد تكلّم
المتأخّرون من أئمّتنا في سوء حفظه (4).
وقال ابن حجر : أخرج له مسلم في المتابعات ولم يحتجّ به (5).=
شمس بن مناف ، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 26 : 101 والجرح والتعديل 8 : الترجمة 228 وتهذيب التهذيب 9 : 342) وغيرها من المصادر.
إلى أن يُنهي الذهبي كلامه عن ابن عجلان بقوله «... وقد رُوي عنه عن أنس ، فما
أدري هل شافه أنساً أو دلّس عنه » (1) !!
وعليه فالبخاري لم يحتج في صحيحه بحديثه وإن كان قد روى له بعض الشيء
استشهاداً وتعليقاً (2). ومثله فعل مسلم.
وأما كلام الإمام مالك ـ آنف الذكر ـ فيمكن أن يفيدنا في الدلالة على سوء حفظه ؛
لأنّ قوله « لم يكن ابن عجلان يعرف هذه الأشياء ولم يكن عالماً » يعني أنّه ليس
أهلاً للرواية والتحديث ، فهذا يرشدنا إلى سوء حفظ ابن عجلان وعدم ضبطه ؛ إذ
ثبت عنه أنّه قد روى عن أناس لم يسمع منهم ؛ كروايته عن النعمان بن أبي عيّاش
مع أنّه لم يسمع منه (3) وصالح مولى التؤمة (4) و....
وهذه النصوص تدل على أنّه كان مرسِلاً أو مدّلساً ، وقد وقفت على تصريح
الذهبي بقوله « لا أدري هل شافه أنساً أو دلّس عنه ». فالذهبي رغم دفاعه عن الرواة
وقال ابو زرعة عن ابن عجلان في أحد النقلين عنه : صدوق وسط (4).
أضف إلى ذلك أنّ ابن عجلان قد أتى بأمور تخالف المروءة ، وقد وقفت على
قصته مع من تزوجها في مصر !!
هذا ، وإن العقيلي (5) والذهبي والبخاري ـ كما تقدم ـ (6) وغيرهم أوردوه في
الضعفاء.
يضاف إلى كل ذلك أنّ ابن عجلان قد عنعن روايته هنا عن زيد بن أسلم ، مع انّا
لم نقف على تصريح له بالسماع عنه. في مكان آخر ، وهذا ما يسقط روايته عن
الحجية.
والحاصل : فإن الاحتجاج به ـ على أحسن الأقوال ـ ممكن ولكن مع الاعتبار ،
خصوصاً لو علمنا بما كرّم الله به ابن عجلان ، من إبقائه في بطن أمه أربعة أعوام
حتى نبتت أسنانه (7) !!!
الثانية : من جهة زيد بن أسلم على ما تقدم عليك في الأسانيد السابقة.
الإسناد الرابع
قال النسائي : أخبرنا الهيثم بن أيوب الطالقاني (1) ، قال : حدثنا عبد العزيز
ابن محمد (2) ، قال : حدثنا زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس ، قال :
رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله توضّأ فغسل يديه ثمّ تمضمض ، واستنشق من غرفة واحدة
وغسل وجهه وغسل يديه مرّة مرة ومسح برأسه وأذنيه مرّة.
قال عبد العزيز : وأخبرني مَنْ سمع ابن عجلان يقول في ذلك : وغَسَلَ رجليه (3).
المناقشة
وهذا الطريق مخدوش من جهتين :
الأولى : من جهة عبد العزيز ، فقد ليّنه غير واحد من أهل العلم ، قال النسائي : ليس
بالقويّ (4).
وسئل أحمد بن حنبل عنه ، فقال : كان معروفاً بالطلب ، وإذا حدّث من كتابه فهو
صحيح ، وإذا حدّث من كُتُب الناس وَهِم ، وكان يقرأ من كتبهم فيخطئ ، وربّما
قلب حديث عبد الله بن عمر يرويه عن عبيدالله بن عمر (5).
وقال يحيى بن معين : ليس به بأس (1).
وقال ابو زرعة : سيء الحفظ ، فربّما حدّث من حفظه الشيء فيخطىء (2).
وقال ابن سعد : ثقة ، كثير الحديث ، يغلط (3).
وقال ابو حاتم : لا يحتجّ به (4).
وعن أحمد أيضاً : إذا حدّث من حفظه يهم ، ليس هو بشيء ، وإذا حدّث من كتابه
فنعم (5).
وقال عبد الرحمان بن أبي حاتم : سئل أبي عن عبد العزيز ، فقال : محدث (6).
وقال الذهبي : صدوق من علماء المدينة ، غيره أقوى منه (7). وحكى الذهبي عن
أحمد قوله : إذا حدّث من حفظه جاء ببواطيل (8).
وقال الساجي : كان من أهل الصدق والأمانة إلاّ أنّه كثير الوَهَم (9).
وقال عياش بن المغيرة : جاء إلى أبي يعرض عليه الحديث فجعل يلحن لحناً
منكراً ، فقال له أبي : ويحك إنّك إلى لسانك أحوج منك إلى هذا (10). وذكره ابن
حبان في (الثقات) وقال عنه : كان يخطئ (11).
وقال ابن المديني : ثقة ثبت (12).
وقد ذكره العقيلي في ضعفائه (1) ، والذهبي في كتابيه المغني (2) و الميزان (3).
وعليه فلا يمكن الاحتجاج بخبر الدراوردي لأنّه وإن قيل بوثاقته لكنه يجرح
بسوء حفظه وكثرة أخطائه ، وهذان يسقطان الخبر عن الحجية.
الثانية : من جهة زيد بن أسلم على مامر عليك.
الإسناد (4)
قال ابو داود : حدثنا الحسن بن علي (5) ، حدثنا يزيد بن هارون (6) ، أخبرنا عبّاد
بن منصور (7) عن عكرمة بن خالد (8) ، عن سعيد بن جبير (9) ، عن ابن عباس
المناقشة
وهذا الطريق مخدوش من جهتين :
الأولى : من جهة الحسن بن علي ، وهو مردّد بين الواسطي والخّلال الحُلواني ،
وبما أنّ النفوري قد صرح في بذل المجهود (2) أنّه الخّلال الحلواني فلن نتعرض
لذكر حال الواسطي جرياً مع ماصرّح به.
والخّلال وثقه النسائي (3) ، ويعقوب بن أبي شيبة (4) ، والخطيب (5) على ما حكاه
المزي (6) ، إلاّ أنّه ورد فيه تليين ـ أو ما لازمه التجريح ـ من الإمام أحمد ابن حنبل
وغيره.
فقد قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : سألت أبي عنه ؟ فقال : ما أعرفه بطلب
الحديث ، ولا رأيته يطلب الحديث ؟
وقال أيضاً : لم يحمده أبي (7).
وقال أيضاً عن أبيه : تبلغني عنه أشياء أكرهها (8).
وعن أبيه أيضاً : أهل الثغر عنه غير راضين (9)...
وقال داود بن الحسين : سألت أبا سلمة بن شبيب عن علم الحُلواني ، فقال : يرمى
في الحش (10).
والحاصل : فإن الوثوق بمرويات الخلال ـ هكذا ببساطة ـ لايخلو من
وكذا القول بعدم وثاقته ـ طبقَ القواعد وبالنظر لتوثيقات مَن وثّقه ـ مشكل أيضاً.
وأحسن الأمور أن يقال فيه : أنّه إذا روى شيئاً فإنّه يتوقف وينظر فيه ؛ فإذا عارضه
الثقات فإنّه لا يحتج بما يروي ، وإلاّ فيحتج به مع النظر ، وقد يمكن الاحتجاج بهِ
عند عدم معارضة الثقات له حتّى من دون النظر والاعتبار عند حصول الظن
المعتبر بمفادات ما يروي.
الثانية : من جهة عبّاد بن منصور ، وعباد هذا لم يوثقه أحد من الأئمّة ، فكلّهم بين
جارح أو مليّن له. قال يحيى بن معين : ليس بشيء (1) ، ضعيف (2) ، أو ليس بشيء
في الحديث (3).
وقال النسائي : ضعيف ، وقد كان أيضاً قد تغيّر (4).
وقال الساجي : ضعيف مدلس (5).
وقال ابن الجنيد : متروك ، قَدَري (1).
وقال الدورقي عن ابن معين : ضعيف الحديث (2).
وقال ابن سعد : كان قاضياً ، وهو ضعيف ، له أحاديث منكرة (3).
وقال ابن الجنيد : عن يحيى بن معين : كان قدريّاً ضعيف الحديث (4).
وقال وهب بن جرير : قدريّ خبيث (5).
وقال ابو بكر بن أبي شيبة : هذا رجل ليس بالقويّ في الحديث (6).
وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، عن ابن المديني : ضعيف عندنا وكان
قدرياً (7).
وقال الجوزجاني : ... وكان سيّء الحفظ فيما سمعه ، وتغيّر أخيراً (8).
هذا ، وقد أدرج مصنّفوا الضعفاء اسمه في كتبهم كالذهبي (9) والعقيلي (10)
وابن الجوزي (11) وغيرهم.
نعم ، قال أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطّان : قال جدي (12) : عبّاد
وهذه الجملة قد يستفاد منها التوثيق ، لكن الحقّ أنّها لا تفيده ، لأنّ نقل الحفيد
أحمد بن محمد عن جدّه لا يتّفق مع النقل الآخر عن ابن القطّان ، فقد جاء عنه
قوله :... إنّا حين رأيناه كان لا يحفظ... (2)
وقد مر عليك أنّ (صدوق) و(لا بأس به) و(محلّه الصدق) وغيرها من عبارات
هذه المرتبة من مراتب التعديل لا يمكن الاحتجاج بأحد من أهلها ، لأنّها تشعر
بعدم شريطة الضبط ، وفيما نحن فيه فإنّ عبارة القطّان (لا يحفظ) هي الأخرى دالّة
على عدم الضبط ، بخلاف ما نقله أحمد بن محمد عن جدّه فإنها تدلّ على ذلك
بالإشعار لاالصراحة ؛ والعلّة في ذلك أن التوثيق لا يطلق على من كان لا يحفظ ،
اللّهم الا أن يقال أن مقصود القطان هنا هو أن عباد ثقة في نفسهِ حتى لو افترض
أنّه لا يحفظ وغير ضابط في الحديث ، وهذا هو الذي عنيناه بالإشعار ، فانتبه.
ولا يخفى عليك أنّ دلالة الصريح تُقَدّم على دلالة الإشعار بالأولويّة العقليّة ،
وعليه فعدم الاحتجاج بقول أحمد بن محمد عن جدّه هنا أولى.
هذا إذا افترضنا كون عبّاد قائلاً بالقدر مع عدم كونه داعيةً إليه ، وإلاّ فلا يحتج
بالداعية من الأساس على ما هو صريح ابن الصلاح (3) ، وابن حبان (4) ،
وابن حجر (5) ، والنووي (6) ، والطيبي (7) ، والسيوطي (8) ، وكلّ أصحاب الشافعي (9).
وقد صرح ابن حبّان بكونه داعيةً إلى مذهبه حيث قال : وكان داعية إلى القدر (1).
أضف إلى ذلك أنّ حصر العلة ـ في كلام أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد
القطان عن جده ـ بالقول بالقدر ، خطأ واضح من القطّان ، وذلك لأنّ الآخرين من
الائمة إنّما أعرضوا عن عبّاد لا لمجرّد كونه يقول بالقدر ، بل لأنه مدلس أيضاً ،
فقد صرّح البخاريّ بأنّ عبّاداً ربّما دلّس عن عكرمة (2) ، وهذا التدليس منه في
بعض الموارد ، ينطبق على ما نحن فيه ، لأنّ عباداً ـ في هذا الخبر ـ قد عنعن عن
عكرمة ، وبما أنّ البخاري قد صرح بتدليسه أحياناً عن عكرمة ، والساجي صرح
بأنّه مدلس (3) . فلا يمكن الاعتماد على هذا الخبر بعد هذا ، ويسقط عن الحجية ،
وخصوصاً لو اتّضح لنا عدم ضبطه وعدم إتقانه ، وتغيّره وروايته للمناكير !!
وقد أخرج العقيلي عن الحسين بن عبد الله الذراع أنّه قال : سمعت أبا داود قال :
عبّاد بن منصور ولي قضاء البصرة خمس مرات ، وليس هو بذاك ، وعنده أحاديث
فيها نكارة ، وقالوا : تغير (4).
وقد مر عليك قول ابن سعد عنه : ضعيف له أحاديث منكرة.
ولو سلّمنا ثبوت توثيق القطّان هذا ، فهو لا يقاوم التجريحات المفسَّرة في عبّاد ،
لأن جلّ أهل العلم على تقديم الجرح المفسّر على التعديل عند التعارض ؛ لأنّه ـ
وكما قيل ـ مع الجارح زيادة علم خفيت على المعدِّل ، وعلى هذا صريح كلام
الخلاصة
بعد أن انتهينا من بيان حال الأسانيد الخمسة للوضوء الغسليّ عن ابن
عباس ، لابدّ لنا من تلخيص الكلام فيها ، فنقول وبالله المستعان :
أوضحت لنا الصفحات السابقة ، أنّ الطرق الغسليّة عن ابن عباس تنتهي
إلى تابعيَّيْنِ قد رَوَيا الغسل عنه. هما :
الأوّل : عطاء بن يسار.
فقد وقع في الإسناد الأوّل إليه سليمان بن بلال ، وفي الاسناد الثاني
هشام بن سعد ، وفي الإسناد الثالث محمد بن عجلان ، وفي الاسناد الرابع
عبد العزيز ابن محمد الدراوردي ، وهؤلاء ممن لم يتفق الأئمّة على وثاقتهم ، وإنّ
قول الرجاليين عنهم (لا بأس به) (صدوق) وو... يشعر بعدم شريطة الضبط ، هذا
من جهة ، ومن جهة أخرى فقد أثبتنا لك فيما تقدّم أنّ رواية زيد بن أسلم عن
عطاء منقطعة أو في حكم المنقطعة ؛ وذلك لأنّه مدلس ، ونقلنا لك تصريحات
الأئمّة على تدليسه عن أربعة من الصحابة ، مع ملاحظة أنّ زيداً لم يثبت له سماع
عن عطاء ثبوتاً معتبراً في مصنّفات الحديث.
الثاني : سعيد بن جبير (1).
وقد وقع في الإسناد إليه الحسن بن علي الخلاّل الحُلواني الذي ليّنه
أحمد بن حنبل وابو سلمة ، ووقع فيه عباد بن منصور الذي ضعّفه ابن معين
والنسائي والساجي والدورقي وابن سعد وغيرهم من أئمّة الجرح والتعديل. وإنَّ
وجود هذين الشخصين في خبر سعيد بن جبير يسقطه من الاعتبار والحجية ،
وخصوصاً مجيء عباد بن منصور في إسناد يرويه عن عكرمة الّذي احتمل
البخاري تدليسه عنه بقوله (ربّما دلس عن عكرمة) (2) ، مع معرفتنا بأنّ عباداً كان
قدريّاً يدعو إلى مذهبه ويروي
فان قلت : يمكن تصحيح ما روى عن ابن عبّاس في الغسل باعتبار أنّ هناك
شواهد صحيحة من مرويات عثمان وعبد الله بن زيد بن عاصم وعبد الله بن
عمرو ابن العاص وغيرهم ممن روى الغسل عن النّبي صلى الله عليه وآله ، فلا تضر الخدشة في
الأسانيد الخمسة التي روت عن ابن عباس الغسل.
قلنا : سيأتي منّا البرهان على أن مرويات هؤلاء الصحابة معارضة بمثلها
سنداً ودلالة ، فقد روي عن ابن عبّاس وعثمان وعبد الله بن زيد وعبد الله بن عمرو
بن العاص ، كما روي عن علي وأنس بن مالك وعبد الله بن عمر وأوس بن أبي
أوس ورفاعة بن رافع وغيرهم في المسح بأسانيد أقوى من أسانيد الغسل ،
وبدلالة أوضح منها ، فادعاء التصحيح بالشواهد ـ مع هذهِ المعارضة الشديدة جداً
ـ مما لا وجه له ، على أنّ هذا هو ممّا سنبحثه مفصّلاً بعد إنتهائنا من مناقشه جميع
البحوث السنديّة ـ غسليّة كانت أم مسحيّة ـ فانتظر ذلك !!.