رياض المسائل ـ الجزء الثالث ::: 406 ـ 413
(406)
    والمراد بها نفي الصلاة قبلهما وبعدهما كما يعرب عنه الصحيحان : « لا تقض وتر ليلتك في العيدين إن فاتك حتى تصلّي الزوال » (1).
    وظاهر النهي فيهما ـ كالنفي في سابقتهما ـ المنع عنها وحرمتها كما حكي عن جماعة من قدمائنا (2). لكن الأشهر ما في المتن ، بل لا خلاف فيه يظهر بين عامة من تأخر ، وربما يظهر من جملة منهم كونه مجمعاً عليه كما هو ظاهر المنتهى (3) ، وصرّح به في الخلاف وشرح القواعد للمحقّق الثاني (4) فقال :
    أجمع علماؤنا على كراهة التنفل قبلها وبعدها إلى الزوال للإمام والمأموم .. إلى آخر ما قاله.
    ولو لا هذه الإجتماعات المنقولة الصريحة في نفي الحرمة المعتضدة بالشهرة العظيمة وأصالة البراءة ، لكان القول بها في غاية القوة ؛ لظواهر المستفيضة السليمة عن المعارض فيما أجده.
    نعم ، أسند الصدوق في ثواب الأعمال عن سلمان ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « من صلّى أربع ركعات يوم الفطر بعد صلاة الإمام يقرأ في أولاهنّ سبّح اسم ربك الأعلى ، فكأنما قرأ جميع الكتب كل كتاب أنزله اللّه تعالى ، وفي الركعة الثانية الشمس وضحيها ، فله من الثواب ما طلعت عليه الشمس ، وفي الثالثة والضحى ، فله من الثواب كمن أشبع جميع المساكين ودهّنهم ونظّفهم ، وفي الرابعة قل هو اللّه أحد ثلاثين مرّة ، غفر اللّه تعالى له‏
1 ـ الفقيه 1 : 322 / 1474 ، التهذيب 2 : 274 / 1088 ، الوسائل 7 : 428 أبواب صلاة العيد ب 7 ح 2 ، 9.
2 ـ منهم : الشيخ في المبسوط 1 : 170 ، وابن زهرة في الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 562 ، وابن حمزة في الوسيلة : 111.
3 ـ المنتهى 1 : 346.
4 ـ الخلاف 1 : 665 ، جامع المقاصد 2 : 457.


(407)
ذنوب خمسين سنة مستقبلة وخمسين سنة مستدبرة » (1).
    لكنه غير واضح السند والتكافؤ لما مرّ ، مع ظهوره في الاستحباب ولم يظهر به قائل من معتمدي الأصحاب.
    قال الصدوق بعد نقله : هذا لمن كان إمامه مخالفاً فيصلّي معه تقية ثمَّ يصلّي هذه الأربع ركعات للعيد ، فأما من كان إمامه موافقا لمذهبه وإن لم يكن مفروض الطاعة لم يكن له أن يصلّي بعد ذلك حتى تزول الشمس.
    أقول : وبهذا التوجيه يخرج الخبر عن محل الفرض ؛ لكون الأربع ركعات حينئذ هي صلاة العيد كما عليه جماعة تقدّم إلى ذكرهم مع دليلهم الإشارة.
    هذا ، ولا ريب أن الترك أحوط وأولى ( إلّا بمسجد النبي صلّى اللّه عليه وآله ) بالمدينة فإنه يصلي فيه ( قبل خروجه ) إلى الصلاة ركعتين على المشهور ، للنص (2) ، وبه يقيّد إطلاق ما مرّ ، ويضعف القول بإطلاق الكراهة كما في الخلاف وعن المقنع (3).
    ونحوه في الضعف إلحاق المسجد الحرام كما عن الكيدري (4).
    وكذا عن الإسكافي ولكن بزيادة كل مكان شريف قال : وروي عن أبي عبد اللّه عليه السلام أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كان يفعل ذلك في البدأة والرجعة في مسجده (5).
1 ـ ثواب الأعمال : 104 / 4 ، الوسائل 7 : 427 أبواب صلاة العيد ب 6 ح 1.
2 ـ الكافي 3 : 461 / 11 ، الفقيه 1 : 322 / 1475 ، التهذيب 3 : 138 / 308 ، الوسائل 7 : 430 أبواب صلاة العيد ب 7 ح 10.
3 ـ الخلاف 1 : 665 ، المقنع : 46.
4 ـ نقله عنه في كشف اللثام 1 : 263.
5 ـ نقله عنه في المختلف : 114.


(408)
    قال الشهيد : وكأنه قياس ، وهو مردود (1).
    أقول : والرواية أيضاً لم تثبت.
    واحتجّ له في المختلف بتساوي المسجدين في أكثر الأحكام ، وبتساوي الابتداء والرجوع ، وأجاب بمنع التساوي في المقامين.
    وربما يحتج له بعموم أدلة استحباب صلاة التحية ، مع عدم صلاحية المستفيضة المتقدمة لتخصيصها ؛ إذ ليس مفادها إلّا أنه لم يرتّب في ذلك اليوم نافلة إلى الزوال ، وأن الراتبة لا تقضى فيه قبل الزوال ، وذلك لا ينافي التحية إذا اجتاز بمسجد بدءاً وعوداً ، والنص المستثنى إنما أفاد استحباب إتيان مسجده صلّى اللّه عليه وآله والصلاة فيه وعدم استحباب مثله في غير المدينة ، وهو أمر وراء صلاة التحية إذا اجتاز بمسجد وإن فهم منه الحلّي استحباب الصلاة إن اجتاز به (2).
    وفيه نظر ؛ لابتنائه على أنّ المراد من نفي الصلاة في المستفيضة نفي التوظيف ، لا المنع عن فعل أصل النافلة ، وهو خلاف ما فهمه منها الجماعة حتى الإسكافي والمستدل له بهذه الحجّة ، حيث إنه قال بعد نقل أحد الصحيحين الأخيرين : ولولاه أمكن أن يكون معنى تلك الأخبار أنه لم يوظّف في العيدين قبل صلاتهما صلاة ، ولأجله وافق القوم على استنباط الكراهة من الأخبار المزبورة.
    ومنه يظهر ضعف ما عن الفاضلين في المعتبر والنهاية والتذكرة (3) من استحباب صلاة التحية إن صلّيت العيد في المسجد ؛ لعدم ظهور وجه له ، عدا
1 ـ اُنظر الذكرى : 239.
2 ـ انظر كشف اللثام 1 : 263.
3 ـ المعتبر 2 : 324 ، نهاية الإِحكام 2 : 58 ، التذكرة 1 : 161.


(409)
ما يقال من عموم أدلة استحباب التحية.
    وفيه : أنه أعم من المستفيضة الواردة هنا ، وهي خاصة بالنسبة إليه كما صرّح به في الذكرى (1) ، ويظهر أيضاً من المنتهى (2) ، ولذا قالا بالمنع عنها.
    ويمكن أن يقال : بينهما تعارض العموم والخصوص من وجه لا مطلقاً ، كما صرّح به بعض أصحابنا (3) ، ومعه فيكفي في استحباب التحية عموم : الصلاة خير موضوع.
    لكن فيه : أنّ بين هذا العموم والنصوص المانعة عموماً وخصوصاً مطلقاًً فيخص بها قطعاً ، فيبقى شرعية التحية في مفروض المسألة لا دليل عليها.
    ولو سلّم عموم ما دلّ على استحبابها كان مطلوبيتها غير مشروط بوقوع صلاة العيد في المسجد أو غيره ، ومع ذلك لا وجه لتخصيص الاستحباب بتحية المسجد بل ينبغي إلحاق مطلق النوافل ذوات الأسباب ، وكلّ منهما خلاف ما ذكراه ، وهذا أوضح شاهد على أنّ النصوص المانعة هنا أخص من عمومات التحية ونحوها ، وأنّ دليلهما غيرها كما لا يخفى.
    وهل كراهة النافلة أو حرمتها تختص بما إذا صلّيت العيد كما هو ظاهر العبارة وغيرها ، أم يعمّه وغيره كما هو مقتضى إطلاق الصحيحين الأخيرين ؟
    وهنا ( مسائل خمس ).
    ( الْأُولى : قيل : التكبير الزائد ) في الصلاة وهو التسع التكبيرات التي تفعل بعد القراءة أو قبلها على التفصيل المتقدم في كيفيتها على اختلاف‏
1 ـ الذكرى : 240.
2 ـ المنتهى 1 : 346.
3 ـ الحدائق 10 : 296.


(410)
القولين ( واجب ) لما مرّ ثمّة (1).
    ( والأشبه ) عند الماتن ( الاستحباب ) هنا ( وكذا ) في ( القنوت ).
    والأشهر الوجوب فيهما. وهو الأقوى ؛ لما مضى هناك مفصّلاً.
    ( الثانية : من حضر ) صلاة ( العيد فهو بالخيار في حضور ) صلاة ( الجمعة ) إذا اتّفقا مطلقاً على الأشهر الأقوى ؛ للصحيح وغيره (2) ، وفي الخلاف الإجماع عليه أيضاً (3).
    خلافاًًًً لظاهر الإسكافي وجماعة (4) ، فخصّوه بقاصي المنزل ؛ للخبرين (5). وفيهما ضعف سنداً ، بل قيل : ودلالةً (6) ، وفيه نظر. وكيف كان فهما لا يكافئان ما مضى.
    ولجماعة من القدماء ، فمنعوا عن التخيير مطلقاً (7) ؛ تمسكاً بعمومات ما دلّ على الفرضين مع عدم صلوح أخبار الآحاد لتخصيصها في البين.
    وفيه منع ظاهر ؛ لما قرّر في الْأُصول من جواز تخصيص الكتاب بالآحاد ، سيّما مع اعتضادها بالاستفاضة والشهرة وعمل الأصحاب.
    وفي اختصاص التخيير بالمأموم أو يعمّه والإمام قولان. أشهرهما
1 ـ راجع ص 390.
2 ـ الفقيه 1 : 323 / 1377 ، وراوه المفيد في المقنعة : 201 مرسلاً ، الوسائل 7 : 447 أبواب صلاة العيد ب 15 ح 1.
3 ـ الخلاف 1 : 673.
4 ـ حكاه عن الإسكافي في المختلف : 113 ؛ وانظر المعتبر 2 : 326 ، والشرائع 1 : 102 ، والحدائق 10 : 238.
5 ـ الكافي 3 : 461 / 8 ، التهذيب 3 : 137 / 304 ، 306 الوسائل 7 : 447 أبواب صلاة العيد ب 15 ح 2 ، 3.
6 ـ المدارك 4 : 119.
7 ـ منهم الحلبي في الكافي في الفقه : 155 ، وابن زهرة في الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 562 ، وابن فهد في المهذّب البارع 1 : 123.


(411)
و أظهرهما الأوّل ؛ اقتصاراً فيما خالف العمومات على المتيقن من الفتاوي والروايات ، مع إشعار بعضها بل جملتها بذلك.
    ( ويستحب للإمام إعلامهم ) أي المأمومين ( بذلك ) للنص : « إذا اجتمع عيدان في يوم واحد فإنه ينبغي للإمام أن يقول للناس في خطبته ٌُالْاُولى : إنه قد اجتمع لكم عيدان فأنا أُصلّيهما جميعاً ، فمن كان مكانه قاصياً فأحب أن ينصرف عن الآخر فقد أذنت له » (1).
    وظاهره الاستحباب كما في المتن وعبائر الأكثر.
    خلافاًًًً للماتن في الشرائع فأوجب (2) ، وتبعه شيخنا في روض الجنان (3) ؛ وظاهره كون المستند التأسي. ووجوبه في نحو ما نحن فيه ممنوع.
    ( الثالثة : الخطبتان ) هنا ( بعد صلاة العيد ) بإجماعنا الظاهر ، المصرّح به في جملة من العبائر (4) ، بل في المنتهى لا نعرف فيه خلافاًًًً إلّا من بني أمية (5).
    والنصوص به ( و ) بأن ( تقديمهما ) على الصلاة ( بدعة ) عثمان مستفيضة ، ففي الصحيح : « وكان أوّل من أحدثها ـ أي الصلاة بعد الخطبة ـ عثمان لمّا أحدث أحداثه كان إذا فرغ من الصلاة قام الناس ليرجعوا ، فلمّا رأى ذلك قدّم الخطبتين واحتبس الناس للصلاة » (6).
    ( ولا يجب استماعهما ) إجماعاً كما مضى الإشارة إليه في بحث أن‏
1 ـ التهذيب 3 : 137 / 304 ، الوسائل 7 : 448 أبواب صلاة العيد ب 15 ح 3.
2 ـ الشرائع 1 : 102.
3 ـ روض الجنان : 300.
4 ـ كالخلاف 1 : 663 ، والسرائر 1 : 317 ، والتذكرة 1 : 159.
5 ـ المنتهى 1 : 345.
6 ـ التهذيب 3 : 287 / 860 ، الوسائل 7 : 441 أبواب صلاة العيد ب 11 ح 2.


(412)
شروط هذه الصلاة شروط الجمعة (1) ، وفي النبوي : « إنا نخطب ، فمن أحبّ أن يجلس للخطبة فليجلس ، ومن أحبّ أن يذهب فليذهب » (2).
    نعم يستحب ؛ للنص (3).
    ( الرابعة : لا ) ينبغي أن ( ينقل المنبر ) إلى الصحراء ( و ) يستحب أن ( يعمل ) شبه ( منبر من طين ) بلا خلاف أجده ، وبالإجماع عليه صرّح جماعة (4) ، بل عن الفاضل في النهاية والتذكرة أنّ عليه إجماع العلماء كافة (5).
و عن المعتبر أنّ على الكراهة فتوى العلماء وفتوى الصحابة (6).
    وبه رواية صحيحة صريحة (7) ، غير أن ظاهرها الحرمة كما ربما يفهم من العبارة ونحوها ، لكن ظاهر الأصحاب الكراهة كجملة من إجماعاًتهم المنقولة ، ومنها ـ زيادة على ما عرفته ـ ما في المنتهى من قوله : يكره نقل المنبر من موضعه بلا خلاف ، بل ينبغي أن يعمل شبه المنبر (8).
    وفي المدارك : إن هذين الحكمين إجماعيان (9). يعني كراهة الأول واستحباب الثاني.
    وفي شرح القواعد للمحقّق الثاني : لا خلاف في كراهية نقل المنبر من‏
1 ـ راجع ص 378.
2 ـ سنن الدار قطني 2 : 50 / 30.
3 ـ أمالي الطوسي : 409 ، الوسائل 7 : 474 أبواب صلاة العيد ب 30 ح 2.
4 ـ منهم الشهيد في الذكرى : 241 ، صاحب المدارك 4 : 122.
5 ـ نهاية الإِحكام 2 : 65 ، التذكرة 1 : 160.
6 ـ المعتبر 2 : 325.
7 ـ الفقيه 1 : 322 / 1473 ، التهذيب 3 : 290 / 873 ، الوسائل 7 : 137 أبواب العيد ب 33 ح 1.
8 ـ المنتهي 1 : 345.
9 ـ المدارك 4 : 122.


(413)
الجامع بل يعمل من طين ما يشبه المنبر (1).
    ( الخامسة : إذا طلعت الشمس حرم السفر حتى يصلّي العيد ) على المخاطب بها ؛ لاستلزامه الإخلال بالواجب ، مع أنه لا خلاف فيه ظاهراً ، وبه صرّح بعض أصحابنا (2).
    ويكره قبل ذلك ؛ للصحيح (3) ، وظاهره الحرمة كما عن القاضي (4) ، لكن ظاهر الأصحاب الإطباق على خلافه ، فينبغي حمله على الكراهة.
    هذا إذا طلع الفجر ، وأمّا قبله فيجوز بلا كراهة كما هو ظاهرهم ، وبالإجماع عليه صرّح جماعة (5).
1 ـ جامع المقاصد 2 : 458.
2 ـ انظر الحدائق 10 : 300.
3 ـ الفقيه 1 : 323 / 1480 ، التهذيب 3 : 286 / 853 ، الوسائل 7 : 471 أبواب صلاة العيد ب 27 ح 1.
4 ـ المهذّب 1 : 123.
5 ـ منهم : العلّامة في التذكرة 1 : 162 ، ونهاية الإِحكام 2 : 57 ، ويظهر أيضاً من الحدائق 10 : 300.
رياض المسائل ـ الجزء الثالث ::: فهرس