المناظرة الحادية والأربعون
مندوب الاِيمان ، س ـ هل اطلعتم على مقررات المؤتمر قبل نشرها ، وما
هو دوركم في المشاركة في صياغتها ؟
ج ـ نعم سمعتها في الجلسة الختامية ، ولم يكن لي أي دور في المشاركة في
وصفها أو إقرارها ، لعدم حضوري من بداية المؤتمر ، وصياغتها إنما تعود إلى
أعضاء المجمع بعد انتزاع أفكارها من مجموع ما ألقي في المؤتمر ، وبما أنّي لم
أحضر كل ما دار في المؤتمر ، فلم أجد لنفسي أي مسوغ للدخول في حديثها
نقضاً أو إبراماً .
س ـ ما هي أهم هذه المقرّرات في نظركم ؟
ج ـ أهمها في اعتقادي الدعوة إلى فتح باب الاِجتهاد المطلق ، لما فيه من
إعادة الثقة إلى نفوس العلماء وفسح المجال أمامهم ، لاِعمال تجاربهم في
مجالات المعرفة ، بدلاً من الوقوف عند تجارب السالفين ، التي لم يعد الكثير منها
ملائماً لما تقتضيه الحجة القائمة ولا لطبيعة الزمن .
س ـ وباب الاِجتهاد ألم يكن مفتوحاً من قبل ؟
ج ـ المفتوح منه عند أرباب المذاهب الاَربعة هو خصوص الاِجتهاد
المذهبي ، أي المقيد ضمن مذهب معين ، وفحواه حصر نطاق الاِجتهاد في أعلى
مراتبه باستنباط الفروع الفقهية ، دون النظر في الاَصول ، لاعتبارهم أن الاِجتهاد
في أصول الفقه هو حق إمام المذهب ، وعليهم إن يقلدوه فيها ، ولكن الشيعة
أخذوا بالاِجتهاد المطلق ، أي الاِجتهاد في الفروع والاَصول من قديم ، وظل بابه
مفتوحاً عندهم إلى اليوم .
س ـ وأئمّة أهل البيت عليهم السلام ألم يخططوا لشيعتهم أصولهم التي يستنبطون
منها ، فلماذا اعتبر اجتهادهم مطلقاً واجتهاد غيرهم مقيداً ؟
ج ـ للجواب على هذا السؤال ـ وقد وجه إلينا نظيره هناك ـ فإن علينا أن
نحدد وظيفة أئمّة أهل البيت عليهم السلام ، وهل نعطيهم صفة الاِجتهاد كغيرهم من أرباب
المذاهب أو لا ، إن الذي قامت عليه الاَدلّة أن الاَئمّة ليسوا بمجتهدين ، وإنما هم
مبلغون عن النبي صلى الله عليه وآله ، فما يخططونه من الاَصول فإنما هو من تخطيط الاِسلام
نفسه .
وإن شئت أن تقول أنّهم عليهم السلام من أصول التشريع الذي أنهى إلى حجيته
اجتهاد العلماء ، لا أنهم مخططون للاَصول ، فحسابهم من حيث التبليغ حساب
النبي صلى الله عليه وآله مع فارق الوحي فقط .
س ـ كيف استقبل نبأ فتح باب الاِجتهاد بين العلماء في القاهرة ؟
ج ـ الذين قدر لنا الاجتماع بهم من الاَعلام كانوا منقسمين على أنفسهم ،
فمنهم من استقبله برحابة صدر ، ومنهم من لم نجد الترحيب الكافي لديه ، وكمثل
على ذلك قمنا بزيارة لمكتبة الاَزهر ، وكان في إدارة مدير المكتبة بعض العلماء
من الاَزهريين ، فاستكثر أحدهم فتح باب الاِجتهاد ، وحمل على دعاته حملة
فيها الشيء الكثير من العنف ، وتجاوب معه جل الحاضرين .
فالتفتُ إلى مدير المكتبة وهو فضيلة الشيخ أبي الوفا المراغي ، وقلت له :
كم يوجد في مكتبتكم هذه من الكتب ؟
قال : مائة وعشرون ألفاً .
قلت : وكم كان منها في عهد أبي حنيفة مثلاً .
قال : القليل نسبياً .
قلت : ومفاهيم أبي حنيفة في المجالات التشريعية هل وصلت إلينا ضمن ما
وصل من كتب التشريع أو لا ؟ ثمّ المفاهيم التي جدت عليها من قبل تلامذته
وغيرهم من أنداده من المجتهدين هل وصلت إلينا أيضاً ؟
قال : بلى .
قلت : أمن المنطق ـ فيما ترون ـ أن نقول لشخص يملك من مصادر التشريع
أضعاف ما يملكه السابقون ، ويملك كل ما يملكونه من تجارب ، بالاِضافة إلى ما
جد عليها من تجارب العلماء في أكثر من عشرة قرون ، إن هؤلاء من السابقين
أعلم منك فلا يسوغ لك أن تفكر في مقابل ما يقولون ـ مع اتضاح جملة من
المفارقات لديه ـ في نتائج ما انتهوا إليه ، وكيف يكون السابق أعلم مع ضالة
تجاربه بالنسبة إلى لاحقيه ؟ !
قال أحدهم : والقصور فينا ماذا نصنع به .
قلت : يا أخي ، وأين موضع القصور فينا أترى أن الله عزّ وجلّ جعل
الطاقات المبدعة وقفاً على عصر دون عصر ، أليس في هذا النوع من التشكيك في
إمكاناتنا قتل للمواهب التي أودعها الله في النفوس .
قال : ألا ترى أن الاِشكال نفسه يرد عليكم في الاَخذ عن أئمّتكم : ،
وهم ممّن عاشوا في تلكم القصور .
قلت : إنّ الاِشكال وارد علينا لو قال أئمتنا أن ما نأتي به من أحكام فإنما
هو من نتائج اجتهاداتنا ، أما وأنهم يصرحون بأنَّ قول أحدهم إنّما هو قول
النبيصلى الله عليه وآله ، وهو قول جبرئيل عن الله(1)، وقامت الاَدلّة لدينا على صدق هذه
الدعوى ، فإنَّ هذا الاِشكال فيما أرى لا موضع له ، نعم لو كنّا نتقيّد في نطاق
اجتهادات العلماء السابقين أمثال الشيخ المفيد والطوسي لكان حسابنا نفس هذا
الحساب(2).
____________ (1) راجع : بحار الاَنوار : ج 2 ص 178 ح 28 ، وقد تقدّم ذكر الحديث الشريف في مناظرة السيّد محمد تقي الحكيم أيضاً في عصمة أهل البيت عليهم السلام ( في الهامش ) . (2) ثمرات النجف للسيد محمد تقي الحكيم : ج 3 ص 163 ـ 166 . |