المناظرة السادسة والثلاثون
قال الشريف المرتضى عليه الرحمة : ومن كلام الشيخ أدام الله عزّه أيضاً
في إبطال القياس : سئل الشيخ أيّده الله في مجلس لبعض القضاة ، وكان فيه جمع
كثير من الفقهاء والمتكلّمين ، فقيل له : ما الدليل على إبطال القياس في الاَحكام
الشرعية ؟
فقال الشيخ أدام الله عزّه : الدليل على ذلك أنني وجدت الحكم الذي تزعم
خصومي أنه أصل يقاس عليه ويستخرج منه الفرع ، قد كان جائزاً من الله سبحانه
التعبد في الحادثة ، التي هو حكمها بخالقه مع كون الحادثة على حقيققتها وبجميع
صفاتها ، فلو كان القياس صحيحاً لما جاز في العقول التعبد في الحادثة بخلاف
حكمها ، إلا مع اختلاف حالها وتغير الوصف عليها ، وفي جواز ذلك على ما
وصفناه دليل على إبطال القياس في الشرعيات .
فلم يفهم السائل معنى هذا الكلام ولا عرفه ، والتبس على الجماعة كلها
طريقه ، ولم يَلُحْ لاَحد منهم ولا فطن به ، وخلط السائل وعارض على غير ما
سلف ، فوافقه الشيخ أدام الله عزّه على عدم فهمه للكلام وكرره عليه لم يحصل له
معناه .
قال الشيخ أيده الله : فاضطررت إلى كشفه على وجه لا يخفى على
الجماعة ، فقلت : إن النبي صلى الله عليه وآله نصَّ على تحريم التفاضل في البر ، فكان النص في
ذلك أصلاً زعمتم أيها القايسون أن الحكم بتحريم التفاضل في الاَرز مقيساً عليه
وأنه الفرع له ، وقد علمنا أن في العقل يجوز إن كان يتعبد القديم سبحانه وتعالى
بإباحة التفضل في البر ، وهو على جميع صفاته بدلاً من تعبده بحظره فيه ، فلو كان
الحكم بالحظر لعلة في البر أو صفة هو عليها لاستحال ارتفاع الحظر إلا بعد ارتفاع
العلة أو الوصف ، وفي تقديرنا وجوده على جميع الصفات والمعاني التي يكون
عليها مع الحظر عند الاباحة دليل على بطلان القياس فيه ، ألا ترى أنّه لما كان
وصف المتحرك إنما لزمه لوجود الحركة ، أو لقطعه المكانين استحال توهم حصول
السكون له في الحقيقة مع وجود الحركة ، أو قطعة للمكانين ، وهذا بين لمن تدبره
فلم يأت القوم بشيء يجب حكايته .
قال : الشيخ أدام الله عزه : ثم جرى هذا الاستدلال في مجلس آخر
فاعترض بعض المعتزلة فقال : ما أنكرت على من قال لك : إن هذا الدليل إنما هو
على من زعم أن الشرعيات علل موجبة كعلل العقليات ، وليس في الفقهاء من
يذهب إلى ذلك ، وإنما يذهبون إلى انها سمات وعلامات غير موجبة لكنها دالة
على الحكم ، ومنبئة عنه ، وإذا كانت سمات وعلامات لم يمتنع من تقدير خلاف
الحكم على الحادثة مع كونها على صفاتها ، وذلك مسقط لما اعتمدت عليه .
قال الشيخ أيده الله : فقلت له : ليس مناقضة الفقهاء الذين أومأت إليهم حجة
عليَّ فيما اعتمدته ، وقد ثبت أن حقيقة القياس هو حمل الشيء على نظيره في
الحكم بالعلة الموجبة له في صاحبه ، فإذا وضع هؤلاء القوم هذه السمة على غير
الحقيقة فأخطأوا لم يخل خطأهم بموضع الاعتماد ، مع أن الذي قدمته يفسد هذا
الاعتراض أيضاً ، وذلك أن السمة والعلامة إذا كانت تدلّ على حكم من الاَحكام
فمحال وجودها ، وهي لا تدلّ لاَنّ الدليل لا يصحّ أن يخرج عن حقيقته ، فيكون
تارة دليلاً وتارة ليس بدليل ، وإذا كنتم تزعمون أن العلامة هي صفة من صفات
المحكوم عليه بالحكم الذي ورد به النص ، فقد جرت مجرى العلة في إستحالة
وجودها مع عدم مدلولها ، كما يستحيل وجود العلة مع عدم معلولها ، وليس بين
الاَمرين فصل.
فخلط هذا الرجل تخليطاً بيّناً ثم ثاب إليه فكره ، فقال : هذه السمات عندنا
سمعية طارئة على الحوادث ، ولسنا نعلمها عقلاً ولا اضطراراً وإنما نعلمها سمعاً
وبدليل السمع ، وعندنا مع ذلك أن العلل السمعية والاَدلة السمعية قد تخرج أحياناً
عن مدلولها ومعلولها ، وهي كالاَخبار العامة التي تدل على استيعاب الجنس
بإطلاقها ، ثم تكون خاصة عند قرائنها ، وهذا فرق بين الاَمور العقلية والسمعية.
قال الشيخ أيده الله : فقلت له : إن كانت هذه السمات سمعية طارئة على
الحوادث ، وليست من صفاتها اللازمة لها ، وإنما هي معان متجددة فيجب أن
يكون الطريق إليها السمع خاصة دون العقل والاِستنباط ، لاَنها حينئذٍ تجري
مجرى الاَسماء التي هي الاَلقاب ، فلا يصل عاقل إلى حقائقها إلاّ بالسمع الوارد
بها ، ولو كان ورد بها سمع لبطل القياس ، لاَنّه كان حينئذٍ يكون نصاً على الحمل ،
كقول اقطعوا زيداً فقد سرق من حرز ، وإنّما استحق القطع لاَنّه سرق من حرز لا
لغير ذلك من شيء يضاد هذا الفعل أو يقاربه ، وهذا نص على قطع كل سارق من
حرز إذا كان التقييد فيه على ما بيناه .
فإن كنتم تذهبون في القياس إلى ما ذكرناه فالخلاف بيننا وبينكم في الاسم
دون المعنى ، والمطالبة لكم بعده بالنصوص الواردة في سائر ما استعملتم فيه
القياس ، فإن ثبت لكم زال المراء بيننا وبينكم ، وإن لم يثبت علمتم أنكم إنما
تدفعون عن مذاهبكم بغير أصل معتمد ، ولا برهان يلجأ إليه.
فقال : لسنا نقول إن النص قد ورد في الاُصول حسبما ذكرت ، وإنما ندرك
السمات بضربٍ من الاستخراج والتأمل .
قال الشيخ أيده الله : فقلت : هذا هو الذي يعجز عنه كل أحد إلاّ أن يلجأإلى
استخراج عقلي ، وقد أفسدنا ذلك فيما سلف ، والآن فإن كنت صادقاً فتعاط ذلك ،
فإن قدرت عليه أقررنا لك بالقياس الذي أنكرناه ، وإن عجزت عنه بأن ما حكمناه
به عليك من دفاعك عن الاَصل المعروف .
فقال : لا يلزمني ذكر طريق الاستخراج ، وجعل يضجع في الكلام ، وبان
عجزه .
فقال أبو بكر بن الباقلاني : لسنا نقول هذه العلامات مقطوع بها ، ولا معلومة
فنذكر طريق استخراجها ، ولكن الذي أذهب إليه وهو مذهب هذا الشيخ ، وأومأ
إلى الاَول القول بغلبة الظن في ذلك ، فما غلب في ظنّي عملت عليه وجعلته سمة
وعلامة ، وإن غلب في ظن غيري سواه وعمل عليه أصاب ولم يخطىء ، وكل
مجتهد مصيب فهل معك شيء على هذا المذهب ؟
فقلت : هذا أضعف من جميع ما سلف وأوهن ، وذلك أنّه إذا لم يكن لله تعالى
دليل على المعنى ولا السمة وإنما تعبدك على ما زعمت بالعمل على غلبة الظن ،
فلا بد أن يجعل لغلبة الظن سبباً ، وإلاّ لم يحصل ذلك في الظن ولم يكن لغلبته
طريق ، وهب أنا سلمنا لك التعبد بغلبة الظن في الشريعة ، ما الدليل على أنه قد
يغلب فيما زعمت ؟ وما السبب الموجب له أرناه ؟ فإنا نطالبك به كما طالبنا هذا
الرجل بجهة الاستخراج للسمة ؟
والعلّة السمعية كما وصف فإن أوجدتنا ذلك ساغ لك ، وإن لم توجدناه بطل
ما اعتمدت عليه .
فقال : أسباب غلبة الظن معروفة وهي كالرجل الذي يغلب في ظنه إن سلك
هذا الطريق نجا وإن سلك غيره هلك ، وإن اتجر في ضرب من المتاجر ربح ، وإن
اتجر في غيره خسر ، وإن ركب إلى ضيعة والسماء متغيمة مطر ، وإن ركب وهي
مصحية سلم ، وإن شرب هذا الدواء انتفع ، وإن عدل إلى غيره استضر ، وما أشبه
ذلك ، ومن خالفني في أسباب غلبة الظن قبح كلامه.
فقلت له : إن هذا الذي أوردته لا نسبة بينه وبين الشريعة وأحكامها ، وذلك
أنه ليس شيء منه إلاّ وللخلق فيه عادة وبه معرفة ، فإنما يغلب ظنونهم حسب
عاداتهم ، وإمارات ذلك ظاهرة لهم ، والعقلاء يشتركون في أكثرها وما اختلفوا فيه
فلاختلاف عاداتهم خاصة ، وأما الشريعة فلا عادة فيها ولا إمارة من درية
ومشاهدة ، لاَن النصوص قد جاءت فيها باختلاف المتفق في صورته وظاهر
معناه ، واتفاق المختلف في الحكم ، وليس للعقول في رفع حكم منها وإيجابه
مجال ، وإذا لم يك فيها عادة بطل غلبة الظن فيها.
ألاّ ترى أنه من لا عادة له بالتجارة ولا سمع بعادة الناس فيها ، لا يصح أن
يغلب ظنه في نوع منها بربح أو خسران ، ومن لا معرفة له بالطرقات ولا باغيارها ،
ولا له عادة في ذلك ولا سمع بعادة أهلها ، فليس يغلب ظنّه بالسلامة في طريق
دون طريق.
ولو قدرنا وجود من لا عادة له بالمطر ، ولا سمع بالعادة فيه ، لم يصح أن
يغلب في ظنه مجيء المطر عند الغيم دون الصحو ، وإذا كان الاَمر كما بيّناه وكان
الاِتفاق حاصلاً على أنه لا عادة في الشريعة للخلق بطل ما ادعيت من غلبة الظن ،
وقمت مقام الاَول في الاقتصار على الدعوى .
فقال : هذا الآن رد على الفقهاء كلّهم وتكذيب لهم فيما يدعونه من غلبة
الظن ومن صار إلى تكذيب الفقهاء كلّهم قبحت مناظرته .
فقلت له : ليس كل الفقهاء يذهب مذهبك في الاعتماد في المعاني والعلل
على غلبة الظن ، بل أكثرهم يزعم أنه يصل إلى ذلك بالاستدلال والنظر ، فليس
كلامنا رداً على الجماعة وإنما هو ردّ عليك وعلى فرقتك خاصة ، فإن كنت تقشعر
من ذلك فما ناظرناك إلا له ، ولا خالفناك إلا من أجله ، مع أن الدليل إذا أكذب
أكذب الجماعة فلا حرج علينا في ذلك ولا لوم ، بل اللوم لهم إذا صاروا إلى ما
تدل الدلائل على بطلانه وتشهد بفساده.
وليس قولي : إنكم معشر المتفقهة تدعون غلبة الظن ، وليس الاَمر كذلك
بأعجب من قولك وفرقتك إن الشيعة والمعتزلة وأكثر المرجئة ، وجمهور الخوارج
فيما يدعون العلم به من مذهبهم في التوحيد والعدل مبطلون كاذبون مغرورون ،
وإنهم في دعواهم العلم بذلك جاهلون ، فأي شناعة تلزم فيما وصفت به أصحابك
مع الدليل الكاشف عن ذلك ، فلم يأت بشيء(2).
____________ (1) هو : محمد بن الطيب بن محمد ، أبو بكر القاضي المعروف بابن الباقلاني ، المتكلم على مذهب الاَشعري من أهل البصرة وولد فيها سنة 338 هـ ، له بعض التصانيف ، وقيل : إنه انتهت إليه الرياسة في مذهب الاَشاعرة ، ووجهه عضد الدولة سفيراً عنه إلى ملك الروم ، فجرت له في القسطنطينية مناظرات مع علماء النصرانية بين يدي ملكها ، من كتبه إعجاز القرآن ، ومناقب الاَئمة ، والملل والنحل ، سكن بغداد وتوفي فيها سنة403هـ. راجع ترجمته في : تاريخ بغداد للخطيب : ج 5 ص 379 ، وفيات الاَعيان : ج 4 ص 269 ترجمة رقم : 608 ، الاَعلام للزركلي : ج7 ص46 . (2) الفصول المختارة للشيخ المفيد : ص 50 ـ 55 . |