المناظرة الثالثة والثلاثون
ومن كلام الشيخ أدام الله عزّه في الطلاق ، قال الشيخ : حضرت يوماً عند
صديقنا أبي الهذيل سبيع بن المنبه المختاري رحمه الله وألحقه بأوليائه الطاهرين عليهم السلام ،
وحضر عنده الشيخان أبو طاهر وأبو الحسن الجوهريان ، والشريف أبو محمد بن
المأمون ، فقال لي أحد الشيخين : ما تقول في طلاق الحامل إذا وقع الرجل منه
ثلاثاً في مجلس واحد ؟
فقال الشيخ أيده الله : فقلت : إذا أوقعه بحضور مسلمين عدلين وقعت منه
واحدة لا أكثر من ذلك .
فسكت الجوهري هنيئة ثم قال : كنت أظن أنكم لا توقعون شيئاً منه بتة .
فقال أبو محمد بن المأمون للشيخ أدام الله عزّه : أتقولون إنّه يقع منه
واحده ؟
فقال الشيخ أيده الله : نعم إذا كان بشرط الشهود .
فأظهر تعجباً من ذلك ، وقال : ما الدليل على أن الذي يقع بها واحدة وهو قد
تلفظ بالثلاث .
قال الشيخ أيده الله : فقلت له الدلالة على ذلك من كتاب الله عز وجلّ ، ومن
سنة نبيه صلى الله عليه وآله ، ومن إجماع المسلمين ، ومن قول أمير المؤمنين علي بن أبي
طالب عليه السلام ، ومن قول ابن عباس رحمه الله ، ومن قول عمر بن الخطاب .
فازداد الرجل تعجباً لما سمع هذا الكلام ، وقال : أحب أن تفصّل لنا ذلك
وتشرحه على البيان .
قال الشيخ : أما كتاب الله تعالى فقد تقرر أنه نزل بلسان العرب وعلى
مذاهبها في الكلام ، قال الله سبحانه : ( قُرآناً عَرَبياً غَير ذِي عِوَجٍ )(1)، وقال :
( وَمَا أَرسَلنَا مِن رَسُولٍ إلاّ بِلِسَانِ قَومهِ لِيُبيّنَ لَهُم )(2) ، ثم قال سبحانه في آية
الطلاق : ( الطَّلاَق مَرَّتان فإمسَاكُ بِمعروفٍ أو تَسريحٌ بإحسانٍ )(3) ، فكانت
الثالثة في قوله : ( أو تسريح بإحسان ) .
ووجدنا المطلق إذا قال لامرأته : أنت طالق ، أتى بلفظ واحد يتضمن
تطليقة واحدة ، فإذا قال عقيب هذا اللفظ ثلاثاً ، لم يخل من أن تكون إشارته إلى
طلاق وقع فيما سلف ثلاث مرات ، أو إلى طلاق يكون في المستقبل ثلاثاً ، أو إلى
الحال ، فإن كان أخبر عن الماضي فلم يقع الطلاق إذا باللفظ الذي أورده في
الحال ، وإنما أخبر عن أمر كان ، وإن كان أخبر عن المستقبل فيجب أن لا يقع بها
طلاق حتى يأتي الوقت ، ثم يطلقها ثلاثاً على مفهوم اللفظ والكلام ، وليس هذان
القسمان مما جرى الحكم عليهما ولا تضمنهما المقال فلم يبق إلاّ أنه أخبر عن
الحال ، وذلك كذب ولغو بلا ارتياب ، لاَن الواحدة لا تكون أبداً ثلاثاً ، فلاَجل
ذلك حكمنا عليه بتطليقة واحدة من حيث تضمنه اللفظ الذي أورده ، وأسقطنا ما
لغا فيه ، وأطرحناه إذ كان على مفهوم اللغة التي نطق بها القرآن فاسداً ، وكان
مضاداً لاَحكام الكتاب .
وأما السنّة فإن النبي صلى الله عليه وآله قال : كلما لم يكن على أمرنا هذا فهو رد(4).
وقال صلى الله عليه وآله : ما وافق الكتاب فخذوه وما لم يوافقه فاطرحوه(5) وقد بيّنا أن
المرة لا تكون مرتين أبداً ، وأن الواحدة لا تكون ثلاثاً ، فأوجب السنة إبطال
الطلاق الثلاث .
وأما إجماع الاُمّة فإنهم مطبقون على أن كل ما خالف الكتاب والسنة فهو
باطل ، وقد تقدم وصف خلاف الطلاق الثلاث للكتاب والسنّة ، فحصل الاِجماع
على بطلانه .
وأما قول أمير المؤمنين عليه السلام : فإنّه قد تظافر عنه بالخبر المستفيض ، أنه قال :
إيّاكم والمطلّقات ثلاثاً في مجلس واحد فإنهن ذوات أزواج(6).
وأما قول ابن عباس فإنه يقول : ألا تعجبون من قوم يحلون المرأة لرجل
وهي تحرم عليه ، ويحرمونها على آخر وهي تحل له ، فقالوا : يا ابن عباس ومن
هؤلاء القوم ؟
قال : هم الذين يقولون للمطلق ثلاثاً في مجلس : قد حرمت عليك امرأتك.
وأما قول عمر بن الخطاب : فلا خلاف أنه رفع إليه رجل قد طلق امرأته
ثلاثاً ، فأوجع رأسه ثم ردّها إليه ، وبعد ذلك رفع إليه رجل وقد طلق كالاَول
فأبانها منه ، فقيل له في اختلاف حكمه في الرجلين ! فقال : قد أردت أن أحمله
على كتاب الله عزّ اسمه ، ولكنني خشيت أن يتتابع فيه السكران والغيران ،
فاعترف بأن المطلقة ثلاثاً ترد إلى زوجها على حكم الكتاب ، لاَنّه إنما أبانها
منه بالرأي والاستحسان ، فعلمنا من قوله على ما وافق القرآن ، ورغبنا عما ذهب
إليه من جهة الرأي فلم ينطق أحد من الجماعة بحرف ، وأنشأوا حديثاً آخر
تشاغلوا به(7).
____________ (1) سورة الزمر : الآية 28 . (2) سورة إبراهيم : الآية 4 . (3) سورة البقرة : الآية 229 . (4) الفروع من الكافي للكليني : ج6 ص60 ح15 . (5) تهذيب الاَحكام : ج7 ص274 ح5 ، وعنه وسائل الشيعة للحر العاملي : ج14 ص356 ح4 (ب 20 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها) . (6) بحار الاَنوار للمجلسي : ج101 ص140 ح17 و ص152 ح55 ، وسائل الشيعة : ج15 ص317 ح 24 (ب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه) . (7) الفصول المختارة للشيخ المفيد : ص 134 ـ 136 . |