كتاب الفقه والمسائل الطبية ص 312 ـ ص 337
المسألة الثامنة والثلاثون
في العيوب المجوزة لفسخ النكاح
نذكر أوّلاً الاحاديث المعتبرة سنداً ونذكر بعض الاَحاديث غير المعتبرة أيضاً لعلّة ما، ولكن نصرّح بضعفها أو النظر فيها، ونحن لا نرى في الاحاديث الضعيفة سنداً، اعتباراً وحجية فلا نعتمد عليها.
1 ـ صحيح عبد الرحمن بن أبي عبدالله في الكتب الاَربعة عن أبي عبدالله عليه السلام قال: المرأة تُرد من أربعة أشياء من البرص والجذام والجنون والقرن و(هو ـ كا ـ تهذيبين) العفل(1) ما لم يقع عليها، فاذا وقع عليها فلا(2).
أقول: أي إذا وقع عليها بعد علمه بالعيب فلا تُرد المرأة كما يفهم مما يأتي.
2 ـ صحيح الحلبي المروي في الكافي عن أبي عبدالله عليه السلام قال سألته عن رجل تزوج الى قوم فاذا امرأته عوراء ولم يبينوا له؟ قال: يُرد النكاح من البرص والجذام والجنون والعفل(3).
أقول يمكن أنْ يقال: إنّ مفاده مفاد الحديث السابق في أنّ العيوب عيوب المرأة فقط، أما أولاً فلذكر كلمة العفل الخاص بالمرأة، وأمّا ثانياً فلاحتمال كون الفعل المضارع (يرد) مبني للفاعل والضمير المستتر
____________
(1) العفل نبات لحم ينبت في قبل المرأة وهو القرن كما قيل.
(2 و3) ص167 ج21 جامع الاحاديث.

( 313 )
المرفوع فيه يرجع الى الرجل، وعليه فلا يدلّ الحديث على أنّ هذه العيوب في الرجل أيضاً، تجوز الخيار والرد.
ورواه في الفقيه عن حمّاد عن الحلبي هكذا: عن أبي عبدالله عليه السلام أنّه قال في رجل يتزوج الى قوم فاذا امرأته عوراء ولم يبنوا له، قال: لا ترد (وقال ـ ئل) إنما يُرد النكاح من البرص والجذام والجنون والعفل، قلت: أرأيت إنْ كان قد دخل بها كيف يصنع بمهرها؟ قال: لها المهر بما استحل من فرجها ويغرم وليّها الذي أنكحها مثل ما ساق اليها(1).
ورواه الشيخ في التهذيبين عن حماد لكن طريقه اليه غير مذكور في المشيخة(2)، ولا عبرة بالطريق المذكور في فهرسته على ما حققناه في محله.
ثم إنّ اسم حماد منصرف الى ابن عثمان أو ابن عيسى، وطريق الصدوق الى كليهما معتبر في مشيخة الفقيه(3).
ثم أنّ احتمال كون الفعل (يرد) هنا مبنياً للمفعول أقرب أو انسب، فان الفعل السابق (ترد) كذلك جزماً(4).
لا يقال: إنّ الكلام في عيوب المرأة فلا يشمل عيوب الرجل.
فانه يقال: العبرة باطلاق كلام الامام عليه السلام دون كلام السائل، على أنّ
____________
(1) ص167 وص168 نفس المصدر.
(2) نفس المصدر.
(3) وفي نوادر أحمد بن محمّد بن عيسى تصريح بأنّه ابن عثمان، وهو مؤيد لا دليل لان النوادر لم تصل الى المجلسي والحر رحمهما الله بسند معتبر.
(4) لكن في الجواهر (ص319 ج30) نقل الحديث هكذا: لا يرد. أي بصيغة الغائب المذكور فيحتمل كونه مجهولاً كما يحتمل كونه معلوماً لكن في ص363 ج30 ضبطها بـ: لا ترد فلعل الاَول من غلط الطابع أو الكاتب.

( 314 )
الانسب على فرض إرادة عيوب المرأة فقط التعبير بـ: «انما ترد من البرص» دون التعبير بـ: «انما يرد النكاح»، واختصاص العفل بالمرأة لا ينافي ارادة الرجل والمرأة كما لا يخفى، وسؤال الراوي بعد ذلك سؤال مستقل يتعلق ببعض مصاديق الجواب وهذا الوجه عندي أظهر بلحاظ الحديث وعليه فهذه العيوب مجوزة للرد سواء كانت في المرأة أو في الرجل، والله تعالى أعلم وإنْ قال صاحب الجواهر (ج30 ص319): ولعلّه لذا (أي لاحتمال كون الفعل معلوماً ورجوع الضمير الى الرجل) لم يحكم الاكثر كما ستعرف بالخيار لها في الجذام والبرص... وعلى كلّ حال فالاستدلال، لا يخلو عن اشكال، انتهى. أقول: لكن المشهور قالوا بخيارها بجنونه.
وعلى كلّ مقتضى الحصر عدم جواز ردّ النكاح عن غير هذه العيوب.
3 ـ صحيح أبي عبيدة المروي في الكافي عن أبي جعفر عليه السلام ، قال في رجل تزوج امرأة من وليها فوجد بها عيباً بعد ما دخل بها؟ قال: فقال: إذا دلست العفلاء (نفسها) والبرصاء والمجنونة والمفضاة ومن كان بها (من يب) زمانة ظاهرة فانها تُردّ على أهلها من غير طلاق ويأخذ الزوج المهر من وليها الذي كان دلسها، فان لم يكن وليها علم بشيء من ذلك فلا شيء (له) وترد الى أهلها. قال: وان اصاب الزوج شيئاً مما أخذت منه فهو له، وان لم يصب شيئاً فلا شيء له. وقال: وتعتد منه عدة المطلقة ان كان دخل بها وان لم يكن دخل بها فلا عدة عليها (له ـ يب) ولا مهر لها(1).
4 ـ صحيح داود بن سرحان المروي في التهذيب عن أبي عبدالله عليه السلام في الرجل يتزوج المرأة فيوتى بها عمياء أو برصاء أو عرجاء، قال: ترد
____________
(1 و2) ص169 ج21 جامع الاحاديث.

( 315 )
على وليها ويكون لها المهر على وليها، وان كان بها زمانة لا يراها الرجال أُجيزت شهادة النساء عليها(1).
5 ـ معتبرة غياث عن جعفر عن أبيه علي : في رجل تزوج امرأة فوجدها برصاء أو جذماء، قال: إن كان لم يدخل بها ولم يبيّن له، فان شاء طلق وان شاء امسك ولا صداق لها وإذا دخل بها فهي امرأته(2).
أقول: يحمل الطلاق على معناه اللغوي والدخول على الدخول بعد العلم بالعيب جمعاً بينه وبين ما مرّ.
6 ـ صحيح معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن رجل تزوج امرأة فعلم بعد ما تزوجها انها كانت زنت، قال: إنْ شاء زوجها أنْ يأخذ الصداق من الذي زوجها ولها الصداق بما استحل من فرجها، وان شاء تركها(3)
أقول: ظاهر الحديث هو تخيير الزوج بين رد الزوجة وتركها لا بين أخذ المهر وعدمه.
7 ـ صحيح أبي الصباح قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن رجل تزوج امرأة فوجد بها قرناً؟ قال: فقال: هذه لا تحبل ولا يقدر زوجها على مجامعتها، يردها على أهلها صاغرة ولا مهر لها، قلت: فان كان دخل بها؟ قال: إنْ كان علم بذلك قبل أنْ ينكحها ـ يعني المجامعة ـ ثمّ جامعها فقد رضي بها، وان لم يعلم إلاّ بعد ما جامعها، فإنْ شاء بعد أمسك، وإنْ شاء طلق(4).
____________
(1) ص 169 ج 21 جامع الاحاديث.
(2) ص170 نفس المصدر.
(3) ص165 المصدر.
(4) ص171 المصدر.

( 316 )
** فالمستفاد من هذه الاَحاديث التي اعتمدنا عليها لاعتبار اسنادها أُمور:
1 ـ للزوج ردّ زوجته عن البرص والجذام والجنون والعفل والقرن وهذا مما لا اشكال فيه، وكذا له ردها عن الافضاء والزمانة إذا دلست للحديث الثالث، وكذا له رد العمياء والعرجاء للحديث الرابع، ومن زنت قبل الزواج للحديث السادس، فله خيار الفسخ بهذه العيوب إذا لم يكن عالماً بها قبل العقد أو لم يدخل بها بعد العلم بها، وإلاّ فلا خيار له.
2 ـ ألحق المشهور كما في الجواهر(1) الرتق بالعيوب المذكورة، وقال صاحب الجواهر رحمه الله : بل الظاهر دخوله في العفل، وهو كون الفرج ملتحماً على وجه ليس للذكر مدخل فيه.
أقول: الحديث السادس يشمله بمدلوله المطابقي.
وعن الغزالي إلحاق ضيق المنفذ زائداً على المعتاد بحيث لا يمكن وطؤها إلاّ بافضائها به(2)، ونفى البأس عنه في الجواهر(3).
أقول: وهو كذلك للحديث السادس.
3 ـ وفي محكي المصباح أن الزمانة مرض يدوم زماناً طويلاً. وعن الصحاح أنها آفة تكون في الحيوانات، ورجل زمن أي مبتلى بين الزمانة. وفي المنجد: الزمانة: العاهة، عدم بعض الاعضاء، تعطيل القوي، الحب.
وقيل: إنّ المتبادر في أعصارنا منها الاقعاد والاصل عدم النقل، والظاهر هو مدرك فتوى السيد الاستاذ الخوئي قدس سره حيث فسره في كتابه توضيح المسائل بـ زمين گير، ولكنه ضعيف فان قوله في صحيح ابن
____________
(1) ص337 ج30.
(2) جواهر الكلام ج 30 ص 338.
(3) ص338 ج30.

( 317 )
سرحان «وان كن بها زمانة لا يراها الرجال». ظاهر في ارادة الاعم من الاقعاد فإنه يراه الرجال والنساء معاً، والظاهر أنّ الامام بعد ما ذكر العرجاء البرصاء والعمياء ـ وهي من الزمانة الظاهرة للرجال والنساء ـ أراد أنْ يذكر الزمانة المخفية على الرجال، لكن لا دليل على تعيين الزمانة المقصودة للامام عليه السلام في هذا الخبر ولا يصح الالتزام بها إذا فسرناها بمطلق العاهة الطويلة زماناً، نعم الاقعاد من اظهر مصاديقها ولعله المراد في صحيح أبي عبيدة ولعل هذا الصحيح هو مدرك سيدنا الاستاذ في فتواه، ويمكن ان نحمل عليه ما في صحيح ابن سرحان ونقول إنّ الاقعاد ربما يكون ظاهراً للرجال والنساء، وربما لا يظهر إلاّ على النساء لاحتياج معرفته لمزيد الدقة الموقوف على خلع الخمار، لكن فيه اشكال وبحث.
وأمّا شمولها للاَمراض المعدية المهلكة التي لا علاج لها كالايدز مثلاً إذا تحول من الكمون الى المرض ففيه وجهان، من صحة الانطباق، ومن عدم ذهاب المشهور إليه.
وفي شمولها لمقطوعة اليد أو الرجل أو الاذنين أو مجدوعة الانف أو مقطوعة الشفتين ومنحنية الظهر ومن لا شعر على رأسها وجهان أيضاً، من صدق الزمانة ـ ولو مع الاَخذ بمصاديق الزمانة الظاهرة ـ، ومن أولوية بعضها من العرجاء، ومن عدم فتوى المشهور بثبوت الخيار، فتأمّل.
4 ـ لم ينقل عن المشهور جواز الفسخ بزناها قبل العقد خلافاً الظاهر الحديث السابع(1) ولا بوضع حملها من الزنا قبل العقد خلافاً الصحيح الحلبي(2)، ولا بزناها بعد العقد وقبل الدخول مع قول الكاظم عليه السلام
____________
(1) لاحظ ص117 ج30 الجواهر.
(2) لاحظه في ص601 ج14 الوسائل.

( 318 )
في صحيح الفضيل بن يونس: يفرق بينهما وتحد الحد ولا صداق لها، ولا بزناه بعد العقد مع دلالة صحيحة علي بن جعفر على التفريق بينه وبين أهله، نعم التفريق غير الخيار كما لا يخفى، لكن المشهور لم يقل به ظاهراً ولعله لصحيحة رفاعة أنّه لا يفرق بينهما إذا زنى قبل أنْ يدخل بها(1) في خصوص زنا الرجل، ولا بد لتحقيق هذا الموضوع من الرجوع الى الكتب الفقهية المفصلة.
5 ـ تعرضت جملة من هذه الروايات لحكم المهر ورده، ولا موجب لبحثه هنا، ومَن شاء التحقيق فيه فعليه الرجوع الى المطولات الفقهية.
هذا كله ما يتعلق بعيوب المرأة. وأما عيوب الرجل الموجبة لخيارها والمجوزة لرد الزوج فقد ثبت بعضها في ما سبق وهو البرص والجذام والجنون على الاظهر.
وأما البقية فإليك نقل أحاديثها المعتبرة:
1 ـ موثّقة سماعة عن الصادق عليه السلام أنّ خصياً دلس نفسه لامرأة، قال: يفرق بينهما وتأخذ المرأة منه صداقها ويوجع ظهره كما دلّس نفسه(2).
2 ـ موثّقة بكير المروية في الكتب الاَربعة عن أحدهما عليه السلام في خصّي دلّس نفسه لامرأة مسلمة فتزوجها، فقال: يفرق بينهما إنْ شاءت (المرأة) ويوجع رأسه، وان رضيت (به) واقامت معه لم يكن لها بعد رضاها (به) أنْ تأباه(3).
____________
(1) ص616 المصدر.
(2) ص173 ج21 جامع الاحاديث.
(3) ص 173 ج 21 جامع الاحاديث.

( 319 )
3 ـ صحيح أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن امرأة أبتلى زوجها فلا يقدر على الجماع أتفارقه؟ قال: نعم إنْ شاءت(1).
أقول: مدلول الحديث أنّه إذا عجز الزوج ـ بأي سبب كان ـ عن الجماع فللزوجة الخيار، وبطريق أولى يثبت لها الخيار إذا كان الزوج عاجزاً عنه قبل الزواج، وهو ظاهر. ويعارضه الحديث السابع على وجه.
4 ـ موثّقة عمار عن الصادق عليه السلام أنّه سئل عن رجل أخذ عن امرأته فلا يقدر على اتيانها، فقال: إن كان لا يقدر على اتيان غيرها من النساء فلا يمسكها إلاّ برضاها بذلك وإنْ كان يقدر على غيرها فلا بأس بامساكها(2).
أقول: في الحديث احتمالان:
الاَوّل: أنّ التفصيل ناظر الى وظيفة الزوج في جواز الامساك مطلقاً أو مشروطاً برضاها، و أما المرأة فلها الفسخ سواء قدر هو على غيرها أم لا عملاً بالحديث الاَوّل.
الثاني: أنّ القدر المتيقن في مقام التخاطب في التفصيل هو فرض أخذ الزوج عن زوجها، وقد فسره بعضهم بالسحر. وفي المنجد: اخذه: سحره، الاخذة رقية كالسحر يؤخذ بها. ويحتمل كونه مقيداً لاطلاق الحديث السابق ولكن لا اعتمد على التقييد المحتمل المذكور على نحو الاطلاق بل في خصوص المسحور كما عرفت.
5 ـ صحيحة محمّد بن مسلم ـ على المشهور ـ عن أبي جعفر عليه السلام قال: العنين يتربص به سنة، ثم إن شاءت امرأته تزوجت وان شاءت
____________
(1) ص175 نفس المصدر.
(2) ص175 نفس المصدر.

( 320 )
أقامت(1).
أقول: في طريق الشيخ الى الحسين بن سعيد اشكال ذكرناه في كتابنا بحوث في علم الرجال (الطبعة الثالثة) فما لم أفز على حله لا اعتمد على ما رواه الشيخ عن الحسين بن سعيد كهذه الرواية.
6 ـ موثّق حسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام أنه كان يقضي في العنين أنْ يؤجل سنة من يوم ترافعه الامرأة(2).
أقول: لا دليل على وصول نسخة من مصدر هذه الرواية ـ وهو كتاب قرب الاسناد ـ الى المجلسي والحر ـ رحمهما الله ـ بسند معتبر، بل الظاهر أنّهما ينقلان عنه وجادة، ولا اعتبار به.
7 ـ موثّقة إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه عليه السلام ان علياً كان يقول: إذا تزوج (الرجل) امرأة فوقع عليها مرة ثم أعرض عنها فليس لها الخيار لتصبر فقد ابتليت وليس لامهات الاَولاد ولا للاماء ما لم يمسها من الدهر إلاّ مرة واحدة خيار(3).
أقول: قوله عليه السلام : «ثمّ اعرض عنها» فيه إجمال وغير ظاهر في مَن عجز عن الوطء، فلاحظ. وعلى تقدير إرادته منه فهو معارض بالحديث الثالث.
8 ـ صحيح أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول:... وهي بكر فزعمت أنّه لم يصل إليها فان مثل هذا تعرف (تعرفه) النساء فلينظر إليها من يوثق به منهن فاذا ذكرت أنّها عذراء فعلى الاِمام أنْ يؤجله سنة (واحدة) فان وصل إليها وإلاّ فرق بينهما واعطيت نصف الصداق ولا عدة
____________
(1 و2) ص176 نفس المصدر.
(3) نفس المصدر والحديث لا يخلو عن اجمال ويمكن ان نجعل ذيله قرينة على ارادة الامة من صدره والله العالم.

( 321 )
عليها(1)
9 ـ معتبرة غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه عليه السلام أنّ علياً عليه السلام لم يكن يرد من الحمق ويرد من العسر(2). إذا تقرّر ذلك فهنا مباحث:
الاَوّل: للزوجة حقّ الفسخ إذا ظهر زوجها خصياً، وفي الشرائع والجواهر(3): وأما الخصاء بالكسر والمد فهو سل الانثيين أي إخراجهما، وفي معناه بل قيل منه الوجاء بالكسر ورضهما، فالمشهور بين الاَصحاب أنه عيب تتسلط به الامرأة الجاهلة على الفسخ... ولا اشكال في الوجاء مع فرض كونه فرداً منه وإنْ كان مشكلاً إلاّ أنْ يفهم التعليل من قوله عليه السلام «كما دلس نفسه» انه بمعناه، ومنه يستفاد ثبوت الخيار حينئذٍ في فاقد الانثيين خلقة ونحوه مما هو كالخصي والموجوء إنْ لم يكن داخلاً فيها.
وقيل: إنّ النصوص جميعاً اشتملت على التدليس ولعل خيارها من جهته لا من حيث كونه عيباً الا ان يقال: يكفي في التدليس عدم اخباره بنفسه، بل لو لم يكن الخصاء عيباً لم يتحقق الخيار بتدليسه أيضاً، فتأملّ.
قال الشيخ الاَنصاري قدس سره في بعض رسائله في بعض مسائل النكاح المطبوعة مع مكاسبه (ص398): الثاني في التدليس، وهو اظهار صفة كمال في المرأة مع انتفائها عنها أو إخفاء صفة نقص(4)، والفرق بينه وبين العيب أنّ منشأ الخيار في العيب مجرد ثبوته في الواقع، وفي التدليس اشتراط الصفة بحيث لولا الاشتراط لم يثبت، فلو تزوجها على أنّها حرة
____________
(1) ص178 نفس المصدر.
(2) التهذيب ج 7 ص 432 نسخة الكامبيوتر.
(3) ص332 وص 324 ج30.
(4) ويكفي في الاخفاء السكوت عن بيان العيب كما يفهم من الاحاديث المتقدمة.

( 322 )
باشتراط ذلك في متن العقد أو ذكره قبله بحيث أجريا العقد على ذلك، فخرجت أمة فله الفسخ عملاً بمقتضى الشرط، إذ ليس فائدته إلاّ التسلط مع عدمه، انتهى.
وقال بعض المؤلفين: ويظهر الثمرة فيما إذا لم يدلس نفسه لها بل اعتقد انها تعلم الحال أو جهل بكونه خصياً، فإنه ليس لها الخيار فيه بناءً على كونه من جهة التدليس، ويكون لها الخيار فيه بناء على كونه من جهة الخصاء.
أقول: وتوقف سيدنا الاستاذ الخوئي رحمه الله في ثبوت الخيار في غير فرض التدليس وأوجب الاحتياط(1)، ولعلّه للاشكال في صحة الشرط في النكاح كما سيأتي بحثه.
وأعلم أنّه لا ينفك التدليس عن النكاح الخصي إلاّ نادراً، فإنّ المرأة لا ترضى بنكاح الخصي وانما ترضى بزواج الرجل مبنياً عليه ولو ارتكازاً، ولا يعتبر في تحقق الشرط ذكره قبل العقد أو في متنه بل يكفي الارتكاز العقلائي فيه بحيث لو علم أحد الزوجين بانتفائه لم يقدم على النكاح، فلا فرق بين كون الخيار من ناحية التدليس أو من ناحية العيب، فالخيار لها ثابت تقييداً في الحصر المذكور في صحيح الحلبي وفي إلحاق غير الخصي إذا لم ينزل به وجهان.
الثاني: العنن كما في الشرائع والجواهر مرض تضعف معه القوة عن نشر العضو بحيث يعجز عن الايلاج، ويفسخ به العقد، بل الاجماع بقسميه عليه،... وإنْ تجدد بعد العقد كما هو المعروف بين الاَصحاب،
____________
(1) الفقه ج 66 ص 21.

( 323 )
بل لا أجد فيه خلافاً منا، بل الاجماع بقسميه عليه... لكن بشرط أنْ لا يطأ زوجته ولا غيرها، فلو وطأها ولو مرة ثم عن، أو أمكنه وطء غيرها مع عننه عنها لم يثبت لها الخيار على الاظهر الاَشهر.
أقول: وطء غير الزوجة مع عننه عنها لا يتم إلاّ برجوع المرض الى الحالة النفسية دون المرض الفيزيكي والنقص البدني كما لا يخفى.
والعمدة أنّ هذا العنوان لم يثبت عندي بحديث معتبر سنداً كما تعلم مما سبق، وانما العناوين المأخوذة في الاحاديث المعتبرة المتقدمة هي:
1 ـ غير القادر على الجماع. 2 ـ المسحور غير القادر على الاتيان 3 ـ المعرض عن الزوجة 4 ـ غير الواصل إليها. لكن لا يبعد الاطمئنان بصدور هذه الكلمة من جمع الروايات الواردة فيه من الامام عليه السلام .
الثالث: إنّ صحيح أبي بصير مطلق وإنّه متى لم يقدر الزوج على الجماع فللمرأة المفارقة، ولا يبعد ظهوره في عجزه عن مطلق الجماع لا عن جماع الزوجة فقط، فتأمل، إذ المنصرف إليه هو جماع الزوجة؛ نعم هو مصرح به في موثّقة عمار، لكن لا يقيد به اطلاق غيره، والمتيقن اختصاصه بموضوعه وهو المسحور على كلا الاحتمالين المذكورين في الموثقة.
نعم الاطلاق مقيد بما في صحيح أبي حمزة. والنتيجة أنّ مَن لم يقدر على جماع زوجته ولو بعد الدخول بزمان(1) فبعد مرافعة الزوجة يؤجله الامام سنة، فان قدر عليه فهو وإلاّ فلها الخيار.
وأمّا موثّقة إسحاق فنرد علمها الى من صدرت عنه.
____________
(1) خلافاً للاشهر كما مر عن الجواهر.

( 324 )
الرابع: الحديث الثالث يشمل المجبوب أيضاً إذا لم يبق له ما يمكن معه الوطء ولو بمقدار الحشفة وإلاّ لا دليل على خيارها، نعم لا فرق في حدوث الجب قبل العقد أو بعده لاطلاق الحديث، خلافاً لجماعة.
الخامس: الحمق لا يوجب الخيار كما يوجبه العسر على ما في الحديث الاَخير، والظاهر أنّ المراد به عجز الزوج عن النفقة الواجبة، لكن في الجواهر (ص326 ج30) «من العنن»، مكان «من العسر» وعن معلّق الجواهر أنّ الموجود في الوافي ج12 ص84 (الباب 88 من أبواب النكاح) نقله (أي من العنن) عن التهذيب أيضاً، وعليه فلا يُدرى الصحيح من المحرف، فلا يصح التمسك بالكلمة المذكورة.

بقي في المقام فوائد مهمة
الفائدة الاَُولى: الشرط في العقد أعم من المذكور في متنه ومن المركوز الذي يبني عليه المتعاقدان بحيث لولاه لم يقدما على العقد على الاَظهر، خلافاً للشيخ الاَنصاري (قدس الله روحه الزكية) في بحث خيار المجلس (ص221 مكاسبه) وفي بحث الشروط ـ حيث ذهب إلى عدم شمول أدلة وجوب العمل بالشروط للشرط البنائي ـ ووفاقاً للسيد الطباطبائي في محكي حاشية المكاسب ص118 حيث قال: في تعليل وجوب الوفاء بالشرط الذي وقع العقد مبنياً عليه وان لم يذكر في متنه: والوجه فيه صدق الشرط على هذا المقدار من التواطؤ والتباني فيشمله عموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «المؤمنون عند شروطهم» وأيضاً قيد معنوي، فيدل عليه عموم أوفوا بالعقود، انتهى.
وما أشار اليه في آخر كلامه هو الذي صرّح به الشيخ نفسه أيضاً،
( 325 )
قال (1) .
نعم يمكن أنْ يقال: إنّ العقد إذا وقع مع تواطئهما على الشرط كان قيداً معنوياً له، فالوفاء بالعقد الخاص لا يكون إلاّ مع العمل بذلك الشرط ويكون العقد بدونه تجارة لا عن تراض، إذ التراضي وقع مقيداً بالشرط(2).
أقول: وعليه فلا يبقى فرق بين القولين في النتيجة ظاهراً، فلاحظ.
وعلى هذا فيمكن أن يقال: إنّ كثيراً من العيوب والاَمراض المعدية وبعض الاَوصاف المنفرة شروط بنائية في عقد النكاح، بل يستحي الزوج أو الزوجة عن الاعتراف بالزوجية في مواردها، لكن هذه المنفرات على قسمين.
قسم مما يتفق عليه الزوجان وقسم يخصّ بأحدهما هو الاَكثر، فإنّ كلاً من الزوجين يشترط بنائياً وارتكازياً عدم العيب والنقص في الآخر ولا بناء للآخر على اشتراط عدم العيب في نفسه، فلا يثبت الخيار عند التخلف، وهل يصح مثل هذا العقد الذي يشترط أحد الزوجين بنائياً أشياء ولا يقبله الآخر بنائياً؟! والجواب محتاج الى تأمل.
الفائدة الثانية: قضية إطلاق قوله عليه السلام : المسلمون عند شروطهم نفوذ الشرط في كل عقد حتّى في عقد النكاح وأنّه لا بد من الوفاء به، لكن الفقهاء أبطلوا الشرط في عقد النكاح ولم يثبتوا الخيار فيه بالشرط فيه، حتى قال صاحب الجواهر رضي الله عنه : بل لعلّ منافاته لعقد النكاح من ضروريات الفقه(3)، وعن المحقق الثاني في جامع المقاصد (ج1 ص244): وإنما لم
____________
(1) ص382 المكاسب الطبعة القديمة.
(2) ولاحظ ص167 ج2 الشروط للسيد الشهيد محمّد تقي الخوئي رحمه الله .
(3) ص149 ج29 ولاحظ البحث هناك.

( 326 )
يدخل خيار الشرط النكاح مع تناول عموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «المؤمنون عند شروطهم»، للاجماع، ولاَنه ليس عقد معاوضة ليشرع له اشتراط التروي والاختيار، ولشدة الاحتياط في الفروج، ولاَنّ فيه شائبة العبادة، ولاَنّ رفعه متوقف على أمر معين (يريد به الطلاق)، فلا يقع لغيره.
فهذه وجوه خمسة في وجه عدم دخول خيار الشرط النكاح وزاد بعضهم وجهاً سادساً، وهو استلزامه لابتذال المرأة وهو ضرر عليها.
وفي كشف اللثام: ولو شرط الخيار في النكاح بطل العقد في المشهور، وهو الوجه، لاَنّ فيه شائبة العبادة لا يقبل الخيار ولم يتراضيا إلاّ بما دخله الخيار، فلم يريدا بلفظ العقد معنى النكاح، فيلغو، وابن ادريس صحّح العقد وأبطل الشرط لوجود المقتضي وهو عقد النكاح وانما فسد شرط الخيار، فيلغو ولا يفسد به العقد كغيره من الشروط، وللوجهين تردّد المحقق(1)
أقول: وقوله «ولم يتراضيا إلاّ...» هو الذي اختاره سيدنا الاستاذ الخوئي بتفاوت ما(2)، فهذه الوجوه علل واسباب لبطلان العقد بدخول خيار الشرط. لكن جميع هذه الوجوه غير قوية وغير قابلة للاعتماد(3)، على أنّ كلمات جملة من الفقهاء ربما تدلّ على جواز الشرط في النكاح، فعن الشهيد في اللمعة ولو شرط كونها بنت مهيرة فظهرت بنت أمة، فله الفسخ، وعلّله الشهيد الشارح: بمقتضى الشرط.
ويقول صاحب الجواهر(4) عند قول المحقق: إذا تزوج امرأة وشرط
____________
(1و2و3) لاحظ تفصيل البحث في ص30 الى ص41 ج2 من كتاب الشروط وجعل مختار والده (سيدنا الاستاذ الخوئي رحمه الله ) وجهاً مغايراً للوجوه الستة وادعى انه من ابتكار والده ».
(3) ص376 ج30.

( 327 )
كونها بكراً فوجدها ثيباً: وثبت بالاقرار أو البينة سبق ذلك على العقد كان له الفسخ لانتفاء الشرط الذي قد عرفت أنّ فائدته ذلك، ولعلّه لا خلاف فيه كما لا اشكال...مع الفتوى من غير خلاف منهم في تحقق الخيار مع شرط الصفات، ككونها بنت مهيرة ونحوها، لدليل الشرطية القاطع للاَصل وغير متوقف على العيب، فراجع تمام كلامه.
وعن العلاّمة في بحث تدليس القواعد: كل شرط يشرطه في العقد يثبت له الخيار مع فقده، سواء كان دون ما وصف أو أعلى على اشكال.
ويقول المحقّق الثاني في شرح هذا الكلام: لا ريب أنّ كل ما يشترط الزوج في عقد النكاح من صفات الكمال مما لا ينافي مقصود النكاح ولا يخالف الكتاب والسنة صحيح، فاذا تبين انتفاءه وخلوها من الكمال لم يكن النكاح باطلاً، لاَنّ فقد الشرط لا يقتضي بطلانه، ولكن يثبت للمشترط الخيار... وذهب الشارح الفاضل ولد المصنف إلى بطلان هذه الشروط محتجاً ببعد النكاح عن قبول الخيار، قال: وإنّما يصح شرط الحرية والنسب والبكارة وما يرى في الكفاءة للنص.
ولقائل أنّ يقول إنّ النص لم يرد بثبوت الخيار باشتراط البكارة، فيكون اشتراطه خروجاً عن النص، ومع ذلك فالكتاب والسنة واردان بصحة الشرط السائغ الذي ينافي مقتضى النكاح وما يلزم منه ثبوت الخيار بفواته، فيكون الخيار حينئذٍ ثابتاً بالنص. ولو سلم فالبعيد عن النكاح اشتراط الخيار لا اشتراط ما يقتضى فواته الخيار(1).
أقول: لا بعد في أنْ يكون انكار المشهور متعلقاً باشتراط الخيار في عقد النكاح بأنّ يفسخه المشروط له متى ما شاءه بلا وجه، فان اراد المشهور
____________
(1) ص411 ج2 جامع المقاصد، كما في ص 37 ج 2 الشروط.

( 328 )
ذلك فلا مضايقة في المنع عنه لما ذكره سيدنا الاستاذ الخوئي رحمه الله (1). وإن ارادوا شرط ما يقتضي فواته الخيار فلا نقبل، وقد عرفت من القواعد واللمعة وشرحها ومن الجواهر وغيرها خلافه، فما ذكره المحقق الثاني هو الاقوى.
وخلاصة الكلام أنّ اثبات الخيار للزوج أو الزوجة في غير الموارد المنصوصة المتقدمة أحد أُمور:
1 ـ الشرط البنائي والارتكازي إذا تخلف، فإنّه يوجب الخيار ولو لاَجل التدليس.
2 ـ قاعدتا نفي الحرج والضرر وقاعدة نفي العسر.
3 ـ الاشتراط في متن العقد وهذا أحسن.
الفائدة الثالثة في التدليس:
في الجواهر: هو تفعيل من المدالسة بمعنى المخادعة والدلس محركاً الظلمة، فكأن المدلس لما دلّس وخدع، اظلم الاَمر على المخدوع، ذكروه في كتاب البيع واثبتوا به الخيار ان فعل ما يظهر ضد الواقع كتحمير وجه الجارية... إلاّ أنّ الذي يظهر من نصوص المقام بل هو صريح جماعة من الاَصحاب تحقّقه هنا (أي في عقد النكاح) بالسكوت عن العيب مع العلم به فضلاً عن الاخبار بضده(2).
ثم إنّه قد يتحقق العيب من غير التدليس كما لو كان خفياً على
____________
(1) لاحظ كتاب الشروط لابنه الشهيد محمّد تقي الخوئي رحمه الله .
(2) ما افاده قدس سره من تحقق التدليس بالسكوت نظر الى نصوص المقام مما لا شكّ فيه وهو الصحيح ولا ينافيه ما تقدم عن الشيخ الانصاري قدس سره في بعض رسائله في النكاح، فان الاخفاء الذي ذكره يتحقق بالسكوت أيضاً، نعم بعض من عاصرناه من أهل الفتوى اختار في تفسير التدليس الاخبار بضد الواقع كما تكرر منه في جواب اسئلة مقلديه وضيق الامر على الناس.

( 329 )
الزوجة ووليها، والتدليس من غير عيب كالحرية والبكارة والنسب... وفقد سائر صفات الكمال، والتدليس والعيب معاً كمن دلس بالعيب.
وفي صحيح محمّد بن القاسم بن فضيل عن أبي الحسن عليه السلام في الرجل يتزوج المرأة على أنّها بكر فيجدها ثيباً أيجوز له أنّ يقيم عليها؟ قال: فقال: قد تفتق البكر من المركب ومن النزوة(1).
وفي صحيح محمّد بن جزك قال: كتبت الى أبي الحسن عليه السلام أسأله عن رجل تزوج جارية بكراً فوجدها ثيباً هل يجب الصداق لها وافياً أم ينتقص؟ قال: ينتقص(2).
أقول: تقدم عن الجواهر أنّه إذا ثبت سبق ذلك على العقد كان له الفسخ... ولعلّه لا خلاف فيه...
وقال أيضاً: بل لا يبعد ثبوت الخيار معه وإنْ لم يذكر ذلك شرطاً في متن العقد وإنما كان بتدليس منها أو من وليها، لما سمعته في المسائل السابقة انتهى كلامه(3).
وفي صحيح الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام ...: وقال في رجل يتزوج المرأة فيقول لها أنا من بني فلان فلا يكون كذلك؟ فقال: تفسخ النكاح، أو قال: ترد(4).
____________
(1) ص189 ج21 جامع الاحاديث. ونزا ينزوا: وثب يثب. والوثبة النهوض والقيام. وقفز وثب.
(2) نفس المصدر وفي كيفية نقص المهر أقوال.
(3) ص377 ج30 وقال في محل آخر (ص114 ج3) بل يقوى في النظر ثبوت الخيار إذا تزوجها على الوصف الذي دلست به فبان الخلاف وان لم يشترط ذلك في متن الخيار فلاحظ وتأمل والله العالم. انتهى.
(4) ص614 وص615 ج14 الوسائل اقول في نسخة الكامپيوتر من الوسائل نقل

=


( 330 )
أقول: فاذا جاز لها بتدليس مثل هذا الاَمر جاز لها الرد بتدليس أُمور كثيرة أُخرى بطريق أُولى.
نعم صحة الرواية مبينة على صحّة طريق الشيخ الى الحسين بن سعيد في مشيخة التهذيب وفيه اشكال ـ ولا عبرة بصحّته في الفهرست ـ خلافاً للمشهور أو الكل في تصحيح طريق الشيخ إليه(1).
وفي الجواهر: قد تكرر منا غير مرة قوة ثبوت الخيار بالتدليس بصفة من صفات الكمال على وجه يتزوجها كذلك، فبان الخلاف ـ أي صفة كانت ـ لظهور نصوص التدليس فيه... بل يمكن دعوى تحصيل الاجماع منهم هنا على أنّ شرطية الصفات توجب الخيار إذا بان الخلاف، نعم لو كان الشرط من الافعال أمكن القول بعدم الخيار بتعذره أو امتناعه للفرق بين النكاح والبيع بذلك، بل يلزم المشترط عليه بادائه...(2).
وقال السيّد السيستاني: يتحقّق التدليس بتوصيف المرأة للرجل عند إرادة التزويج بالسلامة من العيب مع العلم به بحيث صار ذلك سبباً لغروره وخداعه، فلا يتحقق بالاخبار لا للتزويج أو لغير الزوج، والظاهر تحقّقه أيضاً بالسكوت عن بيان العيب مع العلم به واقدام الزوج بارتكاز السلامة
____________
=
الرواية مسندة عن أبي عبدالله عليه السلام لكن في جامع الاَحاديث ص165 ج20 نقلها مضمرة قال سالته وهو المصرح به في الجواهر ونقل عن كشف اللثام وغيره أنّه لا يجدي ان الحلبي أعظم من أي يروي نحو ذلك عن غير الامام لاحتمال رجوع الضمير الى الحلبي ويكون الراوي (أي حماد) عنه سأله (ص112 ج30) أقول هذا الاحتمال ضعيف خلاف الظاهر فلاحظ وعلى كل ادعى الشهيد الثاني ان الاكثر على أنّه ليس للمرأة الفسخ بذلك.
(1) لاحظ كتابنا: بحوث في علم الرجال الطبعة الثالثة.
(2) ص385 وص386 ج30.

( 331 )
منه(1).
الفائدة الرابعة: فيما يترتب على عدم انفاق الزوج.
في صحيح الفضيل وربعي عن الصادق عليه السلام في قوله عزّ وجلّ: (ومَن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله)(2) قال: إنْ انفق عليها ما يقيم ظهرها مع كسوة وإلاّ فرق بينهما(3).
وفي صحيح أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: مَن كانت عنده امرأة فلم يكسها ما يواري عورتها ويطعمها ما يقيم صلبها كان حقاً على الاِمام أنْ يفرق بينهما(4).
أقول: ويؤيدهما جملة من الروايات الواردة بمعناهما غير المعتبرة سنداً، ومقتضى قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم)(5) عدم قيمومية الزوج على الزوجة في فرض عدم الانفاق عجزاً أو عناداً، بناء على أنّ علة القيمومة مجموع الفضيلة الطبيعية والانفاق لا كل واحدة منهما.
اذا تقرّر ذلك فها هنا أبحاث:
1 ـ إطلاق الحديثين يشمل الفقير والواجد الممتنع غائباً كان أو حاضراً.
2 ـ هل يجري الحكم المذكور في عدم اسكان الزوجة مسكناً خصوصاً مع احتياجها إليه؟ فيه وجهان، من وجوبه عليه كالاطعام
____________
(1) ص87 ج3 منهاج الصالحين.
(2) الطلاق آية 7.
(3 و 4) ص452 ج21 جامع الاحاديث.
(4) النساء آية 34.

( 332 )
والكسوة، ومن عدم ذكره فيهما. وهكذا الكلام في عدم تهيئة الادوية اللازمة.
3 ـ التفريق ليس واجباً على الاِمام مطلقاً، وإنما هو لرعاية حق المرأة، فلو لم ترافع الى الحاكم لم يجز له طلاقها، وان رافعت اليه، فإن كان زوجها واجداً أجبره على الانفاق أو الطلاق، وقد دل بعض الروايات المعتبرة على أنّ من كانت عنده إمرأة فلم يكسها ما يواري عورتها ولم يطعمها ما يقيم صلبها كان حقاً على الامام ان يفرق بينهما(1).
4 ـ قيل: يجوز لها أنْ تأخذ من مال زوجها الممتنع ما تستحقه بدون إذنه، ولا بأس به من باب التقاص، نعم في الغائب غير الممتنع الاَحوط الاستئذان من الحاكم إنْ أمكن وإلاّ جاز للحرج.
5 ـ يجوز للحاكم أخذ مال الممتنع وبيعه لنفقتها اذا طالبت ورافعت، فإنّه ولي الممتنع.
6 ـ قيل: إنّ الطلاق باين غير رجعي.
أقول: ويحتمل الرجوع في العدة إذا صار الزوج موسراً بعد ما كان معسراً أو تاب ورجع الى البذل، فتأمل.
7 ـ اذا تبين للزوجة اعسار الزوج هل لها الخيار لقاعدة لاضرر؟ فيه وجهان(2)، لكن الترافع الى الحاكم يدفع الضرر، إلاّ أنّ يجعل محل البحث فرض فقدان الحاكم الشرعي.
8 ـ اذا تعمد الزوج في اخفائه مصراً على عدم البذل أو لا يمكن للحاكم لبعد المكان ونحو ذلك اجباره جاز له طلاقها عند مراجعتها لاطلاق
____________
(1) جامع الاحاديث ج 21 ص 452 ـ 453.
(2) لاحظ تفصيله ص104 وص105 ج31 الجواهر.

( 333 )
الحديثين فإنهما لم يعلقا الطلاق على الاجبار بين الامرين، بل اذا علم الحاكم بامتناع الموسر جاز الطلاق وان امكنه ابلاغه للاطلاق المذكور؛ فما ذكره السيّد السيستاني من التقييد(1) غير مدلل إلا ان يدعى الانصراف. وهكذا الاَمر في توقف طلاق الحاكم على عدم إمكان بيع مال الممتنع له ولا للزوجة وان جاز بيعه لهما أو للحاكم وحده، فإنّه تقييد للاِطلاق بلا وجه سوى دعوى الانصراف، فلاحظ.
9 ـ اذا امتنع الموسر عن البذل فهل يجوز لها ترك حقوقه؟ قيل: فيه اشكال، والاحتياط لا يترك.
أقول: وهذا الاشكال والاحتياط يضعفان بقوله تعالى: (ومن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)(2)، ونحوه من الآيات الواردة في ذلك.
خاتمة هذه المسألة التي طوّلناها استطراداً لخيار المرأة:
قال السيد السيستاني طال عمره: اذا هجر الزوج زوجته كلياً فصارت كالمعلقة، لا هي ذات زوج ولا هي مطلقة جاز لها رفع أمرها إلى الحاكم الشرعي فيلزم الزوج بالعدول عن هجرها وجعلها كالمعلقة أو تسريحها لتتمكن من الزواج من رجل آخر، فاذا امتنع منهما جميعاً بعد استنفاذ كل الوسائل المشروعة لاجباره حتى الحبس لو أمكنه يطلقها بطلبها ذلك، ويقع الطلاق بائناً أو رجعياً حسب اختلاف الموارد، ولا فرق فيما ذكرنا بين بذل الزوج نفقتها وعدمه، وأمّا اذا صارت كالمعلقة بغير اختياره كما لو كان الزوج محكوماً بالحبس مدة طويلة فهل يجب عليه أنْ يطلقها اذا لم ترض
____________
(1) منهاج الصالحين ج 3 ص 108.
(2) البقرة آية 194.

( 334 )
بالصبر؟ فيه اشكال، فالاَحوط وجوباً له الاستجابة لطلبها في الطلاق، ولكن اذا امتنع عن الطلاق فعليها الانتظار حتى يفرج الله عنها. واذا كان يؤذيها ويشاكسها بغير وجه شرعي جاز لها رفع أمرها الى الحاكم الشرعي ليمنعه من الايذاء والظلم ويلزمه بالمعاشرة معها بالمعروف، فإنْ نفع وإلاّ عزره بما يراه الحاكم، فان لم ينفع أيضاً كان لها المطالبة بالطلاق، فان امتنع منه ولم يمكن اجباره عليه طلقها الحاكم الشرعي، انتهى كلامه(1).
أقول: ويمكن أنْ نستدلّ على الموضوع الاَوّل بقوله تعالى: (فلا تميلوا كلّ الميل فتذروها كالمعلّقة وإنْ تصلحوا وتتّقوا فإنّ الله كان غفوراً رحيماً وإنْ يتفرقا يُغنِ اللهُ كلاً من سعته) (النساء 129 ـ 130)، بدعوى أنّ المنهي عنه هو جعلها كالمعلّقة سواء كان لحب ضرتها أو لسبب آخر، وهذا النحو من الامساك لاحق للزوج، فيصح للحاكم طلاقها بعد امتناع الزوج منه، لاَنّ الحاكم ولي الممتنع.
وأمّا وجه الاحتياط في فرض كون ذلك من غير اختياره في الموضوع الثاني فلعله لاحتمال انصراف الآية الى فرض الاختيار، وأمّا دليل الموضوع الثالث، فهو قوله تعالى: (فامساك بمعروف أو تسريح بإحسان)(2)، وقوله: (فامسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا)(3) بتقريب عرفته.
ومع تعذر الحاكم هل لها الخيار بقاعدة لا ضرر، ونفي الحرج والعسر، وبما تقدم من الآيات؟ فيه وجهان.
____________
(1) منهاج الصالحين ج3 ص109.
(2) البقرة آية 229.
(3)

( 335 )
المسألة التاسعة والثلاثون
فوائد متفرقة طبية وعلمية
1 ـ قيل ان نطفة الرجل تحمل الاَشكال المتغائرة من كروموزمات اكسواى، والذي يحدد نوع الجنين ذكراً أم أنثى هو الرجل، أما المرأة فليست إلاّ كالارض التي تنبت ما يزرع بها (نساءكم حرث لكم)(1)
وقيل ان المرأة ايضاً تحدد نوع الجنين بافرازاتها التي تمكن هذا ولاتمكن ذاك الحيوان المنوي ذكراً او انثى.
2 ـ الكليات الخمس التي هي مقاصد التشريع عبارة عن الدين والنفس والعقل والنسل والكمال كما قيل.
3ـ قيل الاخصائيين صحيح لغة وإنما الخطأ في نطقها بكسر الخاء دون فتحها ومعنى اخصي يعلم فناً واحداً أو تخصص في فن واحد، اختصاصيين سليم.
4ـ قال بعض الاطباء: من المستطاع تشخيص الحمل ولما يأت موعد الحيضة التي ستغيب فان التبويض أي خروج البويضةـ يكون قبل الحيض لمدة اسبوعين، ثم نقول وتظل البويضة قابلة للتلقيح يوماً واحداً، فاذا لقحت بدأ الحمل وانتقل من القناة الى الرحم في خمسة أيام ويعلق بجدار الرحم، ولما يجيء ميعاد العادة وحين تقول «الست» كان ميعادها امس ولم تأت، يكون الحمل عمره اسبوعان ويكون قد علق، ويكون لو
____________
(1) الانجاب في ضوء الاسلام ص 44.

( 336 )
تتبعنا بالتحليل يوماً بعد يوم نستطيع ان نشخص ان هناك حملاً قبل ان يأتي موعد الحيضة التي ستغيب(1).
5 ـ ان كل خلية بشرية خلقت لكي تتكاثر عدداً معيناً من المرات بعد هذه المرات تفقد مقدراتها على التكاثر تماماً لاَن الخلايا ستتوقف، وكل كائن حي خلاياه فيها عدد معين من مرات الانقسام. السلحفاة التي تعيش مائة عام خلاياه تنقسم 90 مرة والخلايا البشرية تنقسم من اربعين الى خمسن مرة(2).
6 ـ الشايع في الاوساط الطبية ان الجينات تحوي الخصائص الفيزيائية والخصائص النفسية والسلوكية كذلك ويتحدثون عن مشروع كتابة القاموس الارثي كله الذي يحتوي على ثلاثة ونصف بليون قاعدة ارثية، وهناك مشروع لاتمام قراءة هذا القاموس وتحديده خلال عشرة اعوام(3).
أقول: فتبارك الله احسن الخالقين.
7 ـ بعض از نويسندگان ميگويند: زيان هائيكه آميزش جنسي با زنان حايض ببار مىاورد زياد است مانند احتمال عقيم شدن مرد وزن او إيجاد يكـ محيط مساعد براى برورش ميكرب بيماريهاى آميزشي چون سفليس وسوزاك ونيز التهاب اعضاى تناسلي زن ووارد شدن مواد حيض كه آكنده از ميكروبهاى داخل بدن است در عضو تناسلي مرد وغير اينها كه در كتب طب مذكور است.
وفقنا الله تعالى لتأليف هذا الكتاب في سنة 1375 هـ ش 1417هـ ق في اسلام آباد عاصمة الباكستان.
____________
(1) الانجاب على ضوء الاسلام ص 302.
(2) الحياة الانسانية بدايتها ونهايتها ص 607.
(3) رؤية اسلامية لزراعة بعض الاعضاء البشريه ص 92.

( 337 )
وليعلم ان مانقلناه عن فقهاء اهل السنة ولم نذكر مصدره في بعض المقامات غفلة فالمصدر هو احد تلك الكتب الخمسة التي ذكرنا اسمائها في أول هذا الكتاب.
والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً وصلى الله على محمد
وآله الطاهرين وعلينا وعلى عباد الله الصالحين