**قال في الكشاف عند تفسير الاية الأولى ، فإن قلت : هل فيه دليل على أنالأرض مسطحة وليست بكرية ؟ .
قلت : ليس فيه إلا أن الناس يفترشونها كما يفعلون بالمفارش ، وسواءكانت على شكل السطح أو شكل الكرة فالافتراش غير مستنكر ولا مدفوع ؟لعظم حجمها، واتساع جرمها ، وتباعد أطرافها . وإذا كان متسهلا في الجبلوهو وتد من أوتاد الأرض ، فهو في الأرض ذات الطول والعرض أسهل (4) .إنتهى كلامه .
**وقال (5) في التفسير الكبير: من الناس من يزعم أن الشرط في كون الأرضفراشا أن لا تكون كرة ، فاستدل بهذه الاية على أن الأرض ليست كرة ، وهذابعيد جدا ، لأن الكرة إذا عظمت جدا كان كل قطعة منها كالسطح (6) ، انتهى .
وكيف يتوهم متوهم أن القول بكروية الأرض خلاف ما عليه أهلالشرع !! وقد ذهب إليه كثيرمن علماء الإسلام ، وممن قال به صريحا من فقهائنا- رضوان الله عليهم - العلامة اية الله ، وولده فخر المحققين قدس سرهما .
**قال العلامة في التذكرة : إن الأرض كرة ، فجاز أن يرى الهلال في بلد ولايظهر في اخر ؛ لأن حدبة الأرض مانعة لرؤيته ، وقد رصد ذلك أهل المعرفة ،وشوهد بالعيان خفاء بعض الكواكب الغربية لمن جد في السيرنحو المشرقوبالعكس (1) ، إنتهى كلامه زيد إكرامه [10 | أ] .
**وقال فخر المحققين في الإيضاح : الأقرب أن الأرض كروية ؟لأن الكواكبتطلع في المساكن الشرقية قبل طلوعها في المساكن الغربية ، وكذا في الغروب.
فكل بلد غربب بعد عن الشرقي بألف ميل يتأخر غروبه عن غروب الشرقيبساعة واحدة .
وإنما عرفنا ذلك بأرصاد الكسوفات القمرية ، حيث ابتدأت في ساعات أقلمن ساعات بلدنا في المساكن الغربية ، وأكثر من ساعات بلدنا في المساكنالشرقية ، فعرفنا أن غروب الشمس في المساكن الشرقية قبل غروبها في بلدنا ،وغروبها في المساكن الغربية بعدغروبها في بلدنا ، ولو كانت الأرض مسطحة لكانالطلوع والغروب في جميع المواضع في وقت واحد .
ولأن السائر على خط من خطوط نصف النهار على الجانب الشمالي يزدادعليه ارتفاع القطب الشمالي وانخفاض الجنوبي ، وبالعكس (2) ، انتهى كلامهرفع الله مقامه ؛ وهو خلاصة ما ذكره صاحب المجسطي ، وغيره في هذا الباب .
ولا يخفى أن قوله رحمه الله : ولأن السائر ، إلى آخره ، من تتمة الدليل ؛لأن اختلاف المطالع والمغارب لا يستلزم كروية الأرض بل استدارتها فيما بينالخافقين فقط ، فيتحقق لوكانت اسطوانية الشكل مثلا كما لا يخفى .
ولنشرع الآن في شرح الدعاء .
**قال مولانا وإمامنا سيد العابدين ، وقبلة أهل الحق واليقين ، سلام اللهعليه وعلى آبائه الطاهرين .
**« أيها الخلق المطيع ، الدائب السريع ، المتردد في منازلالتقدير ، المتصرف في فلك التدبير » .
**لفظة « أي » : وسيلة إلى نداء [10 | ب ] المعرف باللام ، كما جعلوا « ذو»وسيلة إلى الوصف بأسماء الأجناس ، و« الذي » وسيلة إلى وصف المعارفبالجمل ؛ لأن إلصاق حرف النداء بذي اللام يقتضي تلاصق أداتي التعريف ،فإنهما كمثلين كما قالوا ، وإنما جاز في لفظ الجلالة للتعويض ولزوم الكلمةالمقدسة ، كما تقرر في محله ، واعطيت حكم المنادى ، والمقصود بالنداء وصفها ،ومن ثم التزم رفعه ، واقحمت هاء التنبيه بينهما تاكيدا للتنبيه المستفاد من النداء ،وتعويضا عما تستحقه « أي » من الإضافة .
**« والخلق » : في الأصل مصدر بمعنى الإبداع والتقدير ، ثم استعمل بمعنىالمخلوق ، كالرزق بمعنى المرزوق .
**« والدائب » - بالدال المهملة واخره باء موحدة - : اسم فاعل من دأبفلان في عمله أي جد وتعب .
وجاء في تفسير قوله تعالى : ( وسخر لكم الشمس والقمردائبين )(1) ، أي مستمرين في عملهما على عادة مقررة جارية(2) ، والمصدر=
**« والسرعة » : كيفية قائمة بالحركة ، بها تقطع من المسافة ما هو أطول فيزمان مساو أو أقصر ، وما هو مساو في زمن أقصر .
**ووصفه عليه السلام القمر بالسرعة ربما يعطي بحسب الظاهر أن يكونالمراد سرعته باعتبار حركته الذاتية ، وهي التي يدور بها على نفسه .
وتحرك جميع الكواكب بهذه الحركة مما قال به جم غفير من أساطينالحكماء ، وهو يقتضي كون المحو المرئي في وجه القمر شيئا غيرثابت في جرمه ،وإلا لتبدل وصفه ، كما قاله سلطان المحققين (2) قدس الله روحه في شرحالإشارات (3) ، وستسمع فيه كلاما إن شاء الله .
والأظهر أن ما وصفه به عليه السلام من السرعة إنما هو باعتبار حركتهالعرضية التي بتوسط فلكه ، فإن تلك الحركة على تقدير وجودها غيرمحسوسة ولامعروفة ، والحمل على المحسوس المتعارف أولى .
وسرعة حركة القمر(1) بالنظر الى سائر الكواكب ؟ أما الثوابت فظاهر ،لكون حركتها أبطأ الحركات حتى أن القدماء لم يدركوها ؛ وأما السيارات فلأنزحل[11 | أ] يتم الدور في ثلاثين سنة ، والمشتري في اثنتي عشرة سنة ، والمريخفي سنة وعشرة أشهر ونصف ، وكلا من الشمس والزهرة وعطارد في قريب سنة ،وأما القمر فيتم الدور في قريب من ثمانية وعشرين يوما .
هذا ولا يبعد أن يكون وصفه عليه السلام القمر بالسرعة باعتبار حركتهالمحسوسة على أنها ذاتية له ، بناء على تجويز كون بعض حركات السيارات فيأفلاكها من قبيل حركة الحيتان في الماء ، كما ذهب إليه جماعة ، ويؤيده ظاهر قولهتعالى : ( والشمس والقمر كل في فلك يسبحون )(2).
**ودعوى امتناع الخرق على الأفلاك لم تقرن بالثبوت ، وما لفقه الفلاسفةلاثباتها أوهن من بيت العنكبوت ؛ لابتنائه على عدم قبول الأفلاك باجزائهاللحركة المستقيمة ، ودون ثبوته خرط القتاد(3) ، والتنزيل الإلهي الذي لا ياتيهالباطل من بين يديه ولا من خلفه ناطق بانشقاقها(4).
وما ثبت من معراج نبينا صلى الله عليه واله بجسده المقدس الى السماءالسابعة صاعدا شاهد بانخراقها .
أراد عليه السلام بمنازل التقدير منازل القمر الثمانية والعشرين ، التييقطعها في كل شهر بحركته الخاصة ، فيرى كل ليلة نازلا بقرب واحد منها ، قالإلله تعالى : ( والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم)(1) .
وهي : الشرطا ن ، والبطين ، والثريا ، والدبران ، والهقعة ، والهنعة ،والذراع ، والنثرة [ 11 | ب ]، والطرف والجبهة ، وا لزبرة ، وا لصرفة ،وا لعواء ، وا لسماك الأعزل ، والغفر ، والزبانا ، والإكليل ، والقلب ،والشولة ، والنعائم ، والبلدة ، وسعد الذابح ، وسعد بلع ، وسعد السعود ،وسعد الأخبية ، والفرغ المقدم ، والفرغ المؤخر ، والرشاء.
**وهذه المنازل مشهورة فيما بين العرب ، متداولة في محاوراتهم ، مذكورة فيأشعارهم ، وبها يتعرفون الفصول (2) ، فإنهم لما كانت سنوهم - لكونها باعتبارالأهلة - مختلفة الأوائل لوقوعها في وسط الصيف تارة وفي وسط الشتاء اخرى ،احتاجوا إلى ضبط السنه الشمسية ، ليشتغلوا في أشغال كل فصل منها بما يهمهمفي ذلك الفصل ، فوجدوا القمر يعود إلى وضعه الأول من الشمس في قريبمن ثلاثين يوما ، ويختفي في أواخر الشهر ليلتين أو ما يقاربهما ، فاسقطوا يومينمن زمان الشهر فبقي ثمانية وعشرون ، وهو زمان ما بين ظهوره بالعشيات فيأول الشهر وآخر رؤيته بالغدوات في أواخره ، فقسموا دور الفلك على ذلك ،فكان كل قسم اثنتي عشرة درجة وإحدى وخمسين دقيقة تقريبا ، فسموا كل قسممنزلا ، وجعلوا لها علامات من الكواكب القريبة من المنطقة ، وأصاب كل برجمن البروج الاثني عشر منزلان وثلثا .
ثم توصلوا إلى ضبط السنة الشمسية بكيفية قطع الشمس[ 12 | أ ] لهذه
وذلك لأنهم رأوها تستتر دائما ثلاثة منها ما هي فيه بشعاعها ، وما قبلهابضياء الفجر، وما بعدها بضياء الشفق.
فرصدوا ظهور المستتر بضياء الفجر ، ثم بشعاعها ثم بضياء الشفق فوجدواالزمان بين ظهوري كل منزلين ثلاثة عشر يوما بالتقريب ، فأيام المنازل ثلاثمائةوأربعة وستون ، لكن الشمس تعود إلى كل منزل بعد قطع جميعها في ثلاثمائةوخمسة وستين يوما ، وهي زائدة على أيام المنازل بيوم ، فزادوا يوما في منزلالغفر ، وانضبطت لهم السنة الشمسية بهذا الوجه ، وتيسر لهم الوصول إلى تعرفأزمان الفصول وغيرها .
القمر إذا أسرع في سيره فقد يتخطى منزلا في الوسط ، وإن أبطأ فقد يبقىليلتين في منزل ، أول الليلتين في أوله ، وآخرهما في اخره ، وقد يرى في بعضالليالي بين منزلين .
فما وقع في الكشاف ، وتفسير القاضي عند قوله تعالى : ( والقمر قدرناهمنازل)(1) من أنه ينزل كل ليلة في واحد منها لا يتخطاه ولايتقاصر عنه (2) ،ليس كذلك فاعرفه .
الظاهر أن مراده عليه السلام بتردد القمر في منازل التقدير ، عوده اليها فيالشهر اللاحق بعد قطعه إياها في السابق ، فتكون كلمة « في » بمعنى إلى ، ويمكنأن تبقى على معناها الأصلي بجعل المنازل ظرفا للتردد ، فان حركته التي يقطع بهاتلك المنازل لما كانت مركبة من شرقية وغربية جعل كانه لتحركه فيها بالحركتين
وأما على رأي من يمنع جواز قيام الحركتين المختلفتين بالجسم ، ويرى أنللنملة المتحركة بخلاف حركة الرحى سكونا حال حركة الرحى ، وللرحي سكوناحال حركتها ، فتشبيهه بالمتردد أظهر كما لا يخفى .
« الفلك » ، مجرى الكواكب ، سمي به تشبيها بفلكة المغزل (1) فيالاستدارة والدوران .
قال : الشيخ أبو ريحان البيروني (2) : إن العرب والفرس سلكوا في تسميةالسماء مسلكا واحدا ، فإن العرب تسمي السماء فلكا تشبيهأ لها بفلك الدولابوالفرس سموها بلغتهم آسمان ، تشبيها لها بالرحى فإن « آس » هو الرحىبلسانهم ، و« مان » دال على التشبيه (3) ، انتهى [12 | ب] .
**والمراد بـ « فلك التدبير » ، أقرب الأفلاك التسعة إلى عالم العناصر ، أي :الفلك الذي به تدبر بعض مصالح عالم الكون والفساد .
وقد ذكر بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى : ( فالمدبرات أمرا) (4)أن المراد بها الأفلاك(5) ؛ وهو أحد الوجوه التي أوردها الشيخ الجليل أمين
والبيروني قيل نسبة إلى سكناه خارج خوارزم ، بناءاً على قراءتها بالتخفيف ، وقيل أنها مدينة فيالشد . مات سنة 440 هـ = 1048 م له ترجمه في : اللباب 1 :197 | عيون الأنباء: 459 | الأعلام5: 314 | معجم الادباء 17 : 180 رقم 62 | تاريخ مختصر الدول : 186 | روضات الجنات 7 : 351رقم 669 | الذريعة 1 : 507 رقم 2501 | وانظر مقدمة التفهيم الفارسية .=
ويمكن أن يكون على ضرب من المجاز ، كما يسمى ما يقطع به الشيءقاطعا.
وربما يوجد في بعض النسخ : « المتصرف في فلك التدوير » ، وهو صحيحأيضا ، وإن كانت النسخة الأولى أصح ، والمراد به رابع أفلاك القمر ، وهوالفلك الغير المحيط بالأرض ، المركوز هو فيه ، المتحرك - أسفله على تواليالبروج ، وأعلاه بخلافه ، مخالفا لسائر تداوير السيارة - كل يوم ثلاث عشرةدرجة وثلاث دقائق وأربعا وخمسين ثانية . وهو مركوز في ثخن ثالث أفلاكهالمسمى بالحامل ، المباعد مركزه مركز العالم بعشر درج ، المتحرك على التوالي كليوم أربعا وعشرين درجة واثنتين وعشرين دقيقة وثلاثا وخمسين ثانية .
وهو واقع في ثخن ثاني أفلاكه المسمى بالمائل الموافق مركزه مركز العالم ،المماس مقعره محدب النار الفاضل عن الحامل الموافق له في ميل منطقته عن منطقةالبروج بمتممين متدرجي الرقة إلى نقطتي الأوج والحضيض ، المتحرك على خلافالتوالي كل يوم إحدى عشرة درجة وتسع دقائق وسبع ثوان.
وهو واقع في جوف أول أفلاكه المسمى بالجوزهر الموافق مركزه مركز العالم ،ومنطقته منطقة البروج ، والمماس محدبه مقعر ممثل عطارد ، المتحرك كالثاني كليوم ثلاث دقائق واحدى عشرة ثانية .
*
*
من غرائب الأوهام ما حكم به صاحب المواقف (1) ، من أن غاية الغلظ فيكل من المتممين مساوية لبعد مركز الحامل عن مركز العالم (2) .
**وهذا مما يكذبه العيان ويبطله قاطع البرهان [13 | أ] ، وكونها ضعفا له ممالا ينبغي أن يرتاب فيه من له أدنى تخيل ، ويمكن إقامة البرهان عليه بوجوهعديدة .
ويكفي في التنبيه عليه أن التفاضل بين نصفي قطري الحامل والمائل بقدرما بين المركزين ، فيكون ضعف ذلك تفاضل القطرين (3) .
ولنا على ذلك برهان هندسي أوردناه في شرحنا على شرح الجغميني (4).
والعجب من المحقق الدواني (5) كيف وفق صاحب المواقف على ذلك الوهم ،
له ترجمة في : الدرر الكامنة 2 : 322 رقم 2278 | طبقات الشافعية الكبرى 6 : 08 1 | شذراتالذهب 6 : 174 | هدية ألأحباب : 218 | بغية الوعاة 2 : 75 رقم 1476 | روضات افي ت 5: 49رقم 438 | معجم المؤلفين 5: 119 | الأعلام 3 : 295 | الكنى والألقاب 2 : 472 .=
وأعجب من ذلك أنه استدل على حقية ما زعمه حقا بأنه لو فرض تطابقالمركزين ثم حركة الحامل إلى الأوج فبقدر ما يتباعد المركزان يتباعد المحيطان (1) .
وأنت ، وكل سليم التخيل تعلمان أن دليله هذا برهان تام على نقيضمدعاه ، فإيراده له من قبيل إهداء السلاح إلى الخصم حال الجدال ، وصدورمثله عجيب من مثله .
لا يبعد أن تكون الإضافة في « فلك التدبير» من قبيل إضافة الظرف إلىالمظروف ، كقولهم مجلس الحكم ، ودار القضاء ، أي الفلك الذي هو مكان=
**ويمكن أن يراد بـ « فلك التدبير» مجموع الأفلاك التي تتدبر بها الأحوالالمنسوبة إلى القمر بأسرها ، وتنضبط بها الأمور المتعلقة به بأجمعها ، حتى تشابهحركة حامله حول مركز العالم ، ومحاذاة قطر تدويره نقطة سواه إلى غيرذلك .
وتلك الأفلاك الجزئية هي الأربعة السالفة مع ما زيد عليها لحلذينك الإشكالين ، ومع ما لعله يحتاج إليه أيضا في انتظام بعض أموره وأحوالهالتي ربما لم يطلع عليها الراصدون في أرصادهم ، وإنما يطلع عليها المؤيدون بنورالإمامة والولاية .
وحينئذ يراد بالتدبير التدبير الصادر عن الفلك نفسه ، وتكون اللام فيهللعهد الخارجي ، أي التدبير الكامل الذي ينتظم به جميع تلك الأمور ، واللهأعلم .
لا يبعد أن يراد بـ « فلك التدبير» الفلك الذي يدبره القمر نفسه ، نظراإلى ما ذهب إليه طائفة من أن كل واحد من السيارات السبع مدبر لفلكه ،كالقلب في بدن الحيوان .
قال سلطان المحققين ، نصير الملة والحق والدين قدس الله روحه ، فيشرح الإشارات : ذهب فريق إلى أن كل كوكب منها ينزل مع أفلاكه منزلة حيوانواحد ذي نفس واحدة ، تتعلق بالكوكب أول تعلقها ، وبأفلاكه بواسطةالكوكب ، كما تتعلق نفس الحيوان بقلبه أولا ، وبأعضائه الباقية بعد ذلك ، فالقوةالمحركة منبعثة عن الكوكب الذي هو كالقلب في أفلاكه ، التي هي كالجوارحوالأعضاء الباقية(1) ، انتهى كلامه زيد إكرامه .
ويمكن أن يكون هذا هومعنى ما أثبته له [14 | أ] عليه السلام من التصرففي الفلك ، والله أعلم بمقاصد أوليائه سلام الله عليهم أجمعين .
خطابه عليه السلام للقمر ، ونداؤه له ، ووصفه إياه بالطاعة والجد ،والتعب والتردد في المنازل ، والتصرف في الفلك ، ربما يعطي بظاهره كونه ذا حياةوإدراك ، ولا استبعاد في ذلك نظرا إلى قدرة الله تعالى، إلا أنه لم يثبت بدليلعقلي قاطع يشفي العليل ، أو نقلي ساطع لا يقبل التأويل ، نعم أمثال هذهالظواهر ربما تشعر به ، وقد يستند في ذلك بظاهر قوله تعالى : ( والشمس
**وقد أطبق الطبيعيون على أن الأفلاك بأجمعها حية ناطقة عاشقة ، مطيعةلمبدعها وخالقها ، وأكثرهم على أن غرضها من حركاتها نيل التشبه بجنابه ،والتقرب إليه جل شأنه ، وبعضهم على أن حركاتها لورود الشوارق القدسية عليهااناً فآنا ، فهي من قبيل هزة الطرب والرقص الحاصل من شدة السرور والفرح .
وذهب جم غفير منهم إلى أنه لا ميت في شيء من الكواكب أيضا ، حتىأثبتوا لكل واحد منها نفسا على حدة تحركه حركة مستديرة على نفسه ، وابنسينا(2) في الشفاء مال إلى هذا القول ورجحه (3) وحكم به في النمط السادس منالإشارات (4) ، ولو قال به قائل لم يكن مجازا، فإن كلام ابن سينا وأمثاله وإن لميكن حجة يركن إليها الديانيون في أمثال هذه المطالب ، إلاّ إنه يصلح للتأييد .
**ولم يرد في الشريعة المطهرة - على الصادع بها وآله أفضل الصلوات وأكملالتسليمات - ما ينافي ذلك القول ، ولا قام دليل عقلي على بطلانه .
**وإذا جاز أن يكون لمثل البعوضة والنملة فما دونها حياة ، فأي مانع من أن
وقد ذهب جماعة إلى أن لجميع إلأشياء نفوسا مجردة ونطقا ، وج علوا قولهتعالى : ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده )(1)محمولا على ظاهره .
وليس غرضنا من هذا الكلام توجيح القول بحياة الأفلاك ، بل كسر سورةاستبعاد المصرين على، إنكاره وردّه ، وتسكين صولة المشنعين على من قال به أوجوزه.
**وقد قدمنا في فواتح هذا هذا الشرح - الذي نسأل الله أن يوفقنا لإتمامه - كلامامبسوطاً في هذا [ 14 | ب ] الباب ، ذكرنا ما قيل فيه من الجانبين (2) ، واللهالهادي .
قال مولانا وإمامنا عليه السلام :
**« امنت بمن نور بك الظلم ، وأوضح بك البهم ، وجعلك آيةمن ايات ملكه ، وعلامة من علامات سلطانه ، وامتهنك بالزيادةوالنقصان ، والطلوع والأفول ، والإنارة والكسوف ، في كل ذلكأنت له مطيع ، وإلى إرادته سريع » .
**« الإيمان » ، وان اختلفت الأمة في أنه التصديق القلبي وحده ، أو الإقراراللساني وحده ، أو كلا الأمرين معا ، أو أحدهما ، أو مع العمل الأركاني ، كماتقدم تفصيله وتحقيق الحق فيه في فواتح هذا الشرح (1) .=
=
إلا أن الإيمان المعدى بالباء لا خلاف بينهم في أنه التصديق القلبي بالمعنىاللغوي .
**و«النور»والضوء مترادفان لغة، وقد تسمى تلك الكيفية إن كانت من ذاتالشيء ضوءا ، وإن كانت مستفادة من غيره نورا ، وعليه قوله تعالى: ( جعلالشمس ضياء والقمر نورا ( (1).
**و« الظلم » : جمع ظلمة ، ويجمع على ظلمات أيضا ، وهي عدم الضوءعما من شأنه أن يكون مضيئا (2).
**و« البهم » - بضم الباء الموحدة وفتح الهاء- : جمع بهمة ، بضم الباءوإسكان الهاء ، وهي مما يصعب على الحاسة إدراكه إن كان محسوسا، وعلى الفهمإن كان معقولا(3) .
**و « الاية » : العلامة .
**و« السلطان » : مصدر بمعنى الغلبة والتسلط ، وقد يجىء بمعنى الحجةوالدليل ، لتسلطه على القلب وأخذه بعنانه.
**و « المهنة » - بفتح الميم ، وكسرها ، واسكان الهاء -: الخدمة والذل والمشقة ،والماهن : الخادم .
و«امتهنه »: استعمله في المهنة .
**و«طلوع »الكوكب : ظهوره فوق الأفق أومن تحت شعاع الشمس .
**« وافوله غروبه تحته» .
**و« الكسوف » ، زوال الضوء عن الشمس أو القمر للعارض المخصوص ،وقد يفسر الكسوف بحجب القمر ضوء الشمس عنا ، أو حجب الأرض ضوءالشمس عنه ، وهو تفسير للشيء بسببه .
وقال جماعة من أهل اللغة : الأحسن أن يقال في زوال ضوء الشمسكسوف ، وفي زوال ضوء القمر خسوف (1)[15 |أ] ، فإن صح ما قالوه فلعلهعليه السلام أراد بالكسوف زوال الضوء المشترك بين الشمس والقمر لا المختصبالقمر وهو الخسوف ، ليكون خلاف الأحسن (2) فتدبر .
**ولا يخفى أن امتهان القمر حاصل بسبب كسف الشمس أيضا ، فانه هوالساتر لها ، ولما كان شمول الكسوف للخسوف أشهر من العكس اختارهعليه السلام ، والله أعلم .
لما افتتح عليه السلام الدعاء بخطاب القمر ، وذكر أوصافه وأحواله ، منالطاعة والجد والسرعة ، والتردد في المنازل ، والتصرف في الفلك ، وأراد أنيذكر جملا اخرى من أوصافه وأحواله سوى ما مر ؛ جرى عليه « السلام على النمطالذي افتتح عليه الدعاء من خطاب القمر ، ونقل الكلام من أسلوب إلى اخر ؛على ما هودأب البلغاء المفلقين من تلوين الكلام في أثناء المحاورات كما ذكرهصاحب المفتاح في بحث الالتفات (3) ؛جعل تلك الجمل - مع تضمنها لخطابالقمر وذكر أحواله - موشحة بذكر الله سبحانه ، والثناء عليه جل شأنه ، تحاشيا
**والتعبير بالنكرة الموصوفة وإن كان يحصل به هذا الغرض أيضا إلآ أن المقامليس مقام التنكيركما لا يخفى .
**فإن قلت : مضمون الصلة لا بد أن يكون أمرا معلوما للمخاطب ،معهودا بينه وبين المتكلم انتسابه إلى الموصول قبل ذكر الصلة ، ولذلك لم يجز كونهاإنشائية كما قرروه ، والمخاطب هنا هو القمر وهو ليس من ذوي العلم فكيفيلقى إليه الموصول مع الصلة ؟ .
**قلت : كونه من غيرذوي العلم ليس أمرا مجزوما به ، وقد مر الكلام فيهقبيل هذا(1) ، سلمنا ، لكن تنزيل غير العالم منزلة العالم لاعتبار مناسب غيرقليلفي كلام البلغاء ، فليكن هذا منه ، على أن التنزيل المذكور لا مندوحة عنه فيأصل نداء القمر وخطابه ، فإن الخطاب توجيه الكلام نحو الغير للإفهام ، فلا بدمن تنزيله منزلة من يفهم .
**واللام في « الظلم » للاستغراق ، أعني : العرفي منه لا الحقيقي ، والمرادالظلم المتعارف تنويرها بالقمر ، من قبيل جمع الأمير الصاغة .ويمكن جعله للعهد الخارجي .
والحق أن لام الاستغراق العرفي ليست شيئا وراء لام العهد الخارجي ،فإن المعرف بها هوحصة معينة من الجنس أيضا ، غايته أن التعيين فيها نشأ منالعرف ، وقد أوضحت هذا في تعليقاتي على المطول (2) .
التنكير في قوله عليه السلام : « وجعلك آية من آيات ملكه » ، يمكنأن يكون للنوعية ، كما قالوه في قوله تعالى : ( وعلى أبصارهمغشاوة)(1)(2) ، والأظهر أن يجعل للتعظيم .
**فإن قلت : احتمال التحقير أيضا قائم ، وهذا كما قالوه في قوله تعالى:( إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمان )(3) : إن التنكير فيه يحتملالتعظيم والتحقير معا ، أي عذاب شديد هائل ، أو عذاب حقير ضعيف ، فلمطويت عنه كشحاً !؟ .
قلت : الاحتمالان في الاية الكريمة متكافئان بحسب ما يقتضيه الحال ،فلذلك جوزهما علماء المعاني من غيرترجيح ، بخلاف ما نحن فيه ، فان الحملعلى التحقير وان كان لا يخلو من وجه -أيضا - نظرا إلى ما هو أعظم منه من آياتملكه جل شأنه ، إلا أن الحمل على التعظيم كأنه أوفق بالمقام ، وأنسب بمقتضىالحال ، فلذلك ضربت عن ذكره صفحا .
وإن أبيت إلا أن تساوي الأمرين في ذلك فلا مشاحة معك ، وللناس فيمايعشقون مذاهب .
**وقوله عليه السلام : « وامتهنك . . . » إلى اخره ، مبين ومفسر للآيةوالعلامة ، وكون إحدى الجملتين مبينا ومفسرا لبعض متعلقات الأخرى لا يوجبكمال الاتصال بينهما المقتنر لفصلها عنها ، إنما الموجب له أن تكون الثانية مبينةوكاشفة عن نفس الأولى ، كما في قوله تعالى : ( فوسوس إليه الشيطان قال
وأما امتهان القمر بالأمور المذكورة فهو نفس علامة الملك والسلطنة ،لانفس جعله علامة لهما ، فلا مانع من وصل جملته بجملة الجعل فتدبر ، على أنأحوال القمر التي هي علامات لملكه وسلطانه جل شأنه ليست منحصرة فيالامتهان بالأمور المذكورة بل لها أفراد أخر ، وكذلك الجعل المذكور ، فوصل جملةالامتهان بما قبلها يجري مجرى عطف الخاص على العام كما لا يخفى .
وتقديم الظرفين في قوله عليه السلام : » أنت له مطيع وإلى إرادته سريع «للدلالة على الاختصاص ، كما في قوله تعالى : ( له الملك ولهالحمد)(2).
ويمكن أن يكون رعاية السجع أيضا ملحوظة ، والله أعلم [16 | أ] .
الباء في قوله عليه السلام « نور بك الظلم » إما للسببية أو للالة .
**ثم إن جعلنا الضوء عرضا قائما بالجسم - كما هو مذهب أكثر الحكماء(3) ،ومختار سلطان المحققين قدس الله روحه في التجريد(4) - فالتركيب من قبيلسودت الشيء وبيضته ، أي صيرته متصفا بالسواد والبياض .
**وإن جعلناه جسما - كما هو مذهب القدماء من أنه أجسام صغار شفافةتنفصل عن المضيء وتتصل بالمستضيء - فالتركيب من قبيل لبنته وتمرته ، أيصيرته ذا لبن أو تمر(5).=