وهذه نادرة تدلنا على مدى ما للمظاهر من تأثير في النفوس ، وهي حادثةجرت للشيخ في دمشق الشام مع الشيخ البوريني الصفوري(1) يحكيها لناالمحبي(2) وخلاصتها:
أن الشيخ البهائي لما ورد دمشق نزل عند بعض التجار الكبار في محلهتبريز، واجتمع مع صاحب الروضات في مزارات تبريز الحافظ حسينالكربلائي القزويني التبريزي(3).
ثم إن الشيخ طلب من مضيفه الاجتماع بالشيخ البوريني ، فأعد التاجر.
دعوة تأنق فيها، ودعا غالب أهل الفضل من محلته ومنهم البوريني دخل البوريني المجلس ، والبهائي بهيئة السياح متصدراً له ، والجمع محدق به بأدب .
عجب البوريني من ذلك ، لعدم معرفته وسماعه بقدوم الشيخ ، فلم يعبأبه، ونحاه عن مجلسه ، وجلس فيه غير ملتفت إليه ، شارعا في بث معارفه الى أنحانت صلاة العشاء.
مات سنة 1024 هـ .
خلاصة الأثر 2: 51/ ريحانة الألباء 1 : 42 .
ثم جلسوا، فابتدر الشيخ البهائي في نقل بعض القضايا والأبحاث ، وهكذاالى أن أورد بحثاً في التفسير عويصا، فتكلم عليه بعبارة سهلة فهمها الجميع ، ثمدقق العبارة حتى لم يفهم ما يقوله إلا البوريني ، ثم أغمض في العبارة فلم يفهمحتى البوريني .
هذا والجمع صموت جمود، لا يدرون ما يقولون ، غير أنهم يسمعون تراكيبواعتراضات وأجوبة تأخذ بالألباب .
عندها نهض البوريني واقفا على قدميه فقال : إن كان ولابد فأنتالبهائي الحارثي ، إذ لا أحد اليوم بهذه المثابة إلا هو.
فاعتنقا، وأخذا في إيراد أنفس ما يحفظان .
وسأله الشيخ البهائي كتمان أمره ، وافترقا، ولم يقم بعدها، بل رحل الىحلب (1).
ويذكر العرضي (2) في ترجمته قال : قدم (حلب ) مستخفيا في زمنالسلطان مراد بن سليم (3) ، مغيراً صورته بصورة رجل درويش ، فحضردرس الوالدالشيخ عمر(4) ، وهولايظهر أنه طالب عالم ، حتى فرغ من الدرس .
فسأل الوالد عن أدلة تفضيل الصديق على المرتضى، فذكر أحاديث منهاحديث «ما طلعت الشمس » وغيرها.
فرد عليه ، ثم ذكرأشياء كثيرة تقتضي التفضيل للمرتضى، فشتمهالوالد!!! وقال له : رافضي شيعي ، وسبه وسكت !!
ثم إن الشيخ البهائي أمر بعض التجار أن يصنع وليمة يجمع فيها بين الشيخعمر وبينه .
امتثل التاجر ذلك ، ودعاهما وأخبر الشيخ الوالد أن هذا هو الملابهاء الدين عالم بلاد العجم .
وعندما استقر المقام بهما .
قال الشيخ البهائي للوالد: شتمتمونا.
فقال : ما علمت أنك الملا بهاء الدين !!! ولكن إيراد مثل هذا الكلامبحضور العوام لايليق !
بعد هذه الفترة الطويلة عاد الى محطته الاولى أصفهان ، فتوجهت اليهأنظار الأعاظم ، منتهلة من نميره الصافي العذب ، مستفيدة من أنوار أفكاره البكر،حتى اختصه الشاه عباس الصوفي حضراً وسفراً حتى صحبه معه في سفره الى التربةالمقدسة، حيث مرقد الإمام الثامن سيراً على الأقدام وفاءاً لنذر كانه نذره .
وقد اشتهرت عنه حكايات في سياحته كثيرة، منها ممكنة، ومنهامستبعدت أو ملحقة بالخرافات .
اعترف عامة من ترجم للمصنف -قدس سره - بل وجميع من تأخرعنه ،بعظم شخصيته العلمية العملاقة في افق العلم ، وسماء المعرفة، تقدم اليك نبذاًيسيرة:
قال شيخ الحفاظ والمحدثين العلامة الأميني :
. . . بهاء الملة والدين ، واستاذ الأساتذة و المجتهدين ، وفي شهرته الطائلةوصيته الطائر في التضلع من العلوم ، ومكانته الراسية من الفضل والدين ، غنى عنتسطير ألفاظ الثناء عليه ، وسرد جمل الإطراء له .
فقد عرفه من عرفه ، ذلك الفقيه المحقق ، والحكيم المتأله ، والعارفالبارع ، والمؤلف المبدع ، والبحاثة المكثر المجيد، والأديب الشاعر، والضليع منالفنون بأسرها، فهو أحد نوابع الامة الإسلامية، والأوحدي من عباقرتهاالأماثل (1) .
ويصفه المحبي بقوله :
.. . بطل العلم والدين الفذ، صاحب التصانيف والتحقيقات ، وهوأحق من كل حقيق بذكر أخباره ، ونشر مزاياه ، واتحاف العالم بفضائله وبدائعه .
وكان امة مستقلة في الأخذ بأطراف العلوم ، والتضلع بدقائق الفنون ،وما أظن الزمان سمح بمثله ، ولا جاد بنده ، وبالجملة فلم تتشنف الأسماعبأعجب من أخباره(2) .
وقال شيخ الأمل في ترجمته :
حاله في الفقه والعلم والفضل والتحقيق والتدقيق وجلالة القدر وعظمالشأن وحسن التصنيف ورشاقة العبارة وجمع المحاسن أظهر من أن يذكر،وفضائله أكثر من أن تحصر، وكان ماهراً متبحراً جامعاً كاملاً شاعراً أديباً منشئاً
ويطريه السيد التفرشي بقوله :
جليل القدر، عظيم المنزلة، رفيع الشأن ، كثير الحفظ ، ما رأيت بكثرةعلومه ووفور فضله وعلو رتبته في كل فنون الاسلام كمن له فن واحد، له كتبنفيسة جيدة (2) .
وأما الأردبيلي فيطريه قائلاً:
جليل القدر، عظيم المنزلة، رفيع الشأن ، كثير الحفظ ، ما رأيت بكثرةعلومه ووفورفضله ، وعلومرتبته أحدا في كل فنون الاسلام كمن كان له فنواحد، له كتب نفيسة جيده منها. .. (3) .
ويصفه المجلسي الأول قائلاً:
الشيخ الاعظم ، والوالد المعظم ، الامام العلامة، ملك الفضلاء والادباءوالمحدثين ، بهاء الملة والحق والدين .. (4) .
وفي مورد اخر يقول :
شيخنا واستاذنا ومن استفدنا منه ، بل كان الوالد المعظم ، كان شيخالطائفة في زمانه ، جليل القدر، عظيم الشأن ، كثير الحفظ ، ما رأيت بكثرة علومه ،ووفورة فضله ، وعلو مرتبته أحداً .. (5) .
ووصفه السيد المدني في سلافته قائلاً:
«علم الائمة الأعلام ، وسيد علماء الاسلام ، وبحر العلم المتلاطمةبالفضائل أمواجه ، وفحل الفضل الناتجة لديه أفراده وأزواجه ، وطود المعارفالراسخ ، وقضاؤها الذي لاتحد له فراسخ ، وجوادها الذي لايؤمل له لحاق ،
فهو علامة البشر، ومجدد دين الأئمة على رأس القرن الحادي عشر، اليهانتهت رياسة المذهب والملة، وبه قامت قواطع البراهين والأدلة،جمع فنون العلموانعقد عليه الاجماع ، وتفرد بصنوف الفضل فبهر النواظر والأسماع ،فما من فن إلاوله فيه القدح المعلى والمورد العذب المحلى، إن قال لم يدع قولاً لقائل ، أو طال لميأت غيره بطائل ، وما مثله ومن تقدمه من الأفاضل والأعيان إلا كالملة المحمديةالمتأخرة عن الملل والاديان ، جاءت اخر ففاقت مفاخراً وكل وصف قلته في غيرهفإنه في تجربة الخواطر» (1) .
ويطريه صاحب نسمة السحر قائلاً:
« . . . رجل الدهر، وجامع الفخر، ورب الشوارد، وقيد الأوابد، فهووارث علم الرئيس ابن سينا في تلك الفنون والحال لاهل الطريقة حقيقة نورطور سيناء فيه يهتدون ، لم يلحق في طريق ، ولم يرفع في فريق ، فهوحيناً وزيرالسيف والعلم ، وإذ به وزير الدفتر والنون والقلم » (2) .
ويطريه شيخ الخزانة الشيرازي بقوله :
«بهاء الحق وضياؤه ، وعزالدين وعلاؤه ، وافق المجد وسماؤه ، ونجمالشرف وسناؤه ، وشمس الكمال وبدره ، وروض الجمال وزهره ، وبحر الفيضوساحله ، وبر البر ومراحله ، وواحد الدهر ووحيده وعماد العصر وعميده ، وعلمالعلم وعلامته ، وراية الفضل وعلامته ، ومنشأ الفصاحة ومولدها، ومصدرالبلاغة وموردها، وجامع الفضائل ومجمعها، ومنبع الفواضل ومرجعها، ومشرقالافادة ومشرعها، وسلطان العلماء وتاج قمتهم ، وبرهان الفقهاء وتتمة أئمتهم ،وخاتم المجتهدين وزبدتهم ، وقدوة المحدثين وعمدتهم ، وصدر المدرسين واسوتهم ،وكعبة الطالبين وقبلتهم ، مشهورجميع الآفاق ، وشيخ الشيوخ على الاطلاق ، كهف
ويطريه الخفاجي قائلاً:
«.. . زين بمآثره العلوم النقلية والعقلية، وملك بنقد ذهنه جواهرهاالسنية، لاسيما الرياضيات . . . وهوفي ميدان الفصاحة فارس وأي فارس ، وإنغصنه أينع وربا بربوة فارس فإن شجرته نبتت عروقها بنواحي الشام الزاهيةالمغارس ، والعرق نزاع وإن أثر الجوارفي الطباع » (2) .
وهذا الحنفي في شرحه على رائية المصنف والمسماة «وسيلة الفوزوالامان » يقول في حقه :
« . . . صاحب التصانيف والتحقيقات ، وهوم حق من كل حقيق بذكرأخباره ونشر مزاياه ، واتحاف العالم بفضائله وبدائعه ، وكان امة مستقلة فيالأخذ بأطراف العلوم والتضلع من دقائق الفنون ، وما اظن أن الزمان سمح بمثلهولا جاد بنده ، وبالجملة فلم تتشنف الأسماع بأعجب من أخباره » (3) .
وقد ذكره الشهاب في كتابيه وبالغ في الثناء عليه (4) وقد أطال أبوالمعالي الطالوي في الثناء عليه وكذلك البديعي (5) .
هذا غيض من فيض مما قيل أويمكن أن يقال في حق شيخنا المصنف ،علم الأعلام ومن عرفت مكانته السامية في دنيا الفضل والفضيلة والدين ، حتىقيل في حقه : « .. . لايدرك بحر وصفه الاغراق ، ولا تلحقه حركات الأفكار،
نعم هناك من اجترأ الوقيعة فيه ، وما ذاك إلا لقلة دين ، وإلافلم ؟!!!!
هذا يوسف المغربي (2) له هجاء للشيخ البهائي ، وليس ذلك لسببظاهر سوى الغيرة والحسد من علمه ومعرفته وشهرته ، أو لغلبته له في ميادين العلمحيث يقول :
هذا، ولون اخرمن الوقيعة فيه ، هو للمحبي مع اعترافه بفضله وعلمه ،ومع هذا ينسبه الى الغلو في الحب ! حب من ؟ حب آل البيت عليهم السلام ،وينسب الزندقة الى موال آخر، ويعتذر للشيخ حيث يقول : « ... إلا أنه لم يكنعلى مذهب الشاه في زندقته !! ! - والسبب في ذلك - انتشار صيته - البهائي - فيسداد دينه إلا أنه غالى في حب ال البيت »(4) .
نعم ، ما أجرأه على الوقيعة في مؤمن يقول : ربي الله .
لكن الرجل مندفع بدافع البغضاء ، فيقذف ولا يكترث ، ويقول ولايبالي .
وليت شعري أي غلو وقف عليه في حب الشيخ الأجل -البهائي - لآلبيت نبيه الأطهر؟!
نعم ، لم يجد شيئاً من الغلو، لكنه يحسب كل فضيلة رابية جعلها اللهسبحانه لآل الرسول صلى الله عليه وآله ، وكل عظمة اختصهم بها غلواً، وهذا من
له ترجمة في خلاصة الأثر 4 : 501-503/ نفحة الريحانة 4: 406 -409الاعلام 8: 231/ هديةالعارفين 2 : 566/ معجم المؤلفين 13: 301/ كشف الظنون 1 : 829 ريحانة الألبا 2 : 32 رقم 186.
نعم ، إنها وكما قيل :
ولعل بهذا أمكن القارىء من تكوين صورة واضحة عن الشيخ البهائيقدس سره .
**ثم إن بعض الحوادث والقصص فيها من الدلالة على سمو الخلق وصفاءالباطن الشيء الكثير، بالخصوص سموخلق العلماء، فانه فوق كل اعتبار.
والقصة هي :
أن الشاه عباس ركب يوماً إلى بعض متنزهاته ، وكان الشيخ البهائي وألميرالداماد في موكبه ، إذ كان لايفارقهما غالباً، وكان الداماد عظيم الجثة، والبهائينحيفها .
فأراد الشاه أن في خبر صفاء الخواطر بينهما .
فقال للداماد وهو راكب فرسه في مؤخرة الجمع ، وقد ظهرت عليه اثارالإعياء والتعب ، والبهائي في مقدمة الجمع :
يا سيدنا، ألاتنظر الى هذا الشيخ كيف تقدم بفرسه ، ولم يمش على وقاركما تمشي أنت ؟
فقال الداماد: أيها الملك ، إن جواد الشيخ قد استخفه الطرب بمن ركبه ،فهو لايستطيع التأني ، ألا تعلم من الذي ركبه ؟
ثم قال الملك للبهائي : يا شيخنا ألا تنظرالى هذا السيد كيف أتعبمركبه بجثمانه الثقيل ؟ والعالم ينبغي أن يكون مرتاضاً مثلك خفيف المؤنة .
فقال البهائي : أيها الملك إن جواد الشيخ أعيى بما حمل من علمه الذيلايستطيع حمله الجبال .
فعند ذلك نزل الشاه عن جواده وسجدلله شكراً على ان يكون علماء دولته بهذا الصفاء.
فأكرم به من ملك كامل وسلطان عادل ! وأكرم بهما من عالمينمخلصين!
لكن هناك من يدعي وجود نفرة بينما، وهي بعيدة كل البعد، ويدلناعلى ذلك صورة رسالة عثرنا عليها(1) موجهة من الشيخ البهائي الى السيد الدامادقدس سرهما اليك هي :
طوبى لك أيها المكتوب ، حيث تتشرف بملامسة سيدنا ومخدومنا، بلمخدوم العالمين ، سمي خامس أجداده الأئمة الطاهرين سلام الله عليهم اجمعين (2) .
سلام الله عليكم .
لاحاجة الى ما استقرعليه العرف العام ، واستمربه الرسم بين الأنام ،من توشيح الخطاب ، وترشيح مبتدأ الكتاب ، بذكر المزايا والألقاب ، ونشر معاليالمآثرفي كل باب ، إذ هو فيما نحن فيه كفت شهرته مؤنة التصدي لتحريره ، وأغنىارتكازه في الخواطر عن التعرض لشرحه وتقريره ، ولوأنا أطلقنا عنان القلم فيهذا المضمار، وأجرينا فلك البيان في ذا البحر الزخار لكنا بمنزلة من يصفالشمس بالضياء، أوينعت حاتم بالسخاء ، ولنا دنيا المقام بأفصح لسان ، إنالعيان يغني عن البيان .
وأما شرح شدة التعطش الى رشف راح الوصال ، وحدة التحرق والتلهفالى شرف الإتصال فأعظم من ان يحويه نطاق الكلام ، أو تنبىء عنه ألسنةألأقلام ، فلذلك طوينا كشحاً عن مد أطناب الاطناب في ذلك ، فضربنا صفحاًعن إنارة شهاب الاسهاب في تلك المسالك ، واقتصرنا على إهداء طرائفصحائف تسليمات تنهل عن رياض الوداد هواطلها ، وشرائف لطائف تحياتتتبختر في مسالك الاتحاد قوافلها وخوالص خصائص دعوات تتهادى في جادة
هذا وإن مجاري أحوال المحب القديم ، الذي هو خالص بالوداد، مقيم علىما يوجب مزيد الحمد ويستدر أخلاف الشكر، والأوقات ! - بتوفيق الله سبحانه -مصروفة في تدارك ما فات ، والاستعداد لما هوعن قريب آت .
والمأمول من الألطاف القدسية الاجراء على صفحة الخاطر الأنور ،والضمير الأطهر بما يسنح من صوالح الدعوات المعطرة مشام الاجابات ، وفتحأبواب المكاتبات والمراسلات الجالية عن القلب صدأ الآلام والكربات ، الجالبةالى النفس أعظم الأفراح والمسرات .
والسلام عليكم وعلى العاكفين ببابكم ، واللائذين بأعتابكم ورحمةاللهوبركاته .مخلصكم حقا وصدقاً
بهاء الدين
أما جواب السيد الداماد قدس سره فهو اية من آيات الود والصفاء والمحبةوالاخلاص اليك هو وإنك خيرحكم :
ياليتني كنت شيئا من هذه الأرقام ، حيث يلحظها بعين عنايته شيخناالأفخم الأعظم ، ومخدومنا الأعلم الأكرم ، نطاق الايمان ، وعروة الدين ، قدوة أهلالحق واسوة أهل اليقين ، لازال مجده وبهاؤه ممدوداً بالتظليل على رؤوس المؤمنينوعلى مفارق العالمين (1) .
لقد هبت ريح الانس من سمت القد س ، فاتتني بصحيفة منيفة كأنهابفيوضها بروق العقل بوموضها، وكأنها بمطاويها أطباق الأفلاك بدواريها، وكأنأرقامها باحكامها طبقات الملك والملكوت بنظامها، وكأن ألفاظها برطوباتها أنهارالعلوم بعذوباتها ، وكأن معانيها بأفواجها بحار الحقائق بأمواجها . وأيم الله إن
فاستقبلتها القوى الروحية، وبرزت اليها القوى العقلية، ومدت لها، قطنةسوامع الشعر أعناقها من كوى الحساس ، وروازن المدارك وشبابيك المشاعر،وكادت حمامة النفس الناطقه تطير من وكرها شغفاً وهزازا، وتستطار الى عالمهاشوقا واهتزازا، فلعمري لقد ترويت ولكني لفرط ظمئي ما ارتويت .
فلازالت مراحمكم الجبليلة مدركة للتائقين بأضواء الألطاف الخفيةوالجلية .
ثم إن صورة مراتب الشوق والإخلاص ، التي هي ما وراء ما يتناهى بمالايتناهى، أظنها لهي المنطبعة كما هي عليها في خاطركم الأقدس الأنور، الذي هولاستجرار الوجوه كمرآة مجلوة، ولغوامض أفانين العلوم ومعضلاتها كمصفاةمسطرة .
وإنكم لأنم بمزيد فضلكم المؤملون لامرار المخلص على حواشي الضميرالمقدس المستنير عند صوالح الدعوات السانحات في مئنة الاستجابة ومظنةالاجابة، بسط الله ظلالكم وخلد مخدمكم وخلانكم .
والسلام على جنابكم الأرفع الأبهى، وعلى من يلوذ ببابكم الألمعالأسمى، ويعكف بفنائكم الأوسع الأسطع الاسنى ، ورحمة الله وبركاته أبداًسرمدا.مخلصكم الملتاع
محمد باقر الداماد الحسيني
وحكايات ما وقع بينهما من المصافاة والمصادقة كثيرة، وهكذا يسعدالزمان وأهله بامثال هؤلاء العلماء وهؤلاء الملوك .
**ويؤكد ذلك السمو والصفاء أيضا ما نقله السيد الأمين عن المنشىء فيعالمه حيث يقول :
**تقلد الشيخ منصب شيخ الإسلام في اصفهان ، زمن الشاه عباس الكبيرخلفاً للشيخ علي المنشار، وتبوأ مكانته المعروفة في عهد الشاه المذكور، ولم يكنلأحد من كبار الرجال الصفويين مركز يداني مركزه ، ولذلك كثر حساده ومناوئوهوكثر الدس حوله ، حتى تمنى أن والده لم يخرج به من جبل عامل الى الشرق ، فيكلمة قوية عبر بها عن تبرمه من فساد الأخلاق في كثيرمن أبناء زمانهو معاصريه .
فقال طيب الله ثراه : لولم يأت والدي قدس الله روحه من بلاد العرب ،ولولم يختلط بالملوك، لكنت من اتقى الناس وأعبدهم وأزهدهم ، لكنه طاب ثراهأخرجني من تلك البلاد وأقام في هذه الديار، فاختلطت بأهل الدنيا،واكتسبت أخلاقهم الرديئة، واتصفحت بصفاتهم ، ثم لم يحصل لي من الاختلاطبأهل الدنيا إلا القيل والقال ، والنزاع والجدال ، وآل الأمر أن تصدى لمعارضتيكل جاهل ، وجسرعلى مباراتي كل خامل (1) .
هذا نص عبارة الشيخ ، وهي نفثة مصدور، عبربها - كما قلنا - عن آلامهوامتعاضه وتكاثر حساده ومنافسيه وما كان أكثر هؤلاء الحساد والمنافسين بلاشك إلا من ذوي الأطماع وعباد المصالح الشخصية والجاه الزائف ، ولكنهم معذلك لم ينالوا منه منالا ولا استطاعوا أن يزعزعوا من مركزه الكبير.
انظره يقول :
قد جرى ذكري يوماً في بعض المجالس العالية، والمحافل السامية، فبلغنيأن بعض الحضار- ممن يدعي الوفاق وعادته النفاق ، ويظهر الوداد ودأبه العناد-جرى في ميدان البغي والعدوان ، وأطلق لسانه في الغيبة والبهتان ، ونسب إليمن العيوب ما لم تزل فيه ، ونسي قوله تعالى : (أيحب أحدكم أن يأكل لحم
فلما علم أني علمت بذلك ، ووقفت على سلوكه في تلك المسائل ، كتبإلي رقعة طويلة الذيل ، مشحونة بالندم والويل ، يطلب فيها الرضا، ويلتمسالاغماض عما مضى .
فكتبت اليه في الجواب : جزاك الله خيراً فيما أهديت إلي من الثواب ،وثقلت به ميزان حسناتي يوم الحساب ، فقد روينا عن سيد البشر، والشفيعالمشفع في المحشر أنه قال :
(يجاء بالعبد يوم القيامة، فتوضع حسناته في كفة، وسياته في كفة،فترجح السيئات فتجيء بطاقة فتقع في كفة الحسنات فترجح بها. فيقول : يارب ماهذه البطاقة؟!! فيقول غزوجل : هذا ما قيل فيك وأنت منه بريء ).
فهذا الحديث قد أوجب بمنطوقه علي أن أشكر ما أسديته من النعم إلي ،فكثرالله خيرك وأجزل مبرك .
مع أني لو فرض أنك شافهتني بالسفاهة والبهتان ، وواجهتني بالوقاحةوالعدوان ، ولم تزل مصراً على شناعتك ليلاً ونهاراً، مقيما على سوء صناعتكسراً وجهاراً، ما كنت اقابلك إلا بالصفح والصفا، ولا اعاملك إلا بالمودةوالوفاء، فإن ذلك من أحسن العادات ، وأتم السعادات ، وإن بقيت مدة الحياةأعز من أن تصرف في غيرتدارك ما فات ، وتتمة هذا العمر القصير لاتسمعمؤاخذة احد على التقصير(2) .
نعم هذه أخلاق لومزجت بها البحر لعذب ماؤه طعماً.
وكان ذلك من بواعث تنغيص عيشه ، وتكدير صفو حياته أحياناً،وطالما نفس عن كربه بالعزلة أو بالسياحة والرحلة .
إن شيخنا المصنف قدس سره على توغله في العلوم عامة، وتسنمه المناصبالعالية، لم يكن تاركاً لحلبة الأدب نظماً ونثراً. يصف أدبه المدني قائلاً:
« . . . وأما أدبه فالروض المتأرج أنفاسه ، المتضوع بنثره ونظمه وردهوآسه ، المستعذب قطافه وجناه ، والمستظرف لفظه ومعناه..» (1) .
لم لايكون كذلك وهو«تسجيل حي لخواطر يعيشها الأديب وتثيرهاأماني مضطرمة، والام محمومة ، فينظمها ليؤدي بها خدمة انسانية، وواجباً أخلاقياًأصلاحياً بطريقة النقد البناء» (2) .
نعم إن «شعره الحسن النائب مناب سلامة الرحيق ، فيه ماشئت من رقةالألفاظ ولطافة معان تتعلم منها السحر غمزات وألحاظ وتفنن » (3) .
هذا وقد نظم الشيخ قدس سره باللغتين الفارسية والعربية فأجاد فيهاوأفاد .
وأما نثره ، فهوكما قال المحبي :
« . . . إذا طلعت أغصان أقلامه في رياض أدبه الجنية الغروس ، سجدتلها، الأقلام سجدة الشكرفي محاريب الطروس ، فأقلام إفاداته لانسب باعياء قط ،وصحائف فجره لم تسنن من حسود بنقط . . . »(4).
مع كل هذا لم نجد لم ديوان شعرمجموع ، غير أن شعره مبثوث في كشكولهوغيره من مؤلفاته ، نعم جمع شعره بالعربية الشيخ محمد رضا بن الشيخ الحر العامليفي ديوان (5) ، ولم نعثر عليه .
وقد تجمع لدينا مجموع لابأس به ، نرجو التوفيق لجمع أكثر منه ونشرهمع شرح قصيدته -التي هي من غررشعره - رائيته الشهيرة التي يمدح فيها الامامالحجة المنتظر صلوات الله عليه وعجل فرجه تناهز الخمسين بيتاً.
وهي :
وقد جاراها جمع وشرحها آخرون فممن جاراها :
العلامة الأمير السيد علي بن خلف المشعشعي الحويزي (1) بقصيدةمطلعها:
والعلآمة الشيخ جعفر بن محمد الخطي المعاصرللشيخ البهائي إجتمع معهفي اصفهان فانشده الشيخ رائيته طالباً منه مجاراتها، فطلب الشيخ الخطي تاجيلهثلاثة أيام ثم لم يرتض ذلك لنفسه فقام في المجلس مرتجلاً قصيدته العصماء التيأولها :
ومنهم الشاعر الفذ الفاضل علي بن زيدان العاملي المتوفى 1260 بمعركة(جنوب لبنان ) جارى قصيدة الشيخ بعصماء أولها:
وممن شرحها:
الشيخ أحمد بن علي المنيني الدمشقي وطبع الشرح آخر الكشكول في الطبعةالمحرفة المصرية .
ومنهم العلامة الجليل حجة البحث والتأريخ الشيخ جعفر النقديقدس سره وبكتابه الذي أسماه منن الرحمان .
يقع بجزين طبع في النجف الأشرف سنة 1344 في المطبعة المرتضوية،والان قيد التحقيق نأمل من العلي القدير التوفيق لا تمامه .
*
*
مما لاشك فيه أن تأريخ العلم ومعاجم التراجم تحفل بذكر عدد كبير منعلماء المسلمين ، منهم من نراه قد اقتصرعلى فن من فنون المعرفة، أوعالم من علومالشريعة؛ ومنهم من انقطع لعلوم الدنيا لاغير، وكل منهم عاش إطارفنه وعلمهوما كتبه فيه .
ولكن نرى الشيخ البهائي قدس سره جمع من العلوم أكثرها، واختصبكتابة المختصرات الحاوية لعصارة مجلدات وتفوق فيها .
فنراه فقيها مع الفقهاء، محدثاً مع أهل الحديث ، مفسراً مع المفسرين ،أديبا مع الادباء، ورياضياً وفيلسوفاً مع أصحاب التعاليم ، وو وو. . . وإن قسمامن آثاره في الرياضيات والفلك لازالت مرجعاً لكثيرين من علماء المشرقوالمغرب ومعيناً يرتشف منه طلاب المدارس والجامعات وعلوم الدين .
وما ذاك إلا لأنه «زين بماثره العلوم العقلية والنقلية، وملك بذهنهجواهرها السنية ، لا سيما الرياضيات فانه راضها وغرس في حدائق الألبابرياضها » (1) .
إذن هو بحق مشارك عجيب في جميع ألوان الصرفة والعلوم من عقليةونقلية، وقد وفق في أغلب ما كتبه ، بدليل ما نراه من اهتمام العلماء في شرحكتبه واثاره ، وفعاليتها مع مرور الزمن ، وبقاؤها جديدة طريفة .
عزيزي القارئ كنا قد هيئنا سرداً لما عثرنا عليه من أسماء مؤلفاتالشيخ وشروحها وما علق عليها، وحيث اقترح علينا بعض .الفضلاء إلحاقهابأمكنة وجود المخطوط منها وبيان المطبوع ، ارتأينا إرجاء نشرها حيث لنا موعد معالشيخ المصنف في شرح قصيدته (سرى البرق) فإلى هناك آملين منها الدعاءبالتوفيق للوصول للمأمول .