الى الّذي ضحى بزهرة شبابه في سبيل مبدئه وعقيدته ..
الى السّائر على نهج الحسين عليه السلام .... الباذل نفسه ومهجته في سبيل الاسلام ..
الى من كان مثال الخلق السّامي والحنان والعطف ..
اليك أيها الشّهيد الحاج محمّد جمال علوان ..
يامن أفلت في ريعان شبابك ولمّا تبلغ السّادسة والعشرين ...
أقدّم ثواب عملي هذا عرفاناً لجميل ألطافك علينا
وانا استشهد بقول الشاّعرالخراساني
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أفضل بريته محمد، والهالطيبين المعصومين ، واللعن على أعدائهم أجمعين .
وبعد :
لايختلف اثنان أن من أقسام المناجاة بين العبيد وخالقهم - وهي المناجاةلدقة - الدعاء، وقد أثبت علماء الأخلاق والعرفان له مراتب .
منها: أن يصدر من اللسان ، ويكون القلب ساهيا غير ملتفت إلى ما يصدرمن كلام .
ومعه ، فإن الله لايستجيب الدعاء من قلب لاه (1).
ومنها: أن يصدر من القلب واللسان معاً، ومعه تنصهر الروح في حالةلايعلمها إلآ من كابد الشوق ، كما قيل ، فيكون هناك شعور بحالة من الطمأنينة،ويرى الداعي نفسه عزيزاً، يطلب من خالقه الكريم ما يشاء.
نعم ، عزيز، ولم لا؟ وخالقه كريم ، رحيم ، عطوف .
نعم ، عزيز، ولم لا؟ أليس هو القائل : (ادعوني أستجب لكم ) (2) .
نعم، وهو القائل:(وإذا سألك عبادي عني فاني قريب اجيب دعوةالداع إذا دعانِ)(3).
نعم ، هو قريب ، ولكن بشرط (فليستجيبوا لي ) .إذن ، إذا دعا الله تبارك وتعالى بنية صادقة، وقلب مخلص ، استجيب له ،ولكن بعد وفائه بعهدالله عزوجل .
ولكن ، إذا دعا الله عزوجل لغير نية وإخلاص لم يستجب له ... أليسيقول الله تعالى : (أوفوا بعهدي أوف بعهدكم )؟!
نعم ، أوفوا، يوف إليكم (1) .
ومن أصدق من الله عهدا ووعدا.
فالعبودية المطلقة لله موجبة للقرب منه ، والقرب منه موجب لاجابته ،وقد أطلق الاجابة والدعاء.
فكل دعاء مستجاب للمتقرب مع توفر الموجب والمصلحة .
نعم (اجيب ) ، ولكن إذا دعاني مؤمناً بي ، ولم يشرك بي ، وأخلص فيالدعاء .
والشرك أنواع ، وفي الدعاء أشده وأخفاه ، ومنها الشرك في الأسباب ،والبحث طويل .
هذا،
وللدعاء شروط - ولسنا في مقام التفصيل - منها أن يكون باسلوب لائقبعظمة الخالق البارئ المنعم لفظاً وحالة .
أما الثاني : كالتذلل والتصاغر، والاعتراف بالتقصير، وعدم الاستحقاقلشيء ، وإنما هوفي حالة طلب استنزال رحمته تعالى واستدرار عطفه ظاناً أنحاجته بالباب .
وبعد كل هذا وذاك ، فلا يقنطك إبطاء إجابته ، فإن العطية على قدرالنية، وربما اخرت عنك الاجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السائل وأجزل لعطاء
وأما الأول - فمن أولى من أولياء الله في الأخذ منهم ألفاظه وجواهره .
وسابقا قيل : إذا خرجت الموعظة من القلب دخلت القلب ، وإذاخرجت من اللسان لم تتجاوز الاذان .
إذن :
أليس من الحريٌ بنا أن نأخذه ممن أذهب الله عنهم الرجس وطهرهمتطهيراً!!
أليس من الحريٌ بنا أن نأخذه ممن كلامهم نور وأمرهم رشد ووصيتهمالتقوى .
أليس من الحريٌ بنا أن نأخذ الدعاء ممن :
أليس من الحريٌ بنا أن نأخذ الدعاء من أهل بيت يتصفون بالصفاتقبل الأمر بها ! !
أليس من الحريٌ بنا أن نأخذ الدعاء ممن جعلهم الله الوسيلة إليه !!
نعم .
أليس من الحريٌ بنا أن نأخذ المناجاة ممن لقبه أعداؤه قبل محبيه بـ« زين العابدين » و« سيد الساجدين » ! !
أليس من الحريٌ بنا أن نأخذ اصول الدعاء وفروعه وآدابه وألفاظه منالذي يجمع المؤرخون على أنه كان أعبد أهل زمانه ، وأشخصهم ، ومن كان لهقصب السبق في هذا المضمار لايجاريه أحد!!!
أليس من الحريٌ بنا أن نأخذه ممن لم ينقل عن أحد ما نقل عنه ، منعبادة وزهد حقيقيين !!
أليس من الحري بنا أن نأخذه ممن لم ينقل عن أحد ما نقل عنه من
**كيف لا، وهو إلامام زين العابدين علي بن الحسين بن علي بنأبي طالب ، الرابع من أئمة أهل البيت عليهم السلام وخلفاء النبي في إمامةالمسلمين .
إليك بعض أقوال معاصريه مثل ابن عيينة، ومصعب الزبيري ،والزهري ، وموسى بن طريف ، وهشام بن عروة، والأعرج ، وابن المسيب ،ويحيى بن سعيد، ملخصاً:
«ما رأيت أحداً كان أفقه من علي بن الحسين ، لكنه قليل الحديث ،وكان من أفضل أهل بيته ، وأحسنهم طاعة» (1) .
**«ما رأيت هاشميا أفضل منه »(2) .
«ما رأيت أورع منه » (3) .
«كان أفضل هاشمي أدركته » (4) .
«كان أقصد أهل بيته ، وأحسنهم طاعة» (5) .
«كان من أورع الناس وأعبدهم ، وأتقاهم لله عز وجل » (6) .
وأما ما ينقل من مكارم سيرته فلايحصى ، وإليك منها نماذج :
يقول ابن عيينة : «حج علي بن الحسين ، فلما أحرم واستوت به راحلته ،اصفر لونه ، وانتفض ، ووقع عليه الرعدة، ولم يستطع أن يلبي .
فقيل له :ما لك لا تلبي ؟!
فقال : (أخشى أن أقول : لبيك ، فيقال لي : لا لبيك !!) .
فقيل له : لابد من هذا.
فلما لبى غشي عليه ، وسقط عن راحلته ، فلم يزل يعتريه ذلك حتىقضى حجه »،(1).
وموسى بن طريف يحكي : « استطال رجل على علي بن الحسين ،فأغضى عنه ، فقال له : إياك أعني . فقال : (وعنك اغضي )»(2) .
وهذا هشام بن عروة ينقل : «كان علي بن الحسين يخرج على راحلته إلىمكة ، ويرجع ، لا يقرعها » (3) .
وأما عبادته :
فيحكي الحنبلي ما لفظه : سمي زين العابدين لفرط عبادته (4) .
ويصف مالك عبادته بقوله : «بلغني أنه كان يصلي في اليوم والليلةألف ركعة إلى أن مات ، وكان يسمى زين العابدين » (5) .
وهذا عبدالله بن أبي سليمان يقول : «كان علي بن الحسين إذا مشى لاتجاوز يده فخذه ، ولا يخط بيده ، قال : وكان إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة،فقيل له : مالك ؟
فقال : (ما تدرون بين يدي من أقوم ، ومن اناجي ! ! ) » (6) .
وروى ابن العماد الحنبلي عن الامام السجاد هذه الرواية، التي تدل علىعظمة عبادته ورفعتها وهي : (إن لله عباداً عبدوه رهبة، فتلك عبادة العبيد؟وآخرين عبدوه رغبة، فتلك عبادة التجار؟ واخرين عبدوه شكراً، فتلك عبادةالأحرار) (7) .
هذا أبو نعيم صاحب الحلية يصف الامام بقوله : « . . . زين العابدين ،
فقال : ( ويحكم ، أتدرون إلى من أقوم ؟ ومن اريد اناجي ؟ ! ! ) » (1) .
وهذا قول ابن الجوزي في كتابه : «كان - علي بن الحسين - لايحب أنيعينه أحد على طهوره ، وكان يستقي الماء لطهوره ، وفي مره قبل أن ينام ، فإذا قاممن الليل بدأ- بالسواك ، ثم يتوضأ، ثم يأخذ في صلاته . . . » (2) .
وكان الزهري إذا ذكر الامام يبكي ويقول : « زين العابدين ! ! » (3) .
هذا غيض من فيض ، ومن هنا نعلم سر ما في هذه الأدعية التي رويتعنه عليه السلام من التأثير في النفوس ، والنفوذ إلى العقول ، والسموٌ بالروحالبشرية إلى العلا.
إنها الواقعية، إنها الترجمة اللفظية الحقيقية لما يريده الباري عز وجل منالانسان في سيره التكاملي ، هذا دعاء مكارم الأخلاق ، هذا دعاؤه لأبويه ، هذادعاؤه ، هذا دعاؤه ، هذا . . . ، هذا . . . ، هذا . ..
ومن هنا نعلم سر تسميتها بإنجيل أهل البيت ، وبزبور آل محمد (4)عليهم السلام .
من نقل عنه ما نقل عن الامام من الدعاء - من معاصريه من الزهادوالفقهاء وغيرهم - بلاغة، ومعنوية، وتأثيراً في النفوس ؟ .
ما ذاك إلا للزهد الواقعي ، والطهارة الواقعية، والتقوى لله في السروالعلن واقعاً، . . . و. . . و. . . و.
والحاصل : أنه كان أفضل أهل زمانه وأعلمهم ، وأفقههم ، وأورعهم ،وأعبد هم ، وأكرمهم ، وأحلمهم ، وأصبرهم ، وأفصحهم ، وأحسنهم أخلاقاً ،
**أما قولاً فاليك الصحيفة، زبور آل محمد وإنجيلهم ، وكفى بها.
يقول سيد الأعيان في وصفها:
الصحيفة الكاملة في الأدعية، تحتوي على واحد وستين دعاءاً، في فنونالخير، وأنواع العبادة، وطلب السعادة، وتعاليم العباد، كيف يلجؤون إلى ربهم فيالشدائد والمهمات ، ويطلبون منه حوائجهم ، ويعملون بقوله تعالى : (ادعونيأستجب لكم )(2) ، من التحميد لله تعالى، والثناء عليه ، والشكر له ، والتذلل بينيديه ، واللجوء إليه ، والتضرع والاستكانة له ، والالحاح عليه ، وغير ذلك منفنون الدعاء، وأفانين المناجاة.
وبلاغة ألفاظها، وفصاحتها التي لا تبارى، وعلو مضامينها، وما فيها منأنواع التذلل لله تعالى، والثناء عليه ، والأساليب العجيبة في طلب عفوه ، وكرمه ،والتوسل إليه ، أقوى شاهد على صحة نسبتها، وأن هذا الدر من ذلك البحر،وهذا الجوهر من ذلك المعدن ، وهذا لثمر من ذلك الشجر، مضافا إلى اشتهارهاشهرة لاتقبل الريب ، وتعدد أسانيدها المتصلة إلى منشئها صلوات الله عليه وعلىآبائه وأبنائه الطاهرين ، فقد رواها الثقات بأسانيدهم المتعددة المتصلة إلى الامامزين العابدين عليه السلام .
وقد كانت منها نسخة عند زيد الشهيد رحمه الله ، ثم انتقلت إلى أولاده ،وإلى أولاد عبدالله بن الحسين المثنى ، كما هو مذكور في أولها مضافا إلى ما كانعند الامام الباقرعليه السلام من نسختها(3) .
هذا وقد اعتنى بها العلماء خاصة، والناس عامة، أتم اعتناء، روايةوضبطاً لألفاظها، ونسخها، وواظبوا على الدعاء بأدعيتها ليل نهار، وبالعشي
أما شروحها فقد بلغت عناية العلماء بها حداً كبيراً حتى عد شيخ الذريعة(قدس سره ) ما يقرب من الخمسين (2) شرحاً باللغتين العربية والفارسية، منهاالمختصر والذي هو بنحو التعليق ، ومنها المطول والموسع .
ومنها ماهو مختص بجانب واحد، مثل : الجانب العرفاني الأخلاقي ،أو الجانبالأخلاقي ، أو الجانب اللغوي ألبلاغي ، أو الجانب العلمي .
ومنها ماهو جامع بين الاختصار والكمال ،لاحتوائه على أغلب الفنون المتعلقةبالدعاء المشروح ، مثل «رياض السالكين» للسيد علي خان المدني .
ومنها شرحنا هذا الذي نقدمه إليك عزيزي القارئ ، ألا وهو:
من الشروح الموسعة على الصحيفة المقدسة شرح الشيخ البهائي المسمىبحدائق الصالحين إسماً للمجموع وسمى كل دعاء بأسم ، فهناك الحديقةالأخلاقية، والحديقة الصومية، والتحمدية . . .
والحديقة الهلالية، وهي ما نقدمه الآن ، والتي عثرنا عليها من مجموع هذاالشرح.
يذهب بعض أصحاب الفن إلى أن الشيخ البهائي لم يتم شرحه هذا لجميعأدعية الصحيفة، وإنما الذي خرج إلى البياض وأتمه هو فقط الحديقة الهلالية .
والظاهر أن الأمر ليس كذلك ، إذ هو قدس سره يحيل إلى شروحالأدعية المتقدمة بما يدل على أنه أتمها، حتى أنه ينقل عبارات تامة من تلكمالشروح فمثلأ قوله ص 19 :
**وقد قدمنا في فواتح هذا الشرح . . . كلاماً مبسوطاً في هذا الباب وذكرناما قيل فيه من الجانبين .
وقوله ص 47 :
والمباحث المتعلقة بالصلاة على النبي .. . وإيراد ما يرد على أن آل النبيصلى الله عليه واله حقيقة هم الأئمة المعصومون سلام الله عليهم قد مر الكلام فيها فيالفواتح ، فلا معنى لاعادته .
وقوله ص 50 ، وهوأصرح من جميع ما تقدم :
وقد قدمنا في الحديقة الأخلاقية، من شرحنا هذا، وهي الحديقةالعشرون ، في شرح دعائه عليه السلام في مكارم الأخلاق ، كلاما . . . ، وقلناهناك : إنه لايحصل إلا من التام منها إلا بإخراج .. . إلى اخره .
فهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أنه لا أقل كتب شروح بعضالأدعية ولكن لم تصل إلينا، وإلافما معنى نقله لما قدمه هناك .
نرجو العلي القدير أن يوفقنا للعثورعلى بقية هذا الشرح القيم انه سميعمجيب .
وأما الشرح فهو غني عن التعريف لما سوف تلمسه فيه مما أبدع فيه المؤلفمن تطعيمه بشتى البحوث الفلسفية والطبيعية، والكلامية، وبحوث الهيئةوالنجوم ، وغيرها .
ولا غرابة فالمؤلف هو من عكف على آرائه الرياضية والنجومية علماءالشرق والغرب ، ولا زالوا ولم يتمكنوا من الوصول إلى حل قسم من مسائله .
ونظرا لأهمية الكتاب فقد اعتمده جمع ممن تأخر عنه ، منهم صاحبالرياض في شرحه للدعاء الثالث والأربعين من رياضه المتقدم .
ومنهم شيخ الإسلام العلامة المجلسي كأحد مصادر كتابه «بحار الأنوار»وأورد أغلبه فيه ، انظر بحار الأنوار 58 | 178 - 199 و 291 - 293 .
*
*
هو: الفقيه المحقق ، والحكيم المتأله ، والعارف البارع ، والمؤلف المبدع ،والبحاثة المكثر المجيد، و الأديب الشاعر، والضليع في الفنون بأسرها، نابغة الامةالاسلامية في عصره :
الشيخ أبو الفضائل محمد بن الحسين بن عبد الصمد بن محمد بن علي بنالحسن بن محمد بن صالح بن إسماعيل الحارثي الهمداني العاملي الجبعي .
نعم ، هوحارثي همداني ، إذن هو من بيت المجد والشرف والولاء للعترةالطاهرة، منذ عهد جده الأعلى الحارث بن عبدالله الأعور الهمداني (1) ، الذيبشره أميرالمؤمنين عليه السلام عند وفاته بنتيجة عقيدته الصحيحة به ، وولائهالمخلص له .
وصحة هذا النسب الطاهر مما تسالم عليه جميع من ترجم له ، أو لوالده ،
وأشاد به نظماً جمع ، منهم الشيخ جعفر الخطي البحراني (3) في قصيدةمنها:
يلتقي نسبه الشريف مع نسب علم من أعلام القرن الجامع بين ،العلم والأدب ، والناشر لألوية الحديث ، الشيخ تقي الدين إبراهيم بن الشيخ عليالكفعمي، مؤلف المصباح ، والبلد الأمين ، وشرح الصحيفة، ومحاسبة النفس ، الىغيرها.وذلك أن الشيخ البهائي حفيد أخ الشيخ الكفعمي واليك مخططاً يوضحهذا:الشيخ شمس الدين محمٌد ت:886 | | جمال الدين أحمد | الشيخ إبراهيم الكفعمي | شرف الدين | رضي الدين |
الشيخ عبد الصمد ت:935 | أبو المكارم هبة الله المولود 858 | زهرة |
_______________________
الشيخ علي | | الشيخ محمٌد ابو المحاسن |
نورالدين أبو القاسم علي م:898 | حسن | الشيخ محمٌد م:903 ت:952 | الشيخ حسين ___________ | | الحاج زين العابدين المولود 909 |
_______________________
الشيخ بهاء الدين محمد المولود 953 ت:1030 | الشيخ عبد الصمد المولود 966 |
إذن فالشيخ البهائي محمد بن الحسين بن عبد الصمد بن محمد أخ الشيخإبراهيم الكفعمي .
هذا نسبه يصفه هوبنفسه قائلا: «إن اباءنا وأجدادنا في جبل عاملكانوا دائما مشتغلين بالعلم والعبادة والزهد، وهم أصحاب كراماتومقامات » .
في هذه البيئة، ومن هذا البيت العلمي ورث المجد والسؤدد، ومن هكذامحيط خرج الى الدنيا، وليس بمنكرما للمحيط من أثر.
تاريخها :
اختلف المؤرخون فيها :
فمن ذاهب الى أنها كانت عند المغرب يوم الخميس لثلاث عشر بقين منالمحرم سنة 953، واليه مال الشيخ البحراني وجمع (1) .
ومن ذاهب الى أنها كانت عند غروب شمس يوم الأربعاء لثلاث بقينمن ذي الحجة(2) .
ومن ذاهب - كالافندي وجمع - الى أنها كانت « . . عند غروبالشمس يوم الاربعاء 17 ذي الحجة سنة 953» (3) وذلك استنادا الى نصوجده بخط الشيخ البهائي على نسخة من إرشاد العلامة الحلي حكاه عن خط والدهحيث سجل فيه مواليد ووفيات جمع من الاسرة.
وهناك من مال الى أنها كانت سنة 951 ولم أجد من أيده على ذلكولعلها تصحيف 953(4) .
ولهذا فقد ضبطها الشيخ القمي في هديته وكناه بقوله : ظنج .
وبناء على نقل الشيخ المجلسي الاول فيكون مولده اما سنة 948 أو949(1) .
وأما محلها :
فالذي يستفاد من بعض سوانحه (2)، وبعض النصوص أنها كانت فيموطنه الأصلي بعلبك من جبل عامل .
وهو الحق في المقام .
وما ذهب اليه الطالوي في سانحاته من أنها في قزوين (3) .
والصنعائي من أنها في أصفهان (4) .
وأحمد رفعت (5) ، وسامي باشا (6) ، وقدري طوقان (7) من أنها في آملالمازندرانية أو الخراسانية الى غير ذلك .
فهو مما لا شاهد له ولا دليل عليه ، اللهم إلا التشابه اللفظي بين آملوعامل .
*
*
«إن رحلات شيخنا البهائي لاقتناء العلوم ردحا من عمره ، وأسفارهالبعيدة الى حواضر العالم الاسلامي حينذاك دون ضالته المنشودة، وتجوله دهراً فيالمدن والأمصار وراء امنيته الوحيدة، واجتماعه في تلكم الحواضر مع أساطينالدين ، وعباقرة المذهب ، وأعلام الامة ، وأساتذة كل علم وفن ، ونوابع الفواضلوالفضائل .
تستدعي كثرة مشايخه في الأخذ والقراءة والرواية غير أن المذكور منهم فيغضون المعاجم » (1) قلة لاتناسب ما سنعرف عن سياحته وتنقلاته وهم :
1 ـ والده المقدس الشيخ حسين بن عبدالصمد بن محمد، صاحب النفسالطاهرة الزكية،و الهمة الباهرة العلية، كان عالماً ماهراً، محققاً متبحراً، جامعاً أديباًمنشأ شاعراً، عظيم الشأن ، جليل القدر، ثقة، من فضلاء تلامذة الشهيد الثانيقدس سره .
توفي قدس سره سنة 984 ثامن ربيع الأول ، في المصلى من قرى هجر منبلاد البحرين ، عن عمربلغ 66 سنه ، حيث كانت ولادته سنة 918 في غرة محرمالحرا م (2).
وقد قرأ عليه ابنه -الشيخ البهائي - العلوم العربية والحديث والتفسير،وروى عنه قراءة وسماعاً واجازة لجيميع ما للإجازة فيه مدخل من سائر العلومالعقلية والنقلية . . . ، بحق روايته عن شيخنا الإمام قدوة المحققين الشهيد الثاني
2 ـ الفقيه المحقق، والمحدث المتكلم، الشيخ عبد العالي بن الشيخ علي بن عبد العالي العاملي الكركي ، نجل صاحب جامع المقاصد، المولود سنة 926 ،والمتوفى 993 باصفهان ، ونقل منها بعد ثلاثين سنة ودفن في المشهد الرضوي علىمن حل فيه الاف التحية والثناء(2).
**3 ـ محمد بن محمد بن محمد بن أبي اللطف بن علي بن منصور المقدسيالشافعي الأشعري العلوي ، المولود سنة 940، برع وهوشاب حتى فضل وقدم علىمن هو أسن منه حتى على أخويه ، وصار مفتياً للقدس الشريف على المذهبالشافعي ، مات سنة 993(3) .
وقد أجاز الشيخ البهائي بإجازة مؤرخة سنة 992 في شهرجمادى الاولىمنه (4).
ومن لطيف الأسانيد والطرق طريق الشيخ البهائي لرواية صحيحالبخاري عن مؤلفه ، وهم ثلاثة عشر شيخاً جميعهم من المسمين بمحمد، إليكالسند - مع حذف الألقاب والاقتصار على الإسم فقط - مع تتمته للشيخ البحراني :
. . . الشيخ محمد بن يوسف بن كنبار،عن الشيخ محمد بن ماجدالبحراني ، عن الشيخ محمد باقر المجلسي صاحب البحار، عن أبيه الشيخ محمد تقي المجلسي ، عن الشيخ محمد بن الحسين البهائي ، عن محمد بن محمد بن أبي اللطف المقدسي ، عن ابيه محمد بن محمد ، عن شيخه محمد بن ابي الشريفالمقدسي ، عن محمد بن ابي بكر، عن محمد المراغي ، عن محمد بن إسماعيلالقرشيدي ، عن السيدمحمد بن سيف الدين قليج بن كيكذي العلائي ، عن محمدابن مسلم بن محمد بن مالك الحنبلي ، عن أبي محمد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد
4 ـ الشيخ الفاضل الكامل المنطقي المولى عبدالله بن الحسين اليزديالشهابادي المتوفى سنة 981(1) في اصفهان ، كان علامة زمانه ، جليل القدر،عالي المنزلة، له مؤلفات منها: الحاشية على تهذيب المنطق للتفتازاني ، وحاشية علىالأستبصار.
تلمذ عليه جمع منهم صاحب المعالم ، والمدارك ، وشيخنا المؤلف ، حيثأخذ عنه الحكمة والكلام وبعض المنقول .
5 ـ المولى علي المذهب المدرس ، تلمذ عليه في الرياضيات (2) .
6 ـ القاضي المولى أفضل القايني (3) .
7 ـ الشيخ أحمد الكجائي الكهدمي الكيلاني النهمني(4) ، المعروف ببيرأحمد، قرأ عليه في قزوين (5) الرياضيات والحكمة .
8 ـ النطاسي المحنك عمادالدين محمد بن مسعود الشيرازي ، قرأ عليه
هذا ويذهب البعض إلى أن وفاته كانت سنة 1015 منهم المحبي والبغدادي وانظر ماضي النجفوحاضره 3: 383 حيث ترجم له ولمجموعة من ذريته .
9 ـ الشيخ عمر العرضي ، أفاد منه في حلب (1) .
10 ـ الشيخ محمد بن محمد بن أبي الحسن علي بن محمد البكري ، اجتمعمعه في مصر، وحضر دروسه في الأزهر. المتوفى سنة 993 هـ (2)، له : شرح مختصرأبي شجاع ، وديوان شعر(3) .
11 ـ محمد باقر بن زين العابدين اليزدي المتوفى حدود 1056 ، كان منأعاظم الرياضيين ، له : عيون الحساب ، مطالع الأنوارفي الهيئة، وغيرها (4) .
ومما لاشك فيه أن هذا العدد المذكور من أساتذته وشيوخه لايلائم تلكالسياحة التي أخذت من عمره أكثر من الثلث ، بل ومشابهته لفنون عدة حتىألف في أغلبها الكتب .
ولكن ما الحيلة وهذا هو المحفوظ والذي عثرنا عليه منهم .
خلاصة الأثر 3 : 215 | ريحانة الألبا 1: 279 رقم 41 | كشف الظنون : 1054 | هدية العارفين1: 796 | معجم المؤلفين 7: 296 وغيرها .
إن التأريخ حفظ لنا أسماء جم غفير ممن أخذ عن الشيخ المصنف علومالدين ، والفلسفة والأدب من العلماء الأفذاذ، ومن استجاز عنه للرواية .
وقد تجمع لدينا منهم عدد كبير، أرجأنا تعدادهم الى موعد قريب .إن شاء الله (1) .
كانت رحلته الاولى مع والده من مسقط رأسه إلى إيران ، وفيها تعلمالفارسية واتقنها حتى كأنه ابن بجدتها، درس وتعلم في حاضرتي العلم قزوينواصفهان على أبيه وغيره ممن مر من أساتذته ، وارتقى الى أوج الكمال ، وفي هذهالأثناء اقترن بزوجة صالحة فاضلة هي كريمة الشيخ العالم العامل شيخ الاسلامفي الديار الإيرانية في حينه الشيخ زين الدين علي منشارالعاملي (2) .
ولما كانت وحيدة أبيها، اذ لم يعقب غيرها، فقد آلت اليها - واليه لامحالة- تركة أبيها، ومنها مكتبته العامرة.
حيث كانت للشيخ المنشار مكتبة عظيمة كبيرة تربو على أربعة الافكتاب ، جلب أغلبها من الديار الهندية، إذ كان قاطناً فيها فترة من الزمن (3) .
فكانا ينتفعان منها وينهلان منها نميراً صافياً.
وعلى أية حال فقد حاز لدى سلطان وقته - الشاه عباس الكبير- أعلىالمراتب وهي مشيخة الاسلام ، وله ألف الجامع العباسي في الفقه .
ترجم له في رياض العلماء 266 | 4، عالم ارا 154 | 1.
ولكن الذي يظهر جلياً لمن يسبر أحوال الشيخ قدس سره يرى وبوضوحأنه لم يكن يرى لتلك المناصب الدنيوية قيمة، بل كان يجعلها وراء ظهره ، وهذاواضح لحبه للوحدة والعزلة وللسير على طريقة أهل السلوك والعرفان والسياحةمختاراً للفقر الذي كان به يفخر فخر الكائنات صلى الله عليه وآله ومرجحا لهعلى تمام المناصب والرتب .
هذا وبعد أن ولي في حاضرة العلم وعاصمة الحكومة مشيخة الاسلام ؛بعد والد زوجته الشيخ علي المنشار حيث كان فيها شيخ الاسلام أيام الشاهطهماسب الصفوي ؛ «رغب في الفقر والسياحة، واستهب من مهاب التوفيقرياحه ، فترك تلك المناصب ، ومال لما هو لحاله مناسب »(1) .
وقد بدأ سياحته بحج بيت الله الحرام ، ومن ثم زيارة المدينة المنورة على منحل فيها الآف الثناء، ومن ثم شهرعصا الترحال وساح في أرض الله الواسعةردحاً من عمره (2)، كان خلالها متخفياً مستتراً كما يظهر من الحوادثوالمجريات ، مع أن شهرته كانت مطبقة في الافاق .
فقد زار خلالها كلاً من الأعتاب المقدسة في العراق ، والإمام الرضاعليه السلام في خراسان ، ومن ثم قصد هرات وعاد منها الى مشهد الامام الرضا،ومنها آذربايجان وزار خلالها مصر، والقدس الشريف ، ودمشق الشام ، وحلب ،وغيرها من البلاد.
توقف في كل بلد مدة، صاحب جمعاً كثيراً من أهل الكمال والمعرفةوالفضل مما لم يكن ميسورا لكل أحد، وكان خلالها مورد احترام الاخرين ،واستفاد وأفاد كثيرا .
هذا، وقد وقعت له مباحثات علمية ومذهبية كثيرة مع علماء المذاهبالاخرى أذعن فيها الجميع له .
ومن المؤسف حقا عدم تدوين الشيخ البهائي لاخبار سياحته التياستمرت هذه المدة الطويلة، مع فضله وكثرة علومه واطلاعه ، اذ مما لاشك فيهوقوع امور لطيفه وقضايا عجيبة تظهر من ثناء بعض من تعرض لسياحته ، فلودونت لكانت من أنفس الكتب .
إليك شطراً منها:
... كان يجتمع مدة إقامته بمصر بالاستاذ محمد بن أبي الحسن البكري (1)وكان يبالغ في تعظيمه .
فقال له الشيخ البهائي مرة : يا مولانا أنا درويش فقير فكيف تعظمني هذاالتعظيم ؟!
قال : شممت منك رائحة الفضل .
فامتدح استاذه بقصيدته التي مطلعها:
ويصف الرضي المقدسي (2) الشيخ - عند لقائه له في القدس الشريف -ومحاولته القراءة عليه قائلاً:
« ورد علينا من مصر رجل من مهابته محترم ، فنزل في بيت المقدس بفناءالحرم ، عليه سيماء الصلاح ، وقد اتسم بلباس السياح ، وقد تجنب الناس ، وأنسبالوحشة دون الايناس ، وكان يألف من الحرم فناء المسجد الاقصى، ولم يسندأحد مدة الإقامة إليه نقصاً، فالقي في روعي أنه من كبار العلماء الأعاظم ، فما زلتلخاطره أتقرب ، ولما لا يرضيه أتجنب ، فاذا هو ممن يرحل اليه للأخذ منه ، وتشد لهالرحال للرواية عنه ، يسمى بهاء الدين محمد الهمداني الحارثي ، فسألته عند ذلكالقراءة عليه ...» (3).
ترجم له في : معجم المؤلفين 326 | 13، هدية العارفين 565 | 2 ، خلاصة الاثر 4 | 272.