الحمد لله رب العالمين ، حمداً لا يبلغ مداه الحامدون ، ولا يدرك حدهالحاسبون ، حمداً فوق كل حمد ، وأكبر من كلّ حمد ، تبارك وتعالى الله ربّ العالمين .
والصلاة على رسوله الامين ، ونبيّه المختار ، الحبيب المصطفى ، والرحمةالمهداة ـ محمّد صلى الله عليه وآله ، وعلى أهل بيته المعصومين ، سبل نجاةالأٌمة ، وأنوار الحقّ الذي لا يُستضاء الاّ بها ....
فربما يعتقد البعض بتصور يبتني على التوهم الباطل المحض ـ وكنتيجةمنطقية لحالة التراخي الفكري والعقائدي الديني ، بل وكانعكاس حتمي لظاهرة الانبهار والتأثر غير العقلائي والمتأمل بالاطار المادي الذي يغلّف العوالمالمتحضرة ، وما تشهده من تراكم علمي متصاعد ـ انَّ حالة الانشداد النفسيوالباطني نحو عقيدة الدعاء ـ المبتنية بشكل أساس على القواعد الروحية المؤمنةبوجود القوة القادرة المطلقة المتمثلة بالله تعالى ـ قد تعرّضت الى نوع من التراخيوالفتور ، بل والى عدم ثبات الكثير من الأُسس العقلائية المحفِّزة على
والحق يقال انّ مثل هذه الاطروحات ـ والتي قد تجد لها في أذهان السذّجوالمغرّرين مواطئ لاقدامها ، أو منافذ لسمومها ـ ترتكز على مبنيين أساسيينيشكّلان الحجرين الاساسيين لابتناء افكارهما ، وهما :
1 ـ رد الفعل المادي الحاد قبالة الانحراف الفكري والعقائديللكنيسة .
2 ـ الانبهار والتأثر الشديد بحالة التطور المادي والتقني الا لحادي.
وهذان المبنيان يشكّلان المدخلين الواسعين اللذين أثرا بلا شك في صنعالاطروحة المذكورة البعيدة كلّ البعد عن أرض الواقع ، والعاجزة عن ادراك حقائق الامور المستهدف نقضها ، بل ومن دون أدنى تأمٌل في العقائد المترجمة لمفهوم الدعاء ، والمراد منه .
انَّ الاسلام كدين سماوي متكامل أرسله الله تعالى الى عموم البشرية ، كان يستهدف بشكل أساس صنع الانسان المؤمن القوي الذي يتكاتف مع
والدعاء بما هو مفهومه التقليدي من ترجمة الصلة الموضوعيّة بينالخالق والمخلوق ، بين الغني والفقير ، بين الضعيف والقوي ، وتوسل الاولبالثاني ، وادركه ـ أي الاول ـ بقدرة الثاني على كلّ شيء ، وقوته المطلقة التيلا تحدها حدود ، فليجأ اليه متوسلاً بلطفه صرف كلّ ما يخشاه ، وتحقيق مايتمناه ، دون الغاء الجد والاجتهاد في الوصول الى ما يبتغيه ، وتلك مسلّمة لانقاش حولها ، فالعمل هو مقياس ثابت لترجمة الإيمان دون غيره ، هذا مع اقترانهبالنية الصادقة والمؤمنة ، نعم فانّ الإنسان المؤمن يدرك هذه الحقيقة دون لبسودون شك ، ولم يرسل الله تعالى الى البشريّة ديناً يدعو الى التواكل والى الانزواء وما يقول بهذه الاّ الجهلة والسطحيين .
وأمّا ما يريد البعض إلصاقه قهراً بالعقائد السماويّة ، ومنها الشريعةالاسلامية الكاملة ، بدعوة أتباعها الى الانكفاء السلبي أمام ظواهر الحياةالمختلفة ، والتواكل المقيت على القوة السماوية والتعلق بقدرتها على حل هذهالمعضلات ، وغير ذلك من التأويلات الغريبة عن العقائد العظيمة التي جاءت
إنّ أفضل ما يمكن لمحاولة بناء الفهم الصحيح لمنهج الدعاء وموضوعيتهتكمن بشكل أساس في استقراء القواعد العقائدية التي ينطلق من خلالهاالدعاء ، ويبتني على أرضيتها ، وأما الحكم من خلال المظاهر السلبية المنسوبةاليه قسراً ، أو من خلال القياس غير المشروع بجملة الاطروحات الغريبة التيجاءت بها الكنيسة وأتباعها ممن خرجوا بالديانة المسيحية وأفكارها عن مرتكزاتهاالسليمة والصحيحة جرياً وراء نزواتهم وغرائزهم الحيوانية النهمة ، فذلك منالاجحاف الظلم بمكان ، ولا أعتقد أن يقول به أي عاقل منصف ، ولعل هذاالاشتباه الكبير ما وقع فيه من حاول قسراً الربط بين هذين المظهرين المختلفينـ جهلاً وعمداً ـ فطبّل له الالحاديون وزمّروا .
إنّ الشريعة الاسلامية المقدسة جاءت وتحمل في طياتها دعوة البشرية الىالعمل الصالح والبناء ، بل وأولت العاملين المخلصين والعلماء المتفوقين اهتماماًخاصاً ، وعناية متميّزة ، والقرآن الكريم بين ظهراني الأُمة لا يعسر على أحدالتأمّل في آياته لادراك صدق ما ذكرناه ، وكذا هي السنّة النبويّة المطهرةوأحاديث أهل بيت العصمة عليهم السلام ، سهلة المنال ويسرة الاطلاع لمنأراد ذلك ، فليتأمل بها من أراد إدراك الحقيقة لا غير .
وإذا كنّا لا ننكر حقيقة كون البشرية في عصرنا الحاضر قد خطتـ وبشكل مذهل ـ خطوات واسعة نحو عالم جديد يرسم العلم الكثير منأبعاده وأشكاله ، بل ويتدخل حتى في أدق دقائقه ، وحيث توضحت أمامناظري الانسان الكثير من خفيات الأُمور ، ومنها ما كان يتوجَّس خيفة منه ،وينسب اليه الكثير من الخرافات والاوهام ، الاّ هذا الانقلاب الهائل في
كما انّ العلم الحديث قد أكّد عجز كلّ النظريات الحديثة عن فهمماهية الانسان وحالاته المتشابكة ، وحيث اخطأ مريدوها عندما دفعوا الانسانجهلاً وعمداً الى التوكل على القوى المادية دون القوة الإلهية العظيمة ، فضاعالانسان بين عقده النفسية والروحية التي لا تُعد ولا تُحصى ، وبين التفسيراتالخاطئة التي لا تزيده الاّ خبالاً وتعقيداً ، واليك العالم المادي ، وهو مركزالتطور العلمي والتقني ، وما يشهده من انحرافات خطيرة ، وعقد شائكة ،وفراغ روحي ، وخوف مبطّن من المجهول ، وأسئلة كثيرة ومتكررة تبحث لها عنجواب دون جدوى ، ودون فائدة ، فلا يجد المرء وليجة ينفذ من خلالها لحلمشكلته الراهنة الاّ اللجوء الى المخدرات والاسفاف والاغراق في مظاهرألانحراف والتفسخ ، فلا تزيده الا تعثراً وتخبطاً ، فلا يُعدُ في تصوّره من منجىالاّ الموت ، ولا وسيلة اليه الاّ الانتحار. . . ، وأي مراجعة الى التقارير الرسميةوالموثقة تبيّن بصدق هذه الحقيقة الرهيبة .
إن الله تعالى خالق الانسان وبارئه هو خير كل من يعلم بما يُسعد هذاالانسان وما يوصله الى بر الامان الذي فطر هذا المخلوق على طلبه والبحثعنه ، وهذا الحقيقة تتبين بوضوح من خلال المطالعة الواعية لاُسس النظامالاسلامي العظيم الذي جاء به رسول الرحمة محمد بن عبدالله صلى الله عليهوآله ، قبل أكثر من خمسة عشر قرنا من الزمان ، وما أخذ أهل بيته الأئمةالمعصومين عليهم السلام على عاتقهم من تركيز هذه الاسس والدفاع عنها .
واذا كان الطرف الاخر من الدعاء يتمثل في الرغبة وطلب الاستزادة،فان هذا الشكل المنبعث من الخوف ألازلي من المجهول يعد بلا شك الحلقةالأشد والأكثر وضوحا في بناء الدعاء، الذي - ولو أن حالة الخوف الكبرىالشاخصة أمام الجميع وهي مسألة الحساب والمساءلة تشكل الحلقة الأكبر التييتغافل عنها قصدا الكثيرون - يوضحه الخط البياني المتصاعد ، والمرتبط بصورةجلية بحالة عدم الاستقرار والسكون في حياة الانسان .
ولذا فقد أوجدت هذه الحالة الحياتية المستمرة في حياة الإنسان التصاقاًمتفاوتا - وتبعا لشدة القلق والتحسس - باشكال متعددة من الأدعية والأوراداليومية ، ذات الأشكال المتفقة احياناً والمختلفة في احيان أخر. والاستقراءالمتأني لمجمل ما كتب وما قيل من أصناف الأدعية المتصلة بهذا الجانب الحساستوضح عمق الاثر النفسي للدعاء وشدة تعلق المؤمن به ، وكذا تبين للمستقرئحرص أئمة أهل البيت عليهم السلام على تربية المسلمين روحيا وبصورة دقيقةعلى التعلق بالله تعالى والتوسل به كقوة قادرة وعالمة ورحيمة .
ولعلّ علماء الطائفة رحمهم الله وطوال الحقب الماضية قد استطاعوا بناءمدرسة خاصة بهم تنهج هذا المنهج السوي ، وخلّفوا أسفاراً مباركة تتزود منهاالاجيال اللاحقة بهم ، وتجد بها خير زاد تتقوى به على مواصلة الطريق المؤديالى مرضاة الله تعالى .
والكتاب الماثل بين يدي القارئ الكريم ثمرة يانعة من تلك الثمارالطيبة، ومن تلك الشجرة المباركة الزيتونة التي تُؤتي الخير لمن يطلب الخير،وتهب الحياة لمن يبتغي الحياة . . . .
لا مناص من الجزم بان ما يتميز به مؤلف الكتاب رحمه الله من جملة غنيةمن الصفات الحميدة ، والقدرات العالية ، والمنزلة الرفيعة في الكثير من العلومالمختلفة ، وحرصه الشديد على الاستزادة من شتى المعارف الاسلامية الغنية ،هي بلا شك تشكل المحور الاساس الذي مكن هذا المؤلف من أغناء المكتبةالاسلامية بالعديد من المؤلفات القيمة التي بلغت العشرات عدا ما لم ينله الجردولا الحصر.
والدعاء في مكتبة السيد ابن طاووس رحمه الله له مكانة متميزة، حيثأولاه اهتماما خاصا ، فأبدع يراعه في اخراج جملة رائعة من كتب الدعاء الشهيرةوالغنية عن التعريف ، والتي يعد كتابنا - الماثل بين يدي القارئ الكريم -، انموذجاً رفيعا منها .
وهذا الكتاب الذي ضمّنه مؤلفه رحمه الله بجملة واسعة من الادابالاسلامية المختلفة ، والأدعية والأحراز المختصة بأيام الشهر مرتبة ضمن جملةمن الفصول المختصة، أراد منه ان يكون من تتمات كتاب (مصباح المتهجد)لشيخ الطائفة الطوسي رحمه الله تعالى (ت 460 هـ )، الواقعة في عشرة أجزاء،حيث اسماها رحمه الله بـ (المهمات والتتمات )، والتي منها :
كتاب (اقبال الاعمال ) المختص بأعمال السنة .
كتاب (الدروع الواقية) في أعمال الشهر.
كتاب (جمال الاسبوع ) في أعمال أيام الاسبوع .
كتاب (فلاح السائل ) في أعمال اليوم والليلة .
ولعل التأمل البسيط في مجمل فصول هذ ا الكتاب المهم والسفر القيم يكشفعن القدرة الرائعة لمؤلفه رحمه الله في انتقاء الدرر المبعثرة في تراث الدعاء الخالدلمدرسة أهل البيت عليهم السلام وتنضيده في عقد جميل براق قل أن يكون لهنظير، فلا غرو ان يحضى بهذه المنزلة الكبيرة والاهتمام الجدي من قبل العلماءوالباحثين ، وعموم المؤمنين .
هذا يشكل الجانب الاول الذي يمكن للقارئ أن يستقرأه من خلالمطالعته المتعجلة لهذا الكتاب ، وأما الملاحظة الأخرى والتي يمكن لنااستشفافها من خلال هذا الاستقراء ، فهي القدرة الرائعة للمؤلف رحمه الله علىتطويع العبارات الادبية المختلفة - التي يزدان بها كتابه - على خدمة المبنىالخاص الذي انتحاه في تأليفه لهذا الكتاب ، والحق يقال ان المرء لا يسعه إلاالاقرار بهذه الملكة الرائعة، والتي تظهر بوضوح من خلال الصفحات الاولىلكتابه والتي هي المقدمة الخاصة به ، ويبدو إن هذا الاعجاب لا ينحصر بنا بليتعدانا الى الشيخ الكفعمي صاحب كتاب البلد الامين ومهج الدعوات حيثأورد وعند تأليفه لما اسماه بملحقات الدروع الواقية (اي كتابنا هذا) عين مقدمةالسيد رحمه الله ، أو لعل النساخ قد أوردوها جهلا أو عمدا في مقدمة هذهالملحقات .
واذا كان لهذا الامر من الحسن الشيء الكثيرإلا أنه قد أوقع الاخرينبالخلط بين الاثنين ، وعدم التمييز بينهما، طالما أن الكتاب لا زال حتى شروعنافي تحقيق هذا الكتاب رهين المخطوطات المتفرقة والمبعثرة في المكتبات العامة
ويبدو ان ما وقع بين يدي العلامة المجلسي رحمه الله هو النسخة الثانيةالمختصرة، أو ما يسمى بملحقات الدروع الواقية للشيخ الكفعمي ، حيثيظهر ذلك بوضوح من خلال التأمل في نقولاته عن الكتاب في بحاره ، كما اخطأالكثيرمن النساخ عند اثباتهم لاسم الدروع على ملحقاته ، وهذا ما أوقعنا فيأول الامر في حيرة أمام نسختين متفاوتتين في الحجم بشكل بين ، وباختلاف لايمكن الاعراض عنه في متنيهما، الا ان هذه الحيرة لم تثبط من جدنا في محاولتنالتحقيق هذا الكتاب النفيس حيث تبين لنا بعد البحث عن حقيقة هذاالتفاوت انا أمام كتابين مختلفين وإن كانا ينبعثان من أصل واحد ، وهذه النتيجةالحاسمة تشكلت لدينا نتيجة جملة قاطعة من الأدلة الواقعية .
فلّما كان لدينا تصور واضح حول وجود نسخة خطية لكتاب أنجزتأليفهالشيخ ابراهيم بن علي العاملي الكفعمي رحمه الله ليكون مكملاوملحقا ، او حتى مختصرا - كما يبدو لمن يتأمله - مع بعض الاختلاف اليسيرفيعباراته ، فان هذه الملاحظة المهمة كان معضدة لما تحققنا منه عند مطالعتناللنسخة الثانية - الصغيرة الحجم والتي أثبت عليها اسم الدروع الواقيةاشتباها - باكملها دون اهمال سطر منها ،وهو ما اكد صحة وجود هذين الكتابينتحت اسم واحد رغم أختلاف مؤلفيهما والتفاوت البيّن بين متنيهما .
حقا ان هناك تشابها كبيرا بين النسختين بشكل قد يُخدع به الكثيرون ،كما في مقدمتيهما وترتيب فصوليهما ومحتوييهما وغيرذلك من الموارد المتعددة ، الا ان
1 - في الفصل الرابع عشر منه ذكر ما نصه : قال المحتاج الى بارئالخليقة من نطفة امشاج ، أكثر الناس زللاً، وأقلهم عملاً، الكفعمي مولدا،اللويزي محتداً ، الجبعي أباً ، التقي لقباً ، الامامي مذهبا ، ابراهيم بن علي بنحسن بن محمد بن صالح اصلح الله شأنه ، وصانه عما شانه : لما وصلت في رقمفصول الشهر الى الفصل الرابع عشر لم اجد فيه كمال النصف . . . . مع انالمصنف طاب ثراه ذكره في ديباجته ، وأناره في مشكاة زجاجه . . . . . .
2 - وفي الفصل السادس عشر منه قال ما نصه : وإعلم ان السيد ابوالقاسم علي بن موسى بن جعفر الطاووس مصنف هذا الكتاب سهى قلمه عنفضل سورة يونس عليه السلام ، ولم يرد له فضلا مفردا كما فعل في سورةالاعراف وفي سورة الانفال ايضاً ، بل تعداها وذكر سورة النحل وفضل قراءتهافي كل شهر، ونحن نذكر ما اهمله رحمه الله من فضل سورة يونس عليهالسلام .
3 - وبعد ايراده لليوم الثلاثين من الشهر والدعاء فيه قال ما نصه :قال كاتب هذا الكتاب ابراهيم بن علي الخثعمي الكفعمي وفقه الله لمرضاتهوجعل يومه خيراً من ماضيه : لما وصل المصنف السيد ابو القاسم علي بنموسى بن جعفر بن محمد الطاووس قدس الله روحه في كتابه الى هذا المكاناشار الى رواية مروية عن مولانا الهادي عليه السلام ، وان فيها ادعية اذا دعابها الداعي صرف الله عنه نحوس الايام المحذورة، ولم يذكرها طاب ثراه فيكتابه ليهجم بالطالب على الطلب عفوا من غيرما تعب . . . .
كما اننا ومن خلال مطابقة هذه النسخة والتي اسميت كأخواتها - اشتباهاًبالدروع الواقية مع نقولات البحار وجدنا اتفاقا كاملاً بينهما واختلافاً مع
ومما يعضد نسختنا ايضاً - بعد ان سقط الاعتماد على النسخة السابقة لماذكرناه سابقاً من انها تخص كتاب الملحقات للشيخ الكفعمي رحمه الله -نقولات الشيخ الحر العاملي رحمه الله منها في الموارد التي اعتمدها عن كتابالدروع ، مضافا الى ما اورده النوري رحمه الله في الفائدة الثالثة من خاتمةالمستدرك من ايراده لنص فقرة وردت في كتاب الدروع قائلاً : قال السيد عليابن طاووس في آخر الدروع الواقية : وهذا جعفر بن احمد عظيم . . . عظيمالشأن من الاعيان ، ذكر الكراجكي في كتاب الفهرست ان صنف مائتينوعشرين كتابا بقم والري. . . الخ .
كما يؤيد ذلك ايضاً ما علم من تصنيف الشيخ الكفعمي لما اسميبملحقات الدروع الواقية ، وعدم الخلاف في صحة ذلك . . . .
لعله مما يزدان به تأريخ مدينة الحلة الجميلة الواقعة في وسط العراق ،- وحيث ترتكز في اعماق جذورها اقدم الحضارات البشرية واعرقها - بروز الكثيرمن رجالات الطائفة الأفذاذ واعلامها ، امثال : المحقق الحلي ، والعلامة الحلًي ،والشيخ ابن ادريس ، وآل نما ، وآل طاووس ، وغيرهم ، وحيث قامت على ارضهاالطيبة مدرسة فقهية خاصة بها اقر بمكانتها الجميع ، واعترفوا بفضلها، وعلومنزلتها التي ضاهت في بعض الأحيان مدرسة النجف العلمية، فتخرج منهاجملة كبيرة من الأعلام الكبار اغنوا المكتبة الاسلامية بالكثيرمن المؤلفات القيمةوالمهمة التي امست بحق وحتى يومنا هذا مناهج دراسية تدور عليها رحىالبحث والمناقشة في جميع الحوزات العلمية، وتلك منزلة قل نظيرها .
بلى في هذه المدينة الطيبة ولد مؤلف كتابنا، السيد علي بن موسى بنجعفر بن محمد بن احمد- وهو الطاووس - بن اسحاق بن الحسن بن محمد بن
نشأ رحمه الله في بيت عريق يفوح عطر العلم الالهي من جنباته ، ويؤمّهالمسلمون للتزود من بركاته ، فأخذ العلم في باكورة حياته عن جده ورّام وابيهرحمهما الله ، حيث تعلم الخط والعربية، وقرأ علوم الشريعة المحمديّة المباركة،ودرس الفقه ، فتفوق على أقرانه ، وبزهم بذكائه الملفت للانتباه .
هاجر الى بغداد في حدود سنة625 هـ ، وبقي فيها نحوا من خمس عشرةسنة، ثم عاد الى مدينته في أواخر عهد المستنصر المتوفى سنة 640 هـ . استطاعالسيد ابن طاووس رحمه الله في بغداد - وكنتيجة طبيعية لما يتميز به من منزلةعلمية عالية - أن يفرض له وجودا قويا ومكانة مرموقة دفعت بالكثيرين الىالاعتراف بها والاقرار بحقيقتها ، بل وأرغمت الخلافة الرسمية الى التودد اليها ،ومحاولة الاسترشاد بقدرتها ، مما أدى بالتالي الى نشوء علاقة قوية ومتينة بينالخليفة العباسي آنذاك وهو المستنصر وبين السيد رحمه الله ، مما مكن الأخيرمنالتوسط لحل الكثير من مشاكل عوام الناس ، ودفع الضرر عنهم ، وتوفيرلقمةالعيش لهم .
ولقد كان بلغ حب الخليفة العباسي للسيد رحمه الله حدا دفعه الىمفاتحته صراحة في مسألة تسليم الوزارة له ، بعد محاولاته السابقة بتسليمهمنصب الافتاء ونقابة الطالبيين ، وحيث كان رد السيد الرفض القاطع لتسلمهذا المنصب الحساس والمهم ، لاسباب موضوعية ذكرها هو للمستنصر، حيثقال له : أن كان المراد بوزارتي على عادة الوزراء يمشون امورهم بكل مذهبوكل سبب ، سواء كان ذلك موافقا لرضا الله جل جلاله ورضا سيد الانبياءوالمرسلين أو مخالفا لهما في الآراء ، فانك من ادخلته في الوزارة بهذه القاعدة قام
وهكذا يبدو بوضوح لا يقبل الخفاء عظم المنزلة التي يتمتع بها السيد رحمهالله ، وأثر التربية العالية ، والنشأة الطاهرة له .
ولا غرو في ذلك ، فلا يخفى على أحد عمق الاثر التربوي الذي يخلفهالانحدار الأسري الطيب ، اذا اقترن بالجد والاجتهاد لا بالتواكل والاسترزاقكدأب البعض ، حيث يكون هذا الانحدار المشرف حافزا قويا للانطلاق أكثرنحو افاق الشرف والعز.
فعائلة آل طاووس تعد من الأسر الجليلة العريقة التي حازت على الكثيرمن أوسمة الفخروالشرف والعلياء ، وتعد من بيوتات الحلة التي كان لها الفضلالكبيرفي رفد حركة النهضة العلمية التي شهدتها هذه المدينة وخصوصا بعدانحسار الهجوم المغولي الذي أدى الى سقوط مدينة بغداد مركز الخلافةالاسلامية وحاضرة العالم الاسلامي الكبرى، وما ترتب على ذلك من مجازررهيبة أستباح فيها المغول كل شيء ولم يراعوا حرمة شيء ، وحيث كان نصيبالمراكز العلمية والفكرية - التي كانت قبلة لجميع طلبة العلم في اصقاعالمعمورة - الثقل الاكبر، والنصيب الاوفر، بل ويكفي أن نورد ما ذكره بعضالمؤرخين عن ذلك ، حيث قال : تراكمت الكتب التي ألقاها التتار في نهر دجلةحتى صارت معبرا يعبرعليه الناس والدواب واسودت مياه دجلة بما القي فيهامن الكتب ! ! !
والحق يقال ان عظم هذه المأساة الكبرى التي خلفها اكتساح المغولالمتوحشين لحواظر العالم الاسلامي وخصوصا بغداد كان اكبرمن أن يوصف أوأن يتصور، وما كان الحال الذي آلت اليه الدولة الاسلامية العظيمة التي بلغتدعوتها أقاصي المعمورة ، وداست سنابك خيولها المباركة الأبعاد النائية ، إلاّنتيجة منطقية لحالة التفسخ والانحراف الذي أصاب مركز الخلافة الاسلامية ،وتشجيع الدولة لمظاهر التفرقة الطائفية، واطلاقها لايدي المماليك في شؤونالدولة يعيثون فيها فسادا وتخريباً .
ومن هنا فقد كانت المعادلة غيرمتوازنة بين القوتين المتصارعتين ، بينالمغول الاشداد المتمرسين على القتال والكثيري العدّة والعدد، وبين الخلافةالمهزوزة والمنشغلة بفتنها ولهوها وابتعاد عموم المسلمين عنها وعدم ايمانهمبشرعيتها.
اذن لقد كانت النتيجة محسومة سلفاً ، بيد ان هذا الامر لم يكن ليدركهأو ليقدره المستعصم القصير النظر، والمتأثر الى حد كبير بما يمليه عليه افرادحاشيته ومستشاريه من المماليك والجهلة، ممن لا يصيخون للحق سمعاً ، ولاللعقل انصاتاً .
ولقد كانت الصورة واضحة بينة امام ناظري رجالات الشيعةووجوهها ، وكانوا يدركون فداحة الخطب الذي ستؤول اليه الامور بعد سقوطمركز الحكم الاسلامي في بغداد، فقدموا النصح المخلص المتوالي للخليفةورجاله ممن يمتلكون ظلماً ناصية الدولة الاسلامية، فأولوا من قبل الدولةورجالها آذانا صماء وإعراضا متعمدا ، كانت نتيجته ما كان مما حدثنا به التأريخبشكل واسع ومفصل .
ولما ادرك علماء الشيعة اصرار الخليفة العباسي على موقفه الجاهل وغيرالمتبصر، وما عاينوه من الاهوال الكبيرة التي احاطت بالعاصمة الاسلامية
وبالفعل فقد تشكلت عدة وفود لمقابلة هولاكو والتباحث معه حولالسلام وحول ايقاف المجازر المهولة التي حلت بالمسلمين ، كان آخرها - وهواعظمها - برئاسة السيد ابن طاووس رحمه الله ، وحيث افلح هذا التدبير فيايقاف الهجوم المغولي ، وانقاذ ما امكن انقاذه من الانفس والاعراض والاموال .
ولما استقرت الأمور بعد انحسار المد المغولي الهائج تفرغ السيد ابنطاووس رحمه الله الى البحث والتأليف والتدريس ، حتى ولي في عام 661 هـنقابة الطالبيين التي استمر بها حتى وفاته في صباح اليوم الخامس من شهرذيالقعدة عام 664 هـ ، وحيث حمل جثمانه الطاهر الى مشهد جده أمير المؤمنينعلي بن ابي طالب عليه السلام في النجف الاشرف على أصح الاقوال (1)،=
وقد كنت مضيت بنفسي وأشرت الى من حفرلي قبرا كما اخترته في جوارجدي ومولاي علي بن ابي طالب عليه السلام متضيفاً ومستجيراً ووافداً وسائلاًوآملاً، متوسلاً بكل ما يتوسل به احد من الخلائق اليه ، وجعلته تحت قدميوالديّ رضوان الله عليهما، لاني وجدت الله جل جلاله يأمرني بخفض الجناحلهما ويوصيني بالاحسان اليهما، فأردت أن يكون رأسي مهما بقيت في القبورتحت قدميهما .
كما ان صاحب الحوادث الجامعة - المعاصر لتلك الفترة - يذكر فيحوادث سنة 664 هـ ما نصه :
وفيه توفي السيد النقيب الطاهر رضي الدين علي بن طاووس وحمل الىمشهد جده علي بن ابي طالب عليه السلام . . . .
1 - قال العلامة الحلي عنه : السيد السند رضي الدين علي بن موسى بنطاووس كان من اعبد من رأيناه من أهل زمانه .
وقال في اجازته لبني زهرة : ومن ذلك جميع ما صنفه السيدان الكبيرانالسعيدان رضي الدين علي وجمال الدين احمد ابنا موسى بن طاووس الحسنيان=
في بستان نسب اليه ويزار قبره ويتبرك فيها . . .
وقال السيد محمد صادق بحر العلوم تعليقاً على عبارة الشيخ البحراني المتقدمة : في الحلةاليوم مزار معروف بمقربة من بناية سجن الحلة المركزي الحالي ، يعرف عند اهالي الحلة بقبررضي الدين علي بن موسى بن جعفر بن طاووس ، يزوره الناس ويتبركون به . .. .
واما السيد حسن الكاظمي فقد ذكر في خاتمة كتاب الموسوم بتحية اهل القبور بما هو مأثور:واعجب من ذلك خفاء قبر السيد جمال الدين علي بن طاووس صاحب الاقبال . . . والذييعرف بالحلة بقبر السيد علي بن طاووس في البستان هو قبرابنه السيد علي بن السيد عليالمذكور، فانه يشترك معه في الاسم واللقب .
2 - وقال عنه ايضا : السيد رضي الدين كان ازهد اهل زمانه (2) .
3 - واما ابن عنبة فقد قال عنه في عمدة الطالب : ورضي الدين ابوالقاسم علي السيد الزاهد ، صاحب الكرامات ، نقيب النقباء بالعراق (3) .
4 - وعن خط للشهيد روى المجلسي في البحار عنه ما نصه : صاحبالكرامات . . . لم يزل على قدم الخير والآداب والعبادات والتنزه عن الدنياتالى ان توفي (4) .
5 - ووصفه العلامة المجلسي في البحار بقوله : السيد النقيب الثقةالزاهد جمال العارفين (5) .
6 - وأثنى عليه الشيخ الحر العاملي في أمل الامل بقوله : حاله في العلموالفضل والعبادة والفقه والجلالة والورع أشهر من أن يُذكر، وكان ايضا شاعراًأديبا منشئا بليغا(6) .
7 - وقال عنه صاحب نقد الرجال السيد التفريشي : من أجلاء هذهالطائفة وثقاتها ، جليل القدر، عظيم المنزلة ، كثير الحفظ ، نقي الكلام ، حالهفي العبادة والزهد أشهر من ان يذكر....(7) .
8 - وأما الشيخ أسد الله الدزفولي فقد قال عنه في مقابس الأنوار: السيدالسند ، المعظم المعتمد . العالم العابد الزاهد ، الطيب الطاهر، مالك أزمةالمناقب والمفاخر، صاحب الدعوات والمقامات والمكاشفات والكرامات ، مظهرالفيض السني ، واللطف الجلي ، أبي القاسم رضي الدين علي ، بوأه الله تحتظله العرشي ، وأنزل عليه بركاته كل غداة وعشي ..(1).
9 - وقال متحدثا عنه الشيخ النوري في خاتمة المستدرك : السيد الأجلالأكمل الاسعد الاورع الازهد ، صاحب الكرامات الباهرة رضي الدين أبوالقاسم وابو الحسن علي بن سعد الدين موسى بن جعفرآل طاووس ، الذيما اتفقت كلمة الاصحاب على اختلاف مشاربهم وطريقتهم على صدورالكرامات عن أحد ممن تقدمه أو تأخر عنه غيره (2).
وقال ايضا: وكان رحمه الله من عظماء المعظمين لشعائر الله تعالى، لايذكر في أحد من تصانيفه الاسم المبارك إلا ويعقبه بقوله جل جلاله (3).
10ـ وفي روضات الجنات يقول عنه الخوانساري : من جملة العبدة الزهدةالمستجابي الدعوة بنص الموافقين لنا والمخالفين ، ومنها كونه في فصاحة المنطقوبلاغة الكلام بحيث تشتبه كثيرا عبارات دعواته الملهمة، وزياراته الملقمةبعبارات اهل بيت العصمة عليهم السلام (4).
11 - وامّا المحدث القمي فقد ذكره في كتابه الكنى والالقاب بقوله :السيد الأجل الأورع الأزهد ، قدوة العارفين . . . (5) .
12 - وفي ريحانة الادب قال محمد علي مدرس في حديثه عنه : من أعاظمعلماء الشيعة الامامية وفحولها، عالم جليل القدر، عظيم المنزلة، اديب شاعر،منشىء ، بليغ ، عابد ، زاهد ، متقي ، جامع الفضائل والكمالات العالية ،المتخلي من الصفات الرذيلة ، المتحلي بالاخلاق الفاضلة ، المتجلي باتيانالوظائف الشرعية ، أورع أهل زمانه وأتقاها وازهدها واعبدها ، الموصوف فيكلمات اجلة العلماء بـ (قدوة العارفين ومصباح المتهجدين )....(1) .
لقد كانت حياة السيد ابن طاووس رحمه الله غنية معطاءة خصبة،أعطت الأمة الشيء الكثير ولم تبخل عليها بشيء ، وتلك هي حال الرجالالذين اوقفوا أنفسهم وعلمهم على خدمة هذا الدين الحنيف ، وبقوا حتىاللحظات الاخيرة من حياتهم مركزا للعطاء والخير، وهو ما نراه متكررا كثيرالدى علماء الطائفة ومفكريها رفع الله شأنهم .
والحق يقال أن السيد ابن طاووس رحمه الله ورغم كل ما احاط به منأعباء كثيرة وشاقة ، فقد كان مؤلفاً مكثاراً ، وكاتبا قديراً ، خلف من بعده الكثيرمن المؤلفات القيمة التي بلغ ما وصلنا منها العشرات في حين لم ترد اسماء الكثيرمن تلك المصنفات لضياعها، والتي لووصلتنا لكانت بلا شك خيرزاد يتقوتبه طلاب العلم ، وعموم المسلمين . وحقيقة وجود هذه المجاميع من الكتبالمجهولة يؤكدها السيد رحمه الله في أحد مؤلفاته وهوكتاب الاجازات المعروف ،حيث يقول :
وجمعت وصنفت مختصرات كثيرة ما هي الآن على خاطري ، وانشاءاتمن المكاتبات والرسائل والخطب ما لو جمعته أو جمعه غيري كان عدة مجلدات ،
على ان ذلك الامر لا يلغي كون ما وصلنا من المؤلفات القيمة للسيدابن طاووس رحمه الله قد اغنى المكتبة الاسلامية ، ومدها بخيروفير، ومن هذهالمؤلفات :
1 - الإبانة في معرفة أسماء كتب الخزانة .
2 - الإجازات لكشف طرق المفازات .
3 - الإقبال بصالح الاعمال .
4 - الأسرار المودعة في ساعات الليل والنهار.
5 - جمال الاسبوع .
6 - الدروع الواقية من الأخطار (وهو الكتاب الماثل بين يديك ) .
7 - أسرار الصلاة .
8 - محاسبة الملائكة الكرام اخر كل يوم من الذنوب والآثام .
9 ـ الاصطفاء في تاريخ الملوك والخلفاء.
10 - مهج الدعوات .
11 - فلاح السائل .
12 - إغاثة الداعي وإعانة الساعي .
13 - المجتبى من الدعاء المجتنى .
14 - الأمان من أخطار الأسفار والأزمان .
15 - مصباح الزائر.
16 - الطرائف في مذاهب الطوائف.
17 - طرف من الانباء والمناقب ، في التصريح بالوصية والخلافة لعلي بنابي طالب عليه السلام .