إنه لما كان الغرض الأهم للعلماء ، من متكلمين ومفسرين ومحدثين ، هو بيان سبب نزول الآية المباركة وذكر الحديث الوارد فيها ، وما في ذلك من دلالات... فإنهم لم يتعرضوا لشرح الواقعة ورواية جزئياتها ، ومن تعرض منهم لها ـ كالزمخشري مثلا ـ فقد اكتفى بنقل القدر المحتاج إليه في نظره !!
إلا أنا رأينا من المناسب إيراد القصة بشيء منا لتفصيل ، لما فيها من الفوائد المهمة ، ثم نعقب ذلك بما وقع عليه الصلح ، وببعض المسنونات المروية عن أئمة أهل البيت عليهم أفضل الصلوات والتسليمات ، في يوم المباهلة.
ولعل ما يرويه السيد الجليل ، الجامع بين العلم والعمل ، العلاّمة السيّد ابن طاووس الحلي هو أجمع الروايات لخبر القصة ، وهذا نصه مع بعض التلخيص بلفظه ، قال رحمه الله :
« الباب السادس : في ما يتعلق بمباهلة سيد أهل الوجود لذوي الجحود ، الذي لا يساوى ولا يجازى ، وظهور حجته على النصارى والحيارى ، وإن في يوم مثله تصدق أمير المؤمنين عليه السلام بالخاتم ، ونذكر ما نعمل من المراسم ، وفيه فصول :
فصل : في ما نذكره من إنفاذ النبي صلوات الله عليه وآله وسلم
( 370 )
لرسله إلى نصارى نجران ومناظرتهم فيما بينهم وظهور تصديقه في ما ادعاه ، روينا ذلك بالأسانيد الصحيحة والروايات الصريحة إلى أبي المفضل محمد بن عبد المطلب الشيباني رحمه الله من كتاب ( المباهلة ) ، ومن أصل كتاب الحسن بن إسماعيل بن أشناس من كتاب عمل ذي الحجة ، في ما رويناه بالطرق الواضحة ، عن ذوي الهمم الصالحة ، لا حاجة إلى ذكر أسمائهم ، لأن المقصود ذكر كلامهم ، قالوا :
لما فتح النبي صلى الله عليه وآله مكة وانقادت له العرب ، وأرسل رسله ودعاته إلى الأمم ، وكاتب الملكين كسرى وقيصر يدعوهما إلى الإسلام وإلا أقرا بالجزية والصغار ، وإلا أذنا بالحرب العوان ، أكبر شأنه نصارى نجران وخلطاؤهم ، من بني عبدالمدان وجميع بني الحرث بن كعب ومن ضوى إليهم ونزل بهم من دهماء الناس ـ على اختلافهم هناك في دين النصرانية من الأروسية ، والنالوسية ، وأصحاب دين الملك ، والمارونية ، والعباد ، والنسطورية ـ وأملأت قلوبهم ـ على تفاوت منازلهم ـ رهبة منه رعبا.
فإنهم كذلك من شأنهم ، إذ وردت عليهم رسل رسول الله صلى الله عليه وآله بكتابه ، وهم : عتبة بن غزوان ، وعبدالله بن أبي أمية ، والهدير بن عبدالله أخو تيم بن مرة ، وصهيب بن سنان أخو النمر بن قاسط ، يدعوهم إلى الإسلام ، فإن أجابوا فإخوان ، وإن أبوا واستكبروا فإلى الخطة المخوفة إلى أداء الجزية عن يد ، فإن راغبوا عما دعاهم إليه من أحد المنزلتين وعندوا فقد آذنهم على سواء ، وكان في كتابه صلى الله عليه وآله : (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا )
( 371 )
اشهدوا بأنا مسلمون ) (1).
قالوا : وكان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يقاتل قوما حتى يدعوهم.
فازداد القوم لورود رسل نبي صلىالله عليه وآله وكتابه نفورا وامتراجا ، ففزعوا لذلك إلى بيعتهم العظمى ، وأمروا ففرش أرضها وألبس جدرها بالحرير والديباج ، ورفعوا الصليب العظيم ، وكان من ذهب مرصع أنفذه إليهم القيصر الأكبر ، وحضر ذلك بني الحرث بن الكعب ، وكانوا ليوث الحرب وفرسان الناس ، قد عرفت العرب ذلك لهم في قديم أيامهم وفي الجاهلية ، فاجتمع القوم جميعا للمشورة والنظر في أمورهم ، وأسرعت إليهم القبائل من مذحج وعك وحمير وأنمار ، ومن دنا منهم نسبا ودارا نم قبائل سبأ ، وكلهم قد ورم أنفه غضبا من لقومهم ، ونكص من تكلم منهم بالإسلام ارتدادا ، فخاضوا وأفاضوا في ركز المسير بنفسهم وجمعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، والنزول به بيثرب لمناجزته.
فلما رأى أبو حارثة حصين بن علقمة ـ أسقفهم الأول وصاحب مدارسهم وعلامهم ، وكان رجلا من بني بكر بن وائل ـ ما أزمع القوم عليه من إطلاق الحرب ، دعا بعصابة فرفع بها حاجبيه عن عينيه ـ وقد بلغ يومئذ عشرين ومائة سنة ـ ثم قام فيهم خطيبا معتمدا على عصا ـ وكانت فيه بقية ، وله رأي وروية ، وكان موحدا يؤمن بالمسيح عليه السلام وبالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ويكتم إيمانه ذلك من كفرة قومه وأصحابه ـ فقال :
____________
(1) سورة آل عمران 3 : 64.
( 372 )
مهلا بني عبد المدان مهلا ، استديموا العافية والسعادة ، فإنهما مطويان في الهوادة ، دبوا إلى قوم في هذا الأمر دبيب الذر ، وإياكم والسورة العجلى ، فإن البديهة بها لا ينجب ، إنكم ـ والله ـ على فعل ما لم تفعلوا أقدر منكم على رد ما فعلتم ، ألا إن النجاة مقرونة بالأناة ، ألا رب إحجام أفضل من إقدام ، وكائن من قول أبلغ من صول ، ثم أمسك.
فأقبل عليه كرز بن سبرة الحارثي ـ وكان يومئذ زعيم بني الحارث بن كعب وفي بيت شرفهم والمعصب فيهم ، وأمير حروبهم ـ فقال : لقد انتفخ سحرك واستطير قلبك أبا حارثة ، فظلت كالمسبوع النزاعة المهلوع ، تضرب لنا الأمثال ، وتخوفنا النزال ، لقد علمت ـ وحق المنان ـ بفضيلة الحفاظ بالنوء بالعبء وهو عظيم ، وتلقح الحرب وهو عقيم ، تثقف إود الملك الجبار ، ولنحن أركان الرائش وذوو المنار ، الذين شددنا ملكهما ، وأمّرنا مليكهما ، فأي أيامنا ينكر ؟! أم لأيها ـ ويك ـ تلمز ؟! فما أتى على آخر كلامه حتى انتظم نصل نبلة كانت في يده بكفه غيظا وهو لا يشعر.
فلما أمسك كرز بن سبرة ، أقبل عليه العاقب ـ واسمه عبد المسيح بن شرحبيل ، وهو يومئذ عميد القوم ، وأمير رأيهم ، وصاحب مشورتهم ، الذي لا يصدرون جميعا إلا عن قوله ـ فقال له :
أفلح وجهك ، وآنس ربعك ، وعز جارك ، وامتنع ذمارك ، ذكرت ـ وحق مغبرة الجباه ـ حسبا صميما ، وعيصا كريما ، وعزا قديما ، ولكن ـ أبا سبرة ـ لكل مقام مقال ، ولكل عصر رجال ، والمرء بيومه أشبه منه بأمسه ، وهي الأيام تهلك جيلا وتديل قبيلا ، والعافية أفضل جلباب ، وللآفات أسباب ، فمن أوكد أسبابه التعرض لأبوابها. ثمّ صمت العاقب مطرقاً.
( 373 )
فأقبل عليه السيد ـ واسمه أهتم بن النعمان ، وهو يومئذ أسقف نجران ، وكان نظير العاقب في علو المنزلة ، وهو رجل من عاملة ، وعداده في لخم ـ فقال له : سعد جدك ، وسما جِدك أبا وائلة ، إن لكل لا معة ضياء ، وعلى كل صواب نورا ، ولكن لا يدركه ـ وحق واهب العقل ـ إلا من كان بصيرا ، إنك أفضيت وهذان فيما تصرف بكما الكلم إلى سبيليْ حزن وسهل ، ولكل على تفاوتكم حظ من الرأي الربيق والأمر الوثيق إذا أصيب به مواضعه.
ثم إن أخا قريش قد نجدكم لخطب عظيم وأمر جسيم ، فما عندكم فيه قولوا وانجزوا ، أبخوع وإقرار ؟ أم نزوع ؟!
قال عتبة والهدير والنفر من أهل نجران : فعاد كرز بن سبرة لكلامه ـ وكان كميا أبيا ـ فقال :
أنحن نفارق دينا رسخت عليه عروقنا ، ومضى عليه آباؤنا ، وعرف ملوك الناس ثم العرب ذلك منا ؟! أنتهالك إلى ذلك أم نقر بالجزية وهي الخزية حقا ؟! لا والله حتى نجرد البواتر من أغمادهم ، وتذهل الحلائل عن أولادها ، أو نشرق نحن ومحمد بدمائنا ، ثم يديل الله عز وجل بنصره من يشاء.
قال له السيد : أربع على نفسك وعلينا أبا سبرة ، فإن سل السيف يسل السيوف ، وإن محمّداً قد بخعت له العرب وأعطته طاعتها ، وملك رجالها وأعنتها ، وجرت أحكامه في أهل الوبر منهم والمدر ، ورمقه الملكان العظيمان كسرى وقيصر فلا أراكم ـ والروح ـ لو نهد لكم إلا وقد تصدع عنكم من خف معكم من هذه القبائل ، فصرتم جفاء كأم الذاهب ، أو كلحم على وضم.
( 374 )
وكان فيهم رجل يقال له : جهير بن سراقة البارقي ـ من زنادقة نصارى العرب ، وكان له منزلة من ملوك النصرانية ، وكان مثواه بنجران ـ فقال له : أبا سعد قل في أمرنا وأنجدنا برأيك ، فهذا مجلس له ما بعده.
فقال : فإني أرى لكم أن تقاربوا محمدا وتعطوه في بعض ملتمسه عندكم ، ولينطلق وفودكم إلى ملوك أهل ملتكم ، إلى الملك الأكبر بالروم قيصر ، وإلى ملوك هذه الجلدة السوداء الخمسة ـ يعني ملوك السودان : ملك النوبة ، وملك الحبشة ، وملك علوه ، وملك الرعا ، وملك الواحات ، ومريس ، والقبط ، وكل هؤلاء كانوا نصارى ـ.
قال : وكذلك من ضوى إلى الشام وحل بها من ملوك غسان ، ولخم ، وجذام ، وقضاعة ، وغيرهم من ذوي يمنكم ، فهم لكم عشيرة وموالي ومآل ، وفي الدين إخوان ـ يعني أنهم نصارى ـ وكذلك نصارى الحيرة من العباد وغيرهم ، فقد صبت إلى دينهم قبائل تغلب نبت وائل وغيرهم من ربيعة بن نزار.
لتسير وفودكم ، ثم لتخرق إليهم البلاد آغذاذا فيستصرخونهم لدينكم ، فيستنجدكم الروم ، وتسير إليكم الاساودة مسير أصحاب الفيل ، وتقبل إليكم نصارى العرب من ربيعة اليمن.
فإذا وصلت الأمداد واردة سرتم أنتم في قبائلكم وسائر من ظافركم وبذل نصره ومؤازرته لم ، حتى تضاهئون من أنجدكم وأصرخكم من الأجناس والقبائل الواردة عليكم ، فأموا محمدا حتى تبيتوا جميعا ، فسيعتق إليكم وافدا لكم نم صبا إليه مغلوبا مقهورا ، وينعتق به من كان منهم في مدرته مكثورا ، فيوشك أن تصطلموا حوزته ، وتطفئوا جمرته ، ويكون لكم بذلك الوجه والمكان في الناس ، فلا تتمالك العرب حينئذ حتى تتهافت
( 375 )
دخولا في دينكم ، ثم لتعظمن بيعتكم هذه ، ولتشرفن حتى تصير كالكعبة المحجوجة بتهامة.
هذا الرأي فانتهزوه ، فلا رأي لكم بعده.
فأعجب القوم كلام جهير بن سراقة ، ووقع منهم كل موقع ، فكاد أن يتفرقوا على العمل به ، وكان فيهم رجل من ربيعة بن نزار من بني قيس بن ثعلبة ، يدعى حارثة بن أثاك ، على دين المسيح عليه السلام ، فقام حارثة على قدميه وأقبل على جهير ، وقال متمثلا :
متـى ما تقد بالباطل الحق بابه * وإن قدرت بالحق الرواسي ينقـد
إذا ما أتيت الأمر من غير بابه * ضلت وإن تقصد إلى الباب تهتـد
ثم استقبل السيد والعاقب والقسيسين والرهبان وكافة نصارى نجران بوجهه ، لم يخلط معهم غيرهم ، فقال : سمعا سمعا يا أبناء الحكمة ، وبقايا حملة الحجة ، إن السعيد والله من نفته الموعظة ، ولم يعش عن التذكرة ، ألا وإن أنذركم وأذكركم قول مسيح الله عز وجل.
ثم شرح وصيته ونصه على وصية شمعون بن يوحنا ، وما يحدث على أمته من الإقتراق ، ثم ذكر عيسى عليه السلام ، وقال : إن الله جل جلاله أوحى إليه :
فخذ يا بن أمتي كتابي بقوة ، ثم فسره لأهل سوريا بلسانهم ، وأخبرهم إني أنا الله لا إله إلا أنا الحي القيوم ، البديع الدائم ، الذي لا أحول ولا أزول ، وإني بعثت رسلي وأنزلت كتبي رحمة ونورا وعصمة لخلقي ، ثم إني باعث بذلك نجيب رسالتي ، أحمد ، صفوتي من بريتي ، الفارقليطا عبدي ، أرسله في خلو من الزمان ، أبتعثه بمولده فاران ، من مقام أبيه إبراهيم عليه السلام ، أنزل عليه توراة حديثة ، أفتح بها أعينا عميا ، وآذانا
( 376 )
صما ، وقلوبا غلفا ، طوبى لمن شهد أيامه ، وسمع كلامه ، فآمن به واتبع النور الذي جاء به.
فإذا ذكرت يا عيسى ذلك النبي فصل عليه فإني وملائكتي نصلي عليه.
قال : فما أتى حارثة بن أثاك على قوله هذا حتى أظلم بالسيد والعاقب مكانهما ، وكرها ما قام به في الناس معربا ومخبرا عن المسيح عليه السلام بما أخبر وأقدم من ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لأنهما كانا قد أصابا بموضعهما من دينهما شرفا بنجران ، ووجها عند ملوك النصرانية جميعا ، وكذا عند سوقتهم ، وعربهم في البلاد ، فأشفقا أن يكون ذلك سببا لانصراف قومهما عن طاعتهما لدينهما ، وفسخا لمنزلتهما في الناس.
فأقبل العاقب على حارثة فقال : أمسك عليك يا حار ، فإن راد هذا الكلام عليك أكثر من قابله ، ورب قول يكون بلية على قائله ، وللقلوب نفرات عند الإصداع بمظنون الحكمة ، فاتق نفورها ، فلكل نبأ أهل ؛ ولكل خطب محل ، وإنما الدرك ما أخذ لك بمواضي النجاة وألبسك جنة السلامة ، فلا تعدلن بهما حظا ، فإني لم ألك ـ لا أبا لك ـ نصحا. ثم أرم يعني أمسك.
فأوجب السيد أن يشرك العاقب في كلامه ، فأقبل على حارثة ، فقال :
إني لم أزل أتعرف لك فضلا تميل إليه الألباب ، فإياك أن تقعد مطية اللجاج ، وأن ترجف إلى السراب ، فمن عذر بذلك فلست فيه أيها المرء بمعذور ، وقد أغفلك أبو واثلة وهو ولي أمرنا وسيد حضرنا عتابا ، فأوله
( 377 )
اعتبارا. ثم تعلم أن ناجم قريش ـ يعني رسول الله صلى الله عليه وآله ـ يكون رزؤه قللا ثم ينقطع ويخلو.
إن بعد ذلك قرنا يبعث في آخره النبي المبعوث بالحكمة والبيان ، والسيف والسلطان ، ويملك ملكا مؤجلا تطبق فيه أمته المشارق والمغارب ، ونم ذريته الأمير الظاهر ، يظهر على جميع الملكات والأديان ، ويبلغ ملكه ما طلع عليه الليل والنهار ، وذلك ـ يا حار ـ أمل من ورائه أمد ومن دونه أجل ، فتمسك من دينك بما تعلم وتمنع ـ لله أبوك ـ من أنس متصرم بالزمان أو لعارض من الحدثان ، فإنما نحن ليومنا ولغد أهله.
فأجابه حارثة بن أثاك ، فقال : إيها عليك أبا قرة ! فإنه لا حظ في يومه لمن لا درك له في غدوه ، اتق الله تجد الله جل وتعالى بحيث لا مفزع إلا إليه ، وعرضت مشيدا بذكر أبي واثلة ، فهو العزيز المطاع ، الرحب الباع وإليكما معا يلقىالرحل ، فلو أضربت التذكرة عن أحد لتبزيز فضل لكنتماه ، لكنها أبكار الكلام تهدى لأربابها ، ونصيحة كنتما أحق من أصغى لها ، إنكما مليكا ثمرات قلوبنا ، ووليا طاعتنا في ديننا فالكيّس الكيس ـ يا أيها المعظمان ـ عليكما به ، أرمقا ما يدهكما نواحيه وأهجرا التسويف في ما أنتما بعرضه ، آثرا الله في ما كان يؤثركما بالمزيد في فضله ، ولا تخلدا في ما أظلكما إلى الونية ، فإنه من أطال عنان الأمر أهلكته الغرة ، ومن اقتعد مطية الحذر كان بسبيل آمن من المتألف ، ومن استنصح عقله كانت العبرة له لا به ، ومن نصح لله عز وجل آنسه الله جل وتعالى بعز الحياة وسعادة المنقلب.
ثم أقبل على العاقب معاتبا فقال :
وزعمت ـ أبا واثلة ـ أن راد ما قلت أكثر من قائله ، وأنت لعمر الله
( 378 )
حري ألا يؤثر هذا عنك ، فقد علمت وعلمنا أمة الإنجيل معا بسيرة ما قام به المسيح عليه السلام في حواريه ومن آمن له من قومه ، وهذه منك فهّة لا يرحضها إلا التوبة والإقرار بما سبق به الإنكار.
فلما أتى على هذا الكلام صرف إلى السيد وجهه ، فقال : لا سيف إلا ذو نبوة ولا عليم إلا ذو هفوة ، فمن نزع عن وهلة وأقلع فهو السعيد الرشيد ، وإنما الآفة في الإصرار ، وأعرضت بذكر نبيين يخلقان بعد ابن البتول ، فأين يذهب بك عما خلا في الصحف من ذكرى ذلك ؟! ألم تعلم ما أنبأ به المسيح عليه السلام في بني إسرائيل ؟! وقوله لهم : كيف بكم إذا ذهب بي إلى ابي وأبيكم وخلف بعد أعصار يخلو من بعدي وبعدكم صادق وكاذب ؟!
قالوا : ومن هما يا مسيح الله ؟
قال : نبي من ذرية إسماعيل عليهما السلام صادق ، ومتنبئ من بني إسرائيل كاذب ، فالصادق منبعث منهما برحمة وملحمة ، يكون له الملك والسلطان ما دامت الدنيا ، وأما الكاذب فله بند يذكر به المسيح الدجال يملك فواقا ثم يتله الله بيدي إذا رجع بي.
قال حارثة : وأحذركم يا قوم أن يكون من قبلكم من اليهود أسوة لكم ، إنهم أنذروا بمسيحين ، مسيح رحمة وهدى ، ومسيح ضلالة ، وجعل لهم على كل واحد منهما آية وأمارة ، فجحدوا مسيح الهدى وكذبوا به ، وآمنوا بمسيح الضلالة الدجال ، وأقبلوا على انتظاره وأضربوا في الفتنة وركبوا نصحها ، ومن قبل ما نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ، وقتلوا أنبياءه والقوامين بالقسط من عباده ، فحجب الله عز وجل عنهم البصيرة بعد التبصرة بما كسبت أيديهم ، ونزع ملكهم منهم ببغيهم وألزمهم الذلة
( 379 )
والصغار ، وجعل منقلبهم إلى النار.
قال العاقب : فما أشعرك ـ يا حار ـ أن يكون هذا النبي المذكور في الكتب هو قاطن يثرب ، ولعله ابن عمك صاحب اليمامة ، فإنه يذكر من النبوة ما يذكر منها أخو قريش ، وكلاهما من ذرية إسماعيل ، ولجميعهما أتباع وأصحاب يشهدون بنبوته ، ويقرون له برسالته ، فهل تجد بينهما في ذلك من فاصلة فتذكرها ؟
قال حارثة : أجل والله أجدها والله أكبر ، وأبعد مما بين السحاب والتراب ، وهي الأسباب التي بها وبمثلها تثبت حجة الله في قلوب المعتبرين من عباده لرسله وأنبيائه.
وأما صاحب اليمامة فيكفيك فيه ما أخبركم به سفهاؤكم وغيركم ، والمنتجعة منكم أرضه ، ومن قدم من أهل اليمامة عليكم ، ألم يخبركم جميعا عن رواد مسيلمة وسماعيه ، ومن أوفده صاحبهم إلى أحمد بيثرب فعادوا إليه جميعا بما تعرفوا هناك في بني قيلة وتبينوا به ؟!
قالوا : قدم علينا أحمد يثرب وبيارنا ثماد ، ومياهنا ملحة ، وكنا من قبله لا نستطيب ولا نستعذب ، فبصق في بعضها ومج في بعض ، فعادت عذابا محلولية ، وجاش منها ما كان ماؤها ثمادا فحار بحرا.
قالوا : وتفل محمد في عيون رجال ذوي رمد ، وعلى كلوم رجال ذوي جراح ، فبرئت لوقته عيونهم فما اشتكوها واندملت جراحهم فما ألموها ، في كثير مما أدوا ونبؤوا عن محمد صلى الله عليه وآله من دلالة وآية.
وأرادوا صاحبهم مسيلمة على بعض ذلك ، فأنعم لهم كارها ، وأقبل بهم إلى بعض بيارهم فمج فيها وكانت الركى معذوذبة فحارت ملحا لا
( 380 )
يستطاع شرابه ، وبصق في بئر كان ماؤها وشلا فعادت فلم تبض بقطرة من ماء ، وتفل في عين رجل كان بها رمد فعميت ، وعلى جراح ـ أو قالوا جراح آخر ـ فاكتسى جلده برصا ـ.
فقالوا لمسيلمة في ذلك منه ، واستبرؤوه.
فقال : ويحكم بئس الأمة أنتم لنبيكم والعشيرة لابن عمكم أن كنتم تحيفوني يا هؤلاء من قبل أن يوحى إلي في شيء مما سألتم ، والآن فقد أذن لي في أجسادكم وأشعاركم دون بياركم ومياهكم ، هذا لمن كان منكم بي مؤمنا ، وأما من كان مرتابا فإنه لا يزيده تفلتي عليه إلا بلاء ، فمن شاء الآن منكم فليأت لأتفل في عينه وعلى جلده.
قالوا : ما فينا ـ وأبيك ـ أحد يشاء ذلك ، إنا نخاف أن يشمت بك أهل يثرب ؛ وأضربوا عنه حمية لنسبه فيهم وتذمما لمكانه منهم.
فضحك السيد والعاقب حتى فحصا الأرض بأرجلهما ، وقالا : ما النور والظلام والحق والباطل بأشد بيانا وتفاوتا مما بين هذين الرجلين صدقا وكذبا.
قالوا : وكان العاقب أحب ـ مع ما تبين من ذلك ـ أن يشيد ما فرط من تقريظه مسيلمة ويوثل منزلته ليجعل لرسول الله صلى الله عليه وآله كفؤا ، استظهارا بذلك في بقاء عزّه وما طار له من السمو في أهل ملته ، فقال : ولئن فخر أخو بني حنيفة في زعمه أن الله عز وجل أرسله ، وقال من ذلك ما ليس له بحق ، فلقد بر في أن نقل قومه من عبادة الاوثان إلى الإيمان بالرحمن.
قال حارثة أنشدك بالله الذي دحاها ، وأشرق باسمه قمراها ، هل تجد في ما أنزل الله عز وجل في الكتب السابقة : يقول الله عز وجل : أنا الله
( 381 )
لا إله إلا أنا ديان يوم الدين ، أنزلت كتبي وأرسلت رسلي لأنستنقذ بهم عبادي من حبائل الشيطان ، وجعلتهم في بريتي وأرضي كالنجوم الدراري في سمائي ، يهدون بوحيي وأمري ، من أطاعهم أطاعني ، ومن عصاهم فقد عصاني ، وإني لعنت وملائكتي في سمائي وأرضي واللاعنون من خلقي من جحد ربوبيتي ، أو عدل بي شيئا من بريتي ، أو كذب بأحد من أنبيائي ورسلي ، أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيء ، أو غمص سلطاني ، أو تقمصه متبرئا ، وأكمه عبادي وأضلهم عني ، ألا وإنما يعبدني من عرف ما أريد في عبادتي وطاعتي من خلقي ، فمن لم يقصد إليّ من السبيل التي نهجتها برسلي لم يزدد في عبادته مني إلا بعدا.
قال العاقب : رويدك ، فأشهد لقد نبأت حقا.
قال حارثة : فما دون الحق من مقنع ، وما بعده لامرئ مفزع ، ولذلك قلت الذي قلت.
فاعترضه السيد ـ وكان ذا مجال وجدال شديد ـ فقال : ما أحرى وما أرى أخا قريش مرسلا إلا إلى قومه بني إسماعيل دينه ، وهو مع ذلك يزعم أن الله عز وجل أرسله غلى الناس جميعا.
قال حارثة : أفتعلم أنت يا أبا قرة أن محمدا مرسل من ربه إلى قومه خاصة ؟!
قال : أجل.
قال : أتشهد له بذلك ؟!
قال : ويحك ، وهل يستطاع دفع الشواهد ؟! نعم ، أشهد غير مرتاب بذلك ، وبذلك شهدت له الصحف الدراسة والأنباء الخالية.
فأطرق حارثة ضاحكا ينكت الأرض بسبابته.
( 382 )
قال السيد : ما يضحكك يا ابن أثاك.
قال : عجبت فضحكت.
قال : أو عجب ما تسمع ؟!
قال : نعم ، العجب أجمع ، أليس ـ بالإله ـ بعجيب من رجل أوتي أثرة من علم وحكمة يزعم أن الله عز وجل اصطفى لنبوته ، واختص برسالته ، وأيّد بروحه وحكمته ، رجلا خراصا يكذب عليه ويقول : أوحى إليّ ولم يوح إليه ، فيخلط كالكاهن كذبا بصدق ، وباطلا بحق !
فارتدع السيد وعلم أنه قد وهل فأمسك محجوجا.
قالوا : وكان حارثة بنجران حثيثا ـ يعني غريبا ـ فأقبل عليه العاقب وقد قطعه ما فرط إلى السيّد من قوله ، فقال له : عليك أخا بني قيس بن ثعلبة ، واحبس عليك ذلق لسانك وما لم تزل تستخم لنا من مثابة سفهك ، فرب كلمة ترفع صاحبها رأسا قد ألقته في قعر مظلمة ، ورب كلمة لامت ورابت قلوبا نغلة ، فدع عنك ما يسبق إلى القلوب إنكاره وإن كان عندك ما ليس لنا اعتذاره.
ثم قال : وذكرت أخا قريش وما جاء به من الآيات والنذر ، فأطلت وأعرضت ، ولقد برزت ، فنحن بمحمد عالمون ، وبه جدا موقنون ، شهدت لقد انتظمت له الآيات والبينات ، سالفها وآنفها إلا آية هي أسعاها وأشرفها ، وإنما مثلها في ما جاء به كمثل الرأس للجسد ، فما حال حسد لا رأس له ؟! فامهل رويدا نتجسس الأخبار ونعتبر الآثار ، ولنستشف ما ألفينا مما أفضى إلينا ، فإن آنسنا الآية الجامعة الخاتمة لديه فنحن إليه أسرع وله أطوع ، وإلا فأعلم ما نذكر به النبوة والسفارة عن الرب الذي لا تفاوت في أمره ، ولا تغاير في حكمه.
( 383 )
قال له حارثة : قد ناديت فأسمعت ، وفزعت فصدعت ، وسمعت وأطعت ، فما هذه الآية التي أوحش بعد الأنسة فقدها ، وأعقب الشك بعد البينة عدمها ؟
قال له العاقب : قد أثلجك أبو قرة بها فذهبت عنها في غير مذهب ، وجاورتها فأطلت في غير ما طائل وحاورتنا.
قال حارثة : وإلى ذلك فحلها الآن لي فداك أبي وأمي.
قال العاقب : أفلح من سلم للحق وصدع به ، ولم يرغب عنه وقد أحاط به علما ، فقد علمنا وعلمت من أنباء الكتب المستودعة علم القرون ، وما كان وما يكون ، فإنها استهلت بلسان كل أمة منهم معربة مبشرة ومنذرة بأحمد النبي العاقب ، الذي تطبق أمته المشارق والمغارب.
قالوا : وكان هذا مجلسا ثالثا في يوم ثالث من اجتماعهم للنظر في أمرهم ، فقال السيد : يا حارثة ! الم ينبئك أبو واثلة بأفصح لفظ اختق أذنا ، ودعا ذلك بمثله مخبرا ؛ فألقاك مع غرمائك بموارده حجرا ، وها أنا ذا اؤكد عليك التذكرة بذلك من معدن ثالث.
فأنشدك الله وما أنزل إلى كلمته من كلماته ، هل تجد في الزاجرة المنقولة من لسان أهل سوريا إلى لسان العرب ـ يعني صحيفة شمعون بن حمون الصفا التي توارثها عنه أهل النجران ـ ؟
قال السيد : ألم يقل بعد بند طويل من كلام : فإذا طبقت وقطعت الأرحام ، وعفت الأعلام ، بعث الله عبده الفارقليطا بالرحمة والمعدلة.
قالوا : وما الفارقليطا يا روح الله ؟
قال : أحمد النبي الخاتم الوارث ذلك الذي يصلى عليه حيا ويصلى عليه بعدما يقبضه إليه ، بابنه الطاهر الخائر ، ينشره الله في آخر الزمان بعدما
( 384 )
انقضت عرى الدين ، وخبت مصابيح الناموس ، فأفلت نجومه ، فلا يلبث ذلك العبد الصالح إلا أمما حتى يعود الدين به كما بدأ ، ويقر الله عز وجل سلطانه في عبده ثم في الصالحين من عقبه ، وينشر منه حتى يبلغ ملكه منقطع التراب.
قال حارثة : كل ما قد أنشدتما حق ، لا وحشة مع الحق ، ولا أنس في غيره ، فمه ؟
قال السيد : فإن من الحق أن لا حظ في هذه الأكرومة للأبتر.
قال حارثة : إنه لكذلك ، أليس بمحمد ؟!
قال السيد : إنك ما عملت إلا لدا ، ألم يخبرنا سفرنا وأصحابنا في ما تجسسنا من خبره أن ولديه الذكرين القرشية والقبطية بادا ـ يعني هلكا ـ وغودر محمد كقرن الأعضب موف على ضريحه ، فلو كان له بقية لكان لك بذلك مقالا إذا ولت أنباؤه الذي يذكر.
قال حارثة : العبر ـ لعمرو الله ـ كثيرة والاعتبار بها قليل ، والدليل موف على سنن السبيل إن لم يعش عنه ناظر ، وكما أن أبصار الرمدة لا تستطيع النظر في قرص الشمس لسقمها ؛ فكذلك البصائر القصيرة لا تتعلق بنور الحكمة لعجزها ، الا ومن كان كذلك فلستماه ـ وأشار إلى السيد والعاقب ـ.
إنكما ـ ويمين الله ـ لمحجوجين بما آتاكما الله عز وجل من ميراث الحكمة واستودعكما من بقايا الحجة ، ثم بما أوجب لكما من الشرف والمنزلة في الناس ، فقد جعل الله عز وجل من آتاه سلطانا ملوكا على الناس وأربابا ، وجعلكما حكما وقواما على ملوك ملتنا وذادة لهم ، يفزعون إليكما في دينهم ولا تفزعان إليهم ، وتأمرانهم فيأتمرون لكما وحق لكل
( 385 )
ملك أو موطأ الأكتاف أن يتواضع لله عز وجل إذ رفعه ، وأن ينصح لله عز وجل في عباده ولا يدهن في أمره ، وذكرتما محمدا بما حكمت له الشهادات الصادقة ، وبينته فيه الأسفار المستحفظة ، ورأيتماه مع ذلك مرسلا إلى قومه لا إلى الناس جميعا وأنه ليس بالخاتم الحاشر ، ولا الوارث العاقب ، لأنكما زعمتماه ابترا ، أليس كذلك ؟
قالا : نعم.
قال : أريتكما لو كان له بقية وعقب ، هل كنتما تمتريان لما تجدان وبما تكذبان من الوراثة والظهور على النواميس أنه النبي الخاتم والمرسل إلى كافة البشر ؟
قالا : لا.
قال : أفليس هذا القيل ـ هذه الحال مع طول اللوائم والخصائم ـ عندكما مستقرا.
قالا : أجل.
قال : الله أكبر.
قالا : كبرت كبيرا ، فما دعاك إلى ذلك.
قال حارثة : الحق أبلج ، والباطل لجلج ، ولنقل ماء البحر ولشق الصخر أهون من إماتة ما أحياه الله عز وجل وإحياء ما أماته ، الآن فاعلما أن محمدا غير أبتر ، وأنه الخاتم الوارث والعاقب الحاشر حقا فلا نبي بعده وعلى أمته تقوم الساعة ويرث الله الأرض ومن عليها وأن من ذريته الأمير الصالح الذي بيّنتما ونبّأتما أنه يملك مشارق الأرض ومغاربها ويظهره الله عز وجل بالحنفية الإبراهيمية على النواميس كلها.
قالا : أولى لك يا حارثة ، لقد أغفلناك وتأبى إلا مراوغة كالثعالبة ، فما
( 386 )
تسأم المنازعة ولا تمل من المراجعة ، ولقد زعمت مع ذلك عظيما ، فما برهانك به ؟
قال : أما ـ وجدكما ـ لأنبئكما ببرهان يجير من الشبهة ويشفي به جوى الصدور.
ثم أقبل على أبي حارثة حصين بن علقمة ، شيخهم وأسقفهم الأول فقال : إن رأيت أيها الأب الأثير أن تؤنس قلوبنا وتثلج صدورنا بإحضار الجامعة والزاجرة.
قالوا : وكان هذا المجلس الرابع من اليوم الرابع ، وذلك لما خلقت الأرض وركدت ، وفي زمن قيظ شديد ، فأقبلا على حارثة فقالا : أرج هذا إلى غد فقد بلغت القلوب منا الصدور. فتفرقوا على إحضار الزاجرة والجامعة من غد للنظر فيهما والعمل بما يتراءان منهما.
فلما كان من الغد صار أهل نجران إلى بيعتهم لاعتبار ما أجمع صاحباهم مع حارثة على اقتباسه وتبينه من الجامعة ، ولما رأى السيد والعاقب اجتماع الناس لذلك قطع بهما لعلمهما بصواب قول حارثة ، واعترضاه ليصدانه عن تصفح الصحف على أعين الناس ، وكانا من شياطين الإنس ، فقال السيد : إنك قد أكثرت وأمللت قض الحديث لنا مع قضه ودعنا من تبيانه.
فقال حارثة : وهل هذا إلاّ منك وصاحبك ! فمن الآن فقولا ما شئتما ،
فقال العاقب : ما من مقال إلا قلناه ، وسنعود فنخبر بعض ذلك لك تخبيرا غير كاتمين لله عز وجل من حجة ، ولا جاحدين له آية ، ولا مفترين مع ذلك على الله عز وجل لعبد أنه مرسل منه وليس برسوله ، فنحن نعترف ـ يا هذا ـ بمحمد صلى الله عليه وآله أنه رسول من الله عز وجل إلى قومه
( 387 )
من بني إسماعيل عليه السلام في غير أن نجب له بذلك على غيرهم من عرب الناس ولا أعاجمهم ، تباعة ولا طاعة ، بخروج له عن ملة ، ولا دخول معه في ملة ، إلا الإقرار له بالنبوة والرسالة إلى أعيان قومه ودينه.
قال حارثة : وبم شهدتما بما شهدتما له بالنبوة والأمر ؟
قالا : حيث جاءتنا فيه البينة من تباشير الأناجيل والكتب الخالية.
فقال : منذ وجب هذا لمحمد ـ صلى الله عليه وآله ـ عليكما في طويل الكلام وقصيره ، وبدئه وعوده ، فمن أين زعمتما أنه ليس بالوارث الحاشر ، ولا المرسل إلى كافة البشر ؟
قالا : لقد علمت وعلمنا ، فما نمتري بأن حجة الله عز وجل لم ينته أمرها ، وأنها كلمة الله جارية في الأعقاب ما اعتقب الليل والنهار ، وما بقي من الناس شخصان ، وقد ظننا من قبل أن محمد ربها ، وأنه القائد بزمامها ، فلما أعقمه الله عز وجل بمهلك الذكورة من ولده علمنا أنه ليس به ، لأن محمدا أبتر ، وحجة الله عز وجل الباقية ، ونبيه الخاتم بشهادة كتب الله عز وجل المنزلة ليس بأبتر ، فإذن هو نبي يأتي ويخلد بعد محمد ، اشتق اسمه من اسم محمد وهو أحمد الذي نبّأ المسيح باسمه وبنبوته ورسالته الخاتمة ، ويملك ابنه القاهر الجامعة للناس جميعا على ناموس الله عز وجل الأعظم ، ليس بمظهرة دينه ، ولكنه من ذريته وعقبه ، يملك قرى الأرض وما بينهما ، من لوب وسهل وصخر وبحر ، ملكا مورثا موطأ ، وهذا نبّأ أحاطت سفرة الأناجيل به علما ، وقد أوسعناك بهذا القيل سمعا وعدنا لك به آنفة بعد سالفة ، فما أربك إلى تكراره ؟!
قال حارثة : قد أعلم أنا وإياكما في رجع من القول منذ ثلاث وما ذاك إلا ليذكر ناس ، ويرجع فارط ، وتظهر لنا الكلم ، وذكرتما نبيين يبعثان
( 388 )
يعتقبان بين مسيح الله عز وجل والساعة ، قلتما وكلاهما من بني إسماعيل ، أولهم : محمّد بيثرب ، وثانيهما : أحمد العاقب.
فتنادى الناس في كل ناحية وقالوا : الجامعة يا أبا حارثة الجامعة !
وذلك لما مسهم في طول تحاور الثلاثة من السامة والملل ، وظن القوم مع ذلك أن الفلج لصاحبيهما بما كانا يدعيان في تلك المجالس من ذلك.
فأقبل أبو حارثة إلى علج واقف منه فقال : امض يا غلام فأت بها.
فجاء بالجامعة يحملها على رأسه وهو لا يكاد يتماسك بها لثقلها.
فجاء بالجامعة يحملها على رأسه وهو لا يكاد يتماسك بها لثقلها ، قال : فحدثني رجل صدق من النجرانية ممن كان يلزم السيد والعاقب ويخف لهما في بعض أمورهما ويطلع على كثير من شأنهما ، قال : لما حضرت الجامعة بلغ ذلك من السيد والعاقب كل مبلغ ، لعلمهما بما يهجمان عليه في تصفحهما من دلائل رسول الله صلى الله عليه وآله وصفته ، وذكر أهل بيته وأزواجه وذريته ، وما يحدث في أمته وأصحابه من بواثق الأمور من بعده إلى فناء الدنيا وانقطاعها.
فأقبل أحدهما على صاحبه ، فقال : هذا يوم ما بورك لنا في طلوع شمسه ، لقد شهدته أجسامنا وغابت عنه آراؤنا بحضور طغاتنا وسفلتنا ولعل ما شهد سفهاء قوم مجمعة إلا كانت لهم الغلبة.
قال الآخر : فهم شر غالب لمن غلب ، إن أحدهم ليفيق بأدنى كلمة ويفسد في بعض ساعة ما لا يستطيع الآسي الحليم له رتقا ، ولا الخولّي النفيس إصلاحا له في حول محرم ، ذلك لأن السفيه هادم والحليم بان ، وشتّان البناء والهدم.
قال : فانتهز حارثة الفرصة فأرسل في خفية وسر إلى النفر من
( 389 )
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فاستحضرهم استظهارا بمشهدهم ، فحضروا ، فلم يستطع الرجلان فض ذلك المجلس ولا إرجاؤه ، وذلك بينا من تطلع عامتهما من نصارى نجران إلى معرفة ما تضمنت الجامعة من صفة رسول الله صلى الله عليه وآله لذلك ، وتأليب حارثة عليهما فيه وصفو أبي حارثة شيخهم إليه.
قال : قال لي ذلك الرجل النجراني : فكان الرأي عندهما أن ينقادا لما يدهمهما من هذا الخطب ، ولا يظهران شماسا منه ولا نفورا ، حذار أن يطرقا الظنة فيه إليهما ، وأن يكونا أيضا أول معتبر للجامعة ومستحث لها ، لئلا يفتات في شيء من ذلك المقام والمنزلة عليهما ، ثم يستبينان الصواب في الحال ويستنجدانه لياخذان بموجبه ، فتقدما لما تقدم في أنفسهما من ذلك إلى الجامعة وهي بين يدي أبي حارثة ، وحاذاهما حارثة بن أثاك وتطاولت إليهما فيه الأعناق وحفت رسل رسول الله صلى الله عليه وآله بهم.
فأمر أبو حارثة بالجامعة ، ففتح طرفها واستخرج منها صحيفة آدم الكبرى ، المستودعة علم ملكوت الله عز وجل جلاله وما ذرأ وما برأ في أرضه وسمائه وما وصلهما جل جلاله من ذكر عالميه ، وهي الصحيفة التي ورثها شيث من أبيه آدم عليه السلام عما دعا من الذكر المحفوظ ، فقرأ القوم السيد والعاقب وحارثة في الصحيفة تطلبا لما تنازعوا فيه من نعت رسول الله صلى الله عليه وآله وصفته ، ومن حضرهم يومئذ من الناس إليهم يصغون مرتقبون لما يستدرك من ذكرى ذلك ، فألفوا في المفتاح الثاني من فواصلها :
بسم الله الرحمن الرحيم ، أنا الله لا إله إلا أنا الحي القيوم ، معقب
( 390 )
الدهور وفاصل الأمور ، سبقت بمشيتي الأسباب ، وذللت بقدرتي الصعاب ، فأنا العزيز الحكيم ، الرحمن الرحيم ، ارحم تُرحم ، سبقت رحمتي غضبي ، وعفوي عقوبتي ، خلقت عبادي لعبادتي ، وألزمتهم حجتي ، ألا إني باعث فيهم رسلي ومنزل عليهم كتبي ، أبرم ذلك من لدن أول مذكور من بشر إلى أحمد نبيي وخاتم رسلي ، ذلك الذي أجعل عليه صلواتي وأسلك في قلبه بركاتي ، وبه أكمل أنبيائي ونذري.
قال آدم عليه السلام : إلهي ! من هؤلاء الرسل ؟ ومن أحمد هذا الذي رفعت وشرّفت ؟
قال : كل من ذريتك وأحمد عاقبهم.
قال : رب ! بما أنت باعثهم ومرسلهم ؟
قال : بتوحيدي ، ثم أقفّي ذلك بثلاثمائة وثلاثين شريعة أنظمها وأكملها لأحمد جميعا ، فأذنت لمن جاءني بشريعة منها الإيمان بي وبرسلي أن أدخله الجنة.
ثم ذكر ما جملته : أن الله تعالى عرض على آدم عليه السلام معرفة الأنبياء عليهم السلام وذريتهم ، ونظرهم آدم عليه السلام.
ثم قال ما هذا لفظه : ثم نظر آدم عليه السلام إلى نور قد لمع فسد الجو المنخرق فأخذ بالمطالع من المشارق ، ثم سرى كذلك حتى طبق المغارب ، ثم سما حتى بلغ ملكوت السماء فنظر فإذا هو نور محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وإذا الأكناف به قد تضرعت طيبا ، وإذا أنوار أربعة قد اكتنفته عن يمينه وشماله ومن خلفه وأمامه ، أشبه شيء به أرجا ونورا ويتلوها أنوار من بعدها تستمد منها ، وإذا هي شبيه بها في ضيائها وعظمها ونشرها ، ثم دنت منها فتكللت عليها وحفت بها ، ونظر فإذا أنوار
( 391 )
من بعد ذلك في مثل عدد الكواكب ودون منازل الاوائل جدا جدا ، وبعض هذا أضوء من بعض وهي في ذلك متفاوتون جدا.
ثم طلع عليه سواد كالليل وكالسيل ينسلون من كل وجهة وأوب فأقبلوا كذلك حتى ملؤوا القاع والأكم فإذا هم أقبح شيء صورا وهيئة ، وأنتنه ريحا.
فبهر آدم عليه السلام ما رأى من ذلك ، وقال : يا عالم الغيوب وغافر الذنوب ، ويا ذا القدرة الباهرة والمشيئة الغالبة ، من هذا الخلق السعيد الذي كرمت ورفعت على العالمين ؟ ومن هذه الأنوار المنيفة المكتنفة له ؟
فأوحى الله عز وجل إليه :
يا آدم هذا وهؤلاء وسيلتك ووسيلة من أسعدت من خلقي ، هؤلاء السابقون المقربون ، والشافعون المشفعون ، وهذا أحمد سيدهم وسيد بريتي ، اخترته بعلمي واشتققت اسمه من اسمي ، فأنا المحمود وهو محمد ، وهذا صنوه ووصيه ، آزرته به ، وجعلت بركاتي وتطهيري في عقبه ، وهذه سيدة إمائي والبقية في علمي من أحمد نبيي ، وهذان السبطان والخلفان لهم ، وهذه الأعيان المضاوع نورها أنوارهم ، بقية منهم ، ألا إن كلا اصطفيت وطهرت ، وعلى كل باركت وترحمت ، فكلا بعلمي جعلت قدوة عبادي ونور بلادي.
ونظر فإذا شيخ في آخرهم يزهر في ذلك الصفيح كما يزهر كوكب الصبح لأهل الدنيا ، فقال الله تبارك وتعالى : وبعبدي هذا السعيد أفك عن عبادي الأغلال وأضع عنهم الآصار ، أملأ أرضي به حنانا ورأفة وعدلا كما ملئت من قبله قسوة وقشعرية وجورا.
قال آدم عليه السلام : رب إن الكريم من كرّمت ، وإن الشريف من
( 392 )
شرفت ، وحق يا إلهي لمن رفعت وأعليت أن يكون كذلك.
فياذا النعم التي لا تنقطع ، والإحسان الذي لا يجازى ولا ينفذ ، بم بلغ عبادك هؤلاء العالون هذه المنزلة من شرف عطائك وعظيم فضلك وحيائك وكذلك من كرمت من عبادك المرسلين ؟
قال الله تبارك وتعالى : إني أنا الله لا إله إلا أنا الرحمن الرحيم ، العزيز الحكيم ، عالم الغيوب ومضمرات القلوب ، أعلم ما لم يكن مما يكون كيف يكون ، وما لا يكون ، وما لا كيف لو كان يكون ، وإني اطلعت يا عبدي في علمي على قلوب عبادي ، فلم أر فيهم أطوع لي ولا أنصح لخلقي من أنبيائي ورسلي ، فجعلت لذلك فيهم روحي وكلمتي ، وألزمتهم عبء حجتي ، واصطفيتهم على البرايا برسالتي ووحيي ، ثم ألقيت بمكاناتهم تلك في منازلهم حوامهم وأوصيائهم من بعدهم ، ودائع حجتي والسادة في بريتي ، لأجبر بهم كسر عبادي ، وأقيم بهم أودهم ، ذلك أني بهم وبقلوبهم لطيف خبير.
ثم اطلعت على قلوب المصطفين من رسلي فلم أجد فيهم أطوع ولا أنصح لخلقي من محمد خيرتي وخالصتي ، فاخترته على علم ورفعت ذكره إلى ذكرى ، ثم وجدت قلوب حامته اللاتي من بعده على صبغة قلبه ، فألحقتهم به وجعلتهم ورثة كتابي ووحيي وأوكار حكمتي ونوري ، وآليت بي ألا أعذب بناري من لقيني معتصما بتوحيدي وحبل مودتهم أبدا.
ثم أمرهم أبو حارثة أن يصيروا إلى صحيفة شيث الكبرى التي انتهى ميراثها إلى إدريس النبي عليه السلام ، قال : وكان كتابتها بالقلم السرياني القديم ، وهو الذي كتب من نوح عليه السلام من ملوك الهياطلة ، وهم النماردة ، قال : فاقتص القوم الصحيفة وأفضوا منها إلى هذا الرسم ، قال :