فقد أخرج جماعة من كبار الأئمة والحفاظ والأئمة حديث الكساء ، الصريح في اختصاص الآية المباركة بالرسول وأهل بيته الطاهرين علهيم الصلاة والسلام ، عن عشرات من الصحابة :
من الصحابة الرواة لحديث الكساء :
ونحن نذكر عدة منهم فقط :
1 ـ عائشة بنت أبي بكر.
2 ـ أم سلمة زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
3 ـ عبدالله بن العباس.
4 ـ سعد بن أبي وقاص.
5 ـ أبو الدرداء.
6 ـ أنس بن مالك.
7 ـ أبو سعيد الخدري.
8 ـ واثلة بن الأسقع.
9 ـ جابر بن عبدالله الأنصاري.
10 ـ زيد بن أرقم.
11 ـ عمر بن ابي سلمة.
( 191 )
12 ـ ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
من الأئمة الرواة لحديث الكساء :
ونكتفي بذكر أشهر المشاهير منهم :
1 ـ أحمد بن حنبل ، المتوفى سنة 241.
2 ـ عبد بن حميد الكشي ، المتوفى سنة 249.
3 ـ مسلم بن الحجاج ، صاحب الصحيح ، المتوفى سنة 261.
4 ـ أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي ، المتوفى سنة 277.
5 ـ أحمد بن عبد الخالق البزار ، المتوفى 292.
6 ـ محمد بن عيسى الترمذي ، المتوفى سنة 297.
7 ـ أحمد بن شعيب النسائي ، المتوفى سنة 303.
8 ـ أبو عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي.
9 ـ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ، المتوفى سنة 310.
10 ـ عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي ، الشهير بابن أبي حاتم ، المتوفى سنة 327.
11 ـ سليمان بن أحمد الطبراني ، المتوفى سنة 360.
12 ـ أبو عبد الله الحاكم النيسابوري ، المتوفى سنة 405.
13 ـ أبو نعيم أحمد بن عبدالله الأصفهاني ، المتوفى سنة 430.
14 ـ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي ، المتوفى سنة 458.
15 ـ أبو بكر أحمد بن علي ، المعروف بالخطيب البغدادي ، المتوفى سنة 463.
16 ـ أبو السعادات المبارك بن محمد ، المعروف بابن الأثير ، المتوفى
( 192 )
سنة 606.
17 ـ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي ، المتوفى سنة 748.
18 ـ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ، المتوفى سنة 911.
من ألفاظ الحديث في الصحاح والمسانيد وغيرها :
وهذه نبذة من ألفاظ الحديث بأسانيدها (1) :
ففي المسند : « حدثنا عبدالله ، حدثني أبي ، ثنا عبدالله بن نمير ، قال : ثنا عبد الملك ـ يعني ابن أبي سليمان ـ ، عطاء بن أبي رباح ، قال : حدثني من سمع أم سلمة تذكر النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم كان في بيتها ، فأتته فاطمة ببرمة فيها خزيرة ، فدخلت بها عليه ، فقال لها : ادعي زوجك وابنيك.
قالت : فجاء علي والحسين والحسن فدخلوا عليه فجلسوا يأكلون تلك الخزيرة وهو على منامة له على دكان تحته كساء خيبري.
قالت : وأنا أصلي في الحجرة ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم رجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ).
قالت : فأخذ فضل الكساء فغشاهم به ، ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء ثم قال : اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
قالت : فأدخلت رأسي البيت فقلت : وأنا معكم يا رسول الله ؟
____________
(1) نعم ، هذه نبذة من الروايات ، إذ لم نورد كل ما في المسند أو المستدرك أو غيرهما ، بل لم نورد شيئا من تفسير الطبري وقد أخرجه من أربعة عشر طريقا ، ولا من كثير من المصادر المعتبرة في التفسير والحديث وتراجم الصحابة وغيرها.
( 193 )
قال : إنك إلى خير ، إنك إلى خير.
قال عبد الملك : وحدثني ابو ليلى عن أم سلمة مثل حديث عطاء سواء.
وفي المسند : « حدثنا عبد الله ، حدثني أبي ، ثنا عفان ، ثنا حماد بن سلمة ، قال : ثنا علي بن زيد ، عن شهر بن حوشب ، عن أم سلمة : أن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قال لفاطمة : ائتيني بزوجك وابنيك ؛ فجاءت بهم ، فألقى عليهم كساء فدكيا.
قال : ثم وضع يده عليهم ثم قال : اللهم إن هؤلاء آل محمد ، فاجعل صلواتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد ، إنك حميد مجيد.
قال أم سلمة : فرفعت الكساء لأدخل معهم ، فجذبه من يدي وقال : إنك على خير » (3).
وفي المسند : « حدثنا عبد الله ، حدثني أبي ، ثنا يحيى بن حماد ، ثنا أبو عوانة ثنا أبو بلج ، ثنا عمرو بن ميمون ، قال : إني لجالس إلى ابن عباس إذ أتاه تسعة رهط فقالوا : يا ابن عباس ، إما أن تقوم معنا وإما أن تخلونا هؤلاء.
قال : فقال ابن عباس : بل أقوم معكم.
قال : وهو يومئذ صحيح قبل أن يعمى. قال : فاتندوا فتحدثوا ، فلا ندري ما قالوا.
____________
(1) كذا.
(2) مسند أحمد 6 | 292.
(3) مسند أحمد 6 | 323.
( 194 )
قال : فجاء ينفض ثوبه ويقول : أف وتف ، وقعوا في رجل له عشر ، وقعوا في رجل قال له النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ( فذكر مناقب لعلي منها : ) « وأخذ رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ثوبه فوضعه على علي وفاطمة وحسن وحسين فقال : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) » (1).
وفي صحيح مسلم : « حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله ابن نمير ـ واللفظ لأبي بكر ـ قالا : حدثنا محمد بن بشر ، عن زكريا عن مصعب بن شيبة ، عن صفية بنت شيبة ، قالت : قالت عائشة : خرج النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ، ثم قال : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم رجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) (2).
وفي جامع الأصول : «6689 ت ، أم سلمة ـ رضي الله عنهما ـ قال : إن هذه الآية نزلت في بيتي : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) قالت : وأنا جالسة عند الباب فقلت : يا رسول الله ، ألست من أهل البيت ؟ فقال : إنك إلى خير ، أنت من أزواج رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم.
قالت : وفي البيت : رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وعلي وفاطمة وحسن وحسين ، فجللهم بكسائه وقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
وفي رواية : إن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم جلل على الحسن
____________
(1) مسند أحمد 1 | 330.
(2) صحيح مسلم 7 | 130.
( 195 )
والحسين وعلي وفاطمة ، ثم قال : اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي ، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
قالت أم سلمة : وأنا معهم يا رسول الله ؟ قال : إنك إلى خير.
أخرج الترمذي الرواية الآخرة ، والأولى ذكرها رزين.
6690 ت ، عمر بن أبي سلمة ـ رضي الله عنه ـ قال : نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) في بيت أم سلمة ، فدعا النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فاطمة وحسنا وحسينا ، فجللهم بكساء وعلي خلف ظهره ، ثم قال : اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
قالت أم سلمة : وأنا معهم يا نبي الله ؟
قال : أنت على مكانك وأنت على خير.
أخرجه الترمذي.
6691 ت ، أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ إن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم كان يمر بباب فاطمة إذا خرج إلى الصلاة حين نزلت هذه الآية ، قريبا من ستة أشهر ، يقول : الصلاة أهل البيت ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ).
أخرجه الترمذي.
6692 م ، عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : خرج النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وعليه مرط مرجل أسود ، فجاءه الحسن فأدخله ، ثم جاءه الحسين فأدخله ، ثم جاءت فاطمة فأدخلها ، ثم جاء علي فأدخله ، ثم قال : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ) الآية.
( 196 )
أخرجه مسلم » (1).
وفي الخصائص : « أخبرنا محمد بن المثنى ، قال : أخبرنا أبو بكر الحنفي ، قال : حدثنا بكر بن مسمار ، قال سمعت عامر بن سعد يقول : قال معاوية لسعد بن أبي وقاص :
ما يمنعك أن تسب ابن أبي طالب ؟!
قال : لا أسبه ما ذكرت ثلاثا قالهن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، لئن يكون لي واحدة منهن أحب إليّ من حمر النعم :
لا أسبه ما ذكرت حين نزل الوحي عليه ، فأخذ عليا وابنيه وفاطمة فأدخلهم تحت ثوبه ثم قال : رب هؤلاء أهل بيتي وأهلي وأهلي.
ولا أسبه ما ذكرت حين خلفه في غزوة غزاها...
ولا أسبه ما ذكرت يوم خيبر... ».
وفي الخصائص : « أخبرنا قتيبة بن سعيد البلخي وهشام بن عمار الدمشقي ، قالا : حدثنا حاتم ، عن بكير بن مسمار ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، قال : أمر معاوية سعدا فقال : ما يمنعك أن تسب أبا تراب ؟!
فقال : أنا إن ذكرت ثلاثا قالهن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فلن أسبه ، لئن يكون لي واحدة منها أحب إليّ من حمر النعم :
سمعت رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقول له ، وخلّفه في بعض مغازيه...
وسمعته يقول يوم خيبر : ...
ولما نزلت ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت
____________
(1) جامع الأصول 10 | 100 ـ 101.
(2) خصائص عليّ : 81 طبعة النجف الأشرف.
( 197 )
ويطهركم تطهيرا ) دعا رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي » (1).
أقول :
أخرجه ابن حجر العسقلاني باللفظ الأول في « فتح الباري » بشرح حديث : « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون... » فقال :
« ووقع في رواية عامر بن سعد بن أبي وقاص عند مسلم والترمذي ، قال : قال معاوية لسعد : ما منعك أن تسب أبا تراب ؟!
قال : أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فلن أسبه ؛ فذكر هذا الحديث.
وقوله : لأعطين الراية رجلا يحبه الله ورسوله.
وقوله لما نزلت ( فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ) (2) دعا عليا وفاطمة والحسن والحسين ، فقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي » (3).
وهذا تحريف للحديث ! إذ أسقط أولا : « فأدخلهم تحت ثوبه » ، ثم جعلت الآية النازلة هي آية المباهلة لا آية التطهير ! فتأمل.
وفي الخصائص : أخرج حديث عمرو بن ميمون عن ابن عباس المتقدم عن المسند (4).
وفي المستدرك : « حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، ثنا العباس بن محمد الدوري ، ثنا عثمان بن عمر ، ثنا عبد الرحمن بن عبدالله بن دينار ، ثنا
____________
(1) خصائص علي : 49.
(2) سورة آل عمران 3. 1.
(3) فتح الباري ـ شرح صحيح البخاري 7 | 60.
(4) خصائص علي : 62.
( 198 )
شريك بن أبي نمر ، عن عطاء بن يسار ، عن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت :
في بيتي نزلت هذه الآية : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) ، قالت ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ فقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي.
قالت أم سلمة : يا رسول الله ، وأنا من أهل البيت ؟
قال : إنك أهلي خير (1) ، وهؤلاء أهل بيتي ، اللهم أهلي أحق.
هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه.
حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، أنبأ العباس بن الوليد بن مزيد : أخبرني أبي ، قال : سمعت الأوزاعي يقول : حدثني أبو عمار ، قال : حدثني واثلة بن الأسقع ـ رضي الله عنه ـ قال : جئت عليا ـ رضي الله عنه ـ فلم أجده. فقالت فاطمة ـ رضي الله عنها ـ : إنطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعوه فاجلس ، فجاء مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدخل ودخلت معهما. قال : فدعا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم حسنا وحسينا فأجلس كل واحد منهما على فخذه ، وأدنى فاطمة من حجره وزوجها ، ثم لف عليهم ثوبه وأنا شاهد ، فقال : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) اللهم هؤلاء أهل بيتي.
هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه » (2).
وفي تلخيص المستدرك : وافق الحاكم علىالتصحيح (3).
____________
(1) كذا.
(2) المستدرك على الصحيحين 2 | 416 كتاب التفسير.
(3) تلخيص المستدرك 2 | 416.
( 199 )
ورواه الذهبي بإسناد له عن شهر بن حوشب عن أم سلمة ، وفيه : « قالت : فأدخلت رأسي فقلت : يا رسول الله ، وأنا معكم ؟
قال : أنت إلى خير ـ مرتين ـ ».
ثم قال : « رواه الترمذي مختصرا وصححه من طريق الثوري ، عن زبيد ، عن شهر بن حوشب » (1).
وفي الصواعق المحرقة : « الآية الأولى : قال الله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) أكثر المفسرين على أنها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين. لتذكير ضمير ( عنكم ) وما بعده » (2).
ممن نص على صحة الحديث :
هذا ، وقد قال جماعة من الأئمة بصحة الحديث الدال على اختصاص الآية الكريمة بأهل البيت عليهم السلام ، إذ أخرجوه في الصحيح أو نصوا على صحته ، ومن هؤلاء :
1 ـ أحمد بن حنبل. بناء على التزامه بالصحة في « المسند ».
2 ـ مسلم بن الحجاج ، إذ أخرجه في ( صحيحه ).
3 ـ ابن حبان ، إذ أخرجه في ( صحيحه ).
4 ـ الحاكم النيسابوري ، إذ صححه في « المستدرك ».
5 ـ الذهبي ، إذ صححه في « تلخيص المستدرك » تبعا للحاكم.
6 ـ ابن تيمية ، إذ قال : « فصل ـ وأما حديث الكساء فهو صحيح ، رواه
____________
(1) سير أعلام النبلاء 10 | 346.
(2) الصواعق المحرقة : 85.
( 200 )
أحمد والترمذي من حديث أم سلمة ، ورواه مسلم في صحيحه من حديث عائشة... » (1).
ما دلت عليه الأحاديث :
وهذه الأحاديث الواردة في الصحاح والمسانيد ومعاجم الحديث باسانيد صحيحة متكاثرة جدا ، أفادت نقطتين :
أولا : إن المراد بـ « أهل البيت » في الآية المباركة هم : النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، لا يشركهم أحد ، لا من الأزواج ولا من غيرهن مطلقا.
أما الازواج ، فلأن الأحاديث نصت على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأذن بدخول واحدة منهن تحت الكساء.
وأما غيرهن ، فلأن النبي إنما أمر فاطمة بأن تجيء بزوجها وولديها فحسب ، فلو أراد أحدا غيرهم ـ حتى من الأسرة النبوية ـ لأمر بإحضاره.
وثانيا : إن الآية المباركة نزلت في واقعة معينة وقضية خاصة ، ولا علاقة لها بما قبلها وما بعدها... ولا ينافيه وضعها بين الآيات المتعلقة بنساء النبي ، إذ ما أكثر الآيات المدنية بين الآيات المكية وبالعكس ، ويشهد بذلك :
1 ـ مجيء الضمير : « عنكم » و« يطهركم » دون : عنكن ويطهركن.
2 ـ إتصال الآيات التي بعد آية التطهير بالتي قبلها ، بحيث لو رفعت آية التطهير لم يختل الكلام أصلا... فليست هي عجزا لآية ولا صدرا لأخرى... كما لا يخفى.
____________
(1) منهاج السنة 5 | 13.
( 201 )
ثم ما ألطف ما جاء في الحديث جوابا لقول أم سلمة : « ألست من أهل البيت ؟ » قال : « أنت من أزواج رسول الله » !! فإنه يعطي التفصيل مفهوما ومصداقا بين العنوانين : عنوان « أهل البيت » وعنوان « الأزواج » أو « نساء النبي ».
فتكون الآيات المبدوءة ـ في سورة الأحزاب ـ بـ : ( يا نساء النبي ) خاصة بـ « الأزواج » والآية ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) خاصة بالعترة الطاهرة.
وحديث مروره صلى الله عليه وآله وسلم بباب فاطمة وقوله : الصلاة أهل البيت ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ).. رواه كثيرون كذلك لا نطيل بذكر رواياته.
*
*
*
____________
(1) سورة الأحزاب 33 : 32.
( 202 )
وبهذه الأحاديث الصحيحة المتفق عليها بين المسلمين يسقط القولان الآخران ، لأن المفروض أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسر بنفسه ـ قولا وفعلا ـ الآية المباركة ، وعيّن من نزلت فيه ، فلا يسمع ـ والحال هذه ـ ما يخالف تفسيره كائنا من كان ، فكيف والقائل بالقول الأول هو « عكرمة » ؟!
وقد كان هذا الرجل أشد الناس مخالفة لنزول الآية في العترة الطاهرة فقط.
فقد حكي عنه أنه كان ينادي في الأسواق بنزولها في زوجات النبي فقط (1) أنه كان يقول : « من شاء باهلته أنها نزلت في نساء النبي خاصة » (2).
وقد كان القول بنزورها في العترة هو الرأي الذي عليه المسلمون ، كما يبدو من هذه الكلمات ، بل جاء التصريح به في كلامه حيث قال : « ليس بالذي تذهبون إليه ، إنما هو نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم » (3).
إلا أن من غير الجائز الأخذ بقول عكرمة في هذا المقام وأمثاله !
*
*
*
____________
(1) تفسير الطبري 22 | 7 ، تفسير ابن كثير 3 | 415 ، أسباب النزول : 268.
(2) الدر المنثور 5 | 198 ، تفسير ابن كثير 3 | 415.
(3) الدر المنثور 5 | 198.
( 203 )
ترجمة عكرمة :
فإن عكرمة البربري من أشهر الزنادقة الذين وضعوا الأحاديث للطعن في الإسلام ! وإليك طرفا من تراجمه في الكتب المعتبرة المشهورة (1) :
1 ـ طعنه في الدين :
لقد ذكروا أن هذا الرجل كان طاعنا في الإسلام ، مستهزئا بالدين ، من أعلام الضلالة ودعاة السوء.
فقد نقلوا عنه أنه قال : إنما أنزل الله متشابه القرآن ليضل به !
وقال في وقت الموسم : وددت أني اليوم بالموسم وبيدي حربة فأعترض بها من شهد الموسم يمينا وشمالا !
وأنه وقف على باب مسجد النبي وقال : ما فيه إلا كافر !
وذكروا أنه كان لا يصلي ، وأنه كان في يده خاتم من الذهب ، وأنه كان يلعب بالنرد ، وأنه كان يستمع الغناء.
2 ـ كان من دعاة الخوارج :
وأنه إنما أهل أفريقية رأي الصفرية ـ وهم من غلاة الخوارج ـ منه ، وقد ذكروا أنه نحل ذلك الرأي إلى ابن عباس !
وعن يحيى بن معين : إنما لم يذكر مالك عكرمة ، لأن عكرمة كان
____________
(1) طبقات ابن سعد 5 | 287 ، الضعفاء الكبير 3 | 373 ، تهذيب الكمال 20 | 264 ، وفيات الأعيان 1 | 319 ، ميزان الاعتدال 3 | 93 ، المغني في الضعفاء 2 | 84 ، سير أعلام النبلاء 5 | 9 ، تهذيب التهذيب 7 | 263 ـ 273.
( 204 )
ينتحل رأي الصفرية.
وقال الذهبي : قد تلكم الناس في عكرمة ، لأنه كان يرى رأي الخوارج.
3 ـ كان كذابا :
كذب على سيده ابن عباس حتى أوثقه علي بن عبدالله بن عباس على باب كنيف الدار. فقيل له : أتفعلون هذا بمولاكم ؟! قال : إن هذا يكذب على أبي.
وعن سعيد بن المسيب ، أنه قال لمولاه : يا برد ، إياك أن تكذب عليّ كما يكذب عكرمة على ابن عباس.
وعن القاسم : إن عكرمة.
وعن ابن سيرين ويحيى بن معين ومالك : كذاب.
وعن ابن ذويب : كان غير.
وحرم مالك الرواية عنه.
وأعرض عنه مسلم بن الحجاج.
وقال محمد بن سعد : ليس يحتج بحديثه.
4 ـ ترك الناس جنازته :
ولهذه الأمور وغيرها ترك الناس جنازته ؛ قيل : فما حمله أحد ، حتى اكتروا له أربعة رجال من السودان.
*
*
*
( 205 )
ترجمة مقاتل :
ومقاتل حاله كحال عكرمة ، فقد أدرجه كل من : الدارقطني ، والعقيلي ، وابن الجوزي ، والذهبي في ( الضعفاء )... وتكفينا كلمة الذهبي : « اجمعوا على تركه » (1).
ترجمة الضحاك :
وأما القول الآخر فقد عزاه ابن الجوزي إلى الضحاك بن مزاحم فقط :
وهذا الرجل أدرجه ابن الجوزي نفسه كالعقيلي في ( الضعفاء ) وتبعهما الذهبي فأدرجه في « المغني في الضعفاء »... ونفوا أن يكون لقي ابن عباس ، بل ذكر بعضهم أنه لم يشافه أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وعن يحيى بن سعيد : كان الضحاك عندنا ضعيفا.
قالوا : وكانت أمه حاملا به سنتين ! (2).
هذا ، ولكن في نسبة هذا القول ـ كنسبة القول الأول إلى ابن السائب الكلبي ـ كلام فقد نسب إليهما القول باختصاص الآية بالخمسة الأطهار في المصادر وهو الصحيح ، كما حققنا ذلك في الرد على السالوس.
*
*
*
____________
(1) سير أعلام النبلاء 7 | 201.
(2) تهذيب الكمال 13 | 291 ، ميزان الاعتدال 2 | 325 ، المغني في الضعفاء 1 | 312.
( 206 )
وكما أشرنا من قبل ، فإن أصحابنا يستدلون بالآية المباركة ـ بعد تعيين المراد بأهل البيت فيها بالأحاديث المتواترة بين الفريقين ـ على عصمة أهل البيت... وقد جاء ذكر وجه الاستدلال لذلك مشروحا في كتبهم في العقائد والإمامة ، وفي تفاسيرهم بذيل الآية المباركة ، ويتخلص في النقاط التالية :
1 ـ « إنما » تفيد الحصر ، فالله سبحانه حصر إرادة إذهاب الرجس عنهم.
2 ـ « الإرادة » في الآية الكريمة تكوينية ، من قبيل الإرادة في قوله تعالى : ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) (1) لا تشريعية من قبيل الإرادة في قوله تعالى ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) (2) ، لأن التشريعية تتنافى مع نص الآية بالحصر ، إذ لا خصوصية لأهل البيت في تشريع الأحكام لهم.
وتتنافى مع الأحاديث ، إذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم طبق الآية عليهم دون غيرهم.
3 ـ « الرجس ) في الآية هو « الذنوب ».
وتبقى شبهة : إن الإرادة التكوينية تدل على العصمة ، لأن تخلف المراد عن إرادته عز وجل محال ، لكن هذا يعني الالتزام بالجبر وهو ما لا تقول
____________
(1) سورة يس 36 : 82.
(2) سورة البقرة 2 : 185.
( 207 )
الإمامية به.
وقد أجاب علماؤنا عن هذه الشبهة ـ بناء على نظرية : لا جبر ولا تفويض ، بل أمر بين الأمرين ـ بما حاصله :
إن مفاد الآية أنّ الله سبحانه لما علم أن إرادة أهل البيت تجري دائما على وفق ما شرّعه لهم من التشريعات ، لما هم عليه من الحالات المعنوية العالية ، صح له تعالى أن يخبر عن ذاته المقدسة أنه لا يريد لهم بإرادته التكوينية إلا إذهاب الذنوب عنهم ، لأنه لا يوجد من أفعالهم ، ولا يقدرهم إلا على هكذا أفعال يقومون بها بإرادتهم لغرض إذهاب الرجس عن أنفسهم...
ثم إنه لولا دلالة الآية المباركة على هذه المنزلة العظيمة لأهل البيت ، لما حاول أعداؤهم من الخوارج والنواصب إنكارها ، بل ونسبتها إلى غيرهم ، مع أن أحدا لم يدّع ذلك لنفسه سواهم.
*
*
*