تنزيه الشيعة الاثني عشرية
عن الشبهات الواهية

ردُّ شبهات القفّاري على الشيعة
في كتابه الموسوم بـ
«اُصول مذهب الشيعة الاِماميّة الاثني عشريّة»

تأليف
العبد المفتقر إلى ربّه
أبو طالب التجليل


( 2 )


( 5 )
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسّلام على سيّد المرسلين وخاتم النبيّين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
وبعد، فهذه المجموعة تحوي ردّ الشبهات التي حررتها لدفع شبهات القفاري على الشيعة الاثني عشريّة في كتابه الموسوم بـ «اُصول مذهب الشيعة الاِماميّة»، الذي عرّفه في أوّله بقوله:
«أصل هذا الكتاب رسالة علمية تقدّم بها المؤلّف لنيل درجة الدكتوراه من قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة ـ جامعة الاِمام محمد بن سعود الاِسلامية، وقد أُجيزت هذه الرسالة بمرتبة الشرف الاَولى مع التوصية بطبعها وتبادلها بين الجامعات».
والطبعة التي بأيدينا هي الثانية لطباعة دار الحرمين بالقاهرة، وأرقام الصفحات التي ننقل عنها هي أرقامها.

( 6 )
إنّ هذا الكتاب مشحون بالشبهات الواهية والافتراءات الواهنة الباطلة على الشيعة الاِماميّة، اتّبع المصنف فيها ابن تيميّة وغيره من أعداء الشيعة، وزاد في الطنبور نغمات أُخرى، مقرونة بالاِهانة يعرف بطلانها بالتتبُّع التامّ في الاَحاديث المرويّة عن النبي الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم في كتب أهل السنَّة، فضلاً عن كتب الشيعة.
وقد تعرضت في هذه المؤلَّفة التي ألّفتها بنحو التعليقة عليه للجواب عن تلك الشبهات بالاِجمال والاختصار حسب ما وسعني المجال خلال اشتغالي بالمباحث الفقهيّة، وقد تجنّبت المعارضة بالمثل في الاِهانة وإساءة الاَدب، هدانا الله إلى الحق المبين والصراط المستقيم.

قم المحمديّة ـ الحوزة العلميّة
أبو طالب التجليل
4 غرة شوال سنة 1419


( 7 )

قال المصنّف في ص 64 ـ 65:
«ويقول محمد حسين آل كاشف الغطاء: إنّ أوّل من وضع بذرة التشيّع في حقل الاِسلام هو نفس صاحب الشريعة، يعني أنّ بذرة التشيّع جنباً إلى جنب وسواءً بسواء، ولم يزل غارسها يتعاهدها بالسعيّ والريّ حتى نمت وازدهرت في حياته، ثمّ أثمرت بعد وفاته».
أقول: وقال بعد ذلك (قدس سرّه الشريف):
«وشاهدي على ذلك نفس أحاديثه الشريفة، لا من طرق الشيعة ورُواة الاِماميّة؛ حتى يقال: إنّهم ساقطون لاَنّهم يؤوِّلون (بالرجعة) أو أنّ راويهم (يجرّ إلى قرصته)، بل من نفس أحاديث علماء السنَّة وأعلامهم، ومن طرقهم الوثيقة التي لا يظنّ ذو مسكة فيها الكذب والوضع.
وأنا أذكر جملة ممّا علّق بذهني من المراجعات الغابرة والتي عثرت عليها عفواً من غير قصد ولا عناية فمنها ما رواه السيوطي في كتاب (الدّرّ المنثور في التفسير المأثور) في تفسير قوله تعالى: (اُولئكَ هُم خَيرُ البَريّةِ)(1).
قال: أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبدالله، قال: كنّا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأقبل علي عليه السلام ، فقال النبي: «والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة»، ونزلت: (إنّ الذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالحاتِ أولئكَ هُم خَيرُ البَريّةِ)(2)8ث.
وأخرج ابن عدي عن ابن عباس، قال: لما نزلت (إنّ الذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحات) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين
____________
(1) البيّنة 98: 7.
(2) الدرّ المنثور للسيوطي 8: 589.

( 8 )
مرضيّين»(1)ث.
ومن الغني عن البيان أنّه لو كان مراد صاحب الرسالة من شيعة عليّ عليه السلام مَن يحبه أو لا يبغضه ـ بحيث ينطبق على أكثر المسلمين كما تخيّله بعض القاصرين ـ لم يستقم التعبير بلفظ (شيعة)، فإنّ صرف محبة شخص لآخر أو عدم بغضه لا يكفي في كونه شيعة له، بل لا بُدَّ هناك من خصوصيّة زائدة وهي الاقتداء والمتابعة له، بل ومع الالتزام بالمتابعة أيضاً. وهذا يعرفه كل من له أدنى ذوق في مجاري استعمال الاَلفاظ العربية، وإذا استعمل في غيره فهو مجاز مدلول عليه بقرينة حال أو مقال.
والقصارى إنّي لا أحسب أنَّ المنصف يستطيع أن ينكر ظهور تلك الاَحاديث وأمثالها في إرادة جماعة خاصة من المسلمين، ولهم نسبة خاصة بعلي عليه السلام يمتازون بها عن سائر المسلمين الذين لم يكن فيهم ذلك اليوم من لا يحب عليّاً، فضلاً عن وجود من يبغضه.
ولا أقول: إنّ الآخرين من الصحابة ـ وهم الاَكثر الذين لم يتَّسموا بتلك السمة ـ قد خالفوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يأخذوا بإِرشاده. كلاّ ومعاذ الله! أن يُظنَّ بهم ذلك وهم خيرة مَن على وجه الاَرض يومئذٍ، ولكن لعلَّ تلك الكلمات لم يسمعها كلهم، ومن سمع بعضها لم يلتفت إلى المقصود منها، وصحابة النبي الكرام أسمى من أن تحلّق إلى أوج مقامهم بُغاث(2) الاَوهام.
ثمّ إنّ صاحب الشريعة لم يزل يتعاهد تلك البذور ويسقيها بالماء النمير العذب من كلماته وإشاراته في أحاديث مشهورة عند أئمّة الحديث من علماء
____________
(1) الدرّ المنثور للسيوطي 8: 589.
(2) البُغَاث: شرار الطير، وما لا يصيد منها، وهو بطيء الطيران. الصحاح 1: 274 [بغث].

( 9 )
السنَّة، فضلاً عن الشيعة، وأكثرها مرويّ في الصحيحين، مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «عليّ منّي بمنزلة هارون من موسى»(1).
ومثل: «لا يحبّك إلاَّ مؤمن ولا يبغضك إلاَّ منافق»(2).
وفي حديث الطائر: «اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك»(3).
ومثل: «لاَُعطينَّ الراية غداً رجلاً يحبُّ الله ورسوله ويحبُّه الله ورسوله»(4).
ومثل: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي»(5).
و«عليّ مع الحق، والحق مع علي»(6).
إلى كثير من أمثالها ممَّا لسنا في صدد إحصائه وإثبات أسانيده.
وقد كفانا ذلك موسوعات كتب الاِمامية، فقد ألّف العالم الحبر السيد حامد
____________
(1) انظر: صحيح مسلم 4: 2404، سنن ابن ماجة 1: 42|115، سنن الترمذي 5: 638|3724 و640|3731، صحيح البخاري 5: 24، حلية الاَولياء 7: 194، تاريخ بغداد 4: 204، ترجمة الاِمام علي عليه السلام من تاريخ دمشق 1: 124، اُسد الغابة 5: 8، والرياض النضرة 3: 117.
(2) انظر: صحيح مسلم 1: 86|131، سنن ابن ماجة 1: 42|114، سنن الترمذي 5: 635|3717، حلية الاَولياء 4: 185، تاريخ بغداد 2: 255 و8: 417 و14: 426، والرياض النضرة 3: 189.
(3) انظر: سنن الترمذي 5: 636|3721، مستدرك الحاكم 3: 130، حلية الاَولياء 6: 339، ترجمة الاِمام علي عليه السلام من تاريخ دمشق 2: 105 ـ 151، اُسد الغابة 4: 30، تذكرة الخواص: 44، والرياض النضرة 3: 114.
(4) انظر: مسند أحمد 4: 52، سنن ابن ماجة 1: 45|121، سنن الترمذي 5: 638|3724، سنن البيهقي 9: 131، صحيح البخاري 4: 65 و73، التاريخ الكبير للبخاري 7: 263، والمصنّف لعبدالرزاق 5: 287|9637.
(5) انظر: مسند أحمد 3: 17 و5: 181، سنن الترمذي 5: 662|3786 و663|3788، مستدرك الحاكم 3: 109 و148، واُسد الغابة 2: 12.
(6) انظر: مستدرك الحاكم 3: 124، تاريخ بغداد 14: 321، وترجمة الاِمام علي عليه السلام من تاريخ دمشق 3: 117|1159.

( 10 )
حسين الَّلكْنَهوي كتاباً أسماه: (عبقات الاَنوار)، يزيد على عشرة مجلدات كل مجلد بقدر صحيح البخاري تقريباً، أثبت فيها أسانيد تلك الاَحاديث من الطرق المعتبرة عند القوم ومداليلها، وهذا واحد من اُلوف ممّن سبقه ولحقه»(1).
وقال في ص 71:
«والذي بدأ غرس بذرة التشيع هو عبدالله بن سبأ اليهودي، والذي بدأ حركته في أواخر عهد عثمان. وأكّد طائفة من الباحثين القدماء والمعاصرين على أنّ ابن سبأ هو أساس المذهب الشيعي والحجر الاَوّل في بنائه».
أقول: أجاب عنه آل كاشف الغطاء (قدس سرّه الشريف)، وقال:
«أمّا (عبدالله بن سبأ) الذي يلصقونه بالشيعة أو يلصقون الشيعة به، فهذه كتب الشيعة بأجمعها تعلن بلعنه والبراءة منه، وأخفّ كلمة تقولها كتب الشيعة في حقّه، ويكتفون بها عن ترجمة حاله عند ذكره في حرف العين هكذا: (عبدالله بن سبأ ألعَن مِن أنْ يُذكر). انظر رجال أبي علي وغيره.
على أنّه ليس من البعيد رأي القائل: إنّ عبدالله بن سبأ، ومجنون بني عامر، وأبي هلال، وأمثال هؤلاء الرجال أو الاَبطال، كلها أحاديث خرافة وضعها القصّاصون وأرباب السَّهر والمجون؛ فإنّ الترف والنعيم قد بلغ أقصاه في أواسط الدولتين الاُموية والعباسية، وكلّما اتّسع العيش وتوفّرت دواعي اللهو، اتّسع المجال للوضع وراج سوق الخيال، وجَعْل القصـص والاَمثال؛ كي يأنس بها ربّات الحجال، وأبناء الترف والنعمة المنغمرين في بُلَهْنية(2) العيش»(3).
وقال في ص127:

____________
(1) أصل الشيعة وأُصولها: 184 ـ 192.
(2) البُلَهْنِيَة: السعة والرفاهية في العيش. الصحاح 5: 2080 [بلهن].
(3) أصل الشيعة وأُصولها: 182.

( 11 )
«المسألة الاُولى اعتقادهم أنّ القرآن ليس حجّة إلاّ بِقَيِّم...».
إلى أن قال: «ولكنّ شيخ الشيعة، ومن يسمّونه بـ ثقة الاِسلام (الكليني) يروي في كتابه «أُصول الكافي» ما نصّه: أنّ القرآن لا يكون حجّة إلاّ بقيِّم».
أقول: ليس هذا من اعتقادات الاِماميّة، ولا ذكره واحد منهم في كتابه.
قال الكليني في ديباجة «أُصول الكافي» ص7: «فاعلم يا أخي ـأرشدكاللهـ أنّه لا يسع أحداً تمييز شيء ممّا اختلف الرواية فيه عن العلماء عليهم السلام برأيه، إلاّ على ما أطلقه عليه السلام بقوله: «اعرضوها على كتاب الله، فما وافق كتاب الله جلّ وعزّ فاقبلوه، وما خالف كتاب الله فردّوه».
وأمّا ما ذكره المصنّف أنّه يروي ما نصّه: «أنّ القرآن لا يكون حجّة إلاّ بقيِّم». فهو ما نقله في ص188 من كلام الراوي وليس من كلام الاِمام عليه السلام .
(قال الراوي): فنظرت في القرآن فإذا هو يخاصم به المرجيَ والقدري والزّنديق الذي لا يؤمن به حتى يغلب الرجال بخصومته؛ فعرفت أنّ القرآن لا يكون حجّة إلاّ بقيِّم.
فقلت لهم: مَن قَيِّم القرآن؟
قالوا: ابن مسعود قد كان يعلم، وعمر يعلم، وخذيفة يعلم.
قلت: كلّه؟
قالوا: لا!
فلم أجد أحداً يقال: إنّه يعلم القرآن كلّه إلاّ عليّاً صلوات الله عليه.
أقول: مراده من القَيِّم: الذي يقوم به علم القرآن والذي يعلم القرآن كلّه، كما يشهد له قوله: «فقلت لهم: مَن قيَّـم القرآن»؟... الخ.
وأمّا قوله: «فنظرت في القرآن فإذا هو يخاصم به المرجىَ والقدري والزنديق»، فهو يوافق قوله تعالى في سورة آل عمران | الآية 7: (هُوَ الذي
( 12 )
أنزلَ عليك الكتابَ مِنهُ آياتٌ مُحكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فأمَّا الّذينَ في قُلوبِهم زَيعٌ فيتَّبِعونَ مَا تَشابَهَ مِنهُ ابتغاءَ الفِتنةِ وابتغاءَ تَأويلهِ
).
بل قد وردت أحاديث كثيرة في كتب الشيعة من الاَئمّة عليهم السلام : «اعرضوها (أي الاَحاديث) على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فاقبلوه، وما خالف كتاب الله فردّه»(1)زخ.
«خذوا بما وافق القرآن»(2).
«كل شيء لا يوافق القرآن فهو زخرف»(3).
«ما جاءك من بَرٍّ أو فاجر يوافق القرآن فخذ به، وما جاءك من بَرٍّ أو فاجر يخالف القرآن فلا تأخذ به»(4).
«وإذا جاءكم عنّا حديث فوجدتم عليه شاهداً أو شاهدين من كتاب الله فخذوا به، وإلاّ فقفوا عنده ثم ردّوه إلينا حتى يستبين لكم»(5).
«ما جاءكم عنّي يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله»(6)ر.
«إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب الله أو من قول رسول الله، وإلاّ فالذي يأتيكم به أولى به»(7).

____________
(1) بحار الاَنوار 2: 250 مثله.
(2) نفس المصدر 2: 221 مثله.
(3) نفس المصدر 2: 242.
(4) نفس المصدر 2: 244|50.
(5) الكافي 2: 222|4 باب 98، بحار الاَنوار 75: 73|21.
(6) بحار الاَنوار 2: 227 و242 و244.
(7) الكافي 1: 69 و2: 23، بحار الاَنوار 2: 243|43.

( 13 )
«لا تصدّق علينا إلاّ ما وافق كتاب الله وسنّة نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم »(1).
«فأنظروا أمرنا وما جاءكم عنّا، فإن وجدتموه للقرآن موافقاً فخذوا به، وإن لم تجدوه موافقاً فردّوه»(2).
«إذا ورد عليكم روايتان مختلفتان فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فردّوه»(3).
وقال في ص 137:
«النص الاَول (الذي يقول بأنّ الرسول لم يبيِّن القرآن إلاّ لعليّ)، والله سبحانه يقول: (وأنزلنا إليك الذكر لِتُبيِّنَ لِلّناسِ مَا نُزِّلَ إلَيهِم)(4).
أقول: النص الاَول الذي أورده في ص133 هو: «أنّ رسول الله فسّر القرآن لرجل واحد وهو علي بن أبي طالب عليه السلام ».
التفسير هو: كشف القناع عمّا هو مستور، ومجرّد بيان للآيات بمالها من المعاني الطاهرة فيها ـ عند أهل اللغة ـ ليس تفسيراً، فلا منافاة بين بيان رسول الله آيات القرآن للناس عموماً وتفسيرها لعليٍّ عليه السلام بالخصوص.
وقال في ص 128:
«النص الثاني: يقول: بأنّ من ابتغى علم القرآن عند غير علي فقد هلك».
ثم قال: «أقول: من ابتغى علم القرآن من القرآن أو من سنّة المصطفى أو من صحابة رسول الله بما فيهم علي فقد اهتدى، والقول بأنّ من طلب علم القرآن عند غير علي هلك ليس من دين الاِسلام، وهو ممّا علم بطلانه من الاِسلام
____________
(1) بحار الاَنوار 2: 244|51.
(2) بحار الاَنوار 78: 182|7.
(3) بحار الاَنوار 2: 235|20.
(4) النحل 16: 44.

( 14 )
بالضرورة».
أقول: «ابتغى علم القرآن عند غير عليّ»، أي: عند أحد من الناس غير عليّ عليه السلام ؛ فإنّه باب علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كما سيأتي بيانه منّا في التعليقتين الآتيتين.
ومن الواضح أنّه لو علم معنى آيةٍ من آيةٍ أُخرى لا يصدق عليه أنّه ابتغى العلم عند غير عليّ عليه السلام ، وكذا لو علمه من كلام نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وقال في ص 139:
«أمّا النص الثالث فهو يدّعي أنّ القرآن لم يخاطب به سوى الاَئمّة، ومن هنا فلا يعرف القرآن سواهم».
أقول: النص الثالث هو ما نقله ص 133 ثالثاً «قال أبو جعفر عليه السلام : «إنّما يعرف القرآن من خوطب به».
فإنّ من خوطب بالقرآن هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فهو العالم بالقرآن، وقد قال في النص المأثور عنه من طرق أهل السنَّة: «أنا مَدينةُ العِلمِ وعَليٌّ بابُها»(1)؛ فلقد ورثه من عليّ والحسن والحسين وسائر الاَئمة المعصومين عليهم السلام واحداً بعد واحد.
وقال في ص139:
«النصّ الرابع يبيّن أنّ وظيفة الناس ـ سوى الاَئمة الاثني عشر ـ هو قراءة القرآن فقط، ولا يجوز لاَحد أن يتولّى منصب تفسير القرآن حتى ولا رسول الله؛ لاَنّ وظيفته بيان شأن ذلك الرجل».
أقول: النص الرابع ما أورده رابعاً في ص 134: «إنّما على الناس أنْ يقرأوا القرآن كما أُنزل، فإذا احتاجوا إلى تفسيره فالاِهتداء بنا وإلينا».

____________
(1) انظر: سنن الترمذي 5: 637|3723، المعجم الكبير للطبراني 11: 65|11061، مستدرك الحاكم 3: 127، وتاريخ ابن عساكر 42: 379.

( 15 )
قوله: «فإذا احتاجوا إلى تفسيره»، أي: لا حاجة إلى تفسيره دائماً، فإنّ التفسير بمعنى كشف القناع عمّا هو مستور، فالمعاني الظاهرة من القرآن لا يصدق عليها التفسير، وقال تعالى: (وَلَقد يَسَّرْنا القرآنَ لِلذّكرِ فَهَل مِن مُدّكِر)(1)حك.
وأمَّا المعاني الخفيّة فإنّه لا يجوز لاَحد أن يخترع معنىً لآيةٍ من آيات القرآن وينسبه إلى كلام الله، بل الاِخبار بها هو وظيفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أن يخبر بها عن الله سبحانه وتعالى، ومع فَقْد رسول الله يرجع فيها إلى باب علم رسول الله وهو عليٌ والاَئمة المعصومون من عترة رسول الله، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديثه المشهورة التي روتها عامة المسلمين من أهل السنَّة وغيرهم:
«أَنا مَدينةُ العِلمِ وعَليٌّ بابها، فَمَن أرادَ العِلمَ فَلْيأتِها مِن بابها»(2).
و: «إنّي تاركٌ فيكم الثقلينِ: كتابَ اللهِ، وعترتي لَن يفترقا حتى يرِدا عَليَّ الحوضَ، لَن تَضلُّوا ما إنْ تَمسَّكتُم بهما»(3).
وسنذكر جملة من أسانيدها الكثيرة فيما يأتي.
وقال في ص 140:
«وممّا يجب أن يعلم أنّ النبي بيَّن لاَصحابه معاني القرآن، كما بين لهم ألفاظه» . . . إلى قوله: «فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرّد ألفاظه».
أقول: قد مرَّ الجواب عنها فيما بيّنّاه في ذيل ما ذكره ص139: النص الرابع. . . الخ.

____________
(1) القمر 54: 17.
(2) سبق تخريجه ص14.
(3) انظر: مسند ابن حنبل 4: 366، سنن الدارمي 2: 431 ـ 432، صحيح مسلم 4: 1873|36 فضائل الصحابة، سنن الترمذي 5: 663|3788، مستدرك الحاكم 3: 109، سنن البيهقي 10: 144، وكنز العمال للمتقي الهندي 1: 172|872 و1: 186|947.

( 16 )
وقال في ص 143 نقلاً عن ابن تيميّة:
«وهذه كتب التفسير والحديث مملوءة بالآثار من الصحابة والتابعين».
أقول: ما ثبتت روايته عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسند صحيح فهو حجّة، وما لم تثبت لم يجُز إسناده إلى معنى كلام الله، وكذا الروايات الواردة في التفسير عن الاِمام جعفر بن محمد عليهما السلام وسائر الاَئمة عليهم السلام .
وقال في ص 143:
«ثم إنّ تعميم القول بأنّ الاَئمة يعلمون القرآن كلّه غلوّ فاحش؛ وذلك أنّه كما يقول الطبري: إنّ ممّا أنزل الله من القرآن ما لا يوصل إلى علم تأويله إلاّ ببيان الرسول، ولا يعلمه رسول الله إلاّ بوحي الله، ومنه ما لا يعلم تأويله إلاّ الواحد القهار؛ وذلك ما فيه من أُمور استأثر الله بعلمها كوقت قيام الساعة والنفخ في الصّور».
أقول: وقت قيام الساعة والنفخ في الصور الذي استأثر الله بعلمه لم يذكر في القرآن، فالعلم به خارج عن علم القرآن، وإنّما يقول القرآن: (يَسأَلُونَك عَنِ السّاعةِ أَيَّانَ مُرسيها قُلْ عِلمُها عِندَ رَبِّي لاَ يُجلِّيْها لِوَقتِها إلاّ هُوَ)(1).
وأمّا ما يعلمه رسول الله من علم القرآن فباب علمه علي عليه السلام ؛ لما صرّح به في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها، فمن أراد العلم فليأتهامن بابها»(2).
وقال في ص 145:
«المسألة الثالثة: اعتقادهم بأنّ قول الاِمام ينسخ القرآن، ويقيّد مطلقه، ويخصّص عامّه .... بناءً على ذلك فإنّ مسألة تخصيص علم القرآن أو تقييد مطلقه أو نسخه هي مسألة لم تَنْتَهِ بوفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لاَنّ النص النبوي والتشريع
____________
(1) الاَعراف 7: 187.
(2) سبق تخريجه ص14.

( 17 )
الاِلهي استمرّ ولم ينقطع بوفاة الرسول».
أقول: اعتقاد الاِماميّة أنّ القرآن لا ينسخ بغير القرآن، فإنّ حكم الله سبحانه وتعالى لا ينسخ إلاّ بنسخه.
وقد نسب المصنّف جواز نسخ القرآن بكلام الاِمام إلى اعتقاد الاِماميّة، لكنّه لم يجده في موضع من كتب الاِماميّة، وإلاّ استند إليه.
قال: «وقد أشار أبو جعفر النحّاس إلى هذه المقالة ولم ينسبها إلى أحد»!.
ثمّ إنّ اعتقاد الاِمامية أنّ شريعة الاِسلام هي التي نزلت على خاتم النبيّين، ولا نبيّ بعده؛ فلا معنى لاستمرار التشريع الاِلهي بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لكنّ رسول الله لم يسعه المجال لبيان تفاصيل أحكام الشريعة إلى عامّة الناس، بل أودعها بعد رحلته عند عليٍّ عليه السلام ليبيّنها للنّاس هو والاَئمة المعصومون عليهم السلام من بعده.
فإنّ نسبة القول إلى اعتقاد الاِماميّة بأنّه لم يكمل التشريع، وأنّ التشريع الاِلهي استمرّ ولم ينقطع بوفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم افتراء محض.
أمّا تخصيص عامِّ القرآن وتقييد مطلقه فالصحيح أنّ قول الاِمام المعصوم الذي أودع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تفاصيل أحكام شريعة الاِسلام عنده يحكي عن قول رسول الله، وقول رسول الله في الشريعة يحكي عمّا نزل إليه من عند الله سبحانه وتعالى؛ فالتخصيص والتقييد ليس من الاِمام نفسه، بل وصل إليه من رسول الله، ووصل إلى رسول الله بالوحي من الله سبحانه وتعالى.
وقال في ص 145 و146:
«وقالوا: يجوز لم سمع حديثاً عن أبي عبدالله أن يرويه عن أبيه أو أحد أجداده، بل يجوز أن يقول: قال الله تعالى؛ فكان للاِمام في اعتقادهم تخصيص القرآن أو تقييده أو نسخه، وهو تخصيص أو تقييد أو نسخ للقرآن بالقرآن؛ لاَنّ
( 18 )
قول الاِمام كقول الله».
أقول: المستفاد منه أنّ قول الاِمام الذي عنده علم الشريعة يكشف عن قول الله، لا أنّه قرآن، ولا أنّه كقول الله، فلا يلزم منه أن يكون للاِمام حقّ تخصيص القرآن أو تقييده أو نسخه، بل ليس تخصيص القرآن الذي هو كلام الله، ولا تقييده، ولا نسخه إلاّ لله، فلو كان في المعنى المراد من الآية عند الله تقييد أو تخصيص فأخبر به الاِمام لكان حجّة.
وأمّا نسخ آية من القرآن الباقي إلى يوم القيامة إنّما يتحقّق بآية أُخرى من القرآن لا محالة.
وقال في ص146:
«فالاَئمة قد فُوِّضوا في أَمر الدين كما فُوِّض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلهم حقّ التشريع.
تقول كتب الشيعة عن الاَئمة: إنّ الله عزوجلّ فوَّض إلى نبيّه، فقال: (وَمَا آتاكُم الرَّسُولُ فُخُذوهُ وَمَا نَهاكُم عَنهُ فَانتَهُوا)(1) فما فوِّض إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد فوَّضه إلينا.
وقال أبو عبدالله ـ كما تزعم كتب الشيعة ـ : لا والله ما فوَّض الله إلى أحد من خلقه إلاّ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلى الاَئمة؛ قال الله عزّوجل: (إنّا أنزَلنا إليكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لَتَحكُم بَينَ النَّاسِ بما أراكَ اللهُ)(2)، وهي جارية في الاَوصياء».
أقول: استدلّ للتفويض في الروايتين بقوله تعالى: (وَمَا آتاكُم الرَّسولُ فَخذُوا وَمَا نَهاكُم عَنهُ فَانتَهُوا)، وقوله تعالى: (لِتحكُمَ بَينَ الناسِ بِما أراكَ اللهُ)، والمستفاد من الآيتين أنّ الرسول تجب طاعته في أمره ونهيه، وأنّ له
____________
(1) الحشر 59: 7.
(2) النساء 4: 105.

( 19 )
الحكومة على الناس، فالمراد تفويض الحكومة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلى الاَئمّة بعده، كما في قوله تعالى: (أطيعُوا اللهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وأُولي الاَمرِ مِنكُم)(1)، فقد أمر فيه بإطاعة الله ثمّ أمر بإطاعة الرسول وأُولي الاَمر، فالطاعة لله هي العمل بالاَحكام الشرعية، ولرسول الله وأُولي الاَمر متابعتهم في الحكومة.
فالتفويض إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والاَئمة معناه تفويض الحكومة؛ فإنّ الحكومة بالاَصالة إنّما هي لله سبحانه وتعالى؛ لكونه المولى الحقيقي وأُمور عباد الله كلها بيده وقد فَوَّض الحكومة على الناس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعده إلى أوصيائه الاَئمة المعصومين عليهم السلام ، لا التشريع وجعل الاَحكام الشرعيّة كما توهَّم.
وقال في ص 147:
«نقد هذه العقيدة...» الخ.
أقول: يعلم كذب هذه الافتراءات على الشيعة بالتّأمّل فيما بيّنّاه في التعاليق السابقة من هذا المبحث، فراجع.
وقال في ص 147:
«واعتبروا مسألة الاِمامة أخطر من الشرك».
أقول: إنّهم لم يعتبروا مسألة الاِمامة أعظم من الشرك، بل قد ورد في بعض رواياتهم أنّ: «من أشرك مع إمامٍ إمامتُهُ مِن عندِ اللهِ مَن ليستْ إمامتُه مِن عندِ الله كانَ مشركاً»(2)، أي: مشركاً في طاعة الله.
راجع لمزيد من التوضيح تعليقتنا على ما ذكره في ص 434.
وقال في ص 148:
«وهذه الدعوى تقوم على أنّ دين الاِسلام ناقص ويحتاج إلى الاَئمة الاثني
____________
(1) النساء 4: 59.
(2) الكافي 1: 305|6 باب من ادَّعى الاِمامة، بحار الاَنوار 23: 78|11.

( 20 )
عشر لاِكماله، وأنّ كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكمل بهما التشريع؛ إذ أنّ بقيّة الشريعة مودعة عند الاَئمة وأنّ رسول الهدى صلى الله عليه وآله وسلم لم يبلِّغ ما أُنزل إليه من ربّه، وإنّما كتم بعض ما أنزله إليه وأسَرَّه لعليّ.. وكل ذَلك كفر بالله ورسوله، ومناقضة لاَُصول الاِسلام».
أقول: ما صدرت عن الاَئمة الاثني عشر في بيان تفاصيل الاَحكام الشرعية فمن سنّة رسول الله؛ لاَنّها مأخوذة منه صلى الله عليه وآله وسلم حرفاً بحرف، ولم يكتمها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بل لم يسعه المجال لبيانها بنفسه لعامّة الناس، وإنّما بيّنها لهم وبلّغها إليهم بواسطة وصيِّه وباب مدينة علمه.
ومن الواضح أنّ الروايات الواردة في كتب أهل السنَّة إنّما رويت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة آحاد من الصحابة، فقد بيّنها للاَُمّة وبلَّغها إليهم بالواسطة.
وأمّا الذين أسقطوا روايات الاَئمة المعصومين عليهم السلام عن الاِعتبار، وتوسّلوا في تفاصيل الاَحكام الشرعية إلى القياسات والاستحسانات من عند أنفسهم، فهم المستحقّون لما ذكره المصنّف من أنّ دعواهم تقوم على أنّ دين الاِسلام ناقص، وأنّ كتاب الله وسنّة رسوله لم يكمل بهما التشريع، وينافي قوله تعالى: (اليومَ أَكمَلْتُ لَكُم دِينَكم وَأَتْمَمْتُ عَلَيكُم نِعمتي)(1)، وقوله تعالى: (نَزَّلنا عَليك القُرآنَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيءٍ)(2).
ومن الواضح أنّ ظواهر القرآن لا نفي لها، وإنّما هو تبيان لكل شيء بمعانيه الباطنة التي تعلم ببيان رسول الله بلا واسطة أو بواسطة الاَئمة المعصومين الذين أودع رسول الله علم القرآن عندهم، وقال صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما سنورد جملة مصادر توثقه من كتب أهل السنَّة ـ: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي، لن
____________
(1) المائدة 5: 3.
(2) النحل 16: 89.

( 21 )
يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، لن تضلُّوا ما إن تمسَّكْتم بهما»(1).
وقال في ص150:
«المسألة الاَُولى: اعتقادهم بأنّ للقرآن معانياً باطنة تخالف الظاهر».
إلى أن قال: «جاء في أُصول الكافي عن محمد بن منصور، قال: سألت عبداً صالحاً عن قول الله عزّوجل (قُلْ إنَّما حَرَّم رَبِّي الفَواحِشَ ما ظهَر مِنْها وَمَا بَطَن)(2)؟
قال: فقال: «إنّ القرآن له ظهر وبطن، فجميع ما حرّم الله في القرآن هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمّة الجور، وجميع ما أحلّ الله تعالى في الكتاب هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمّة الحق».
تقرّر هذه الرواية الواردة في أصحّ كتبهم الاَربعة مبدءاً: أنّ للقرآن معانياً باطنة تخالف الظاهر مخالفة تامّة....
وهو محاولة لتغيير دين الاِسلام من أساسه ودعوة إلى التحلّل والاِباحيّة»؟!
أقول: المذكور في هذا الحديث أنّ القرآن له ظهر وبطن، فيدلّ على أنّ للقرآن معانياً باطنة كما أنّ له معانياً ظاهرة، وأمّا أنّ المعنى الباطني يخالف المعنى الظاهري وينافيه فلا؛ فما حرّم الله في القرآن من أفعال العباد حرام واقعاً، وما أحلّ الله في القرآن منها حلال واقعاً. ولا ينافيه أنّ لهذه الآيات معانياً أُخرى أيضاً، فليس هذا الحديث دعوة إلى التحلّل والاِباحيّة كما يوهمه كلام المصنّف.
وقال في ص 151:
«عقد صاحب البحار باباً بهذا العنوان «إنّ للقرآن ظهراً وبطناً»، وقد ذكر في هذا الباب (84) رواية، وقال في صدر الباب: ونورد هاهنا مختصراً من بعضها».

____________
(1) سبق تخريجه ص16.
(2) الاَعراف 7: 33.

( 22 )
وقال في ص 152: «ومن نصوصهم في هذه المسألة أنّ للقرآن ظهراً وبطناً، وببطنه بطن إلى سبعة أبطن».
أقول: إنّ كلام الخالق سبحانه وتعالى ليس مثل كلام المخلوقين لا يراد من كلامهم إلاّ معنى واحد، إمّا المعنى الظاهر، أو معنى خلاف الظاهر إذا اقترن بقرينة صارفة عن المعنى الظاهر ومعيّنة لغيره في كونه هو المراد دون المعنى الظاهر، والمعنى الظاهر هو الذي يتبادر من الكلام من دون قرينة، وهو المعنى المتعارف استعماله فيه.
وأمّا كلام الله سبحانه وتعالى فأُريد منه المعنى الظاهر إلاّ إذا اقترن بقرينة تصرفه عنه؛ لقوله تعالى: (وَلَقَد يَسَّرنا القُرآنَ لِلذِّكرِ)(1).
وأُريد منه معانٍ أُخرى أيضاً؛ لقوله تعالى: (وَلَقَد أنزَلْنا إليك القُرآنَ تِبياناً لِكُلِّ شيءٍ)(2).
والمعاني الباطنة إنّما يعلمها مَن عنده علم الكتاب وهو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي خوطب بالقرآن، ومَن أودع عنده علم القرآن بعد رحلته من دار الدنيا.
قد يكون المعنى الظاهر للعبارة المتعارف استعمالها فيه غير المعنى المتشكِّل من المعاني الموضوع لها مفردات كلماتها، كقوله تعالى: (لاَ تَجعلْ يَدَكَ مَغلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبسُطْها كُلَّ البَسْطِ فَتَقعُد مَلُوماً مُحسُوراً)(3)؛ فإنّ المعنى الظاهر منه الاَمر بالاِنفاق والنّهي عن المبالغة فيه.
ومن هذا القبيل قوله تعالى: (يَدُ اللهِ فَوقَ أيدِيهم)(4)؛ فإنّ المعنى الظاهر
____________
(1) القمر 54: 22.
(2) النحل 16: 89.
(3) الاِسراء 17: 29.
(4) الفتح 48: 10.

( 23 )
منه المتعارف استعمال هذا التعبير فيه أنّ قدرة الله فوق قدرتهم، لا أنّ مكان يده فوق مكان أيديهم.
والذي اقترن بقرينة تصرفه عن المعنى الظاهر من الكلام، كقوله تعالى: (الرَّحمانُ عَلى العَرشِ اسْتَوى)(1)؛ فإنّ معناه ـ بحسب اللّغة ـ: أنّه قام مستوياً على العرش، لكنّه اقترن بقرائن تدلّ على أنّ المراد غير ذلك:
منها قوله تعالى: (وَنَحنُ أَقْرَبُ إليه مِن حَبلِ الوَريدِ)(2).
ومنها قوله تعالى: (فَأينما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجهُ اللهِ)(3) ومنها قوله تعالى: (وَهُوَ مَعَكُم أَينَما كُنْتُم)(4).
ومنها قوله تعالى: (وإذا سَألكَ عِبادِيَ عَنِّي فَإنِّي قَريبٌ)(5).
بل المعنى الظاهر من عبارة «استوى على العرش» المتعارف استعمالها فيه ـ بلا حاجة إلى القرينة ـ هو استقرار الملك واستقامته.
قال شيخنا المفيد: «العرش في اللغة: الملك».
قال الشاعر بذلك:
إذا مَا بَنُو مَروان ثُلَّتْ عُروشُهموأودَتْ كَما أودتْ أيادُ وحِمْيَرُ(6) يريد: إذا ما بنو مروان هلك ملكهم وبادوا.
وقال آخر:
أَظَنَنْتَ عَرشكلاَ يَزولُ وَلا يُغَيَّرُ

____________
(1) طه 20: 5.
(2) ق 50: 16.
(3) البقرة 2: 115.
(4) الحديد 57: 4.
(5) البقرة 2: 186.
(6) مجمع البيان 4: 428 (مجري المجلد الثاني).

( 24 )
يعني: أظننت ملكك لا يزول ولا يغَيّر...
فعرش الله تعالى هو ملكه، واستواؤه على العرش هو استيلاؤه على الملك، والعرب تصف الاستيلاء بالاستواء؛ قال الشاعر:
قد استَوى بِشْرٌ على العِراقِمِن غَيرِ سَيفٍ ودَمٍ مُهراقِ(1) يريد به: قد استولى على العراق»(2).
وقال الطبرسي في (مجمع البيان) عند تفسير سورة الاَعراف، في معنى قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العَرْشِ)(3):
«يعني استقرّ ملكه واستقام... وإنّما اُخرج هذا على المتعارف من كلام العرب، كقولهم: استوى الملك على عرشه، إذا انتظمت اُمور مملكته. وإذا اختلّ أمر ملكه قالوا: ثلَّ عرشه، ولعلّ ذلك الملك لا يكون له سرير، ولا يجلس على
سرير أبداً»(4)پ.
وقال الفخر الرازي في تفسيره عند التعرّض لهذه الآية:
«أوّل الآية إشارة إلى ذكر ما يدلّ على الوجود والقدرة والعلم، وآخرها أيضاً يدل على هذا المطلوب. وإذ كان الاَمر كذلك فقوله: (ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرشِ) وجب أن يكون أيضاً دليلاً على كمال القدرة والعلم؛ لاَنّه لو لم يدلّ عليه ـ بل كان المراد كونه مستقرّاً على العرش ـ كان ذلك كلاماً أجنبيّاً عمّا قبله
وعمَّا بعده»(5)ط. وهذا يوجب نهاية الركاكة.
وقال في ص 154:

____________
(1) ديوان الاَخطل: 390 (باب الشعر المنسوب إليه).
(2) تصحيح الاعتقاد: 204. (بضمن أوائل المقالات).
(3) الاَعراف 7: 54.
(4) مجمع البيان 4: 428 (مجري المجلد الثاني).
(5) التفسير الكبير للرازي 13: 114.

( 25 )
«قال ابن تيميّة: من ادّعى علماً باطناً، أو علماً بباطن ـ وذلك يخالف العلم الظاهر ـ كان مخطئاً إمَّا ملحداً زنديقاً، وإمّا جاهلاً ضالاً».
أقول: قد بيّنّا في التعليقة السابقة أنّ ظواهر آيات القرآن حجّة ما لم تقترب بقرينة تصرفها عنها.
وأمّا المعاني الباطنة فهي معانٍ مستقلّة لا تنافي المعاني الظاهرة، لكنّها لا تثبت بمجرد الدعوى ما لم تثبت بالطريق الصحيح عن النبي الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم أو عترته المعصومين عليهم السلام ، الذين أمر أُمّته بالتعلّم منهم حيث قال لجماهير المسلمين: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي لن تضلّوا ما إن تمسّكتم بهما، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض»(1).
وقال في ص 159:
«قال المجلسي: باب تأويل المؤمنين والاِيمان والمسلمين والاِسلام بهم وبولايتهم عليهم السلام ، والكفار والمشركين والكفر والشرك والجبت والطاغوت واللاّت والعزّى والاَصنام بأعدائهم ومخالفيهم».
أقول: الاَحكام الشرعيّة للاِسلام والكفر والشرك في جميع أبواب الفقه من الطهارة إلى الحدود والدّيات، إنّما تترتّب عند الاِماميّة على المعاني الظاهرة المعروفة منها، والمعاني التأويلية منها ليست ملاكاً في الفقه، حتى أنّه إن ثبت بالنصوص الصحيحة كونها معنىً باطنياً لبعض الآيات فلا ينافي إرادة المعنى الظاهر منها أيضاً، كما بيّنّاه سابقاً.
والملاك في الاَحكام الشرعيّة هو المعنى الظاهر عنها بإجماع الاِمامية. والملاك في أحكام المسلم عند الاِماميّة هو إظهار الشهادتين: شهادة ألاّ إله إلاّ الله، وشهادة أنَّ محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله، وفي أحكام الكافر هو إنكار إحداهما.

____________
(1) سبق تخريجه ص16.

( 26 )
وقال في ص 160:
«فأين أركان الاِيمان وأُصول الاِسلام وشرائعه وأحكامه؟ كلّها انحصرت في الاِمامة... كما تدلّ عليه هذه الروايات».
أقول: لم يقل أحد بانحصار أركان الاِيمان وأُصول الاِسلام من التوحيد والنبوّة والمعاد في الاِمامة، بل الاِقرار بالاِمامة فرع الاِقرار بها بالبداهة، والروايات إنّما تدلّ على أنّ ردّ الاِمامة ردّ من أمر الله بطاعته، وإشراك غيره معه إشراك في طاعة الله؛ لاَنّ طاعة مَن أمر الله بطاعته طاعة لله، وإشراك طاعة غيره معه فيها إشراك في طاعة الله.
راجع ـ لمزيد من التوضيح ـ تعليقتنا على ما ذكره في ص434.
وقال في ص164:
«وقال شيوخهم المعاصرون في وصفه كتاب (بحار الاَنوار): أجمع كتاب في فنون الحديث».
أقول: أي في جمع الاَحاديث، وقد ألّفه العلاَّمة المجلسي ( قدس سره ) لجمع الاَحاديث، لا لاَجل تمييز الصحيح منها عن الضعيف. وأمّا تمييز الصحيح من الاَحاديث عن الاَحاديث الضّعاف فقد تصدّى لذلك في كتاب آخر له يسمّى بـ «مرآة العقول»، فراجع.
وقال في ص 165:
«إنّ مثل هذه التحريفات لا يلتبس إلاّ على أعجمي جاهل بالاِسلام».
أقول: قد بيّنّا في التعاليق السابقة أنّ المعاني الباطنة للقرآن لا تنفي المعاني الظاهرة لها، والمعاني الظاهرة حجّة ما لم تقم قرينة على عدم إرادتها، فليست المعاني الباطنة تحريفاً للقرآن عن معانيه الظاهرة.
وقال في ص 166:

( 27 )
«معنى القول بأنّ كتب الشيعة تزعم أنّ القرآن لا يحتجّ به إلاّ بقيِّمٍ».
أقول: تقدم دعوى ذلك من المصنف في ص127، وتقدّم منّا في التعليق عليه تبيين بطلان هذه الدعوى.
وقال في نفس الصحفة:
«ثم جعلت لهذا القيّم وظيفة المشرِّع في تخصيص عامِّ النصوص، وتقييد مطلقها، وبيان مجملها، ونسخ ما شاء منها؛ لاَنّه مُفوَّض في أمر الدين كله».
أقول: تقدّم منّا منع ذلك كله على التفصيل في ذيل ما ذكره في ص145، وما ذكره في ص136، فراجع.
وقال في ص 170:
«حين احتجّ شيخ الشيعة في زمنه ابن المطهَّر الحلّي على استحقاق عليّ للاِمامة بقوله: البرهان الثلاثون: قوله تعالى: (مَرَج البَحرينِ يَلتَقِيانِ * بَينَهُما بَرزَخٌ لاَ يَبغِيانِ)(1)، قال: علي وفاطمة، (بَينَهُما بَرزَخٌ لاَ يَبغِيانِ): النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، (يَخرجُ مِنهُما اللؤلُؤُ والمَرجانُ)(2): الحسن والحسين.
حينما احتجّ ابن المطهّر بذلك قال ابن تيميّة: إنّ هذا وأمثاله إنّما يقوله من لا يعقل ما يقول».
أقول: قال العلاَّمة ابن المطهَّر الحلّي في «نهج الحق»: «روى الجمهور: قال ابن عباس: علي وفاطمة (بَينَهُما بَرزَخٌ لاَ يَبغِيانِ)(3): النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، (يَخرجُ مِنهُما اللؤلُؤُ والمَرجانُ)(4): الحسن والحسين»(5).

____________
(1) الرحمن 55: 19 و20.
(2) الرحمن 55: 22.
(3) الرحمن 55: 20.
(4) الرحمن 55: 22.
(5) نهج الحق للعلاّمة الحلّي: 188.

( 28 )
أقول: روي ذلك في كتب أهل السنَّة، ومن أعلامهم الذين رووه:
السيوطي في «الدّرّ المنثور» ج6 ص142، قال: أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس، وأنس بن مالك.
ومنهم: الآلوسي في «روح المعاني» ج27 ص93 |ط مصر.
ومنهم: الكشفي الترمذي الحنفي في «المناقب المرتضوية» ص70، نقله عن السهروردي، عن سفيان الثوري، بإسناده عن سعد وسلمان الفارسي.
ومنهم: القندوزي في «ينابيع المودّة» ص118|ط إسلامبول، قال: أخرجه أبو نعيم الحافظ والثعلبي والمالكي بأسانيدهم، وروى سفيان الثوري، وهم جميعاً عن أبي سعيد الخدري، وابن عباس، وأنس بن مالك.
ورواه في «المناقب» عن أبي ذر.
ومنهم: الثعلبي في «الكشف والبيان»، رواه بسنده عن سفيان الثوري.
ومنهم: الصفوري البغدادي الشافعي في «نزهة المجالس» ج2 ص229|ط مصر.
ومنهم: القاضي الميبدي في «شرح الديوان»، رواه عن أنس، وابن عباس.
ومنهم: سبط بن الجوزي في «التذكرة» ص245.
ومنهم: الخوارزمي في «المقتل» ص114.
... إلى غير ذلك من أعلامهم.
وقال في ص 174:
«هذه التأويلات التي تفسّر الاِله والرّب والله وصفاته بالاِمام».
أقول: ليس فيها تفسير لفظة الجلالة (الله) والرّب ـ العياذ بالله ـ بالاِمام، بل
( 29 )
تفسير الوجه في الآيتين بالاَئمة، بقوله: «نَحنُ وَجهُ اللهِ الذي يُؤتَى مِنهُ»(1). وتفسير الاَسماء الحسنى بقوله: «لا يَقبلُ اللهُ مِن أحَدٍ إلاّ بمعرفتنا»(2).
وهذا مبنيٌّ على أنّ للآية معنى آخر غير معناها الظاهر منها، ولا منافاة في إرادة كلا المعنيين. والمراد منه ـ لا محالة ـ أنّ الاسم هو ما أنبأ عن المسمّى، وجميع المخلوقات أسلم له تعالى، كما قال الشاعر:
وَفي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيةٌتَدُلُّ على أنَّهُ وَاحِدُ(3) وأمّا الاَئمة فهم الاَسماء الحسنى؛ لكونهم معصومين من المعصية، ومطهّرين منها.
وقال في ص 175:
«والاَئمة هم القرآن كما مرّ في ص 128».
وقد قال في ص 128: «ومرّة أُخرى يدَّعون بأنّ الاَئمة هم القرآن نفسه».
وقال تحت الخط: و«لهذا تجدهم يفسّرون قوله سبحانه: (واتَّبَعُوا النورَ الذي أُنزِلَ مَعَهُ)(4)، يقولون: النور عليٌّ والاَئمة عليهم السلام ».
أقول: ليست فيها أيّة دلالة بأنّهم يدّعون أنّ الاَئمّة هم القرآن.
ظاهر هذه الآية أنّ المراد من النور فيها القرآن الكريم، ولا ينافيه أن يكون له معنى آخر، وهو الاَئمة الهداة المهديّون من عند الله.

____________
(و2) انظر بحار الاَنوار 25: 5|7.
(1) الرحمن 55: 22.