الرسائل العشر
في الأحاديث الموضوعة في كتب السنة
(10)





رسالةُ
في حديث الوصيّة بالثقلين
الكتاب والسنة

تأليف
السيد علي الحسيني الميلاني




( 5 )

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الأولين والأخرين .

أما بعد :
فهذه رسالة وضعتها في تحقيق ما روي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أنه قال : « إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وسنتي » ولا سيّما الذي جاء في بعض الكتب من أنه قال ذلك في خطبته في حجّة الوداع .
والله أسأل أن يوفقنا لتحقيق الحّق واتّباعه ، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم ، إنّه هو البرّ الرحيم .

***


( 6 )

(1)
نصوص الخبر ورواته
إن خبر الثقلين « كتاب الله وسنتي » غيرواردٍ إلاّ في كتب معدودةٍ من كتب الحديث والسيرة :

رواية مالك بن أنس :
وإن أقدم رواة هذا الخبرـ فيما نعلم ـ هو : مالك بن أنس ـ المتوفّى سنة 179 هـ ـ حيث جاء في « الموطّأ » :
« وحدثني عن مالك أنّه بلغه أنّ رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قال : تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسّكتم بهما ، كتاب الله وسنة نبّيه »(1).

رواية ابن هشام :
وذكر ابن هشام ـ المتوفّى سنة 218 هـ ـ في كتابه في « السيرة النبويّة » الذي هذّب فيه كتاب محمد بن إسحاق : خطبة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم في حّجة الوداع ، وقد جاء فيها عنه أنّه قال : « وقد تركت فيكم ما إن آعتصمتم به فلن تضلّوا أبداً ، أمراً بيّناً : كتاب الله وسنة نبيه »(2).

رواية الحاكم :
وأخرج الحاكم النيسابوري ـ المتوفى سنة405 هـ ـ قائلاً :
____________
(1) الموطّأ بشرح السيوطي 2|208 .
(2) سيرة ابن هشام 4|603 .

( 7 )

« حدثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه ، أنبأ العبّاس بن الفضل الأسقاطي ، ثنا إسماعيل بن أبي أويس .
وأخبرني إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني ، ثنا جدي ، ثنا ابن أبي أويس ، حدّثني أبي ، عن ثور بن زيد الديلي ، عن عكرمة ، عن ابن عبّاس :
إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم خطب الناس في حجة الوداع فقال : قد يئس الشيطان أن يعبد بارضكم ، ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك ممّا تحاقرون من أعمالكم ، فاحذروا. يا أيها الناس ، إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا : كتاب الله وسنة نبيّه صلى الله عليه وآله وسلّم ، إن كل مسلم أخ المسلم ، المسلمون إخوة ، ولا يحل لامرئ مال أخيه إلآ ما أعطاه عن طيب نفس ، ولا تظلموا ، ولا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض.
وقد احتجّ البخاري باحاديث عكرمة ، واحتج مسلم بآبن أبي أويس ، وسائر رواته متفق عليهم. وهذا الحديث لخطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم متفق على إخراجه في الصحيح : يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به ، كتاب الله ، وأنتم مسؤولون عني فما أنتم قائلون؟ .
وذكر الاعتصام بالسنة في هذه الخطبة غريب ، ويحتاج إليها .
وقد وجدت له شاهدا من حديث أبي هريرة :
أخبرنا أبو بكر ابن إسحاق الفقيه ، أنبأ محمد بن عيسى بن السكن الواسطي ، ثنا داود بن عمرو الضبّي ، ثنا صالح بن موسى الطلحي ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم :
إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما : كتاب الله وسنتي ، ولن


( 8 )

يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض »(1).

رواية البيهقي :
ورواه أبو بكر البيهقي ـ المتوفى سنة 458 هـ ـ بقوله : « أخبرنا أبو عبدالله الحافظ ، أخبرني إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني ، ثنا جدّي ، ثنا ابن أبي أويس ، ثنا أبي ، عن ثور بن زيد الديلي ، عن عكرمة ، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم خطب الناس في حجة الوداع فقال : يا أيها الناس؛ إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلّوا أبدا ، كتاب الله وسنة نبيّه .
أخبرنا أبو الحسين بن بشران العدل ببغداد ، أنبا أبو أحمد حمزة بن محمد بن العباس ، ثنا عبد الكريم بن الهيثم ، أنبا العباس بن الهيثم ، ثنا صالح ابن موسى الطلحي ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم : إني قد خلّفت فيكم ما لن تضلّوا بعدهما ما أخذتم بهما أو عملتم بهما : كتاب الله وسنتي ، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض »(2).

رواية ابن عبد البرّ :
ورواه ابن عبد البرّ القرطبي ـ المتوفى سنة 463 هـ ـ بسندين (3) :
أحدهما : روايته الخبر بإسناده عن داود بن عمرو الضبي ، عن صالح بن
____________
(1) المستدرك على الصحيحين 1|93 .
(2) السنن الكبرى 10|114 .
(3) لابن عبد البرّ كتابان حول احاديث الموطّأ وأسانيده ذكرهما كاشف الظنون 2|1907 ، أحدهما : التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ؛ وهذا الذي أوردناه هو الحديث الثاني والثلاثون ، وهو منقول عن نسخة خطية ، ولم نتمكن من قراءة السند بكامله .

( 9 )

موسى الطلحي ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة . ..
وهذا هو الذي أخرجه الحاكم وسنتكلم عليه .
والأخر : روايته التي وصل بها خبر « الموطأ » قائلاّ : « نا عبد الرحمن بن يحيى ، قال : نا أحمد بن سعيد ، قال : نا محمد بن إبراهيم ، قال : نا علي بن زيد العرايضي ، قال : نا الحنيني ، عن كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جدّه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم : تركت فيكم أمرين لن تضلّوا ما تمسكتم بهما ، كتاب الله وسنة نبيّه صلّى الله عليه [وآله] وسلم ».

رواية القاضي عياض :
ورواه القاضي عياض اليحصبي ـ المتوفى سنة 544 هـ ـ بقوله :
« وقال عليه السلام فيما أخبرنا به القاضي أبو علي الحسين بن محّمد ـ رحمه الله ـ قراءة مني عليه ، قال : أخبرنا الشيخ الإمام أبو الفضل أحمد بن أحمد الأصبهاني ، قال : أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبدالله الحافظ ، قال : أخبرنا عبدالله بن محمد بن جعفر ، أخبرنا بنان بن احمد القطان ، أخبرنا عبدالله بن عمر بن أبان ، أخبرنا شعيب بن إبراهيم ، أخبرنا سيف بن عمر ، عن أبان بن إسحاق الأسدي ، عن الصباح بن محمد ، عن أبي حازم ، عن أبي سعيد الخدري ، قال :
قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم : أيها الناس ، إني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي ، فلا تفسدوه ، وإنه لا تعمى أبصاركم ولن تزلّ أقدامكم ، ولن تقصر أيديكم ، ما أخذتم بهما »(1).
____________
(1) الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع : 8 ـ 9 .

( 10 )

رواية السيوطي :
ورواه جلال الدين السيوطي ـ المتوفى سنة 911هـ ـ في كتابه « الجامع الصغير » قال : « تركت فيكم شيئين لن تضلّوا بعدهما : كتاب الله وسنتي ، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض. ك عن أبي هريرة »(1).

رواية المتّقي الهندي :
وعقد الشيخ عليّ المتقي الهندي ـ المتوفى سنة975 هـ ـ في الجزء الأول من كتابه « كنز العمّال » الباب الثاني في الاعتصام بالكتاب والسنة ، فاورد فيه الخبر كما يلي :
« 875 ـ خلّفت فيكم شيئين لن تضلّوا بعدهما ، كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض. أبو بكر الشافعي في الغيلانيات عن أبي هريرة .
« 876 ـ تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما ، كتاب الله وسني ، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض . ك عن أبي هريرة ».
« 941 ـ إن الشيطان قد يئس أن يعبد بارضكم.... ك عن ابن عباس ».
« 954 ـ يا أيها الناس ، إني تارك فيكم ما ان اعتصمتم به فلن تضلّوا أبدا ، كتاب الله وسنة نبيه . ق عن ابن عبّاس .
« 955 ـ كتاب الله وسنتي ، لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض . أبو نصر السجزي في الإبانة. وقال : غريب جدّاً ـ عن أبي هريرة » .
____________
(1) فيض القديرـ شرح الجامع الصغير 3|240 .
( 11 )

(1)
نظرات في أسانيد الخبر
قد ذكرنا أهم أسانيد الخبر في كتب القوم... وقبل الورود في النظر في أسانيده لا بدّ من أن نشير إلى أمور :
1 ـ إن هذا الخبر مما أعرض عنه البخاري ومسلم ولم يخرجاه في كتابيهما المعروفين بالصحيحين ، وكم من حديث صحيح سنداً لم يأخذ القوم به معتذرين باتفاق الشيخيي على تركه !
2 ـ انه خبر غير مخرّج في شيء من سائر الكتب المعروفة عندهم بالصحاح ، فهو خبر اتفق أرباب الصحاح الستة وغيرهم على تركه !
3 ـ انه خبر غير مخرّج في شيء من المسانيد المعتبرة كمسند أحمد بن حنبل ، وقد نقلوا عن أحمد أن ما ليس في المسند فليس بصحيح !
4 ـ انه قد صرّح غير واحدٍ من رواة هذا الخبر بغرابته؛ قال الحاكم : « ذكر الاعتصام بالسنّة في هذه الخطبة غريب » وقد نص على صحة سند الخطبة المشتملة على الاعتصام بالعترة ، وقال السجزي ـ كما في » كنز العمال » ـ : « غريب جداً » .
ثم لننظر في أسانيده في الكتب المذكورة :

سند الخبر في الموطّأ :
وعمدة ما في الباب هو رواية مالك في الموطّأ ، وهنا بحوث ثلاثة :
الأول : البحث عن الموطأ. قال كاشف الظنون : « هو كتاب قديم مبارك ، قصد فيه جمع الصحيح ، لكن إنما جمع الصحيح عنده لا على


( 12 )

اصطلاح أهل الحديث ، لأنه يرى المراسيل والبلاغات صحيحة. كذا في النكت الوفيّة »(1).
« وقال السيوطي : « صرّح الخطيب وغيره بان ( الموطأ ) مقدّم على كل كتاب من الجوامع والمسانيد » ثم قال : « فعلى هذا هو بعد صحيح الحاكم »(2).
وقال السيوطي : « قال ابن حزم في كتاب مراتب الديانة : أحصيت ما في موطأ مالك ، فوجدت فيه من المسند خمسمائة ونيفا ، وفيه ثلاثمائة ونيّف مرسلاً ، وفيه نيّف وسبعون حديثا قد ترك مالك نفسه العمل بها ، وفيه أحاديث ضعيفة وهّاها جمهور العلماء »(3).
الثاني : ترجمة مالك. ومالك بن أنس مقدوح مجروح من جهات ، نذكر بعضها باختصار :
1 ـ كونه من الخوارج. قال أبو العبّاس المبرّد في بحث له حول الخوارج :
« وكان عدّة من الفقهاء ينسبون إليهم ، منهم عكرمة مولى ابن عباس ، وكان يقال ذلك في مالك بن أنس ، ويروي الزبيريون : أن مالك بن أنس كان يذكر عثمان وعلياً وطلحة والزبير فيقول : والله ما اقتتلوا إلاّ على الثريد الأعفر » (4) .
2 ـ كونه من المدلّسين. ذكر ذلك الخطيب البغدادي في أخبار بعض المدلّسين (5).
3 ـ اجتماعه بالأمراء وسكوته عن منكراتهم. فقد قال عبدالله بن أحمد :
____________
(1) كشف الظنون 2|1907 .
(2) تدريب الراوي 1|83 .
(3) تنوير الحوالك 1|9 .
(4) الكامل في الأدب 1|159 .
(5) الكفاية في علم الرواية : 365 .

( 13 )

« سمعت أبي يقول : كان ابن أبي ذئب ومالك يحضران عند الأمراء ، فيتكلم ابن أبي ذئب ، يأمرهم وينهاهم ومالك ساكت. قال أبي : ابن أبي ذئب خير من مالك وأفضل » (1) .
4 ـ كان يتغنى بالآلات. حتى ذكر ذلك أبو الفرج الأصبهاني في كتابه (2).
5 ـ تكلم الأئمة فيه. قال الخطيب : « عابه جماعة من أهل العلم في زمانه » ثم ذكر : ابن أبي ذئب ، وعبد العزيز بن الماجشون ، وابن أبي حازم ، ومحمد بن إسحاق (3) .
وقال ابن عبد البرّ : « تكلّم ابن أبي ذئب في مالك بن أنس بكلام فيه جفاء وخشونة كرهت ذكره »(4).
وممن تكلم فيه أيضا : إبراهيم بن سعد ، وكان يدعو عليه؛ وعبد الرحمن ابن زيد بن أسلم؛ وابن أبي يحيى (5) .
الثالث : النظر في سند حديثه ، والحديث المذكور لا سند له في « الموطأ » ، قال السيوطي بشرحه : « وصله ابن عبد البرّ من حديث كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده » (6) .
قلت : وسنتكلم على هذا السند في رواية ابن عبد البرّ ، فانتظر.

سند الخبر في سيرة ابن هشام :
وأما الخبر في سيرة ابن هشام فلا سند له كذلك ، غير إنه جاء فيها :
____________
(1) العلل ومعرفة الرجال 1|179.
(2) الأغاني 2|75 .
(3) تاريخ بغداد 10|224 .
(4) جامع بيان العلم 2|157 .
(5) جامع بيان العلم 2|158.
(6) تنوير الحوالك 2|208 .

( 14 )

« خطبة الرسول في حجة الوداع . قال ابن إسحاق : ثم مضى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم على حجة... وخطب الناس... »(1) .
وابن إسحاق مقدوح ومجروح كذلك عند أكثر العلماء الأعلام ، فقد رمي بالتدلّيس ، وبالقدر ، وبالتشيّع ! وقال غير واحد منهم : سليمان التيمي ، ويحيى القطّان ، ووهب بن خالد ، ومالك بن أنس : « كذاب » (2) .
وان شئت التفصيل فراجع ما ذكره الحافظ ابن سيّد الناس ـ المتوفى سنة 734هـ ـ في مقدّمة سيرته « عيون الأثر » .

سند الخبر في المستدرك :
وأما الخبر في المستدرك :
* فالمدار في روايته عن ابن عباس على « إسماعيل بن أبي أويس » ونكتفي بالتكلّم فيه. وهذه كلمات طائفة من أئمة الجرح والتعديل في هذا الرجل وهو ابن أخت مالك ونسيبه ، نوردها نقلاً عن ابن حجر العسقلاني (3) :
قال معاوية بن صالح عن ابن معين : هو وأبوه ضعيفان .
وعنه أيضا : ابن أبي أويس وأبوه يسرقان الحديث .
وعنه : مخلط ، يكذب ، ليس بشيء .
وقال النسائي : ضعيف .
وقال في موضع آخر : غير ثقة .
وقال اللالكائي : بالغ النسائي في الكلام عليه إلى أن يؤدّي إلى تركه ، ولعلّه بان له ما لم يبن لغيره ، لأن كلام هؤلاء كلّهم يؤول الى أنه ضعيف .
وقال ابن عديّ : روى عن خاله احاديث غرائب لا يتابعه عليها أحد .
____________
(1) السيرة النبوية 4|603 .
(2) لاحظ ترجمته في الكتب الرجالية .
(3) تهذيب التهذيب 1|271 .

( 15 )

وقال الدولابي في الضعفاء : سمعت النصر بن سلمة المروزي يقول : ابن أبي أويس كذاب ، كان يحدّث عن مالك بمسائل ابن وهب .
وقال العقيلي في الضعفاء : ثنا أسامة الزفاف بصري ، سمعت يحيى بن معين يقول : ابن أبي أويس لا يسوى فلسين .
وقال الدارقطني : لا أختاره في الصحيح .
وقال ابن حزم في « المحلّى » : قال أبو الفتح الأزدي : حدّثني سيف بن محمد : أن ابن أبي أويس كان يضع الحديث .
قال سلمة بن شبيب : سمعت إسماعيل بن أبي أويس يقول : ربمّا كنت اضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم .
* وفي سند روايته عن أبي هريرة : « صالح بن موسى الطلحي الكوفي » وهذه كلمات أئمتهم فيه نوردها نقلا عن ابن حجر العسقلاني كذلك(1) :
قال ابن معين : ليس بشيء .
وقال أيضا : صالح وإسحاق ابنا موسى : ليسا بشيء ، ولا يكتب حديثهما .
وقال هاشم بن مرثد عن ابن معين : ليس بثقة .
وقال الجوزجاني : ضعيف الحديث على حسنه .
وقال ابن أبي حاتم عن أبيه : ضعيف الحديث جدّاً ، كثير المناكير عن الثقات قلت : يكتب حديثه؟ قال : ليس يعجبني حديثه .
وقال البخاري : منكر الحديث عن سهيل بن أبي صالح .
وقال النسائي : لا يكتب حديثه ، ضعيف .
وقال في موضع آخر : متروك الحديث .
وقال ابن عدي : عامّة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد ، وهو عندي ممّن لا
____________
(1) تهذيب التهذيب 4|354 .
( 16 )

يتعمّد الكذب ، وليس يشبه عليه ويخطئ ، وأكثرما يرويه عن جدّه من الفضائل ما لا يتابعه عليه أحد.
وقال الترمذي : تكلّم فيه بعض أهل العلم .
وقال عبدالله بن أحمد : سألت أبي عنه وقال : ما أدري . كانه لم يرضه .
وقال العقيلي : لايتابع على شيء من حديثه .
وقال ابن حبّان : كان يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات حتى يشهد المستمع لها أنها معمولة أو مقلوبة ، لا يجوز الاحتجاج به .
وقال أبو نعيم : متروك ، يروي المناكير » .

سند الخبر في سنن البيهقي :
وأمّا سند الخبر في سنن البيهقي ، فقد رواه باسناده عن ابن عباس وأبي هريرة . أمّا الأول فمشتمل على « ابن أبي أويس » وأمّا الثاني فمشتمل على « صالح بن موسى الطلحي » وقد عرفتهما.
وعلى الجملة ، فقد تقدم الكلام على السندين في رواية الحاكم .

سند الخبر في التمهيد :
وأمّا الخبر في « التمهيد » لابن عبد البرّ ، ففي سنده غير واحد من المجروحين ، ولكن يكفي النظر في ترجمة « كثير بن عبدالله » ـ الذي وصل ابن عبد البرّ الخبر من حديثه ـ كما ذكر ابن حجر العسقلاني (1) :
قال أبو طالب عن أحمد : منكر الحديث ، ليس بشيء .
وقال عبدالله بن أحمد : ضرب أبي على حديث كثير بن عبدالله في المسند ولم يحدثنا عنه .
____________
(1) تهذيب التهذيب 8|377 .
( 17 )

وقال ابو خيثمة : قال لي احمد : لا تحدّث عنه شيئا.
وقال الدوري عن ابن معين : لجده صحبة ، وهو ضعيف الحديث .
وقال مرّة : ليس بشيء .
وكذا قال الدارمي عنه .
وقال الاجري : سئل أبو داود عنه فقال : أحد الكذابين .
وقال ابن أبي حاتم : سألت أبا زرعة عنه فقال : واهي الحديث .
وقال أبو حاتم : ليس بالمتين .
وقال النسائي في موضع آخر : ليس بثقة .
وقال ابن عديّ : عامّة ما يرويه لا يتابع عليه .
وقال أبو نعيم : ضعّفه عليّ بن المديني .
وقال ابن سعد : كان قليل الحديث ، يستضعف .
وقال ابن حجر : ضعّفه الساجي .
وقال ابن عبد البرّ : ضعيف ، بل ذكر أنه مجمع على ضعفه .
فهذه كلمات في جرح الرجل .
* بل يكفي منها قول ابن عبد البرّ : مجمع على ضعفه .
* مضافا الى أنه يرويه عن أبيه عن جدّه ، وقد قال ابن حبّان : روى عن أبيه عن جدّه نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية إلا على جهة التعجب .
وقال ابن السكن : يروي عن أبيه عن جدّه أحاديث فيها نظر.
وقال الحاكم : حدّث عن أبيه عن جدّه نسخة فيها مناكير.

سند الخبر في الإلماع :
وأمّا سند الخبر في « الإلماع » ففيه غير واحد من الضعفاء والمجروحين فان « شعيب بن إبراهيم » راوية كتب « سيف بن عمر » جرحه ابن عديّ وقال :


( 18 )

ليس بالمعروف (1) . و « أبان بن إسحاق الأسدي » قال الأزدي : « متروك الحديث ، (2) و « الصباح بن محمد الأحمسي » لم يرو عنه إلأ الترمذي ، فقد روى عنه مرّة عن ابن مسعود حديثا واستغربه. وكان ممّن يروي الموضوعات عن الثقات ، وقال العقيلي : حديثه وهم ، ويرفع الموقوف (3) .
لكن يكفي وجود « سيف بن عمر » في إسناده ، فانه ـ كما ذكر ابن حجر العسقلاني(4) ـ :
قال ابن معين : ضعيف الحديث.
وقال أبو حاتم : متروك الحديث .
وقال أبو داود : ليس بشيء .
وقال النسائي : ضعيف .
وقال الدارقطني : ضعيف .
وقال ابن عديّ : بعض أحاديثه مشهورة ، وعامتها منكرة لم يتابع عليها .
وقال ابن حبّان : يروي الموضوعات عن الأثبات .
قال : وقالوا : إنه كان يضع الحديث .
وقال ابن حجر : بقية كلام ابن حبّان : أّتهم بالزندقة .
وقال البرقاني عن الدارقطني : متروك .
وقال الحاكم : اتهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط .

سند الخبر في الجامع الصغير :
وأمّا الخبر في « الجامع الصغير » فهو عن المستدرك للحاكم ، وقد تكلّمنا
____________
(1) لسان الميزان 3|145 .
(2) تهذيب التهذيب 1|81 .
(3) تهذيب التهذيب 4|358 .
(4) تهذيب التهذيب 4|259 .

( 19 )

عليه بالتفصيل فلا نعيد.

سند الخبر في كنز العمّال :
وأما المتقي الهندي فاورده عن الحاكم وأبي بكر الشافعي عن أبي هريرة.
وقد عرفت حال الحديث عن أبي هريرة .
وكذا أورده عن الحاكم عن ابن عبّاس .
وقد عرفت حاله .
وأورده عن البيهقي عن ابن عبّاس .
وقد عرفت حاله .
واورده عن الإبانة عن ابي هريرة .
وقد نقل هو عن صاحب الإبانة التصريح بانه غريب جدّا ، على أنه عن أبي هريرة .

***



( 20 )

(3)
تأمّلات في لفظ الخبر ومدلوله
قد عرفت أن الخبر بلفظ « الثقلين » وما شابهه لا أصل له ، إذ لا أثر للوصية بالكتاب والسنة بلفظ « الثقلين » ونحوه ، لا في الصحاح ولا في المسانيد ، وأن الأخبار الواردة في بعض الكتب ـ وعمدتها « المؤطأ » و « المستدرك » ـ لا أساس لها من الصحة... لا سيّما ما جاء ـ في شاذٍ منها ـ من أن النبي صلّى الله عليه واله وسلم قال ذلك في خطبته في حجة الوداع .
وأغلب الظن أن الغرض من وضع هذا الخبر بهذه الألفاظ هو المقابلة والمعارضة به لحديث الثقلين المتفق عليه بين المسلمين ، المقطوع بصدوره عن رسول رب العالمين ، الذي قاله في غير ما موقف ومن أشهرها حجّة الوداع في خطبته المعروفة ، حيث أوصى الأمّة بالكتاب والعترة ، وأمر باتباعهما ، وحذر من مخالفتهما ، وأكدّ على أن الأمة سوف لن تضل ما دامت متمسكة بهما ، وأنهما لن يتفرقا حتى يردا عليه الحوض .
هذا الحديث الذي من رواته : مسلم بن الحجاج ، وأحمد بن حنبل ، والترمذي ، وأبو داود ، وابن ماجة ، والنسائي ، والحاكم ، والطبري ، والطبراني... ومئات من الأئمة والحفاظ في القرون المختلفة ، يروونه عن أكثر من ثلاثين صحابي وصحابية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، بطرق كثيرة في أفرد بعض كبار العلماء كتبا لجمع طرقه .
هذا الحديث الذي يدلّ بوضوح على وجوب اتباع الأئمة أئمة العترة من أهل البيت عليهم السلام في جميع شؤونهم الدينية والدنيوية .
ولثبوت هذا الحديث سندا ووضوح دلالته على إمامة أهل البيت نجد


( 21 )

بعض المتعصّبين يحاولون عبثا الخدشة في سنده أو دلالته ، أو تحريف لفظه ومتنه ، ومنهم من التجأ إلى وضع خبر الوصيّة بالكتاب والسنة بعنوان « الثقلين » زعما منه بأنه سيعارض حديث الثقلين المقطوع الصدور... وقد بينا ـ والحمد لله ـ أن الخبر موضوع مصنوع .
وعلى فرض أن يكون للخبر اصل... فأنه ليس هناك أيّ منافاة بين الوصية بالكتاب والسنة ، والوصية بالكتاب والعترة... إذ لا خلاف بين المسلمين في وجوب الالتزام والعمل بالكتاب والسنة النبولة الشريفة... غير إن حديث ( الكتاب والعترة ) مفاده وجوب أخذ السنة من العترة النبوية لا من غيرهم ، وهذا هو الذي فهمه علماء الحديث وشراحه ، ومن هنا نرى المتقي الهندي ـ مثلا ـ يورد كلا الحديثين تحت عنوان الباب الثاني : في الاعتصام بالكتاب والسنة ، كما لا يخفى على من راجعه .
هذا موجز الكلام على هذا الخبر ، وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين والحمد لله رب العالمين .

***