كان بودنا أن نطلق في تحبير هذا الفصل عنان الفكر واليراع وكنت أرغب غاية الرغبة أن يسمح لي الوقت لأبحث باسهاب عن نظام الزواج بصورة عامة واهميته الاجتماعية وشرح فوائده ومضار العزوبة وأهداف الشريعة الإسلامية من وضع قواعده وأسرار تشريعه مع بيان الأدوار التاريخية التي تطورت فيها الأنكحة واشكالها بالنسبة إلى تدرج العقلية البشرية وتطور رقيها وانحطاطها ، وهكذا كنت أريد تفصيل الأغراض والمقاصد التي تناولها شريعة القرآن وحكمها في نوعي النكاح المنقطع والدائمي ولكن مع الأسف الكثير أن شواغل الوظيفة وضيق الوقت وترتب الوجائب الأخرى على العاتق جعلتني مضطراً أن أقصر في أداء هذا الواجب الكبير المهم . وإن كل ما جاء في هذا الفصل عبارة عن رؤس أقلام وعناوين ابحاث ليس إلا . ولكن مالا يدرك كله لا يترك جله وعلى كل فان القارئ اللامع يشعر ويدرك من فقرات هذه الفصل ضرورة الأخذ بنظام نكاح المتعة ويقدر أثره الإصلاحي والتربوي في المجتمع الإنساني على اختلاف الأوساط والبيئات .
إن مبادئ الشريعة المحمدية الجليلة : السماحة ، وعدم الحرج ( لقد جئتكم بالشريعة الغراء السمحة ) وقد علم الله سبحانه وتعالى أن في عباده ضعفاً فخفف عنهم كثيراً فيما كلفهم به من الأحكام وذلك ، إن نفس الإنسان أمارة بالسوء وخلق الإنسان هلوعاً جزوعاً ، هلوعاً في الخير جزوعاً في الشر ، لهذا يسر الله وهو اللطيف الخبير لعباده طرق الخيرات والأعمال الصالحة ولم يعسر عليهم نوال اللذات البرئية
( إذا تزوج أحدكم عج شيطانه يا ويله عصم ابن آدم ثلثى دينه ) .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم :
( من كان له ما يتزوج به فلم يتزوج فليس منا ) .
ومما اقتضته حكمة التشريع لنكاح المتعة إن الامة قد تصاب بخسائر فادحة في النفوس من جراء دخولها في حرب أو تداهم بأوباء فتاكة فتحدث نقصاً في مجموعها أو أن تشكيلاتها الصحية غير تامة ووسائل الحضارة والمدنية ليست متوفرة لديها لتنفي بها الشرور الناجمة من جهل الأمهات اللاتي يهمهن تربية الأطفال فتكثر الوفيات ويزيد عددها على المواليد كما أن الأمة إذا خرجت من حرب ضروس وأصيبت بنكبة هائلة في افرادها الأمر الذي يجعل الكثير من الأيامي والارامل بدون موئل يلجأن إليه ليقوم باودهن ومعيشتهن فهذه الحالات التي لم تسلم أمة من الأمم من أخطارها أوجبت رحمة الرحمن الرحيم العليم الحكيم أن يرفع العسر والحرج عن أمة محمد ( ص ) فشرع لهم نكاح المتعة ونكاح الاماء وهذا ما يدعمه الحديث الشريف ( يآعياض لا تزوجهن عجوزاً ولا عاقراً فاني مكاثر )
وإن من يتدبر معنى الحديث الشريف يجد البون شاسعاً بين ما يتطلبه روح الحديث وبين ما حل في المجتمعات الإسلامية من المفاسد والموبقات وانتشار الرذائل باختلاف ألوانها وأشكالها حتى استحكمت الافات الإجتماعية وفتكت العاهات في العقول والأبدان وتجاوزت جنايات الآباء إلى الأبناء والأحفاد مما أصيبوا به من داء الزهري الفتاك
القاطع للنسل والقاضي على صحة الأجيال فاصبح الوارثون يرثون الأمراض العفنة كما يرثون الأموال ، والعروض ، كما إن كثيراً من الناس لا يطيقون الاستعفاف وأن تركيب جسومهم وحدة الشهوة الحيوانية تخرجهم عن دائرة الاحصان والعفاف فتدفعهم شدة شبقهم إلى إرتكاب فعل الزنا واللواط خاصة في حالة السفر البعيد حتى ولو كانوا محصنين بالزواج ولهذا قال الإمام علي ( ع ) لولا نهى عمر عن المتعة ما زنى الا شقي أي قليل ومن جراء انهماك أكثر الشبان والشابات في دور شرح الصبابة وعنفوان الشباب ابتلى معظهم بالعقم وحرموا من النسل وزينة الحياة وحرمت الأمة من عدد عديد من أبنائها
ولما علم الله أن الزواج بالعقد الدائمي أو الإكتفاء بزوجة واحدة غير مستطاع بالنظر للطبيعة البشرية وللحاجات التي بينّا بعضها آنفا رحم الله عباده المؤمنين وكل من دخل في حظيرة الإسلام بان اباح لهم التزويج : العقد الدائمي بمثنى وثلاث ورباع على ألا يميلوا كل الميل وشرع لهم أيضاً نكاح المتعة والتزويج بالإماء عند ما يخونهم الصبر وإلا ( وليستعفف الذين لم يجدوا نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله ) هذا عند العدم وعدم الاستطاعة على المؤنة والنفقة أما إذا كان الزوجان المتمتعان ملتزمين بالشريعة ومتمسكين باحكامها الشرعية وآدابها فلم يكونا ولا نسلهما عرضة إلى أدنى ضرر ولسلم المجتمع من ويلات انتشار
والخلاصة أن تشريع نكاح المتعة اقتضته بالحكمة الآلهية وجعلته رحمة رحم الله بها عباده كما قال حبر الأمة ابن عباس ( رض ) هذا ولو أردنا أن نشبع هذا الموضوع بحثاً وتفصيلاً ونتوسع في بسط أدلته وإقامة البراهين على حكمة تشريعه لأحتجنا إلى تسويد عشرات من الصحائف ولكن ما جاء في هذه النبذة من مجمل القول كفاية ( لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد )
أما الجاهل المكابر والمعاند الحاسد والغبي المتعصب فنقول له كما قال المرحوم البارودي :
وبعد :
اللهم أغفر لي هفوات اللسان وسقطات الألفاظ وشهوات الجنان واجعل عملي هذا عمل المجاهدين في دينك إنك حميد مجيد .
وأخيراً إقرأ كلمة المفكر الكبير الاستاذ العقاد التي اطلعنا عليها بعد طبعة الكتاب الأولى .
نشر الأستاذ ( ع 10 ) في مجلة المصور حديثاً لأستاذ الجيل وعملاق الفكر العربي الأديب الكبير « العقاد » تحت عنوان ( الشباب والجنس ) جاء فيه :
وتركنا المذاهب والمفكرين . . واسترحنا من هذا الصراع الفكري الجبار . . إلى موضوع الساعة . . الكبت الجنسي . . الجوع والظمأ . . ماذا يصنع الشباب وتكلم العقاد :
( لقد كان التعليم في الماضي ينتهي في سن 15 أو 16 سنة وكانت هذه سن الزواج فلم تكن عندنا مشاكلكم هذه . فالشباب الذي يتعلم يظل الآن إلى سن ( 30 ) أو أكثر .
وقد حل ( برتراند رسل ) هذه المشكلة عندما كان في أمريكا بزواج الصغار . . وهو أن يتزوج الطالب زميلته خلال
فترة الدراسة على أن يظل أهلها يصرفون عليها ويظل أهله يصرفون عليه وعليهما أن يتجنبا مسألة النسل . .
وعندما تنتهي الدراسة إما أن يستمرا في زواجهما إذا كان ناجحاً أو ينفصلا في سلام . ولقد حل الإسلام هذه المشكلة بالنسبة للجنود بزواج المتعة وذلك حين يخرجون للغزو وزواج المتعة هو زواج لمدة موقوتة والعودة إلى زواج المتعة باب من أبواب العلاج مع ضبط النسل . . ولا بأس في هذا التشبيه . . ان الطالب في دراسته كالجندي في المعركة ، انتهى .
قلنا في الابحاث المتقدمة بأن في أحكام زواج المتعة عند الأمامية حفظ النسب ورعاية العدة الشرعية والميراث مطلقاً
أو بشرط يشترطه الزوجان في العقد أو عدمه مطلقاً أو الميراث إلا أن يشترط عدمه ففي مسالة الميراث أربعة أقوال
وللمجتهد
نثبت هنا بعض تقاريظ الكتاب لحضرات الافاضل من العلماء والادباء والشعراء . وذلك للتاريخ والاعتراف بالجميل ولهم جزيل الشكر .
بقلم العلامة الجليل حجة الإسلام الشيخ هادي آل كاشف الغطاء رحمه الله :
والحمد لله الكبير المتعال والصلاة على محمد والآل
وأن الله سبحانه وتعالى ليبعث لمحكم أمره ولطيف تدبيره رجالاً صالحين يفثأ بنبوغهم عقد الشبهات وينجي بنور بصائرهم من غياهب مهاوى المشكلات ويعصم بعظيم عنايته يراعتهم من الزلة وهكذا يتقدم الأستاذ الموفق بالله المؤلف حرسه الله بهذا السفر النفيس حجة بالغة وآية بينة تقمع الباطل من أعياصه وتجول دون مداحضه ولقد استقصيته فصلاً فصلاً فظفرت منه بالقول الفصل والحكم العدل هادم صروح العصبية الذميمة ومطفئ لهب الحماس المتأجج ومفحم أغاليط الادعاء الأجوف اللهم أعصمنا من الخطاء والخطل وخذ بناصر مؤلفه البارع وكن له ولأنصار جامعة القرآن المخلصين عوناً وظهيراً :






وهذه ابيات عساها تليق بكتابكم الكريم « المتعة » جادت بها القريحة خدمة للحق وتقديراً لخدمتكم فان صادفت القبول فاراني منبوطاً بالقيام بحقوق الصداقة الحقة ادام الله لكم الحياة الطيبة مشمولاً بالنصر منه والتسديد .
*
*
وله في الكتاب أيضاً :
أحمد الشريف الشيرازي
في المتعة وأثرها في الإصلاح الإجتماعي وهذا كتاب عراقي آخر لمؤلفه الأستاذ السيد توفيق الفكيكي حاكم النجف يتناول بالبحث زواج المتعة المعروف ، وقد عنى المؤلف الفاضل بأن يرد على ما نسب للشيعة ـ عن هذا النوع من الزواج وورد في كتب معروفة لمؤلفين معروفين مثل الأستاذ أحمد أمين والأستاذ الكبير اسعاف النشاشيبي والأستاذ الرحالة محمد ثابت وغيرهم .
ولدقة الموضوع الذي تناوله البحث نكتفي بالإشارة إليه دون الخوض فيه . الخ ...
نقد وتقريظ : ـ
طلب إلى بعض الأصدقاء من الأساتذة المهذبين النزيهين عن التعصب والتحيز ، ابداء رأيي في كتاب « المتعة وأثرها في الإصلاح الإجتماعي » الذي ألفه الفاضل البحاثة المتبحر الأستاذ الحقوقي توفيق الفكيكي وما كنت استحسن الخوض حتى
ونحن إذا أغضينا عن كل شيء ، فلا يسعنا إلا التنديد والاستغراب ممن جاء منهم بعد زمن التابعين ، إذ أن اللازم على هؤلاء ـ وهم مجتهدون ـ أن يعدوا نكاح المتعة عداد سائر مسائل الفروع التي لا يجب الانشقاق لها ، والافتراء على من قادهم الإجتهاد إلى رأي فيها ، ولكن إذا التفتنا إلى الزمن الحاضر نزيد استغراباً لأنا نراه قد جر تبعة الزمن البائد إلى نفسه ، وقد سلم منها عفواً ، فاثارها حرباً شعواء على الطراز الأول ، هذا وهو يعلم أن السلاح قد تبدل . والأفكار تحورت ، وان التقليد الأعمى يجب أن ينبذ حتى ولو كان المتبوع على اجتهاده من كبراء الصحابة ، تمسكاً بمبادئ العقل وإعراضاً عن التعصب الشائن .
على هذا الاساس الذي يلزم بالتساهل وبالتعاضد والألفة ، ما كنت ارى للسيد الفكيكي أن يخطوا خطوة واحدة في هذا النهج ، وإن كان لاحب المحجة ، خشية أن يتحيز إلى فئة ، ويخرج عاطفة ما في مسئلة لا تمس جوهر الدين الأقدس ، حتى رأيت كتابه « المتعة » فعلمت أنه قد درس الموضوع درساً علمياً من طريق الأصول الفقهية وأتقن تاريخ المتعة وشروطها وتاريخ المنع عنها والإختلاف فيها مما ضمنه كتابه من النصوص الواردة فيها من الكتاب والسنة المتبعة بعد معرفة المزيف منها والمقبول ، فبحث فيها بحوثاً فلسفية حرة ، قائمة على الأدلة الأصولية ، والبراهين المنطقية ، بلا تحامل على فئة ، ولا محاباة لفريق ، ولقد أراه يتمثل لي وهو أمام منضدة التأليف كانه متربع على منصة الحكم في المحكمة الصلحية العادلة ، يجد بتطبيق القوانين الكلية على القضايا الشخصية
لذا جاء كتابه فذا في بابه ، أو الأول من نوعه ، في جامعيته ، وفي توخيه ناحية الاصلاح الإجتماعي ، واتباع الأدلة الفقهية المقبولة ، وأخرى بمن له ذلك الإتقان الذي يطفح على الكتاب ، وتلك المعرفة بالمزيفات المدلول عليها بشواهد الحال القطعية ، ان يجييء بتمرة الغراب ، وما يبهر الكتاب .
وإن من أحسن ما رأيته فيه بعد الإتقان والعرفان ، وبعد الجامعية ، ملاحظاته الحرة ، وبحوثه الفلسفية التي سار فيها وئيداً يتلمس الحقيقة بكل أدب وهدوء لا يحيف ولا يكيل بغير صاع ، بل يحترم آراء مخالفيه في الرأى وفي المبدأ ، توفية لحقوقهم من حرية الرأي والإجتهاد في الوصول إلى الحقيقة ، إلا ما كان منه تجاه ناسج « الوشيعة » فقد كان المحتم عليه أن يمر على كلامه كريماً ، ويخاطبه بسلام ، لكن الذي يهون الخطب علينا وعلى المؤلف ، أن الرجل التائه ـ على تعبيره ـ ليس من حملة العلم ، ولا من دعاة الإصلاح ، ولا من العارفين حتى باللغة العربية ، الذين يلزم التحاشي عن ثلبهم ، وأبانة نواقصهم ، ولذا جاءت وشيعته ملونة بكثير مما يترفع عنه قلم العلماء ، ويأباه روح الفضيلة التي يجب أن يتحلى بها أهل العلم ورجال الأصلاح ، نسأله جل شأنه الهداية لنا ، وله آمين ؟
ان أكثر الباحثين حين يتطرقون إلى المتعة لا يذكرون منها الأ صورة شوهاء ليس لها آية علاقة بهذه المتعة التي تجوزها الفرقة الأمامية حتى أن البعض من هؤلاء المتطرفين راح ينعت المتعة بالزنا والسفاح قبل أن يعرف ما هو الزنا وما هو السفاح وليس في ذلك شيء من الغرابة لو لم يكن بين هذا البعض من اتصف بالعلم وعرف بدقة التحليل وسداد الرأي مثل الاستاذ العلامة أحمد أمين الذي رأى « أن لا فرق بين متعة وزنى » فقد دل قوله هذا على أنه إما لم يكن قد أطلع على تشريع المتعة فاخطأ في القول ؛ وأما قد أطلع وفهم وتجاهل فيكون قد وصم شخصيته العلمية بما لا يرضاه له عارفو فضله .
فهذا وامثاله هو الذي دعى الاستاذ الحقوقي البحاثة السيد توفيق الفكيكي حاكم النجف إلى أن يستقصي قضية المتعة ويدرسها درساً علمياً من طريق الأصول الفقهية ويخرجها في هذا الكتاب الذي اسماه ( بالمتعة وأثرها في الإصلاح الاجتماعي ) وكتاب المتعة هو الأول من نوعه الذي يجمع بين مختلف آراء المحرمين للمتعة والمجوزين لها وأهم ما فيه انه يثبت تشريع هذه المتعة من أقوال المحرمين أنفسهم ، وقد سرد في كتابه هذا تأريخ المتعة وشروطها ووجوه الاختلافات فيها وتاريخ منعها والنصوص القرآنية الواردة فيها ثم ذكر آراء المفسرين في الناسخ والمنسوخ فجاء كتاباً جامعياً لا يهم الحقوقيين فحسب وإنما يهم كل أحد يحب الوقوف على ماهية المتعة وما ورد عنها في صدر الاسلام وما بعده .
وقد كتب الكتاب بمقدمة كافية لسماحة حجة الإسلام الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء دام ظله كما قد ختم الكتاب بكلمة تقريظ للعلامة الجليل الشيخ هادي كاشف الغطاء .