مما هو جدير بالذكر وحقيق بالبسط في هذا المقام ما سرده صاحب كتاب كنز العرفان في فقه القرآن للشيخ المدقق المقداد أحد أئمة الإمامية في القرن السابع الهجري والحق يقال أن كلمته التي أثبتها في الرد على المانعين لحلية المتعة تدل على تفكير عميق وتمحيص دقيق يستحق الإجلال والأكبار . ومنها :
إعلم أن الآية (2) تدل صريحاً على إباحة عقد المتعة من وجه :
( أ ) أن اللفظ الشرعي يحمل إذا ورد على الحقيقة الشرعية كما تقرر في الأصول ولا خلاف في أن نكاح المشترط بالأجل والمهر يسمى متعة وفاعله متمتع ويؤيده ( معناها اللغوي ) كما قال الجوهري : ( استمتع بمعنى تمتع والإسم المتعة ) إن قلت لم لا يجوز أن يراد به الدائم هنا لأنه يحصل به الإنتفاع فيسمى متعة بذلك الإعتبار ويؤيد هذا صدر الآية فانه يتضمن انتفاء الإحصان ومعلوم أن المتعة لا تحصن عندكم ؟ قلت الجواب عن الأول قد بينا أن ذلك حقيقة في المتعة فلو دل على غيره لزم المجاز أو الإشتراك وهما خلاف الأصل ولو دل على القدر المشترك لم يفهم أحدهما بعينه وعن الثاني بالمنع من إرادة الإحصان الذي يثبت معه الرجم بل معنى ـ التعفف ويؤيده قوله تعالى غير مسافحين .
( ب ) لو لم يكن المراد المتعة المذكورة لم يلزم شيء من المهر من لا ينتفع من المرأة الدائمة بشيء واللازم باطل فكذا الملزوم : أما بطلان اللازم فللاجماع على
5 ـ للمتعة
( أ ) اجتماع أهل البيت عليهم السلام وروايتهم به مشهورة مذكورة في كتب أحاديثهم وقال صلى الله عليه وآله : ( إني تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي فان تمسكتم بهما لم تضلوا ... )
( ب ) نقل الخاصة والعامة عن ابن عباس أنه كان يفتي بها ويعمل ومناظراته مع عبدالله بن الزبير في مشهورة وقول ابن عباس في ذلك حجة كما قال عليه السلام ( أنه كنيف ملئ علماً ) ودعوى الخصم رجوعه عن ذلك ممنوع .
( ج ) أنه لا نزاع ولا خلاف في أنها ( أي المتعة ) كانت مشروعة والخصم يقول أنها نسخت قلنا المشروعية دراية والنسخ رواية ولا تطرح الدراية بالرواية .
( د ) إنها منفعة خالية من جهات القبح ولا نعلم فيها ضرراً عاجلاً أو آجلاً وكل هذا شأنه فهو مباح فالمتعة مباحة ولأنه لو كان فيها شيء من المفاسد لكان إما عقلياً وهو منتف اتفاقاً وإما شرعياً وليس كذلك وإلا لكان أحد مستمسكات الخصم ..
ومن أجوبته البليغة رحمه الله على احتجاج المحرمين أما قولهم ليست بزوجة فعندنا بالإجماع وأما عند الجمهور فبالرواية المذكورة عن الربيع بن سبرة فانه قال فتزوجت امرأة وقولهم لو كانت زوجة لثبتت لها النفقة إلى آخره قلنا نمنع الملازمة
ومن لطيف الكلام في هذا الباب ما ذكره أحد أئمة الإمامية المعاصرين سماحة الحجة الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء في رسالته ( أصل الشيعة وأصولها ) وهاك خلاصته :
( وعلى أي ) فالإجماع بل الضرورة في الإسلام قايمة على ثبوت مشروعيتها وتحقق العمل بها غاية ما هناك أن المانعين يدعون أنها نسخت وحرمت بعد ما أبيحت وحصل هنا الاضطراب في النقل والإختلاف الذي لا يفيد ظناً فضلاً عن القطع ومعلوم حسب قواعد الفن أن الحكم القطعي لا ينسخه إلا دليل
نعم يقول الأكثر منهم أنها منسوخة بآية ( إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ) حيث حصرت الآية أسباب حلية الوطء بأمريي الزوجية وملك اليمين . قال الآلوسي في تفسيره : ليس للشيعة أو يقولوا أن المتمتع بها مملوكة لبداهة بطلانه أو زوجة لانتفاء لوازم الزوجية كالميراث والعدة والطلاق والنفقة انتهى . وما ادحضها من حجة ـ
أما أولاً فان اراد لزومها غالباً فهو مسلم ولا يحديه وان أراد لزومها دائماً وانها لا تنفك عن الزوجية فهو ممنوع أشد المنع ففي الشرع مواضع كثيرة لا ترث فيها الزوجة كالزوجة الكافرة ، والقاتلة ، والمعقود عليها إذا مات زوجها قبل الدخول وقبل انقضاء الحول كما أنها قد ترث حق الزوجة مع خروجها عن الزوجة كما لو طلق زوجته في المرض ومات بعد خروجها عن العدة قبل انقضاء الحول . إذاً فالإرث لا يلازم الزوجية طرداً ولا عكساً .
وأما ثانياً : فلو سلمنا الملازمة ولكن عدم ارث المتمتع بها ممنوع فقيل بأنها ترث مطلقاً وقيل ترث مع الشرط وقيل ترث إلا مع شرط العدم ، والتحقيق حسب قواعد صناعة الإستنباط ومقتضى الجمع بين الآيتين أن المتمتع بها زوجة يترتب عليها جميع آثار الزوجية إلا ما خرج بالدليل القاطع . أما العدة فهي ثابتة لها بإجماع الإمامية قولاً واحداً بل وعند كل من قال بمشروعيتها . أما النفقة فليست من لوازم الزوجية فان الناشز زوجة ولا تجب نفقتها اجماعاً ، أما الطلاق فهبة المدة يغني عنه ولا حاجة إليه .
وأما ثالثاً : فنسخ آية المتعة بآية الزواج مستحيل لأن آية المتعة في سورة النساء وهي مدنية وآية الأزواج في سورة المؤمنين والمعارج وكلاهما مكيتان ويستحيل تقدم الناسخ على المنسوخ .
وأما رابعاً : فقد روى جماعة من أكابر علماء السنة أن آية المتعة غير منسوخة منهم الزمخشري ( المعتزلي ) في الكشاف حيث نقل عن ابن عباس أن آية المتعة من المحكمات ونقل غيره أن الحكم بن عينية سئل : أن آية المتعة هل هي منسوخة فقال : لا ، والخلاصة أن القوم بعد اعترافهم قاطبة بالمشروعية ادعوا أنها منسوخة فزعموا تارة نسخ آية بآية وقد عرفت حاله ، وأخرى نسخ آية بحديث واستشهدوا على ذلك بما رواه البخاري ومسلم من أن النبي ( ص ) نهى عنها وعن الحمر الأهلية في فتح مكة أو فتح خيبر أو غزوة أوطاس وهنا اضطربت القضية اضطراباً غريباً وتلونت ألواناً وتنوعت أنواعاً وجاء الخلف والإختلاف الواسع الأكناف فقد حكى عن القاضي عياض أن بعضهم قال أن هذا مما تداوله التحريم والإباحة والنسخ مرتين .
ثم ان البعض يزعم أن النسخ كان في حجة الوداع العاشرة من الهجرة والآخر أنه في غزوة تبوك « التاسعة » من الهجرة وقيل في غزوة اوطاس وغزوة حنين وهي في « الثامنة » من الهجرة في شوال وقيل بعد فتح مكة وهو في شهر رمضان من الثامنة أيضاً وقالوا أنه اباحها في فتح مكة ثم حرمها هناك بعد أيام والشائع وعليه الأكثر أنه نسخها في غزوة خيبر (1) السابعة من الهجرة أو في ( عمرة القضاء ) وهي في ذي الحجة من تلك السنة ومن كل هذه المزاعم يلزم أن تكون قد ابيحت ونسخت خمس أو ست مرات لا مرتين أو ثلاث كما ذكره النووى وغيره في شرح ( مسلم ) وبعد هذا كله ، فهل يبقى قدر جناح بعوضة من الثقة في وقوع النسخ بمثل هذه الأساطير المدحوضة باضطرابها .
أولا : بأن الكتاب لا ينسخ باخبار الآحاد .
ثانياً : بأنها معارضة بأخبار كثيرة من طرق المانعين صريحة في عدم نسخها .
ثالثاً : حديث عمران بن الحصين ( رض ) عنه وجابر بن عبدالله الأنصاري وحديث أبي نضرة عن جابر أيضاً .
وإلى هنا نكتفي فنمسك زمام اليراع من الاسترسال لاعتقادنا أن الذي بسطناه وحشرناه من أقوال الجهابذة من أهل المعرفة الأفذاذ سواء من المانعين أو المجوزين فيه الكفاية اللازمة لمعرفة وتمييز الفروق بين وجهتي نظر المثبتين لوجود الناسخ الشرعي وحرمة المتعة وبين النافين للناسخ والحرمة كما علمت من بيان الأدلة وأقامة البراهين العقلية والنقلية على ذلك من لدن أهل النظر والتحقيق .
لفت نظر : ـ
بعد الفراغ من تخبير هذا الفصل تفضل علينا أحد الأساتذة الأمجاد بكتاب الوشيعة في نقد عقايد الشيعة لمؤلفة موسى جار الله (1) وقد سرحنا النظر في مضامين الكتاب فرأينا أن الأغضاء عن شطحات داعية الإفك والبهتان ومحرر نزعات الشيطان من الإثم والعدوان خاصة يتعلق بموضوع كتابنا هذا وعليه آلينا على أنفسنا أن نفرد باباً خاصاً لدحض وتفنيد خرافات وأباطيل هذا التائة إن شاء الله تعالى ...
لقد مر فيما تقدم أن بعض الروايات أيدت أن النهي عن النكاح المؤجل وقع في زمن الخليفة الثاني وأن الأخبار التي جاءت في سبيل تعزيزها قد تجاوزت حد التواتر وكلها من طريق ثقات الرواة المعتمد على ثقتهم والمتفق على عدالتهم من جانب الفريقين وزيادة في الإيضاح والتنوير نورد الآن ما اتفق عليه الطرفان من الأخبار وكذلك نثبت أصل ما اختلفا فيه حول حقيقة أمر المنع الواقع من لدن أبي حفص ( رض ) مع زبدة تأويله لكل منهما وإلى القارئ تفصيل ذلك :
أولا : أخرج مسلم في باب المتعة بالحج والعمرة من صحيحة بالإسناد إلى أبي نضرة قال : كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها فذكرت ذلك لجابر فقال على يدي دار الحديث ، تمتعنا مع رسول الله ( ص ) فلما قام عمر قال إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء فأتموا الحج والعمرة وأبتوا نكاح هذه النساء فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة .
ثانياً : قال الإمام القوشجى متكلم الاشاعرة وحكيمهم في أواخر مبحث الإمامة من شرح كتاب التجريد في علم الكلام أن عمر ( رض ) قال وهو على المنبر أيها الناس ثلاث كن على عهد رسول الله ( ص ) وأنا أنهى عنهن وأحرمهن وأعاقب عليهن متعة النساء ومتعة الحج وحي على خير العمل إلا أن الإمام القوشجي أفاد إنما صدر ذلك من عمر ( عن تأويل واجتهاد ) .
ثالثاً : واخرج مسلم أيضاً عن أبي نضرة قال : كنت عند جابر بن عبدالله
رابعاً : أخرج الإمامان الطبري والثعلبي عند بلوغهما في تفسيرهما الكبيرين إلى آية المتعة بالإسناد إلى على قال : لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقي .
خامساً : قال ابن عباس ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها أمة محمد ( ص) لولا نهى عمر ما احتاج إلى الزنى إلاّ شقي أي إلا قليل من الناس .
سادساً : ان رجلا من أهل الشام سأل ابن عمر ( رض ) عن متعة النساء فقال هي حلال فقال أن أباك قد نهى عنها فقال ابن عمر ( رض ) أرأيت أن كان أبي ينهى عنها وصنعها رسول الله ( ص ) أنترك السنة ونتبع قول أبي .
سابعاً : ذكر الراغب الأصفهاني في كتابه المحاضرات (1) وهو كما علمت مما تقدم من عظماء علماء أهل السنة والجماعة ما يأتى .
سئل يحيى بن أكثم شيخاً من أهل البصرة فقال له بمن اقتديت في جواز المتعة فقال بعمر بن الخطاب ( رض ) فقال له كيف وعمر كان من أشد الناس فيها ؟ قال : نعم صح الحديث عنه أنه صعد المنبر فقال : أيها الناس « متعتان أحلهما الله ورسوله لكم وأنا أحرمهما عليكم وأعاقب عليهما » فقبلنا شهادته ولم نقبل تحريمه . انتهى .
ثامناً : على أن الإمام الرازي نقل في تفسيره الكبير هذه الرواية على الوجه الآتي : « متعتان كانتا على عهد رسول الله ( ص ) أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما » وهي كما ترى أصح من رواية شيخ أهل البصرة حيث اتفق الجميع على القطع بصحتها
هذا وان الإمام الرازي كان أكثر من غيره تعليلاً للأمر الصادر من قبل عمر بن الخطاب بمنع المتعتين متعة الحج والنساء ويحسن بنا أن ننقل هنا تعليله بحروفه كما جاء في الجزء الثالث من تفسيره .
ـ ذكر هذا الكلام ( يعني عمر ) في خطبة في مجمع الصحابة وما أنكر عليه أحد فالحال ههنا لا يخلو إما أن يقال أنهم كانوا عالمين بحرمة المتعة فسكتوا أو كانوا عالمين بأنها مباحة ولكنهم سكتوا على سبيل المداهنة أو ما عرفوا إباحتها ولا حرمتها فسكتوا لكونهم متوقفين في ذلك والأول هو المطلوب . والثاني يوجب تكفير عمر وتكفير الصحابة لأن من علم أن النبي ( ص ) حكم بإباحة المتعة ثم قال أنها محرمة محظورة من غير نسخ لها فهو كافر بالله ومن صدقة عليه مع علمه بكونه مخطئاً كافراً كان كافراً أيضاً وهذا يقتضي تكفير الأمة وهو على ضد قوله تعالى ( كنتم خير أمة ... الآية ) .
والثالث وهو أنهم كانوا عالمين بكون المتعة مباحة أو محظورة فلهذا سكتوا فهذا أيضاً باطل لأن المتعة بتقدير كونها مباحة تكون كالنكاح واحتياج الناس إلى معرفة الحال في كل واحد منهما عام في حق الكل ومثل هذا يمنع أن يبقى مخفياً بل يجب أن يشتهر العلم به فكما أن الكل كانوا عالمين بأن النكاح مباح وأن إباحته غير منسوخة وجب أن يكون الحال في المتعة كذلك ولما بطل هذان القسمان ثبت أن الصحابة إنما سكتوا عن الإنكار على عمر ( رض ) لأنهم كانوا عالمين بأن المتعة صارت منسوخة في الإسلام .
ثم قال الرازي ( ره ) أن عمر أضاف النهى إلى نفسه كان مراده أن المتعة كانت مباحة في شرع الرسول ( ص ) وأنا انهى عنها لما ثبت عندي أنه ( ص ) نسخها وعلى هذا التقدير يصير هذا الكلام حجة لنا في مطلوباً والله أعلم .
تاسعاً : ومن المثبتين أن النهى حصل في عهد (1) عمر ( رض ) أحد علماء مصر المعاصرين وهو صاحب فجر الإسلام وضحاه أحمد أمين فإنه ذكر في صفحة 258 ـ 259 من الضحى الجزء الثالث :
ـ وقد أكد عمر بن الخطاب تحريمها في خلافته وأخذ الناس بتحريمها أخذاً شديداً ـ ثم أردف قوله هذا بقوله :
وكان الأجر على الأغلب ضئيلاً . ذكر جابر بن عبدالله الصحابي قال : كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق ليالي ، على عهد رسول الله وأبي بكر . ولم تنسح هذه الآية بآية ثانية ، بل أبطل عمر بعد العمل بها ، لأن بعض العرب ، على قول ابن الكلبي ، استمتعوا بنساء فولدن لهم أولاداً فجحدوا الأولاد . ولكن ظل ابن عباس وطائفة من الصحابة يقولون بإباحتها للضرورة . واتبع الناس قول ابن عباس ، وسارت فتياه في الآفاق ، حق دخلت في الشعر :
وسار بعض التابعين فيما بعد على الترخيص في المتعة ، وكان أحد الأعلام الثقاة ، وفقيه أهل مكة في زمانه تزوج نحواً من تسعين إمرأة نكاح المتعة . وكان يرى الرخصة في ذلك . ولا شك أن المتعة الحلال ، باتفاق المرأة والرجل ، قد يسرت على الرجال وخلصتهم من كثير من العسر .
فقد رخص بالمتعة للمضطر ، للحاجة إلى المرأة في الغزو ، أو لعدم استطاعته الزواج في الحضر ، لأن قيودها أخف من قيود الزواج . فهي تكون إلى أجل مسمى ، وهي لا توجب الميراث .
أقول :
ليس بعد هذا القول قول يصحح دعوى المانعين أزاء كلام الإمام عمر ( رض ) في تحريم المتعة . والذي استنتجه من أقوال أئمة الأمامية فعلى خلاف هذا ، ويذهبون من أن تحريم الخليفة الثاني للمتعة كان من جملة السياسات الشرعية الجائزة للإمام القيام بها عند اقتضاء المصلحة لأنه نظراً للأدلة المسرودة في الصفحات المتقدمة أن النسج الشرعي لم يقع حتى وفاة الرسول الأعظم ( ص ) كما أن المتعة بقيت مباحة حتى وفاة الخليفة الأول وإلى قرب آخر خلافة عمر بن الخطاب وعليه أن الذي يفهم بصراحة واضحة من خطبة الإمام أبى حفص هو أن التحريم الذي أرادة ليس من نوع ذلك التحليل الذي مات عليه الرسول الأمين ( ص ) وعلى هذا الاستنتاج الصحيح يكون تحريم عمر للمتعة مدنياً لا شرعياً اقتضته مصلحة المسلمين من جراء وقوع حادثة عمرو بن حريث ومن هذا القبيل اتخاذ اكثر الأحواض الشرعية القائم تأسيسها على القواعد الفقهية المقررة . بدرجة جعلوها بؤرة للمكروبات الفتاكة ومفسدة للصحة العامة وقد قامت حكومتنا الموقرة في بعض الأماكن بهدمها بعد أن تحقق انتفاء الغاية منها مع أن المسوغات الشرعية لا تزال ثابتة ومعمول بها عند مسيس الحاجة وعلى هذا المبدأ تقاس بقية السنن المستحبة الشرعية ومن الغرابة بمكان أقدام جناب الأستاذ موسى جار الله على اصطناع الكذب واختلاق الأقاويل وفوق هذا مجازفته بتدوين ذلك في وشيعته وأي فضيحة أكبر من ارتكاب معرة المين باسناد تحريم المتعة إلى القانون المدني الإيراني ثم هو يختلق العلل والأسباب لتبرير فريته فيقول في صحيفة 172 من كتابه :
( ومن إحدى سيئات متعة الشيعة ما كنت أراه في بلادها من ابتذال المرأة في شوارع مدن العجم وقراها ابتذالا لا يمكن أن يوجد أفحش منه ولا في نظام الشيوع المطلق . وحكومات الأمم الإسلامية اليوم أرشد في شرف دينها وصلاح
وبعد أليس من العار المشين والشنار المزري بشيخ يدعى العلم ويتقمص ثوب الحكمة والفضيلة الإصلاحية في بلاد المسلمين أن يهاجم شعباً إسلامياً بهذه اللهجة الحادة وأن يزيده اقذاعاً وطعناً في عقيدته وشعائره بلا مبرر سوى التعصب الأعمى والحمية الجاهلية الممقوتة . ثم أي عار أعظم ومعرة أقبح من معرة البهتان وقول الزور على حكومة الدولة الإيرانية من أنها نسخت المتعة نسخاً قطعياً بتاتاً في قانونها المدني وهذا قانون إيران المدني الصادر في سنة 1312 و1313 و1314 على السنين الشمسية الفارسية والمصادفة عام 1933 و1934 و1935 ميلادية . هو بين أيدينا لا لبس فيه وقد تناول مشروعية النكاح المنقطع في الفصل السادس من المجلد الثاني والثالث وفي البحث الرابع من المجلد الأول وكما جاء صريحاً في المواد ( 1075 و1076 و1077 و1094 و1095 و1096 و1097 و1098 و940 )
هذا وكيف يؤمن العقل أن الحكومة الإيرانية تقوم بنسخ المتعة مع أن الشعب الإيراني بأجمعه يعتبرها من الأنكحة الشرعية المقررة في أصول مذهبه ومذهب دولته الرسمي وقد فات الأستاذ الشيخ موسى جار الله من أن الذي رآه في بلاد إيران من حال المتبرجات ليس مبعثه نكاح المتعة الإسلامية وإنما هي عدوي التبرج الغربي الذي سار طاعونه من حدود الجيران إلى بلاد إيران أما المتعة فعلى العكس من ذلك فهي أحصان لمن لا يقوى على مغالبة شهواته .
كما أن المكروبات والروائح النتنة لم يكن الحوض الشرعي نفسه العلة الوحيدة لايجادها بل التقاعس عن تنظيفها وتطهيرها هو السبب لذلك وهذه قاعدة عامة في كل نواميس الحياة . وإذا تقرر هذا نكون قد أبطلنا تأويل الإمام الرازي وفسدت تعليلاته لتحريم عمر للمتعة ومما يؤكد أن تحريمه ( رض ) كان مدنياً لا شرعياً جوابه
فهل بقى الرازي ولغيره من المتأخرين أو المعاصرين مجال للتأويل والتعليل من أن تحريم الإمام عمر كان من نسق ذلك التحليل الذي أحله الشارع الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم .
لا يخفى على القارئ النبيل أن مجموعة الفصول المتقدمة قد تضمنت أهم الآراء العلمية الواردة في موضوع المتعة وقد احتوت على بحوث فقهية جليلة قام بتقريرها بعد إحالة النظر في تدقيقها وتمحيصها أشهر علماء الفريقين من المانعين والمجوزين وقد جمعت بين ثناياها اصح الروايات التي دعمها التواتر الذي لا يجوِّز العقل والمنطق تكذيبة وتصور الشك فيه . وقد علم المطالع النابه من كان ذلك كيف ثبتت حلية المتعة في الصدر الأول من الإسلام في الكتاب والسنة واستمرار استعمالها من قبل جلة الصحابة الميامين بعد عهد الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم حتى قرب آخر خلافة عمر بن الخطاب كما أنه قد وقف على حقية المنع من الناحية التشريعية وسيرى في هذا الفصل تأييد حليتها والاصرار على استعمالها بعد خلافة الخليفة
( لم يكن في الإسلام نكاح متعة ولم ينزل في جوازها قرآن وليس بيد أحد دليل لإباحتها في زمن من صدر الإسلام سوى أنها كانت قد تقع على أنها بقية من بقايا الجاهلية ولم تكن باذن وإباحة من الشارع . ولم يكن نسخ المتعة من باب نسخ حكم ثبت بنص الشارع بل من باب تحريم أمر جاهلي فيه مفسدة إلخ .
ثم يقول : أما متعة الشيعة اليوم فهي زنى مستحل هي دفعة في هذا اليوم بقبضة أو دفعات في الأسبوع الفلاني بكذا هي زنى فاحشة ومقت يستحلها الشيعي حتى يتقرب بها إلى الله . فتمتع الشيعي زنى فاحشة وزيادة استحلال ، زيادة في الكفر وزيادة في الفساد ... انتهى قوله ! )