
لست ببالغ من تعريفك ـ أيها القارئ الكريم ـ بالسيد المؤلف مبلغ تعريف هذا الكتاب به ، وحسبك منه ـ وانت تقرؤه في هذا الكتاب ـ أن تعرف به بطلا من ابطال العلم ، وفارسا من فرسان البيان ، تأتيه حين تأتيه مالكا لامرك ، مسيطرا على نفسك ، فاذا استقر بك المقام عنده ، لم تتمالك دون أن تضع قيادك بين يديه ، فاذا هو يتملك زمام أمرك ، ويدخل إلى قرارة نفسك ، فيسيطر عليك بطبيعة قوته وأدبه وعلمه .
وأنت لا تخشى مغبة العاقبة من هذه السيطرة فإنها سيطرة مضمونة الخير ، مأمونة الشر ، بعيدة عن الكيد والمكروه ، بعد الصحة عن الفساد ، وكن واثقا أكبر الثقة ـ حين يأخذك بيانه وبرهانه ـ أنه إنما يرد بك مناهل مترعة الضفاف ، بنمير ذي سلسبيل ، كلما كرعت من فراته جرعة ، تحلبت شفتاك لجرعات تحسب أن ليس لظمئك راويا غيرها .
هذا بعض ما يعرفك به الكتاب عن مؤلفه ، أفتراني أبلغ من تعريفك به أبعد مما يعرفك هو بنفسه ؟ كلا فإن للسيد عبدالحسين في الحياة مناحي وميادين لا أراني موفيا عليها ، وانا في هذا السبيل الضيق القصير ، ويوشك أن
ويكفيك من تعريفه ـ على سبيل الاجمال ـ ما يعرفك به الكتاب من فنه وعلمه ، وكنا نود لو يتاح لنا ان نقف وقفة خاصة لهذه الناحية الفنية المتعبة ، ولا سيما ونحن منه في سبيل العلم والفن اللذين اجتمعا للمؤلف فصاغا هذا الكتاب متساندين صياغة قدرة وابتداع ، قل أن نجد لها ندا في مقدور زملائه من الاعلام ( أمد الله في حياة أحيائهم ) .
ولكن إحكام الكتاب على هذا النحو من قوة العارضة في الادب ، وبعد النظر في البحث ، وسلامة الذوق في الفن وحسن التيسير في ايضاح المشاكل ، وتحليل المسائل ، أطلق له لسانا من البيان الساحر اغنانا عن الاخذ بالاعناق إلى مواضع جماله ، فكل بحث فيه لسان مبين عن سره، يناديك حين تغفل عنه ، ويدعوك بصوته حين تمر به سهوان ، ولا تقدر لنفسك أن تتملاه أو تعجب به .
وكتاب فيه هذه الحياة لا ينفك عن صاحبه بحال ، ولا تحسب ان للكتب حياة خاصة مستقلة ، فليست حياة الكتب غير حياة المؤلفين والكتاب نفسها ، فاذا سمعت نبأة ، وأدركت حسا في كتاب ، فانما تسمع جرس الكاتب ، وتحس حسه عينه .
وبعد فسأتركك عند هذا القدر من المعرفة بهذا الامام ، ولك أن تكتفي
على اني لا أرى لك ان تقتصر من معرفته على هذا المقدار ، كما لا أرى لك ان تجتزئ بطائر اسمه ، وسعة شهرته في العالم الاسلامي ، وانما أرى ان تتجاوز ذلك إلى الاحاطة بشيء من حياته ؛ وبشيء من ظروفه التي قدرت له هذه الحياة .
ولد السيد عبدالحسين شرف الدين ـ أورف الله ظله ـ في الكاظمية سنة 1290 هـ . من أبوين كريمين تربط بينهما أواصر القربى ، ويوحد نسبهما كرم العرق ، فابوه الشريف يوسف بن الشريف جواد بن الشريف اسماعيل ، وامه البرة ( الزهراء ) بنت السيد هادي بن السيد محمد علي ، منتهيين بنسب قصير إلى شرف الدين أحد أعلام هذه الاسرة الكريمة .
ثم درج في بيت مهدت له اسباب الزعامة العلمية ؛ ورفعت دعائمه على أعلام لهم في دنيا الاسلام ، ذكر محمود ، وفضل مشهود ، وخدمات مشكورة ، فكانت طبيعة الارث الاثيل ، تحفزه للنهوض من جهة اخرى ، وتربيته الصالحة ـ كانت قبل ذلك ـ تصوغه على خير مثال يصاغ عليه الناشئ الموهوب ، فهو أنى التفت من نواحي منشئه الكريم ، استقى النشاط والتوفر على ما بين يديه من حياة : مؤملة
لخيره ولخير من وراءه من الناس .
ثم شبل في هذا البيت الرفيع ؛ يرتع في رياض العلم والاخلاق ، ويتوقل في معارج الكرامة ، فلما بلغ مبلغ الشباب الغض اصطلحت عليه عوامل الخير ، وجعلت منه صورة للفضيلة ، ثم كان لهذه الصورة التي انتزعها من بيته وبيئته وتربيته أثر واضح في نشأته العلمية ، ثم في مكانته الدينية بعدئذ . فلم يكد يخطو الخطوة الاولى في حياته العلمية حتى دلت عليه كفايته ، فعكف عليه طلابه وتلامذته ، وكان له في منتديات العلم في سامراء والنجف الاشرف
صوت يدوي ، وشخص يومأ اليه بالبنان .
ومنذ ذلك اليوم بدأ يلتمح نجمه في الاوساط العلمية ، ويتسع اشراقه كلما توسع هو في دراسته ، وتقدم في مراحله حتى ارتاضت له الحياة العلمية ، على يد الفحول من اقطاب العلم في النجف الاشرف وسامراء ، كالطباطبائي ، والخراساني ، وفتح الله الاصفهاني ، والشيخ محمد طه نجف ، والشيخ حسن الكربلائي ، وغيرهم من اعلام الدين وأئمة العلم .
ولما استوفى حظه العلمي من الثقافة الاسلامية العالية ، كان هو قد صاغ لنفسه ذوقا عاليا ، ساعدته على انشائه ملكاته القوية ، وسليقته المطبوعة على حسن الاداء ، وتخير الالفاظ ، وقوة البيان ، وذرابة اللسان ، وسعة الذهن ، فكان بتوفيقه بين العلم والفن ممتازا في المدرسة ، مضافا إلى ما كان له من الميزة الفطرية في ناحيتي الفكر والعقل .
على انه لم يكتف من مدرسته بتلقي الدروس واكتناز المعارف فقط ، بل استفاد من ملابسات الحياة العامة التي كانت تزدحم على ابواب المراجع من اساتذته ، وانتفع من الاحداث المؤتلفة ، والحوادث المختلفة التي كانت تولدها ظروف تلك الحياة ، فكان يضع لما اختلف منها ، ولما ائتلف حسابا ،
اذن فقد كانت مدرسته ـ بالقياس اليه ـ مدرستين : يعاني في إحداهما المسائل العلمية ، ويعاني في الثانية المسائل الاجتماعية ، ثم تتزاوج في نفسه آثار هذه وآثار تلك مصطلحة على انتاج بطولته .
وحين استعلن نضجه ، ولمع فضله في دورات البحث ومجالس المذاكرة والتحصيل ؛ عاد في الثانية والثلاثين من عمره ـ إلى جبل عامل ـ جنوب لبنان ، موقورا مشهورا مملوء الحقائب ، ريان النفس ، وريق العود ، ندي اللسان ، مشبوب الفكر ، وكان يوم وصوله يوما مشهودا ، قذفت فيه عاملة بابنائها لتستهل مقدمه مشرقا في ذراها واجوائها ، واستقبلته مواكب العلماء والزعماء والعامة ، إلى حدود الجبل من طريق الشام في مباهج كمباهج العيد .
ولم تكن عاملة ـ وهي منبت اسرته ـ مغالية أو مبالغة بمظاهر الحفاوة به ، أو بتعليق أكبر الآمال عليه ، فانها علمت ـ ولما يمض عليه فيها غير زمن يسير ـ أنه زعيمها الذي ترجوه لدينها ودنياها معا ، فتنيط به الامل عن « عين » بعد ان اناطته به عن « اذن » ، وتتعلق به عن خبرة ، بعدما تعلقت به عن سماع ، وتعرف به الرجل الذي يضيف عيانه إلى اخباره ، أمورا لم تدخل في الظن عند الخبر .
وابتدأت في عاملة حياة جديدة ، شأنها الشدة في الدين ، واللين في
وكان لمنابره البليغة ، ولاساليب ارشاداته البارعة ، اكبر الاثر في تحقيق اصلاحه المنشود ، ولا غرو فان للسيد المؤلف مقاما خطابيا يغبطه عليه خطباء العرب ، ويعتز به الدين والعلم والادب .
وخطابته ككتابته تستمد معانيها وقوتها وغزارتها من ثقافته كلها ، وترتضع في الموضوع الخاص اثداء شتى من معلوماته الواسعة ، فاذا قرأته أو سمعته رأيت مصادر ثقافته كلها منهلة متفتحة الافواه كشرايين الثدي وعروقه ، ترفده من كل موضع وعاه في حياته ما ينسجم وموضوعه الذي هو بسبيله ، وعلى ذوقه الممتاز ان يضع اطراف ما يتدفق اليه في هيكل الموضوع الذي بين يديه ، ويركزه في مكانه ، حتى اذا انتهى انهى اذن بحثا نافعا كله غذاء ومتاع .
واعظم به ـ إلى جانب هذه البلاغة ـ متخيرا لآلئ معانيه ، وازياء افكاره
ثم اعظم به محدثا اذا تشاجن الحديث وتشقق وانساب على سفينة ، يمخر العباب ، فهناك النكتة البارعة ، والطرفة اللامعة ، والنادرة الحلوة ، والخبر النافع .
من هذا وذاك علقت به النفوس ؛ واجتمع عليه الرأي ، فقاد للخير وابتغى المصلحة . وتكاملت له زعامة عامة ، يحل منها في شغاف الافئدة والقلوب ، ولم تكن هذه الزعامة مرتجلة مفاجئة ، بل كانت عروقها واشجة الاصول ، عميقة الجذور ، تتصل بالاعلام من آبائه ، والغر من اعمامه واخواله ، ثم صرفت هذا الميراث الضخم يده البانية ، فأعلت اركانه ومدت شطآنه وخلجانه .
فبيته في ذرى عاملة ، مطنب مضروب ، للقرى والضيفان ، تزدحم فيه الوفود ، وتهدى اليه الحشود اثر الحشود ، ويصدر عنه الكروب بالرفد المحمود ، وهو قائم في تيار الموجتين المتعاكستين بالورد والصدر ، هشاشا طلق المحيا لا يشغله تشييع الصادر ، عن استقبال الوارد ، ولا يلهيه حق القائم عن حقوق القاعد ، ولكنه يجمع الحقوق جميعا ويوفق بينها ، فيوزعها عادلة متناسبة .
ولاريحيته الكريمة جوانب انفع من هذا الجانب ، وابعد اثر ، فهو مفزع يأوي اليه المحتاجون والمكروبون ، وملجأ يلوذون به في الملمات يستدفعون
وها هو لا يزال ، مد الله في حياته ، يملي على تاريخه من احداثه الجسام ، ومآتيه الغر في خدمة الله والمؤمنين والوطنية الصحيحة ، ما تضيق عنه هذه العجالة .
أما خدماته المناضلة ضد الاستعمار الاجنبي فحدث عنها ولا حرج ولا يتسع مجالنا هذا لتفصيل القول في ذلك النضال ، ولكن بوسعي ان اقول لك بكلمة مجملة : إن خدماته العظيمة في العهد
التركي ، ثم في العهد الفرنسي ، ثم في ايام الاستقلال ، كانت امتدادا لحركات التحرير ، وارتقاء بها نحو كل ما يحقق العدل ويوطد الامن ، وينعش الكافة على أن السلطات في العهود كلها لم تأل جهدا في مقاومته ، ومناوأة مشاريعه بما تقاوم به السلطات الجائرة من الدس والاضطهاد وقتل المصالح ، ولعل المحن التي كابدها هذا الامام الجليل في سبيل إسعاد قومه ، لم يكابد نارها إلا أفذاذ من زعماء العرب وقادتهم ، ممن ابلوا بلاءه وعانوا عناءه .
وناهيك بما فاجأته به سلطة الاحتلال الفرنسي حين ضاقت به ذرعا ، إذ أوعزت إلى بعض جفاتها الغلاظ باغتياله . واقتحم ابن الحلاج عليه الدار في غرة ، وهو بين اهله وعياله ، دون ان يكون لديه احد من اعوانه ورجاله ، ولكن
ثم تلا هذا الحادث احداث واحداث اتسع فيها الخرق ، وانفجرت فيها شقة الخلاف ، حتى ادت إلى تشريد السيد باهله ومن اليه من زعماء عاملة إلى دمشق ، وقد وصل اليها برغم الجيش الفرنسي الذي كان يرصد عليه الطريق ، إذ كانت السلطة الغاشمة تتعقبه بقوة من قواتها المسلحة لتحول بينه وبين الوصول إلى دمشق ، وحين يئست من القبض عليه ، عادت فسلطت النار على داره في ( شحور ) فتركتها هشيما تذوره الرياح ، ثم احتلت داره الكبرى الواقعة في ( صور ) بعد ان أباحتها للايدي الاثيمة ، تعيث بها سلبا ونهبا ، حتى لم تترك فيها غاليا ولا رخيصا ، وكان أوجع ما في هذه النكبة تحريقهم مكتبة السيد بكل ما فيها من نفائس الكتب واعلاقها ، ومنها تسعة عشر مؤلفا من مؤلفاته ، كانت لا تزال خطية إلى ذلك التاريخ .
وظل في دمشق تجيش نفسه بالعظائم وتحيط به المكرمات ، في ابهة من نفسه ، ومن جهاده ، ومن ايمانه ، وكان في دمشق يومئذ مداولات ملكية ، واجتماعات سياسية ، وحفلات وطنية ، تتبعها اتصالات بطبقات مختلفة من الحكومة والشعب ، كان السيد في جميعها زعيما من زعماء الفكر ، وقائدا من قادة الرأي ، ومعقدا من معاقد الامل في النجاح .
وله في هذه الميادين مواقف مذكورة ، وخطابات محفوظة ، سجلها له التاريخ بكثير من الفخر والاعجاب .
ولم يكن بد من اصطدام العرب بجيش الاحتلال ، فقد كانت الاسباب كلها مهيأة لهذا الاصطدام ؛ حتى اذا التقى الجمعان في « ميسلون » واشتبكا في حرب لم يطل امدها ، ودارت الدائرة على العرب لاسباب نعرض عنها .
غادر السيد دمشق إلى فلسطين ومنها إلى مصر بنفر من اهله ، بعد أن وزع اسرته في فلسطين بين الشام ؛ وبين انحاء من جبل عامل ، في مأساة تضيف أدلة إلى الادلة على لؤم ، فقد ظل ثقل من أهله الذين ذهبوا إلى « عاملة » ليالي وأياما لا يجدون بلغة من العيش يحشون بها معد صغارهم الفارغة ، على أنهم يبذلون من المال اضعاف القيمة ، ويبسطون أكفهم بسخاء نادر ، وأخيرا لم يجدوا حلا بغير توزيع قافلتهم في الاطراف المتباعدة ، بين من بقي من اوليائهم واصدقائهم على شيء من الوفاء أو الشجاعة .
حين وصل مصر احتفلت به ، وعرفته بالرغم من تنكره وراء كوفية وعقال ، في طراز من الهندام على نسق المألوف من
الملابس الصحراوية اليوم ؛ وكانت له مواقف في مصر وجهت اليه نظر الخاصة من شيوخ العلم ، واقطاب الادب ، ورجال السياسة ، على نحو ما تقتضيه شخصيته الكريمة .
ولم يكن هذا اول عهده بمصر فقد عرفته مصر قبل ذلك بثمان سنين ، حين زارها في اواخر سنة تسع وعشرين ، ودخلت عليه فيها سنة ثلاثين وثلاثمائة والف هجرية ، في رحلة علمية جمعته باهل البحث ، وجمعت به قادة الرأي من علماء مصر ، وعقدت فيها بينه وبين شيخ الازهر يومئذ ـ الشيخ
وحدثت ظروف دعته إلى أن يكون قريبا من عاملة ، فغادر مصر في اواخر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة والف هجرية إلى قرية من فلسطين تسمى ( علما ) تقع على حدود جبل عامل ، وفي هذه القرية هوى اليه اهله وعشيرته ، ولحق به اولياؤه المشردون في هذا الجهاد الديني الوطني ، فكانوا حوله في القرى المجاورة . وكان في ( علما ) كما يكون في جبل عامل من غير فرق كأنه غير مبعد عن داره وبلده ، يتوافد اليه الناس من قريب ومن بعيد ، ولا يكاد يخلو منزله من أفواج الناس ، فيهم الضيوف ، وفيهم طلاب الحاجات ، وفيهم رواد القضاء ، والفقه ، وفيهم من تستدعه الحياة السياسية أن يعرف ما عند السيد من وجه الرأي .
وانسلخت شهور في ( علما ) تصرفت فيها الامور تصرفا يرضي السيد بعض الرضا ، وأبيح للسيد ان يعود إلى عاملة بعد مفاوضات ادت إلى العفو عن المجاهدين عفوا عاما ، والى وعد من السلطة بانصاف جبل عامل ، وانهاضه ، واعطائه حقوقه كاملة .
وحين اطمأنت نفسه بما وعدته به السلطة ، عاد إلى جبل عامل ، ولم تسمح نفسه بأن يعود والمجاهدون مبعدون ، لذلك جعل بيروت طريق عودته ـ وطريقه بعيدة عنها ـ ليستنجز العفو العام عن المجاهدين ، وكذلك
ولعل جبل عامل لم يشهد يوما ابهج ولا احشد من يوم عودته ، ولعله لن يشهد يوما كهذا اليوم ، يحشر فيه الجبل من جبله وساحله ، في بحر من الناس يموج بعضه فوق بعض ، وتطفوا فوقه الاعلام رفافة بالبشر ، منحنية بالتحية ، والهتاف ، مجلجلة كجلجة الرعد في اذن الجوزاء .
ويبدأ من ذلك اليوم موسم للشعر ، تفتقت فيه القرائح العاملية عن ذخائر ممتعة من الادب العالي ، وتفتحت سلائقهم عن اصدق العواطف ، واسمى المشاعر تنبض بها قوافيهم تهز المحافل في إبداع وتجويد ، صباح ، مساء ، ولقد امتد هذا الموسم الادبي زمنا طويلا اجتمع في ايامه ولياليه ضخم القيمة ، ضخم الحجم ، يمكن اعتباره مصدرا لتاريخ الفكر والسياسة في جبل عامل خلال هذه الفترة .
ترتسم على كل افق من آفاق هذا العالم الاسلامي ، اسماء معدودة لرجال معدودين ، امتازوا بمواهب وعبقريات ، رفعتهم إلى الاوج الاعلى من آفاقهم ، فاذا اسماؤهم كالنجوم اللامعة تتلألأ في كبد السماء .
أما الذين ترتسم اسماؤهم في كل افق من تلك الآفاق ، فقليل ، وقليل هم ، وليسوا إلا اولئك الذين علت بهم الطبيعة ، فكان لهم من نبوغهم النادر ما يجعلهم افذاذاً في دنيا الإسلام كلها ، ومن هؤلاء الافذاذ سيدنا المؤلف « اطال الله عمره » فقد شاءت الإرادة العليا أن تبارك علمه وقلمه ، فتخرج منهما للناس نتاجا من افضل النتاج ، وقد لا أكون مبالغا حين استبيح لقلمي
وقد يلوح مما قدمنا أن المشاكل الاجتماعية المتراكمة من حوله ، تصرفه عن النظر في حياته العلمية ، وتزحزحه عن عمله الفني . والواقع ان رجلا يمنى بما مني به « سيدنا » ينصرف عادة عما خلق له من علم وتأليف ، فإن ما يحيط به من المشكلات يضيق بالنظر في امر المكتبة ، والكتابة ، لولا بركة وقته ، وسعة نفسه ، وقدرة ذهنه .
فهو ـ على حين انه يوفي حق تلك المشكلات الشاغلة ـ يوفي حق علمه فيبلغ من المكتبة نصيب الذي تحتاجه حياته العلمية ، وهو منذ ترك النجف الاشرف على اتصال مستمر بالبحث والمطالعة والكتابة والمناظرة . يخلو كل يوم في فتراته إلى مكتبته يستريح إلى ما فيها من
موضوعات ، وينسى من وراءها من حياة مرهقة لاغبة .
وليس أدل على هذا من انتاجه ، هذا الانتاج الغزير الثري النبيل . وإن مؤلفاته لتشهد بأنه من الحياة العلمية ؛ كمن ينصرف اليها ، ولا يشغل بغيرها ، وأدل ما يدل منها على ذلك ، كيفية مؤلفاته لا كميتها ؛ فهي وإن كانت كثيرة حتى بالقياس إلى رجل يتفرغ اليها ، فإنها من الاصالة، والعمق ، والاستيعاب ، حيث لا تدل على ان مؤلفها رجل يمتحنه الناس بتلك المشاغل ، ويبتلونه بما عندهم من مشاكل ، فهي بما فيها من قوة ، ومتانة ،
بهذا الميزان يرجح علم الرجل وفضله ، ثم يرجح به امتياز ما كتب ، وهو امتياز قليل النظير ، فإن المؤلفين المكثرين ، كثيرا ما تظهر عليهم السطحية ، ويميز كتبهم الحشو ، أما المؤلف فليس فيما قرأنا من مؤلفاته مبتذل سطحي ، ولا رخيص سوقي ، بل كل ما كتب انيق رقيق ، رفيع عميق ، يجمع بين سمو الفكر وترف اللفظ ، وهو ما أشرنا اليه في صدر كلامنا من كونه حريصا على المزاوجة بين علمه وفنه ، فاذا قرأت فصلا علميا خالصا خلت ـ لقوة اسلوبه ونصاعته ـ أنك تقرأ فصلا ادبيا يروعك جماله المستجمع لكل العناصر الادبية .
على أنا حين نتجاوز هذه النقطة ، فمؤلفاته كثيرة من حيث الكمية أيضا ، وهذا يضاعف القيمة.إنه يدل على ملكة خصبة اصيلة لا يؤخرها أشد العوائق عن الاتقان ، وانها لتثبت له بطولة
فكر ، واليك ثبتا بآثار هذه البطولة .
1 ـ المراجعات هذا نموذج صادق لما كتب ، ولا اريد ان احدثك عنه فان لسانه أبين من حديثي وانطق .طبع في مطبعة العرفان بصيداء سنة 1355 ونفدت نسخه ، وترجم إلى اللغة الفارسية ، وبلغني انه ترجم إلى اللغة الانكليزية ، ترجمه السيد زيد الهندي .وانه ترجم إلى اللغة الاوردية ايضا .
2 ـ الفصول المهمة في تأليف الامة : كتاب من أجل الكتب الاسلامية ، يبحث مسائل الخلاف بين السنة والشيعة على ضوء ( الكلام ) والعقل والاستنتاج والتحليل . تم تأليفه سنة 1327 هـ ، وطبع مرتين بصيداء ـ جبل عامل ـ زاد فيه بالطبعة الثانية سنة 1347 هـ ، والفصول المهمة يغنيك عن
3ـ اجوبة مسائل موسى جار الله : كتاب على صغر حجمه ، عظيم الاحاطة واسع المعلومات ، وهو كما يدل عليه اسمه ، أجوبة عن عشرين مسألة سأل بها موسى جار الله علماء الشيعة ، وهو يظن ان فيها شيئا من الاحراج ، كتكفير الشيعة ، لبعض الصحابة ، ولعنهم ، وكنسبة القول
بتحريف القرآن للشيعة ، ونسبة تحريم الجهاد اليهم أيضا ، وكمسائل البداء والمتعة والبراءة والعول وما إلى ذلك ، فكانت أجوبة من أشدّ ما يكون ، تستقي من العلم والتوفر ، وتقوم على البرهان والمنطق فلا تترك أثرا للشك ، ولها مقدمة في الدعوة إلى الوحدة ، وخاتمة في جهل السائل بكتب الشيعة ، وفي بعض ما في كتب السنة من أخلاط .يقع في 152 صفحة من القطع الصغير ، طبع في مطبعة العرفان بصيداء سنة 1355 هـ 1936 م .
4 ـ الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء ، تقع في 40 صفحة من قطع النصف طبعت مع الفصول المهمة في الطبعة الثانية ، وهي من اعمق الدراسات واصحها منهجا واستنتاجا وأدلها على تدفق القلم : الينبوع .
5 ـ المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة : طبع منها المقدمة وتقع في اثنين وسبعين صفحة بقطع النصف يشرح فيها فلسفة المآتم الحسينية واسرار شهادة الطف شرحا دقيقا رائعا .
6 ـ ابوهريرة : طبع سنة 1365 هـ ، بمطبعة العرفان في صيداء وهو نسق جديد في التأليف وفتح في أدب التراجم بطراز المستوعب المحلل ، ولعله من اجل ما تخرجه المطابع الحديثة بحثا وعمقا وأسلوبا . يبحث حياة ابي هريرة وعصره وظروفه وعلاقاته واحاديثه وعناية الصحاح الست بروايته على ضوء العلم والعقل .
7 ـ بغية الراغبين : « مخطوط » كتاب عائلي خاص يؤرخ لشجرة (شرف الدين ) ومن يتصل بهم من قريب ، وهو كتاب ضخم جليل ممتاز في ادب التراجم بطريقته الخاصة ، وتنسيقه المتقن ، وربما ترجم بعض الاعلام من اساتذة المترجمين في الكتاب وتلامذتهم وقد يترجم عصورهم وظروفهم ، وبهذا تقف منه على كتاب ادبي ممتع رائع ، بل انه تاريخ أجيال ، بتاريخ رجال .
8 ـ فلسفة الميثاق والولاية : وهي رسالة فذة في موضوعها . طبعت في صيداء
سنة 1360 هـ .
9 ـ ثبت الاثبات في سلسلة الرواة : ذكر فيه شيوخه من اعلام اهل المذاهب الاسلامية بكل متصل الاسناد بالنبي ( ص ) وبالائمة ( ع ) وبالمؤلفات ومؤلفيها من طرق كثيرة متعددة يروي فيها قراءة وسماعا واجازة من اعلام الشيعة الامامية والزيدية ، وعن اعلام السنة ، واستيعاب طرقه كلها طويل ، اقتصر منه على ما جاء في الثبت وقد طبع في صيداء
مرتين (1) .
وله غير هذه الروائع الخالدة نفائس ، لولا عدوان سنة العشرين عليها بالحرق والتمزيق ؛ لكانت من الذخائر المعدودة في كنوز العقل والفكر ، ولكنها فقدت في تلك الاحداث المؤلمة ، فمني بفقدانها العلم بخسارة عسى ان يتسع وقت سيدنا للتعويض عنها باحيائها من جديد ، ونسردها فيما يلي كما يذكرها المؤلف في آخر تعليقته على ـ الكلمة الغراء
1 ـ شرح التبصرة في الفقه على سبيل الاستدلال خرج منه ثلاثة مجلدات تتضمن كتب الطهارة والقضاء والشهادات والمواريث .
2ـ تعليقة على الاستصحاب من رسائل الشيخ ـ في الاصول ـ في مجلد واحد .
3 ـ رسالة في منجزات المريض استلالية .
4ـ سبيل المؤمنين ـ في الامامة ـ يقع في ثلاثة مجلدات .
5 ـ النصوص الجلية في الامامة ايضا فيه اربعون نصا اجمع على صحتها المسلمون كافة ، واربعون من طرق الشيعة مجلوة بالتحليل والفلسفة .
6 ـ تنزيل الآيات الباهرة في الامامة ايضا ، وهو مجلد واحد يبتني على مائة آية من الكتاب نزلت في الائمة بحكم الصحاح .
7 ـ تحفة المحدثين فيما اخرج عنه الستة من المضعفين . وهو كتاب بكر في الحديث لم يكتب مثله من قبل .
8 ـ تحفة الاصحاب في حكم اهل الكتاب .
9 ـ الذريعة رد على بديعة النبهاني .
10ـ المجالس الفاخرة اربعة مجلدات ، الاول في السيرة النبوية ، والثاني في سيرة أمير المؤمنين والزهراء والحسن ، والثالث في الحسين ؛ والرابع في الائمة التسعة عليهم السلام .
11ـ مؤلفو الشيعة في صدر الاسلام ، نشر بعض فصوله في مجلة
العرفان بصيدا ( راجع العرفان في مجلداته الاول والثاني ) .
12ـ بغية الفائز في نقل الجنائز ، نشر اكثرها في العرفان .
13 ـ بغية السائل عن لثم الايدي والانامل ، رسالة علمية ادبية ، فكاهية ، فيها ثمانون حديثا من طريقنا وطريق غيرنا .
14 ـ زكاة الاخلاق ، نشرت العرفان بعض فصوله .
15 ـ الفوائد والفرائد كتاب جامع نافع .
16 ـ تعليقة على صحيح البخاري .
17 ـ تعليقة على صحيح مسلم .
18 ـ الاساليب البديعة في رجحان مآتم الشيعة يبتني على الادلة العقلية والنقلية وهو في بابه بكر جديد .
وله بدايات ـ وراء ذلك ـ في مواضيع شتى ، بعضها ذهب في المفقودات وبعضها أعيد ولا يزال في سبيل الاتمام .
ومؤلفاته كلها تمتاز بدقة الملاحظة ، وسعة التتبع وشمول الاستقصاء
ولعلك ألممت بنواحي ثقافته من مؤلفاته ، ومما حدثناك عنه في هذه الكلمة ، فهو ـ كما علمت ـ أسس ، وقام بناؤه في النجف الاشرف ، فكان إماما في اللغة وعلوم العربية وآدابها ، والمنطق ، والتاريخ ، والحديث ، والتفسير ، والرجال ، والرواية والانساب ، والفقه والاصول ، والكلام ؛
وما يتصل بهذه العلوم من روافد .
هو بالعلوم الاسلامية وما اليها فارس معلم ، لا يجارى في حلباتها ، ولا يلحق في مضاميرها ، ويمتاز بالاضافة إلى ذلك بأدبه القوي الحافل ، وبما يتصل به من الاسرار النفسية والاجتماعية والنقد . له في ذلك سليقة ملهمة وملكة قوية ترافقان حديثه وقلمه ، محاضرة وخطابة ، تأليفا وكتابة ، أنه على الاجمال افضل صورة للعالم الاسلامي الضليع الجامع .
هو طويل الاناة ، ثقيل الحصاة ، واسع الصدر لين الطبع ، قوي القلب مهاب ، له روعة في النفس ، وتأثير يدفعانك لاحترامه وحبه وإن جهلته .
وهو شديد الشكيمة في الحق متوقد الحماسة للدين ، لا يعرف هوادة ولا لينا حين تهب بادرة للبغي أو الباطل ، على انه متواضع كريم هش .
وللإنصاف في نفسه موضع يسوي بين القريب والبعيد ، الحق رائده . فلا يمنعه حبه لاحبائه من اقامتهم على العدل ، ولا يمنعه انصافه ـ وهو يحكم ـ من الاحتفاظ بالحب في زوايا نفسه لمن يحب ، ومن هنا كان العدو والصديق عنده سيان في الحكم على ما يأتيان من حسن أو قبح ، في آثارهما وافعالهما .
ومن هنا أيضا كان قدوة : في الورع وصفاء النفس ، ونقاء الضمير ، وقول الحق ، وإلى جانب هذا كله له رأي حصيف ، ونظر بعيد ، يسبر اغوار الناس ويصل إلى حقائق الامور وأعماقها ؛ فلا يخدع من حال ، ولا يغش في ظاهر ، ولا يفتل عن صواب ولا يغر في رياء .
يعنى باقدار الناس ، ويوفيهم فوق ما يستحقون ، ويشجعهم على إيتاء الخير ، ويرهف الناشئة العلمية للاتقان والتجويد ، فيبالغ لهم في الاستحسان ، ويكيل لهم من الكلم الطيب ، والنوال الكريم ؛ ما يدفعهم إلى ما يرمي اليه من تقدمهم .
ولعله لهذه الخلال الكريمة اثرا في صفاء مواهبه ، وقوة تأثيره ، وصدق كفاياته ؛ فهو من أفصح الناطقين بالضاد حين يتحدث ، وأبلهم ريقا حين يخطب ، ومن انفذ الناس للنفس حين يعظ ، واحكمهم بالقضاء وأعدلهم بالحكم وابينهم بالحجة ، وأفقههم بالحياة .
في سنة الف وتسع وعشرين وثلاثمئة وألف هجرية زار مصر زيارة علمية ، كما حدثناك ، اجتمع فيها بأفذاذ الحياة العقلية في مصر ، وعلى رأسهم الشيخ سليم البشري المالكي شيخ الجامع الازهر في عصره ، وانتجت اجتماعاته به ،
وفي حوالي سنة 1328 هـ . زار المدينة المنورة ، وتشرف باعتاب النبي (ص ) وضرائح أئمة البقيع ( ع ) .
وفي ثمان وثلاثين كانت الهجرة الدينية السياسية التي عرفت شيئا من حديثها وفيها زار دمشق ومصر وفلسطين ، وفي كل هذه البلاد كانت له فوائد علمية ومحاضرات قيمة ، كما تلمح ذلك فيما حدثناك به في مشايخه في الرواية ؛ وفي سنة 1340 هـ ، حج البيت من طريق البحر ، في عهد المغفور له الملك حسين ، وحج معه خلق كثير من جبل عامل في ذلك الموسم ، وكان الموسم في
ذلك العام من احفل مواسم الحج واكثرها ازدحاما واقبالا على هذه الفريضة ولعل مكة لم تشهد مثل هذه الموسم منذ عهد بعيد ، وكان في الحجيج تلك السنة كثير من الاعلام من علماء وزعماء من مختلف الاقطار ، وكان السيد ابرزهم بين تلك الجموع اسماً ، واعلاهم مكانة ، وأرفعهم بيتا واسخاهم كفا .
وهو أول عالم شيعي أم هذه الجماهير الضاغطة المزدحمة في المسجد الحرام بمكة المشرفة ، وهي أول مرة تقام فيها الصلاة وراء إمام شيعي على هذا النحو العلني تجتمع فيه الالوف معلنة في غير تقية .
ومن هنا كان حجه مشهورا يتحدث عنه الناس في سائر الاقطار الاسلامية ، وقد احتفى به الملك الحسين بن علي أجمل احتفاء وافضله ، واجتمعا أكثر من مرة وغسلا معا الكعبة .
وفي أواخر سنة 1355 هـ ، زار أئمة العراق ، وجدد العهد باهله وارحامه ، واستقبله يوم وروده الوزراء والاعيان والزعماء ، وعلى رأس الجميع سماحة السيد محمد الصدر من بغداد إلى جسر الفلوجة ، في ارتال
واكاد اسمعه يهتف حين اقبل على مرابع صباه وشبابه :
ألم يصدر هو عنها راويا مرويا ؟ ألم تحفل هي به غريدا يملا اجواءها بأفضل مما يمتلئ به معهد من طلابه العبقريين ؟
بلى ، تبادلا الحنين والشوق واللوعة والتحية ، واستجابت لهذا التبادل الروحي النقي داعي البر والوفاء في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء . فكانت حفلات زاهرة زاهية ، قد بعد العهد به عن مشاهدها واعلامها .
وكانت اجتماعاته بالاعلام من أهل العلم ، ورجال البحث ، آهلة بالفرائد ، في مختلف فروع العلم ، وشتى مسائله .
وتابع من العراق سفره إلى ايران ، فتشرف بزيارة الامام الرضا عليه السلام ، وعرج في طريقه على قم وطهران وغيرهما من مدن ايران ، ولقي في جميع تلك المدن من مراسيم الحفاوة ما تفرضه شخصيته المحبوبة العظيمة .
إفتتح اعماله الانشائية بوقف حسينية ، أعدها ليجتمع اليها الناس في مختلف الاوقات والظروف والدواعي ، يعظمون فيها الشعائر ، ويتلقون فيها دروس الوعظ والارشاد ، ويقيمون فيها الصلاة، فلم يكن للشيعة مسجد في مدينة صور يوم جاءها السيد ، لذلك تملك دارا ، ثم وقفها حسينية في بدء التأسيس ، ثم حين سنحت الفرصة انشأ مسجدا من اضخم المساجد بناء ، واجملها هيكلا له قبتان عظيمتان ، ومنارة شامخة ، وباحة رائعة أمام ايوان واسع ، يتصل بابواب المسجد الرحب ، ويقوم في وسطه عمودان من الآثار الفينيقية ، يحملان القبتين ، وخلف المسجد مما يلي المحراب فناء كبير يتصل بخارج البلد .
وحين تم هذا المسجد الجامع العظيم ، بدأ بانشاء ما كان يشغل تفكيره من قديم ، أعني انشاء مدرسة حديثة تمثل مبدأه التربوي في كلمته السائرة « لا ينشر الهدى إلا من حيث انتشر الضلال » . على ان النهوض بشعب بادئ خاضع للسلطات الاقطاعية ، معرض للصدمات ، ممتحن بالعراقيل ، لذلك جاء مشروعه الضخم هذا على مراحل ؛ ولو لا بطولة عرفناها مبدعة قادرة في السيد حفظه الله لما تخطى المشروع أولى مراحله .
انشأ في اولى المراحل ، على مدخل المدينة ، ستة مخازن ، وشيد على سطحها دارا واسعة مراعيا فيها ان تكون يوما ما المدرسة المرجوة ، لكن انجاز هذا المشروع لم يكن يومئذ ممكنا لمعارضة كانت من السلطة ومن يمشي في ركابها من ذوي المصالح الفردية ، وبهذا اضطر إلى الاكتفاء يومئذ بهذا القد ينتظر الفرصة المواتية .
وكانت فترة استجمام طويلة نشط بعدها سنة 1357 هـ ، فاذا الدار هي
رفع من الجهة الاخرى ناديا فريدا ، سماه « نادي الامام جعفر الصادق » ، طوله اثنان وعشرون مترا ونصف المتر ، وعرضه خمسة عشر مترا ونصف المتر ، وقد اعده للاحتفالات والمواسم العلمية والدينية والاجتماعية والمدرسية . ثم اسس بعد كل ذلك مدرسة للاناث في سنة احدى وستين هجرية وهي تتوخى ما توخته مدرسة الذكور من التوفيق في التربية بين المناهج الصالحة الضامنة لحياة أمثل وافضل (1) .
=
وموقع المدرسة والنادي من أجمل المواقع وأجملها بروعة المنظر ، وطلاقة المرأى يسبح النظر منها في عباب ذلك الخضم الجميل ، ويمتد منه إلى غير نهاية ، فاذا سئم البحر وتزخاره ، انطلق منه في جهة اخرى إلى السهول ومن خلفها الجبال المتساندة ، تحتضن القرى على مرمى العين، ويذهب البصر ، من هنا وهنا نشيطا يحلم بذلك الجمال الساحر الآسر ، ويسرح منعما متجولا لا تعيقه عقبة دون المتعة والانشراح .
فاذا وقفت إلى مجموعة هذه الضخمة المتصل بعضها ببعض ، القائم بعضها على بعض ، وقفت منها إلى صرح عظيم مشيد الاركان ، متين البنيان يروعك بجماله الهندسي وفخامته العمرانية . ثم هو يروعك اكثر فأكثر ، إذا وقفت على نتاجه الخصب الذي يجمع إلى
كثرة ( الكم ) جودة ( النوع ) .
ومع ذلك فلا يزال ـ على تمامه وكماله ـ نواة بالقياس إلى طماح سيدنا المؤلف فهو قد تملك في جنوبها ارضا واسعة كبيرة ، والحقها بالمؤسسة ليتم بها مشاريعه الخيرية ، واغراضه الاسلامية ، وينتهي إلى تأسيس جامعة (1) تلقن طلابها احسن المبادئ ، في اوسع المعارف ، وهو يرى ان هذه الطريق خير طريق لعلاج الخطر الداهم ، ولحفظ الجيل الجديد ، الناسل من صفوفنا إلى صفوف قد تضطره أن يعادي صفوفنا . أخذ الله بيده لما فيه صلاح الدنيا والدين ونفع به الاسلام والمسلمين ، والحمد لله رب العالمين .
الكاظمية 1365 هـ ـ 1946 م
مرتضى آل ياسين
|
لم نجعل فهرسا لمصـادر كتابنا هذا ، استغناء عنه بذكر الكتاب ( منه قدس ) |