محاضرات عقائدية ::: 91 ـ 105
(91)
القائد المنتصر الرحيم عن المنهزمين ، وصُوِّب هذا العفو في قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « إذهبوا فأنتم الطلقاء » (1) .
    هؤلاء الطلقاء الذين يقطع القرآن بعدم إيمان بعضهم ـ لا أقول كلّهم ـ لأنّ الآية في سورة يس تقول ذلك وتقطع بأنّ قريشاً قوم محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حقّ عليهم القول : « لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلَى أكثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنونَ » (2) إلى قوله تعالى : « وَسَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنونَ » (3) .
    فالطلقاء تسرّبوا ، وما فتئوا يتآمرون على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، والقرآن يقول لرسول الله موقفك من هؤلاء الاستمرار في الدعوة والصبر : « فَاصبِرْ إنَّ وَعدَ اللهِ حَقٌّ فَإمَّا نُرِيَنَّكَ بَعضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أوْ نَتَوَفَيَنَّكَ فَإلَينَا يُرجَعُونَ » (4) ، يعني العبرة ليس بالدنيا ، العبرة بالمرجع إلى الله عزّ وجلّ ، قدّر الله عزّ وجلّ أن يستتمّ الإسلام حجّته بنزول القرآن.

    فما إن مضى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى ربّه حتى سارع القوم في
1 ـ السيرة النبوية لابن كثير : 3 / 570 ، تاريخ ابن خلدون : 3 / 3.
2 ـ يس : 7.
3 ـ يس : 10.
4 ـ غافر : 77.


(92)
الانقلاب الذي بيّتوا له ـ يعني هو ليس إنقلاباً فورياً بل مبيّتاً له ـ انقلبوا الانقلاب الذي كتب أوّل سطر باستشهاد الإمام ، لأنّه لولا تآمر أصحاب السقيفة وحجب الحقّ عن أصحاب الحقّ وقيام دولة خلافية على غير مراد الله ، لولا ذلك لما تداعت الأحداث إلى استشهاد الإمام الحسين ( عليه السلام ).
    فاستشهاد الإمام الحسين ( عليه السلام ) هو النبت لهذا الغرس الذي غرسوه يوم السقيفة ، والحسين ( عليه السلام ) في خروجه من المدينة كان يستشعر أنّه على طريق موسى ( عليه السلام ) في طلب النجاة من القوم الظالمين ، فقال وهو يخرج « رَبِّ نَجِّني مِنَ القَومِ الظَّالِمينَ » (1) .

    أيّها الأحباب : ذكرت حديثاً لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وهو قوله الشريف : « ما أوذي نبي مثل ما أوذيت » (2) .
    هذا الإيذاء ـ الذي لم يؤذ به نبي قبل رسول الله ـ تستطيع أن تفهمه لمّا تقارن بين خروج موسى من مصر وخروج الإمام الحسين :
    الإمام الحسين ( عليه السلام ) يخرج من مدينة جدّه وهي تعلن أنّها
1 - القصص : 21.
2 ـ كشف الغمة : 3 / 346 ، مناقب آل أبي طالب : 3 / 42 ، بحار الأنوار : 39 / 56.


(93)
مؤمنة .. في طريقه إلى مكّة وهي تعلن أنّها آمنت .. في طريقه إلى الكوفة وقد أرسلت تبايع وتطلب الحشد والدخول في الطاعة ، ورغم ذلك لا أهل مدينة جدّه ولا أهل مكّة ولا الذين استدعوه في الكوفة صدّقوا الله على ما عاهدوا عليه ، ولم ينبر منهم أحد يدافع عن الإمام الحسين ( عليه السلام ) !
    بينما أهل مصر ـ الفراعنة ـ لمّا قال فرعون على الملأ : « وَقَالَ فِرعَونَ ذَرُوني أقتُلْ مُوسَى وَلْيَدعُ رَبَّهُ إنِّي أَخَافُ أنْ يُبَدِّلَ دَينَكُمْ أوْ أنْ يُظهِرَ فِي الأَرضِ الفَسَادِ * وَقَالَ مُوسَى إنِّي عُذتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّر لاَيُؤمِنُ بِيَومِ الحِسَابِ » (1) ، وتحدد الموقف .. فموسى ( عليه السلام ) مستضعف ليس معه أحد ، وإذا بأهل مصر يقولون الحق : « وَقَالَ رَجُلٌ مُؤمِنٌ مِنْ آلِ فِرعَونَ يَكتُمُ إيمَانَهُ أَتَقتُلونَ رَجُلا أنْ يَقولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيهِ كَذِبُهُ وَإنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبكُمْ بَعضُ الَّذي يَعِدُكُمْ إنَّ اللهَ لاَ يَهدِي مَنْ هُوَ مُسرِفٌ كَذَّابٌ » (2) .
    فقوم فرعون وجد واحد فيهم يدافع عن موسى دفاعاً مؤسساً.
    ولكن المسلمين الذين أنعم الله عليهم بأن يكونوا بشراً ببعثة محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، لأنّ العرب قبل النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يكونوا في عداد البشر ،
1 - غافر : 26 ـ 27.
2 ـ غافر : 28.


(94)
أمة هملى .. أوزاعاً متفرقة ، لا يجتمع فيها حيٌّ على حي ولا رحم على رحم ، تسلب وتنهب ، حتى كرّمها وضيافتها تكون بما نهبت وسلبت ، حتى صحّ فيها قول القائل : أمة نهّابة وهّابة!!
    هذه الأمة التي أخرجها الله بمحمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من الظلمات إلى النور ، فصارت تفتخر على العجم بمحمد ، وتفتخر قريش على العرب بمحمد ، وإذا بابن محمد يُهدَّد ويخرج خائفاً مطروداً .. فلا يجد ولا يلقى ما لقيه موسى من آل فرعون!
    ولمّا التقى الجمعان ، أقول : ولمّا التقى حزب الله الذي تمثّل بالحسين وصحبه ( عليهم السلام ) على قلّتهم ، وحزب الشيطان المتمثّل في عبيد يزيد وأبيه.
    لمّا التقى الجمعان ، وخطبهم الإمام بما يليّن الصخر ويجري الإيمان في أقسى القلوب ، ويذكّرهم حقّه :
    كيف تقتلون رجلا أنتم أُمرتم بأن تصلّوا عليه؟!
    كيف تقتلون مَنْ لا تصحّ صلاتكم بغير الصلاة عليه؟!
    فما استجاش منهم عرق ، وما اضطرب منهم فؤاد!

    أيّها الأحباب ، إنّ انقلاب العصبة المجرمة .. إنّ انقلاب هذه


(95)
الأمة ، ردّ العرب إلى ما هو أسوأ من الجاهلية!
    أيّها الأحباب : سنتذاكر قصّة من الجاهلية ، ونتذاكر قصّة استشهاد الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، لنرى أنّ الجاهلية كانت أرحم من مسلمين استحلوا دم ابن بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
    يقول الخبر في هجرة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إنّ قريشاً لمّا اكتشفت في الصباح أنّ محمداً ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أفلت منها ، إنطلق أبو سفيان بن حرب ومعه أبو جهل إلى بيت أبي بكر بن أبي قحافة ، ظنّاً منهم أنّ الرسول قد يكون ذهب إلى بيت أبي بكر .. طرق الباب ، خرجت بنت أبي بكر ، فسألها أبو سفيان عن أبيها : أين أبوك؟ قالت : لا أدري ، فلطمها لطمة أطارت قرطها!
    لقد كان الجاهليون يبحثون عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في موقف عصيب متوتر ، فكيدهم افتضح ، ويريدون أن يلحقوا برسول الله ، ضرب أبو سفيان بنت أبي بكر ، وغادرا بيت أبي بكر .. فإذا بأبي سفيان يقول لأبي جهل ـ لاحظوا الشجرة الملعونة كلما امتدت في العطاء وفي الانتصار زادت في الإجرام ـ أبو سفيان يقول لأبي جهل : أكتم عليّ فعلتي بالبنية ، لا تتحدث العرب أنّي ضربت جارية تتستر على أبيها ، فضيحة أنّي أضرب جارية ـ بنت صغيرة ـ لأنّها تقول : أنّ أبي غير موجود (1) .


(96)
    يعني أحسّ بأنّه ارتكب خطأً.
    فما بال الذين حاصروا ركب الإمام الحسين ( عليه السلام ) وهم يرون بنات رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بعد أن أسلموا ، وما أسلموا بل ازدادوا نفاقاً ، أنظروا يا أحباب : أصبحوا كفاراً بعد إعلان الإسلام.
    الكفر المبتدىء كفر ، لكن كفر بعد إعلان إسلام! هذا تلاعب بالله وسنته ، ولهذا القرآن يعاقب المنافقين بأشد ما يعاقب به الكافرين ، الحق يقول : « إنَّ المُنَافِقينَ فِي الدَّرْكِ الأسفَلِ مِنَ النَّارِ » (2) حتى قيل : إنّ المنافقين في النار هم موطىء نعلي إبليس.
    ويقول الحق عمّن كفر بعد إيمان : « إنَّ الَّذينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَروا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَروا ثُمَّ ازدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهديَهُمْ سَبِيلا » (3) .
    ويقول في سورة آل عمران : « إنَّ الَّذينَ كَفَروا بَعدَ إيمَانِهِمْ ثُمَّ ازدَادُوا كُفْراً لَنْ تُقبَلَ تَوبَتُهُمْ وَأولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ » (1) .
    أتدرون ماذا تعني زيادة الكفر؟
1 - القصّة وردت مع اختلاف في الألفاظ ، واختلاف في أسم الضارب ، وزيادات ونقيصة ، في كل من : تاريخ الطبري 2/104 ، البداية والنهاية 3/219 ، سيرة ابن هشام 2/337 ، وغيرها ، فتأمّل.
2 ـ النساء : 145.
3 ـ النساء : 137.


(97)
    زيادة الكفر تتلخص في سبّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وإيذائه ، ولهذا فإن الحكم النبوي على أحد القرشيين ـ واسمه عبد الله بن سعد بن أبي سرح ـ الذي أعلن إسلامه في مكّة وهاجر مع المهاجرين ثمّ ارتد وعاد إلى مكّة ، فكان يؤذي رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ويتقوّل عليه قولا مكذوباً ، فلمّا فتح الله مكّة على رسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أمر بقتله ضمن من أمر بقتلهم ولو تعلّق بأستار الكعبة ـ يعني لا توبة له ـ هذا الذي أمر رسول الله بقتله ولو تعلق بأستار الكعبة جاء به عثمان بن عفان ـ وهو أخو عثمان من الرضاعة ـ يطلب له الأمان! فسكت رسول الله ولم يؤمّنه ـ ثلاثاً ـ حتى إذا ألحّ عثمان أومأ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يغيّب وجهه عنه وأن لا يراه ، فلمّا أمر رسول الله بأن يغيّب وجه ابن أبي سرح عنه ، قال بعضهم : يا رسول الله كأنك استكرهت على العفو عنه؟ ـ كم ضايقوا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ـ فقال : سكتّ ثلاثاً لعلّ أحدكم يقوم فيضرب عنقه (2) .
    هؤلاء الذين يؤمِّنون مَن أمر رسول الله بقتله لم يوجد منهم واحد يدافع عن الإمام الحسين ( عليه السلام ) ! الإمام الحسين .. بضعة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ).
    إعلم يا أخي ، إنّ الأئمة ليس لهم كيان منفصل عن رسول
1 - آل عمران : 90.
2 ـ أنظر : أُسد الغابة : 3/173 و4/5 ، المستدرك على الصحيحين : 3/45 ، سنن أبي داود : 1/607 ، وغيرها من المصادر التي ذكرت هذه الحادثة بصيغ مختلفة وزيادات ونقيصة.


(98)
الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فرسول الله وهم حقيقة واحدة ، فالذي يجري على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يجري عليهم.

    لقد أنزل الله تعالى على رسوله في سورة الزخرف ، بعد أن بيّن له أنّ القوم في آذانهم وقر وعلى قلوبهم عمى ، فيقول له : « أفأنتَ تُسمِعُ الصُّمَّ أو تَهدِي العُميَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلاَل مُبين * فَإمَّا نَذهَبَنَّ بِكَ فإنّا مِنهُمْ مُنتَقِمونَ * أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذي وَعَدْنَاهُمْ فَإنَّا عَلَيهِمْ مُقتَدِرونَ * فَاسْتَمسِكْ بِالَّذي أُوحِيَ إلَيكَ إنَّكَ عَلَى صِراط مُستَقِيم » (1) .
    فالله يقول لعبده ورسوله محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ليس أمامك إلاّ ما قدّره الله وعليك أن تمضي بالدعوة.
    وأمّا المكذّبون .. المعاندون .. النواصب .. الطلقاء .. الناكثون .. المارقون .. فكل هذه الأوصاف تجمّعت في وقت الإمام الحسين ( عليه السلام ) وأصبح المعسكر المعادي له فيه المارقون والناكثون والقاسطون ، والله يقول لرسوله قولا لم يتحقق في عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، لكن لابد أن يتحقق ، فتحقق على عهد الإمام الحسين صلوات الله عليه ، فهم يقولون : إمّا أن نذهبن بك ، يعني : إنّ قدرنا
1 - الزخرف : 40 ـ 43.

(99)
أن ننهي وجودك الدنيوي سننتقم منهم « فَإمَّا نَذهَبَنَّ بِكَ فَإنَّا مِنهُمْ مُنتَقِمونَ * أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذي وَعَدْنَاهُمْ فَإنَّا عَلَيهِمْ مُقتَدِرونَ » (1) .
    إعلم يا أخي ، إنّ الآيتين ، آية الإذهاب الذي يتبعه انتقام ، وآية الاستبقاء الذي يتبعه انتصار ، تحقّقت أولاهما في الإمام الحسين ( عليه السلام ) : « فَإمَّا نَذهَبَنَّ بِكَ فَإنَّا مِنهُمْ مُنتَقِمونَ ».
    عندما استشهد الإمام الحسين ( عليه السلام ) على يدي زبانية يزيد بن معاوية.
    معاوية بن أبي سفيان الذي ارتكب كل الجرائم التي يندى لها جبين أحقر إنسان ، إرتكبها لكي تستديم الخلافة في صلبه ، ولكي يجعل الخلافة سفيانية ، ظنّاً منه أنّ هذا سيظل أبد الدهر.
    وما أن استشهد الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وبعد ثلاث سنين هلك يزيد الملعون.
    ولمّا آل الأمر إلى معاوية الثاني.
    وتأمّل يا عبد الله ، تأمّل في بيّنات آل محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وحججهم ـ أيّ واحد يدّعي أنّ معاوية كان شبهة حقّ من هؤلاء الكذبة الذين بلغ بهم الفجور إلى حد أن يقولوا عنه سيدهم!
    أيّ واحد عليه أن يتدبّر في موقف معاوية الثاني بن يزيد بن معاوية ، ومعاوية هذا الذي صنع جدّه كل ماصنع من أجل أن يهي له
1 - الزخرف : 41 ـ 42.

(100)
الملك ، أليس كذلك؟
    هذا الحفيد ـ وولد الولد أعز من الولد ـ المسمّى على اسم جدّه ، لكي يستديم الخلافة ، ما إن رقى منبر خلافة بني أمية بمسجدهم في دمشق ، حتى وقف ليعلن على الدنيا إعلاناً يبيّن فيه كيف أصبح الناس بعد صمّاً وعمياناً ، ويقول : « ألا أنّ جدي معاوية نازع هذا الأمر مَن كان بهذا الأمر أولى منه ومن غيره » (1) .
    وعندما يقولها ابن معاوية ، وبعد ثلاث سنين من استشهاد الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، فينزع الملك من نسل معاوية ، أليس هذا تحقيق لقول الله « فَإمَّا نَذهَبَنَّ بِكَ فَإنَّا مِنهُمْ مُنتَقِمُونَ » (2) ؟
    باد معاوية .. وانتهى معاوية وأصبح قبره مزبلة في دمشق!!
    أين حاله سواءً في البرزخ أم حال قبره بين الناس من مشهد الإمام الحسين ( عليه السلام ) ؟
    من مجلسكم الآن .. من الدموع التي تعيش الأرض على حرارتها إلى الآن .. يا أخي الحبيب ، إنّ دموع البكّائين على الإمام الحسين ( عليه السلام ) إنما تعطّر الأرض وتستبطيء نزول عذاب الله على أهل الأرض طالما كان هناك دموع وبكاء على الإمام الحسين ، وطالما
1 - كتاب الأربعين : 502 ، وأنظر : جواهر المطالب : 2 / 261 ، بحار الأنوار 46/118 ، الغدير : 10 / 174 ، درر الأخبار : 330 ، ينابيع المودّة : 3 / 36.
2 ـ الزخرف : 41.


(101)
هناك إحياء لمعنى الوفاء لسيد الشهداء ( عليه السلام ).
    ولذلك من يستنكر البكاء أو يقول : إنّ الشيعة يقيمون بكائيات وملاطم ويزعمون أنّ هذا ممّا لا يرضي الله حسبهم ـ إن كانت لهم عقول فليتدبّروا ـ أنّ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم : نبيّ ابن نبيّ ابن نبيّ ، لمّا غاب له ولد ولم يكن يعرف أنّه مات أو لا ، مجرّد غياب يوسف ( عليه السلام ) .. ظلّ يبكيه ويبكيه ويضج ويضج حتى فقد بصره من البكاء ، هذا عمل الأنبياء وأبناء الأنبياء ، ووالله إنّ الفجيعة في يوسف وفي مائة يوسف ليست كالفجيعة في الإمام الحسين ( عليه السلام ).
    الشطر الأوّل وهو الإنتقام من السفيانية تمّ.

    وأمّا الشطر الثاني : « أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذي وَعَدْنَاهُمْ فَإنَّا عَلَيهِمْ مُقتَدِرُونَ » (1) ، لقد وعد الله وعد الصدق على لسان النبي الصادق الأمين ، أنّه لا تقوم الساعة حتى يتمّ الأمر لصاحب الأمر صلوات الله عليه ، هذا الوعد هو صاحب الأمر .. ولي العصر .. أنفسنا وأرواحنا وأموالنا وأولادنا وخلجاتنا وسكناتنا فداء أنفاسه الشريفة ، فهو ترجمان الشطر الثاني من الآية : « أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذي
1 - الزخرف : 42.

(102)
وَعَدْنَاهُمْ فَإنَّا عَلَيهِمْ مُقتَدِرُونَ » .. الإقتدار والمقتدر هو صيغة بلاغية عن القدرة.
    إنّ الله تبارك وتعالى في القرآن يصف نفسه في أكثر من موضع أنّه « عَلَى كُلِّ شَيء قَدِير » ، وكلمة مقتدر لم ترد إلاّ في وصف نعيم أهل الجنّة أنّهم عند مليك مقتدر : « إنَّ المُتَّقينَ فِي جَنَّات وَنَهَر * فِي مَقعَدِ صِدق عِندَ مَليك مُقتَدِر » (1) ، ووردت في الإنتقام من أهل الباطل : « أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذي وَعَدْنَاهُمْ فَإنَّا عَلَيهِمْ مُقتَدِرُونَ » ، معنى هذا واضح أنّه عند مجيء ولي العصر .. عند ظهور ولي العصر ـ فهو بيننا قائم عند ظهوره ـ تكون له القدرة التي يؤيّده بها الله فوق حدود أيّ قدرة ، قدرة .. إقتدار .. مقتدرون.

    واجب المسلم الآن أن يعمل على الآتي :
    أن يمهّد للإمام القائم صلوات الله عليه تمهيداً في نفسه أوّلا ، نريد أن نمهّد أنفسنا لأن نكون أهلا لجنديتنا في الجيش المظفّر بقيادة الإمام ، الجندية التي ننسجم فيها مع العبودية لله طهراً ونقاءً ووفاءً وإخلاصاً وجدّاً وتواصلا ، كلّ منّا يبني نفسه ويوطؤها بأن
1 - القمر : 54 ـ 55.

(103)
تكون أهلا للشهود في اليوم الموعود.
    والمسؤولية الأُخرى أن يعمل كلّ منّا على استنقاذ أيّ نفس بشرية يستطيع استنقاذها من حمأة النواصب أو حمأة أعداء أهل بيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، كيف نستطيع أن نستنقذ هؤلاء؟
    يا أخي الحبيب ، يا إبني الحبيب ، أنتم أطباء هذه الأُمة ، أنتم حزب محمد وعلي والحسن والحسين ( عليهم السلام ) ، فلا تطغوا قلوبكم على غضب يجعلكم تقابلوا الحمق بالحمق ولا السيئة بالسيئة ، أنتم أطباء ، وكلّ من لا يؤمن بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) مريض ، وهؤلاء مرض بعضهم عضال وبعضهم مرضه بسيط ، فما دور الطبيب مع المريض ، هل يبادله غضباً بغضب وقسوة بقسوة ، أم يبادله رفقاً؟
    لعلّ الله أن يستنقذ بك نفساً ، فإذا كان الإمام صلوات الله عليه يخاطبه رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « يا علي لئن يهدي الله على يديك رجلا خير لك ممّا طلعت عليه الشمس » (1) .
    الإمام الذي أوتي فعلا من فضل الله خيراً مما طلعت عليه الشمس ، فما بالنا نحن؟
    نريد أن تكون رسالتنا في دعوة الآخرين مصحوبة بالرحمة ، نحن أحباب النبي الرؤوف الرحيم ، نحن أحباب علي
1 - المستدرك على الصحيحين : 3 / 598 ، مجمع الزوائد : 5 / 334 ، وانظر : المعجم الكبير : 1 / 332 ، كنز العمال : 13 / 107.

(104)
الذي أبت عليه عاطفته وإنسانيته ونبله ونبض الوحي في عروقه واتّباعه لمنهج نبيّه وحبيبه وأخيه ، أبت عليه أن يبادل بني أمية يوم صفين عدواناً بعدوان ، منعوه من مورد الماء ، فلمّا أزاحهم عنه وأصبح المورد في يده أتاح لهم أن يشربوا! لأنّه رؤوف رحيم.
    ولذلك يا أحباب ، إذا اعتصمنا بإصلاح أنفسنا والرفق في دعوة غيرنا والصبر على ما نلقى في دعوتنا وبذل ما نستطيع ، فإن شاء الله سيكتب الله لنا أن نكون من الممهدين لولي العصر صلوات الله عليه ، وقد بدأت يا أحباب تباشير الظهور.

    وأختم بهذه القضية التي شغلتني ، وهي تباشير الظهور في المخترعات الحديثة التي ترونها الآن :
    الدنيا أرقام ، وكلّ رقم يحرك طاقة عجيبة ، فالأنترنت والتلفاز .. أزرار وأرقام وحروف إلاّ أنّ ذلك أعادني إلى مزيد من التأمّل في فواتح السور التي استهلت بحروف : الم ، المر ، المص ، حمعسق ... هذه الحروف التي ذهب المتأوّلون في شأنها مذهباً صحيحاً في حدود ما فُهم منها ، وهو أنّها إشارة إلى إعجاز القرآن المكوّن من هذه الحروف التي يتخاطب بها العرب ، وهذا معنىً يصح في وقت نزول القرآن بين الأعراب ، لكن نحن اطّلعنا أنّه في


(105)
حياة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) جرت الواقعة الآتية.
    فأسأل الله أن يكون السادة العلماء الحاضرون معي بأذهانهم ليحقّقوها ، لأنّ معلوماتي ضعيفة ، ولذلك لمّا أكون بينهم أتكلم بجرأة ليصوّبوني.
    الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لمّا هاجر إلى المدينة ودعى اليهود إلى اتّباعه والشهادة له بأنّه رسول الله ، قال أحدهم لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ألست الذي أُنزل عليك : الم؟
    قال : بلى.
    قالوا : أفنترك موسى من أجل نبيٍّ مدة بعثته هي عدد حروف الجمل : ل ـ ( الم ) ؟.
    هم فهموا أنّ هذا الخطاب يرمز إلى عدد الحروف ، حساب الجمل القائم على عدّ أرقام لكلّ حرف الذي تقوم عليه الأبجدية الرقمية : أبجد هوّز حطّي كلمن.
    فقالوا : ألست الذي أُنزل عليه : الم ، فهذه حسبتها في سنين! نترك موسى لكي نتّبع نبياً هذه مدته؟!
    فقال لهم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ولكنّي أُنزل عليّ ... ، وعدّد لهم كل حروف فواتح السور التي أُنزلت عليه (1) ، ممّا يشير إلى أنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من حيث المبدأ قبل أن يكون هناك معنىً للحروف غير المعنى
محاضرات عقائدية ::: فهرس